Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزهراء (مدينة بالأندلس)

الكاتب

أ.د/ طه عبد المقصود عبد الحميد

الزهراء (مدينة بالأندلس)

تمثل مدينة الزهراء درة العمارة الإسلامية في الأندلس، إذ أبدع الخلفاء الأمويون في تخطيطها وبنائها؛ لتكون مركزًا للحكم والخلافة والفنون، أضفت فخامتها، وروعة زخارفها، بُعدًا حضاريًا لا يضاهي في الغرب الإسلامي، وأصبحت رمزًا للفخامة، والتقدم العمراني خلال القرن العاشر الميلادي.

نشأة مدينة الزهراء بالأندلس

مدينة الزهراء: مدينة أندلسية، أنشأها الخليفة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن (الداخل)، الأموي، الأندلسي، الملقب بالناصر لدين الله (٣٠٠- ٣٥٠هـ/٩١٢- ٩٦١م). بدأ العمل في بنيانها أول المحرم سنة (٣٢٥هـ/ نوفمبر ٩٣٦م)، واستمر البناء أربعين عامًا (خمسة وعشرين سنة إلى وفاة الناصر، ثم طيلة عهد ابنه الحكم المستنصر، أي إلى سنة ٣٦٥هـ / ٩٧٦م حتى استكملت مرافقها الفخمة وقصورها العظيمة، وتضم - إلى جانب قصر الخلافة - بيوتًا لرجال الحكومة والبلاط، ومساكن للحرس والجند، ومسجدًا للصلاة والتعليم.

 وتقع "الزهراء" على بُعْد خمسة أميال، أو سبعة، إلى الشمال الغربي من مدينة “قرطبة” عاصمة الخلافة، شمالي نهر الوادي الكبير، على بُعد ميلين منه، عند سفح جبل يُقال له “العروس”، في منطقة كانت تعرف بالقنبانية، وقد بُدئ في رصف الطريق الذي يصل “الزهراء” بقرطبة في منتصف شهر رجب من سنة (٣٢٩هـ/ أبريل٩٤١م)، وانتهى العمل فيه بعد سنة واحدة.

تأسيس وبناء المدينة

يروي المؤرخون في أسباب بنائها وتشييدها ما يشبه الأسطورة، فيذكرون- كما في (نفح الطيب) للمقري- أن الناصر ماتت له جارية، وتركت مالًا كثيرًا، وأنه ورث هذا المال، فأمر أن يخصص لافتداء الأسرى المسلمين، فلم يجدوا من الأسرى من يفتدي، فأوحت إليه جاريته "الزهراء" - وكان مغرمًا بها- أن ينشئ بهذا المال مدينة تسمى باسمها، فشرع في بناء المدينة.

والواقع أن عبد الرحمن الناصر كان معروفًا بشغفه بالبناء والعمارة، وتم في عهده أروع ما عرفت الأندلس من قصور ومساجد، ويصفه لسان الدين بن الخطيب بقوله:" كانت همته في البناء طامحة فوق همم الملوك، ثم إن الناصر أراد أن يخلد اسمه في التاريخ، ونسبت إليه في ذلك أبيات من الشعر، يقول فيها:

هِممُ الملوك إذا أرادوا ذكرها

من بعدهم فبألْسُنِ البنيان

إن البناء إذا تعاظم قدرُه

أضحى يدلُّ على عظيم الشأن

يضاف إلى ذلك بواعث الملك والسياسة، حيث نقل الناصر نظام الحكم من الإمارة إلى الخلافة، وأراد أن يقيم مدينة جديرة بهذا الاسم، خاصة وأن قصر الإمارة بقرطبة كان قد قدم عليه العهد، ولم تعد أعمال التجديد والتعمير فيه تسمح بإشباع نزعة الناصر إلى مظاهر الفخامة- كما أن مدينة قرطبة كانت مكتظة بمعاهدها ودورها وطرقها الزاخرة وسكانها الخمسمائة ألف، وأصبحت تضيق بما يتطلبه ملك عظيم كملك الناصر لدين الله من استكمال الفخامة الملوكية، والقصور والميادين والرياض الشاسعة، ومن هنا- وبعد أن بلغ الناصر ما أراد من توطيد ملكه، والقضاء على أعدائه في الداخل والخارج- رأى أن يقيم في جوار قرطبة ضاحية ملوكية عظيمة، فكانت هي الزهراء.

وقد عهد الناصر إلى ولده وولي عهده الحكم (المستنصر) بالإشراف على تنفيذ هذا المشروع الكبير فحشد له أمهر المهندسين والصناع والحرفيين من سائر الأنحاء، لا سيما من بغداد والقسطنطينية، وكان المهندس المقيم -أو العريف- هو مسلمة بن جعفر الإسكندراني، وعثر في أطلال دار الملك في مدينة الزهراء- وهو قصر الخليفة الناصر- على نقوش كتابية حُفِرَت عليها أسماء بعض العمال، وكان يشتغل في حقل البناء ثلاثمائة من حُذاق البُناة، ومائتان من النجارين، ومن العمال والفَعلة خمسمائة، بالإضافة إلى عشرة آلاف رجل من الخدام والفَعلة كان منهم في كل يوم من له درهم ونصف، ومن له الدرهمان والثلاثة، وكانت تستخدم فيها في كل يوم ألف وخمسمائة دابة.

وقيل إن مبلغ ما أنفق في بناء الزهراء مئة مُدْى من الدراهم القاسمية بكيل قرطبة، وأن الناصر كان يخص المدينة بثلث إيرادات الدولة السنوية، أو ما يعادل مليونًا وثمانمائة ألف دينار سنويًا، وكان يصرف في بنائها كل يوم ستة آلاف صخرة من الصخر المنحوت، سوى الأجُر والصخر غير المعدّل، وأربعمائة حِمْل من الجير والجَص، وجُلب إليها الرخام من قرطاجنة إفريقية وتونس، وكان الناصر يدفع عشرة دنانير ثمنًا عن كل رخامة صغيرة وكبيرة، سوى ما كان يلزم على قطعها وصَقْلها ومؤنة حملها، وكان عدد سواري الزهراء وهي الأعمدة- أربعة آلاف وثلاثمائة وأربعًا وعشرين سارية، منها: ألف سارية وثلاث عشرة سارية مجلوبة من إفريقية، وتسع عشرة سارية من بلاد الفرنج، ومئة وأربعون سارية هدية من إمبراطور بيزنطة وسائرها من مقاطع الأندلس، طرَّكُونة وغيرها، وكان عدد أبواب المدينة خمسة عشر بابًا، وعدد الحمامات ثلاثمائة، وعدد الدور أربعمائة، وقد ملأت الأبنية الطرق بعد ازدهار المدينة، وكان الناس يتسارعون إلى بناء الديار؛ لأن الناصر كان يمنح إعانة قدرها أربعمائة درهم لكل من يبني دارًا بجواره.

وتحتل مدينة الزهراء مساحة كبيرة؛ فكانت تشغل مسطحًا قدره- كما سجل ابن حيان مؤرخ الأندلس- تسعمائة وتسعون ألف ذراع، ونقل الدكتور/ أحمد فكري في كتابه (قرطبة في العصر الإسلامي) أن مساحتها تبلغ مليونًا وثلاثين ألفًا من الأمتار المربعة(١٠٣٠٠٠٠م)، أي ما يقرب من مائتين وخمسين فدانًا، وتمتد حدودها على هيئة شبه مستطيل، طوله من الشرق إلى الغرب (٢٧٠٠) ذراعًا، أو (١٥١٨) مترًا، وكانت الحدود الشرقية والجنوبية والغربية ترسم خطوطًا مستقيمة، أما الحدود الشمالية فكانت تنحني انحناءات فرضتها مرتفعات جبال العروس، ولذا السبب اختلف عرض المدينة من الشمال إلى الجنوب، فكان أقصاه (١٥٠٠) ذراعًا أو (٧٤٥) مترًا عند كل من الطرفين الشرقي والغربي، وكان أقله (٩٩٠) ذراعًا أو (٦٠٠) مترًا فيما بين وسطي حدودها الشمالية والجنوبية.

ويطول المقام بذكر التفاصيل عن تخطيط المدينة ومبانيها، ونكتفي هنا بالقول: إن مدينة الزهراء كان يحيط بها سوران متوازيان، بينهما ممر، فيما عدا القسم الأوسط من السور الشمالي، فكان السور فيه منفردًا، وتحفُّ بالأسوار أبراج في بعض أجزاء منها.

التخطيط المعماري وأهم المعالم

كانت المدينة العظيمة تشمل ثلاثة أقسام، أو ثلاث مدرجات، مدينة فوق مدينة، سطح الثلث الأعلى يوازي الجزء الأوسط، وسطح الثلث الأوسط يوازي الثلث الأسفل، وكل ثلث منها له سور، وكان القسم الأعلى يشمل القصور، ويقصر الوصف عن صفاتها، وكانت البساتين والروضات تمتد في القسم الأوسط، أما القسم الأدنى فكانت تتجمع فيه الديار.

وينقل المقري عن ابن الفرضي أن مسجد الزهراء بُني واستتم بنيانه وإتقانه في مدة ثمانية وأربعين يومًا، ويقع شرقي المدينة الوسطى من الزهراء، وكان يعمل فيه كل يوم ألف من حذاق العمال والصناع، منهم ثلاثمائة بنَّاء، ومائتا نجار، وخمسمائة من الأجراء وسائر الصناع، وكان طول المسجد من القبلة إلى الجوف -سوى المحراب - نيف وسبعون ذراعًا، وعرضه من الشرق إلى الغرب تسع وخمسون ذراعًا، وكان مزودًا بعُمُد وقباب فخمة ومنبر بديع في غاية الحسن والإتقان، وكان فناؤه مفروشًا بالرخام، وفي وسطه فوارة تندفع منها المياه، وكان له صومعة، عرضها عشرة أذرع في مثلها، وطولها في الهواء أربعون ذراعًا، أما عن بناء الزهراء فكان في غاية الإتقان والحسن، وكانت من عجائب أبنية الدنيا، وأول ما يُلاحظ من مشاهدة أطلالها - كما يقول الأثريون في وصفها - تلك العناية الفائقة التي بذلت في انتقاء مواد البناء وصقلها ورصها وتنظيمها وهندمتها، لا بالنسبة لحسن مظهرها فحسب، بل إحكاما لتماسكها وضمانًا لطول عمرانها، ولم تكن "الزهراء" منظرًا عابرًا لفترة من الزمن، أو لجيل من الأجيال، بل كانت بناء أريد له البقاء، وليس أدلَّ على ذلك من أن جدرانها بُنيت بنيان القلاع، إذ بلغ سمكها مترًا أو يزيد، بالرغم من قلة ارتفاعها، وتبدو العناية الفائقة في انتقاء مواد البناء مما عُثر عليه من قطع الحجارة التي أسماها المؤرخون الصخر المنحوت.

وقد استُعمل الرخامُ بكثرة في البناء وفي كل مكان؛ سواء القصور أو المجالس أو المناظر أو الأسطح أو الأرصفة والممرات، ومنه قطع صغيرة، ومعظمه قطع كبيرة مربعة، ضلع الواحدة متر، ومنه أرضية فرشت، أو كسوة ألصقت بالجدران، ومنه عتبات أبواب، وإطارات، وأفاريز، ولوحات منحوتة بشتى الزخارف، وكذلك استخدم الآجُرّ في مناطق، واعتُنى بصُنْعه وحرقه وتنظيمه، واتخذ عنصرًا في بناء العقود مما يزيدها بهاء وجمالًا وروعة.

واعتُنى بانتقاء أخشاب الأسقف عناية لا تقل عن العناية بانتقاء بقية المواد، وكانت معظمها من خشب الصنوبر، وجميعها محلاة بالزخارف المنحوتة الملونة، وكانت معظم السُّقُف خشبية، فيما عدا - بعض الممرات، أما الأعمدة - وهي التي يسميها الرواة "السَّواري"- فقد استخدمت بكثرة في البناء، وكانت جميعها من الرخام المجزع، انسيابية، كأنما أفرغت في القوالب، وبعضها -كما ذكر الرواة- مجلوب من إفريقية، وبعضها من بلاد الإفرنج، ومن بيزنطة.

وتستمد مدينة الزهراء بهاءها من تناسق كل مجموعة من مجموعات مبانيها وتناسب أجزائها تناسبًا يجتذب الأنظار ويبهرها، وتكتسب فخامتها من كثرة الزخارف وتنوعها، واحتشادها في كل مكان، ما بين مرمر مسنون، وذهب مصون، ونقوش كالرياض مستوحاة من الأزهار والأوراق والأغصان.

ومن أفخم أبنية الزهراء: القصر المنيف الذي أنشأه عبد الرحمن الناصر، وتم بناؤه فيما بين سنتي (٤٢ ٣هـ / ٩٥٣م) و (٣٤٥ /٩٥٦م) كما هو مُسجل على النقوش التي عُثر عليها في موقع هذا القصر، ولم يدخر الناصر وسعًا في تنسيقه وتنميقه وزخرفته، حتى غدا تحفة رائعة الفخامة والجلال، وأنشأ فيه مجلسًا ملوكيًا جليلًا عرف بقصر الخلافة، أو "دار الملك"، صُنعت جدرانه من الرخام المزين بالذهب، وفي كل جانب من جوانبه ثمانية أبواب، قد انعقدت على حنايا (عُقود) من العاج والأبنوس المرصَّع بالذهب والجوهر، وزُينت جوانبه بالصور البديعة، وفي وسطه صهريج عظيم مملوء بالزئبق، وكانت الشمس إذا أشرقت على ذلك المجلس انعكست أشعتها على مرآة الزئبق، فتحدث بريقًا يخطف الأبصار، ويأخذ بمجامع القلوب، وقد زوَّد الخليفة الناصر مقامه في قصر الزهراء- وهو الجناح الشرقي المعروف بالمؤنس- بأنفس التحف والذخائر، ونصب فيه الحوض الذي أهدى إليه من قيصر "القسطنطينية" وهو منقوش بالذهب، جلبه من هنالك إليها ربيع الأسقف وكان عبرة لمتأمله كما يقول لسان الدين بن الخطيب.. إلى غير ذلك من الأوصاف العجيبة التي دونها المؤرخون العرب في وصف روائع تلك القصور، وما احتوته من مظاهر الترف والثراء، وقد أثبتت الحفائر الأثرية لمدينة الزهراء، صدق هذا الوصف، فكشفت عن قطع من أجمل ما أبدعه فن النحت في الرخام والجصّ في الأندلس.

جدير بالذكر أن عبد الرحمن الناصر - قد انتقل إلى مدينته الملوكية الجديدة (سنة ٣٢٩هـ/٩٤٠م) ولما يكتمل بناؤها، وفي سنة (٣٣٦هـ/ ٩٤٧م) نقل إليها دار السكة، ودار الصناعة، وفي سنة (٣٤٠هـ/٩٥١م) نقل إليها الدواوين والخزائن والمُطْبق (السجن)، وكان الناصر قد أقام في الزهراء (سنة ٣٣٣هـ/٩٤٤م) حفلًا عظيمًا لختان أولاد ابنه، واستقبل في السنة نفسها وفد الأدارسة (ودولتهم في المغرب الأقصى) برئاسة محمد بن أبي العيش، وقعد له أفخم قعود في قصر الزهراء، واستقبل في السنة التالية أو في سنة (٣٣٦هـ / ٩٤٧م) سفارة امبراطور بيزنطة، واستقبل بها مرة ثانية في السنة التالية وفد الأدارسة، وتوالت السفارات في السنوات التالية، وكان آخرها في سنة (٣٤٧هـ/٩٥٨م) سفارة على رأسها ملكة "البشكُنس" (طوطة) وابنها (شانجة)، ويقع إقليم البشكنس في الشمال الشرقي من أسبانيا، على مقربة من جبال البرتات (البرانس).

وقد ظَّلت الزهراء في عهد الحكم المستنصر (٣٥٠-٣٦٦هـ/٩٦١-٩٧٦م) مسرحًا؛ للأعياد والحفلات والاستقبالات، ومن ذلك الاحتفال ببيعته نفسه يوم وفاة أبيه، وحفلات استقبال الملك "أردون الرابع"، واستقبال السفارات الوافدة من ملوك البَشْكُنس، وبَرْشلونة، وجلِّيقية، وقشتالة، ومن أمراء المغرب، وكان الناصر كما كان الحكم المستنصر بالله - يتخذان من "الزهراء" مقامًا لهما، ومقرًا لدولتهما، ولا يتوجهان إلى قرطبة؛ إلا لاستطلاع أعمالهما في المسجد الجامع، وقد زاد الحكم المستنصر في عمارة الزهراء، وأغلب الظن - كما يقول الدكتور أحمد فكري - أنه شيد قصرين في المدينة العليا، أحدهما في أقصى الشرق، والآخر في أقصى الغرب.

ولا ريب في أن فخامة مدينة الزهراء كانت تبهر السفراء الذين قدموا إليها، وكانت الدهشة تأخذ هؤلاء السفراء من مشاهدة المرافق الصحية والحمامات العامة بالمدينة؛ لأنهم لم يشاهدوا نظيرًا لهذه المدينة في بلادهم، إذ لم تكن قصور أوروبا جميعًا ولا مدنها تعرف حينذاك مثل هذا النظام المحكم لتلك المرافق، وقد سجَّل العلامة الأثري الأسباني "توريس بلباس" في كتابه (مسجد قرطبة والزهراء) قوله: ليس في عواصم العالم الأوروبي بناءٌ يُقارن - حتى من بَعْدُ بفخامة بناء مدينة الزهراء، تلك المدينة التي خُلقت كأنها أُعجوبة، كما أنه سجل ما سجله ابن بَشْكُوال من قبل ذلك بثمانمائة سنة - ونقله عنه المقّري في كتابه (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) من أنَّ الرحَّالة من مختلف الأقطار قد أكدوا -هم والأمراء والسفراء والتجار والحُجاج والكهنة والشعراء- أنهم لم يروا قطُ أثناء رحلاتهم مدينة مثل مدينة الزهراء التي يتعدى وصفها حدود الخيال.

اندثار المدينة وأثرها التراثي

لم تعمر "الزهراء" طويلًا كقاعدة ملوكية، فقد لبثت قاعدة الملك والخلافة زهاء أربعين سنة فقط منذ أن نزلها الناصر (٢٩ ٣هـ /٩٤٠م) حتى نهاية عصر الحكم المستنصر (٣٦٦هـ/ ٩٧٦م)، والسبب يعود إلى أن الوزير محمد بن أبي عامر (الملقب بالحاجب المنصور) استطاع أن يتغلب على الدولة، وأن يحجر على الخليفة الأموي هشام المؤيَّد (ابن الحكم المستنصر) ، ثم رأى أن ينقل قاعدة الحكم إلى ضاحية ملوكية جديدة، أنشأها لنفسه شرقي قرطبة (سنة ٣٦٨ هـ/٩٧٨م) على نهر الوادي الكبير، وسماها "الزهراء"، ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة ودور الحكومة، ومن ذلك الحين فقدت الزهراء مكانتها السياسية وهيبتها الملوكية، وبدأ شأنها في الاضمحلال والأُفول.

ومع بداية الفتنة الكبرى والمحنة العظمى (سنة ٤٠٠هـ/١٠١٠م) التي انتهت بسقوط الخلافة الأموية والدولة العامرية معًا (سنة ٤٢٢هـ/ ١٠٣١ م) وتمزَّقت بعدها وحدة الأندلس الإسلامية إلى إمارات وطوائف عديدة - زحفت حشود البربر- بعيالهم وذراريهم- بقيادة سليمان المستعين بالله (الأموي) إلى قرطبة العاصمة لانتزاعها من الخليفة هشام المؤيد والفتى واضح المتغلب عليه، ونزلوا مدينة الزهراء؛ ليتخذوها قاعدة للإغارة على قرطبة، فلما خرج المستعين من قرطبة منهزمًا (في شوال من السنة نفسها (٠٠ ٤هـ /مايو ١٠١٠م) هجم عامة قرطبة على الزهراء، فنهبوا ما وجدوا فيها من آلات البربر، وقتلوا من وجدوا بها ودخلوا الجامع، ونهبوا حُصُرَه وقناديله ومصاحفه، وسلاسل قناديله، وصفائح أبوابه (كما يقول ابن عذاري في البيان المغرب)، ولا شك في أنهم نهبوا كذلك كثيرًا مما كانت تحويه قصورها.

وفي ربيع الأول من السنة التالية (٤٠١هـ /نوفمبر ١٠١٠م) عاد البربر فاحتلوا الزهراء، وبقوا بها سبعة أشهر وقتلوا حاميتها، وعند رحيلهم عنها - كما يقول ابن عذاري في (البيان المغرب) - جعلوا يغيرون على أدنى البلد وأقصاه، ينهبون ويخربون ويقتلون، وعاثوا فسادًا في قصورها ودورها، وأضرموا فيها النيران.

وبعد ذلك بسنتين - أي في سنة (٤٠٣هـ/٢ ١٠١م) - عاد سليمان المستعين إلى الزهراء بجنده البربر، واحتلوا المدينة، ومنذ ذلك التاريخ ظلت مهملة حتى كانت أيام الخليفة المستكفي بالله، وفي سنة (٤١٥هـ/١٠٢٤م)- كما يؤرخ ابن عذاري- "استؤصلت قصور جدّه الناصر بالخراب، وطمست أعلام قصر الزهراء، فطوى بخرابها بساطُ الدنيا وبتغيُّرها تغير حسنها "، ثم تولى بيع موادها من رفيع المرمر، ونضار الخشب، وخالص النحاس، وصافي الحديد: رجل اسمه "ابن باشه"، كان قد جلبه ابن السقاء مدبر قرطبة، في أوائل دولة بني جهور، حوالي سنة (٤٢٣ هـ / ٣ ٣ ٠ ١ م)، وابن باشه هذا هو من يسميه ابن بسام هدَّام القصور ومُبِّور المعمور.

وهكذا صارت الزهراء أطلالًا دارسة، وفيها يقول الشاعر السميسر:

وقفتُ بالزهراء مستعبرًا

معتبرًا أندب أشتاتًا

فقلت: يا زهرًا ألا فارجعي

قالت: وهل يرجع من ماتا؟!

فلم أزل أبكي وأبكي بها

هيهات يغني الدمع هيهاتًا

وقد جاء ذكر الزهراء في وصف ليلة من الليالي قضاها فيها المعتمد بن عبّاد- أحد ملوك الطوائف - ومعه نفر من أصحابه ووزرائه (حوالي سنة ٤٦٧هـ/١٠٦٥م) إذ قيل: إنها كانت -كما ينقل الفتح بن خاقان في (قلائد العقيان)- قد مَحَت الحوادث ضياءها ، وقلصت ظلالها وأفياءها... فأضحت ولها تَلَفُّع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلا نُؤَىً وأحجار... وقد وَهَتْ قبابها، وهرم شبابها، ولعل آخر من زار أطلالها من أمراء الأندلس يعقوب المنصور أمير دولة الموحدين، وذلك في سنة (٥٨٦هـ/١١٩٠م)- كما يؤرخ ابن عذاري في البيان المغرب- إذْ أمر هذا الخليفة بإنزال التمثال الذي كان ما زال مقامًا على باب الصورة من أبواب الزهراء، ثم إن جماعة من الرهبان - كما يذكر توريس بلباس في كتابه (قرطبة والزهراء)- اقتلعوا حجارة أطلالها في منتصف القرن الخامس عشر للميلاد ، واستعانوا بها في بناء دير لهم، هو دير بلباريسو.

وقد اندثرت أطلال الزهراء وكَستها الرمال والنباتات، واختفت معالمها تمامًا ، حتى نشط العلماء الأسبان منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد؛ للكشف عن معالمها وآثارها، لما يلقيه هذا الكشف من أضواء هامة على أحوال الخلافة الأندلسية ونظمها الإدارية والاجتماعية، وعلى تطور الفن المعماري الأندلسي في أزهى عصوره، ففي سنة (١٢٦١هـ/ ١٨٤٥م) أكتشف موقع المدينة، وأجريت بها بعض الحفريات السطحية، ثم إنه في سنة (١٣٣هـ - ١٩١٢م) أكتشف العالم الأثري "ريكاردو بلاسكيث بوسكو" بعض أطلالها، وظل يعمل حتى موته سنة ١٣٤٣هـ/١٩٢٤م.

وكان قد نشر نتائج أبحاثه في مجلدين سنة (١٣٤٢هـ/١٩٢٣م)، واستمر التنقيب في موقعها بعد ذلك على فترات متقطعة إلى سنة (١٣٦٣هـ/ ١٩٤٤م) بإشراف الدكتور "كاستيخون" والمهندس العالم الأثري "فيليث إرنانديث"، ثم استُؤنفت أعمال الحفر والتنقيب بصورة أكثر اتصالًا منذ تلك السنة، وأخذت معالم المدينة- أي أسس أبنيتها - تظهر سنةٌ بعد أخرى تدريجيًا، وكان آخر ما أكتشف فيها هو المسجد الجامع سنة (١٣٨٤هـ/ ١٩٦٤م)، والساباط ودار الرخام سنة (١٣٨٥هـ/ ١٩٦٥م)، واعتنى في تلك الفترة كذلك بإعادة بناء بعض الجدران والأسوار الضخمة، والدعامات التي تسند سطح القبلة، وقد حاول علماء الآثار بإشراف الأستاذ "فيليث إرنانديث" إعادة بناء مجلس عبد الرحمن الناصر، أو دار الملك، وإعادة زخارفه العتيقة، بالاستعانة بالأنقاض التي كانت متراكمة في موقعه.

وبالرغم من أن جهود اللجان الأثرية المتعاقبة التي اضطلعت بهذا العمل لم تكن متواصلة أو ذات نطاق واسع فقد استطاع الأثريون الأسبان أن يكشفوا عن كثير من معالم الزهراء ومواقع صروحها وأبهائها الملوكية، ولعل الحفائر المستقبلة تكشف لنا عن معالم كثيرة أخرى من ضروب الفخامة والجلال التي كانت تتسم بها تلك المدينة.


مصادر ومراجع للاستزادة:

لمزيد من التفاصيل عن مدينة الزهراء والاكتشافات الأثرية لمعالمها انظر:

  • محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس (ج۲: الخلافة الأموية والدولة العامرية ص ٤٣٥ - ٤٤٥)، (ج ٢: الآثار الأندلسية الباقية في أسبانيا والبرتغال، ص ٣٥ -٤٤)، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة الأعمال الفكرية، مكتبة الأسرة، ٢٠٠١م.
  • د. أحمد فكري: قرطبة في العصر الإسلامي تاريخ وحضارة، ص ۲۰۱- ۲۳۸، ط: مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية (د.ت).
  • د. السيد عبد العزيز سالم: في تاريخ وحضارة الإسلام في الأندلس ص ٤٤ - ٥٠، ط: مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية ١٩٨٥م.
  • د. السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس (من الفتح العربي حتى سقوط الخلافة بقرطبة) - ص ٤٠٧ - ٤١١ - ط: مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية ١٩٦١م.
  • د. حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص ٣٧٤- ۳۷۷، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة ٢٠٠٤م.

ومن المصادر:

  • ابن عذاري المراكشي أبو عبد الله محمد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب حققه بروفنسال وآخرون ط بيروت دار الثقافة ۱۹۸۳م.
  • المقري: أحمد بن محمد بن أحمد المقري التلمساني (ت (١٠٤١هـ): نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - تحقيق إحسان عباس ط دار صادر، بيروت ١٤٠٨هـ / ١٩٨٨م.
  • لسان الدين بن الخطيب السلماني الغرناطي (ت ٧٧٦ هـ): أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام- تحقيق وتعليق ليفي بروفنسال، ط: دار الكشوف، بيروت، الطبعة الثانية ١٩٧٦م.
  • ومن أوفى البحوث التي كتبها الأسبان عن مدينة الزهراء: الفصل الذي خصصه توريس بلباس في القسم الخاص بالفن الإسلامي من الجزء الخامس من كتاب تاريخ أسبانيا - صفحات ٤٢٣ - ٤٦٣).

الخلاصة

مدينة الزهراء هي مدينة أندلسية أنشأها الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله عام (٩٣٦م) قرب قرطبة؛ لتكون ضاحية ملوكية فخمة تضم قصوراً ومسجدًا ومرافق واسعة، وتميزت بفخامتها المعمارية وزخارفها الفريدة، استمرت أهميتها أربعين عامًا حتى بدء انحطاطها بعد انتقال مركز الحكم إليها وزحف البربر عليها في أوائل القرن الحادي عشر، ما أدى إلى تدهورها واندثارها، اكتُشفت أطلالها في القرن التاسع عشر وأُجريت بها حفريات أثرية مهمة أظهرت عظمة حضارتها وتطور فنون البناء فيها.

موضوعات ذات صلة

فتح المسلمون هذه البلاد بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة (٩٢ هـ-٧١١م).

آخر ما تبقى من دولة المسلمين في الأندلس.

سكان المغرب الأصليون، الذين عُرفوا عبر التاريخ بـالبربر.

موضوعات مختارة