لم تعمر "الزهراء"
طويلًا كقاعدة ملوكية، فقد لبثت قاعدة الملك والخلافة زهاء أربعين سنة فقط منذ أن
نزلها الناصر (٢٩ ٣هـ /٩٤٠م) حتى نهاية عصر الحكم المستنصر (٣٦٦هـ/
٩٧٦م)، والسبب يعود إلى أن الوزير محمد بن أبي عامر (الملقب بالحاجب
المنصور) استطاع أن يتغلب على الدولة، وأن يحجر على الخليفة الأموي هشام المؤيَّد
(ابن الحكم المستنصر) ، ثم رأى أن ينقل قاعدة الحكم إلى ضاحية ملوكية جديدة،
أنشأها لنفسه شرقي قرطبة (سنة ٣٦٨ هـ/٩٧٨م) على نهر الوادي الكبير، وسماها "الزهراء"،
ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة ودور الحكومة، ومن ذلك الحين فقدت الزهراء
مكانتها السياسية وهيبتها الملوكية، وبدأ شأنها في الاضمحلال والأُفول.
ومع بداية الفتنة
الكبرى والمحنة العظمى (سنة ٤٠٠هـ/١٠١٠م) التي انتهت بسقوط الخلافة الأموية
والدولة العامرية معًا (سنة ٤٢٢هـ/ ١٠٣١ م) وتمزَّقت بعدها وحدة الأندلس الإسلامية
إلى إمارات وطوائف عديدة - زحفت حشود البربر- بعيالهم وذراريهم- بقيادة سليمان
المستعين بالله (الأموي) إلى قرطبة العاصمة لانتزاعها من الخليفة هشام
المؤيد والفتى واضح المتغلب عليه، ونزلوا مدينة الزهراء؛ ليتخذوها
قاعدة للإغارة على قرطبة، فلما خرج المستعين من قرطبة منهزمًا (في شوال من
السنة نفسها (٠٠ ٤هـ /مايو ١٠١٠م) هجم عامة قرطبة على الزهراء، فنهبوا ما
وجدوا فيها من آلات البربر، وقتلوا من وجدوا بها ودخلوا الجامع، ونهبوا حُصُرَه
وقناديله ومصاحفه، وسلاسل قناديله، وصفائح أبوابه (كما يقول ابن عذاري في
البيان المغرب)، ولا شك في أنهم نهبوا كذلك كثيرًا مما كانت تحويه قصورها.
وفي ربيع الأول من السنة التالية (٤٠١هـ /نوفمبر ١٠١٠م)
عاد البربر فاحتلوا الزهراء، وبقوا بها سبعة أشهر وقتلوا حاميتها،
وعند رحيلهم عنها - كما يقول ابن عذاري في (البيان المغرب) - جعلوا يغيرون
على أدنى البلد وأقصاه، ينهبون ويخربون ويقتلون، وعاثوا فسادًا في قصورها ودورها،
وأضرموا فيها النيران.
وبعد ذلك بسنتين - أي في سنة
(٤٠٣هـ/٢ ١٠١م) - عاد سليمان المستعين إلى الزهراء بجنده البربر،
واحتلوا المدينة، ومنذ ذلك التاريخ ظلت مهملة حتى كانت أيام الخليفة المستكفي
بالله، وفي سنة (٤١٥هـ/١٠٢٤م)- كما يؤرخ ابن عذاري- "استؤصلت قصور
جدّه الناصر بالخراب، وطمست أعلام قصر الزهراء، فطوى بخرابها بساطُ الدنيا
وبتغيُّرها تغير حسنها "، ثم تولى بيع موادها من رفيع المرمر، ونضار الخشب،
وخالص النحاس، وصافي الحديد: رجل اسمه "ابن باشه"، كان قد جلبه ابن
السقاء مدبر قرطبة، في أوائل دولة بني جهور، حوالي سنة (٤٢٣ هـ / ٣ ٣ ٠ ١ م)،
وابن باشه هذا هو من يسميه ابن بسام هدَّام القصور ومُبِّور
المعمور.
وهكذا صارت الزهراء أطلالًا دارسة، وفيها يقول
الشاعر السميسر:
وقفتُ بالزهراء مستعبرًا
معتبرًا أندب أشتاتًا
فقلت: يا زهرًا ألا فارجعي
قالت: وهل يرجع من ماتا؟!
فلم أزل أبكي وأبكي بها
هيهات يغني الدمع هيهاتًا
وقد
جاء ذكر الزهراء في وصف ليلة من الليالي قضاها فيها المعتمد بن عبّاد-
أحد ملوك الطوائف - ومعه نفر من أصحابه ووزرائه (حوالي سنة ٤٦٧هـ/١٠٦٥م) إذ قيل:
إنها كانت -كما ينقل الفتح بن خاقان في (قلائد العقيان)- قد مَحَت
الحوادث ضياءها ، وقلصت ظلالها وأفياءها... فأضحت ولها تَلَفُّع واعتجار، ولم يبق
من آثارها إلا نُؤَىً وأحجار... وقد وَهَتْ قبابها، وهرم شبابها، ولعل آخر من زار أطلالها
من أمراء الأندلس يعقوب المنصور أمير دولة الموحدين، وذلك في سنة
(٥٨٦هـ/١١٩٠م)- كما يؤرخ ابن عذاري في البيان المغرب- إذْ أمر هذا الخليفة
بإنزال التمثال الذي كان ما زال مقامًا على باب الصورة من أبواب الزهراء،
ثم إن جماعة من الرهبان - كما يذكر توريس بلباس في كتابه (قرطبة والزهراء)-
اقتلعوا حجارة أطلالها في منتصف القرن الخامس عشر للميلاد ، واستعانوا بها في بناء
دير لهم، هو دير بلباريسو.
وقد اندثرت أطلال
الزهراء وكَستها الرمال والنباتات، واختفت معالمها تمامًا ، حتى نشط
العلماء الأسبان منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد؛ للكشف عن معالمها
وآثارها، لما يلقيه هذا الكشف من أضواء هامة على أحوال الخلافة الأندلسية
ونظمها الإدارية والاجتماعية، وعلى تطور الفن المعماري الأندلسي في أزهى عصوره، ففي
سنة (١٢٦١هـ/ ١٨٤٥م) أكتشف موقع المدينة، وأجريت بها بعض الحفريات السطحية، ثم
إنه في سنة (١٣٣هـ - ١٩١٢م) أكتشف العالم الأثري "ريكاردو بلاسكيث بوسكو"
بعض أطلالها، وظل يعمل حتى موته سنة ١٣٤٣هـ/١٩٢٤م.
وكان قد نشر
نتائج أبحاثه في مجلدين سنة (١٣٤٢هـ/١٩٢٣م)، واستمر التنقيب في موقعها بعد ذلك
على فترات متقطعة إلى سنة (١٣٦٣هـ/ ١٩٤٤م) بإشراف الدكتور "كاستيخون"
والمهندس العالم الأثري "فيليث إرنانديث"، ثم استُؤنفت أعمال
الحفر والتنقيب بصورة أكثر اتصالًا منذ تلك السنة، وأخذت معالم المدينة- أي أسس
أبنيتها - تظهر سنةٌ بعد أخرى تدريجيًا، وكان آخر ما أكتشف فيها هو المسجد
الجامع سنة (١٣٨٤هـ/ ١٩٦٤م)، والساباط ودار الرخام سنة (١٣٨٥هـ/
١٩٦٥م)، واعتنى في تلك الفترة كذلك بإعادة بناء بعض الجدران والأسوار الضخمة،
والدعامات التي تسند سطح القبلة، وقد حاول علماء الآثار بإشراف الأستاذ "فيليث
إرنانديث" إعادة بناء مجلس عبد الرحمن الناصر، أو دار الملك،
وإعادة زخارفه العتيقة، بالاستعانة بالأنقاض التي كانت متراكمة في موقعه.
وبالرغم من أن
جهود اللجان الأثرية المتعاقبة التي اضطلعت بهذا العمل لم تكن متواصلة أو ذات نطاق
واسع فقد استطاع الأثريون الأسبان أن يكشفوا عن كثير من معالم الزهراء
ومواقع صروحها وأبهائها الملوكية، ولعل الحفائر المستقبلة تكشف لنا عن معالم كثيرة
أخرى من ضروب الفخامة والجلال التي كانت تتسم بها تلك المدينة.
مصادر ومراجع للاستزادة:
لمزيد
من التفاصيل عن مدينة الزهراء والاكتشافات الأثرية لمعالمها انظر:
- محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس (ج۲: الخلافة
الأموية والدولة العامرية ص ٤٣٥ - ٤٤٥)، (ج ٢: الآثار الأندلسية الباقية في
أسبانيا والبرتغال، ص ٣٥ -٤٤)، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة الأعمال
الفكرية، مكتبة الأسرة، ٢٠٠١م.
- د. أحمد فكري: قرطبة في
العصر الإسلامي تاريخ وحضارة، ص ۲۰۱-
۲۳۸، ط: مؤسسة شباب الجامعة،
الإسكندرية (د.ت).
- د. السيد عبد العزيز سالم: في تاريخ وحضارة الإسلام في الأندلس ص ٤٤ - ٥٠،
ط: مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية ١٩٨٥م.
- د. السيد عبد العزيز سالم:
تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس (من الفتح العربي حتى سقوط الخلافة بقرطبة) - ص
٤٠٧ - ٤١١ - ط: مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية ١٩٦١م.
- د. حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص ٣٧٤- ۳۷۷،
ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة ٢٠٠٤م.
ومن
المصادر:
- ابن عذاري المراكشي أبو عبد الله محمد: البيان المغرب في أخبار
الأندلس والمغرب حققه بروفنسال وآخرون ط بيروت دار الثقافة ۱۹۸۳م.
- المقري: أحمد بن محمد بن أحمد المقري التلمساني (ت (١٠٤١هـ): نفح
الطيب من غصن الأندلس الرطيب - تحقيق إحسان عباس ط دار صادر، بيروت ١٤٠٨هـ /
١٩٨٨م.
- لسان الدين بن الخطيب السلماني الغرناطي (ت ٧٧٦ هـ): أعمال الأعلام فيمن
بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام- تحقيق وتعليق ليفي بروفنسال، ط: دار الكشوف،
بيروت، الطبعة الثانية ١٩٧٦م.
- ومن
أوفى البحوث التي كتبها الأسبان عن مدينة الزهراء: الفصل الذي خصصه توريس
بلباس في القسم الخاص بالفن الإسلامي من الجزء الخامس من كتاب تاريخ أسبانيا -
صفحات ٤٢٣ - ٤٦٣).