Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الـيـقـيـن

الكاتب

أ.د/ عبد الفتاح أحمد الفاوي

الـيـقـيـن

اليقين هو تمام الإيمان بلا شك، وهو أساس العقيدة وركنها الراسخ، بينما الشك ينافي كمالها، وعند الصوفية، ويُعد اليقين مقامًا رفيعًا يتحقق بشهود الحقائق الإلهية بالقلب بعد العلم والدليل.

مفهوم اليقين

اليقين هو: العلم المؤسس على البرهان دون شك، يقال: يقنت الأمر بالكسر يَقِنًا، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كلها بمعنى، وأنا على يقين منه، وربما عبروا باليقين عن الظن، ومنه قول العلماء في اليمين اللغو: هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه.

فأما الظن بمعنى اليقين فقد ورد في التنزيل في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [فُصِّلَت:٢٢]، وقوله: ﴿وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ﴾ [يونس:٢٤] وهو في الشعر كثير [السابق ص١٧٢]، وعكس اليقين الظن، قال تعالى: ﴿فإِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ﴾ [البقرة:٢٣٠] وحدود الله فرائضه، وقد ورد الفعل (ظن) في القرآن الكريم سبع مرات منها قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ﴾ [يونس:٢٤].

وأما مادة (ظن) فقد وردت كثيرًا في القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡ‍ًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ﴾ [يونس:٣٦]، وقال في الظن: ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦]. كما قال: ﴿لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨].

وقال في اليقين: ﴿وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤]. وقال: ﴿تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:١١٨]. وقال في سورة الحجر: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ﴾ [الحِجر:٩٩].

كما قال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:١١٨]؛ أي في اتفاقهم على الكفر.

وكل علم من العلوم قد يتأتى حفظه ونشره لمنافق أو مبتدع أو مشرك إذا رغب فيه وحرص عليه؛ لأنه نتيجة الذهن والعقل إلا علم الإيمان واليقين، فإنه لا يتأتى ظهور مشاهدته والكلام في حقائقه إلا لمؤمن موقن من قبل أن ذلك تقرير مزيد الإيمان وحقيقة العلم والإيقان، فهو آيات الله – تعالى - وعهده عن مكاشفة قدرته وعظمته وآيات الله – تعالى - لا تكون للفاسقين وعهده لا ينال الظالمين، وعظمته وقدرته لا تكون شهادة للزائفين ولا وجدًا للمبطلين؛ إذ في ذلك تهوين لآيات الله وحججه وانتقاص لبراهينه وقدرته ودخول الشك في اليقين الذي هو محجة المخلصين والذين هم بقية الله – تعالى - من عباده واشتباه الباطل وداره بالحق الذي هو وصف أهل الصدق الذين هم أدلة عليه من أهله وداره، وهذا من أدل دليل على فضل علم المعرفة على غيره قال تعالى: ﴿أَوَ لَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ [الشعراء:١٩٧].وقال: ﴿بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ﴾ [العنكبوت:٤٩].

فهؤلاء العلماء الناطقون عن الله - عز وجل - جعل لهم مكانة عنده ولا يكون ذلك لمن ليس أهلًا له ولا جديرًا به؛ لأنهم آيات الله - تعالى - وبيناته وشهوده وبصائره كاشفو طريقته ومظهرو بيانه فنصروه بما نصرهم به وتحققوا إيمانه بما حققهم منه وشهدوا له بما شهد لهم به فكانوا للمتقين إمامًا وإلى الهداية أعلامًا.

وقال بعض أهل المعرفة: من لم يكن له مشاهدة من هذا العلم لم يعر من شرك أو نفاق؛ لأنه عار من علم اليقين ومن عرا من اليقين وجد فيه دقائق الشرك. وقالوا - أيضًا - من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة.

وأدنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله. وقال آخرون: من كان فيه خصلتان لم يفتح له من هذا العلم شيء: بدعة أو كبر، وقالت طائفة من أهل المعرفة: من كان محبًّا للدنيا أو مصرًّا على هوى لم يتحقق باليقين. وقال أبو محمد سهل: أقل عقوبة من أنكر هذا العلم ألا يرزق منه شيء أبدًا واتفقوا على أنه علم الصديقين، ومن كان له منه نصيب فهو من المقربين وينال درجة أصحاب اليمين.

ومما جاء عن اليقين ما قاله بعض العلماء من أن علم التوحيد ومعرفة الصفات، مباين لسائر العلوم، فالاختلاف في سائر العلوم الظاهرة رحمة، والاختلاف في علم التوحيد ضلالة وبدعة، والخطأ في علم الظاهر مغفور، وربما كان حسنة إذا اجتهد صاحبه، والخطأ في علم التوحيد وشهادة اليقين كفر من قبل أن العباد لم يكلفوا حقيقة العلم بالله – تعالى - في طلب العلم الظاهر وعليهم واجب طلب موافقة الحقيقة عند الله في التوحيد، ومن ابتدع شيئًا ردت عليه بدعته؛ وكان مسئولًا عنه، ولم يكن حجة لله - تعالى - على عباده ولا غيثًا نافعًا في بلاده؛ بل كان موصوفًا بالدنيا وفيها من الراغبين ولم يكن دليلًا على الله - عز وجل - ولا من دعاة الدين، ولا إمامًا للمتقين، وقد جاء في الخبر: العلماء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا فإذا دخلوا في الدنيا فاحذروهم على دينكم [السابق ص١٧٢].

فالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء هم الورعون في دين الله – عز وجل - الزاهدون في فضول الدنيا الناطقون بعلم اليقين والقدرة لا علم الرأي والهوى الصامتون عن الشبهات والآراء، لا يختلف هذا إلى يوم القيامة عند العلماء الشهداء على الله – تعالى - برأي قائل ولا يقول مبطل جاهل، كما روي عن عبد الله بن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «صَلُحَ أَولُ هَذهِ الأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَاليَقِينِ، وَيَهْلَكُ آخِرُهَا بِالبُخْلِ وَالأَمَلِ»، وقال يوسف بن أسباط كتب إلى حذيفة المرعشي: ما ظنك بمن قد بقي لا يجد أحدًا يذكر الله – تعالى - معه إلا كان آثمًا، وكانت مذاكرته معصية، وذلك أنه لا يجد أهله. قلت ليوسف: يا أبا محمد وتعرفهم؟ قال: لا يخفون علينا. ويقال: إن الأبدال إنما انقطعوا في أطراف الأرض، واستتروا عن أعين الجمهور؛ لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء هذا الوقت، ولا يصبرون على الاستماع لكلامهم؛ لأنهم عندهم من أهل الجهل، وأهل الجهل بالجهل على الوصف الذي وصفهم به سهل التُّستَري: إن من أعظم المعاصي الجهل بالجهل [السابق ص١٧٢].

اليقين في مسائل العقيدة

مما يندرج تحت اليقين: العقيدة، ومعرفة أصولها، فيجب أن تكون معرفة يقينية، وقد استوفى الحق - سبحانه وتعالى - أصول العقيدة في القرآن الكريم وأوضحتها أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم – وأفعاله؛ ولذلك كانت النزعة الغالبة على أكثر العلماء التوقف في مسائل العقيدة، والاقتصاد في الجدل الديني وعدم الولوج فيه؛ لأنها أمور يقينية لا تحتاج إلى جدل ومناظرة، وكتب الأحاديث والفقه والمقالات مملوءة بأحاديث وأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين تنهى أشد النهى عن الجدل في مسائل العقيدة - كما يقول التفتازاني - بسبب من صفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرب العهد بزمانه، ولقلة الوقائع والاختلاف، وتمكنهم من الرجوع إلى الثقات [السابق والصفحة].

واستشهدوا على صحة هذا الموقف بآيات من القرآن الكريم، تلك الآيات التي تلوم أهل الأديان الأخرى لاختلافهم على أنبيائهم وتفرقهم شيعًا وأحزابًا، وقد فسر كثيرون قوله تعالى: ﴿فَأَغۡرَيۡنَا ‌بَيۡنَهُمُ ‌ٱلۡعَدَاوَةَ ‌وَٱلۡبَغۡضَآءَ ‌إِلَىٰ ‌يَوۡمِ ‌ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾ [المائدة: ١٤]، بالخصومات والجدل في الدين [قوت القلوب: لأبي طالب المكي ٢/٥٧]؛ وبالجملة فقد كانوا يرون أن اليقين؛ وترك المراء والجدل، والخصومات في الدين أصل من أصول العقيدة. ويصور لنا الأشعري موقفهم فيقول: وينكرون الجدل ويأخذون بالروايات الصحيحة، ولا يقولون كيف، ولا لم؛ لأن ذلك بدعة، ولكن بعد أن تبلورت المسائل واتسعت الموضوعات اتفق علماء الكلام أو كادوا يتفقون أن ثمة أمورًا في العقيدة تدرك بالسمع فقط، وأمورًا تدرك بالعقل والسمع والكل ديني [التفتازاني شرح العقائد النفسية ١١].

ومن الأمور اليقينية التي لا تعلم إلا بالسمع أمور الآخرة مثل: الحساب لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ * ‌فَسَوۡفَ ‌يُحَاسَبُ ‌حِسَابٗا ‌يَسِيرٗا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا﴾ [الانشقاق: ٧-١٠]، ومن اليقين – أيضًا - السؤال عن الأعمال: ﴿‌فَوَرَبِّكَ ‌لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ ‌أَجۡمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣]، ونشر الصحف لقوله تعالى: ﴿‌وَإِذَا ‌ٱلصُّحُفُ ‌نُشِرَتۡ﴾ [التكوير: ١٠-١١].

فمسائل العقيدة منها ما هو مدركات عقلية - مثل معرفة الله وصفاته - ومنها ما هو مدركات سمعية - مثل أحوال الآخرة - ومنها ما هو سمعي وعقلي - مثل التحسين والتقبيح - والكل يقيني.

فأصول العقيدة ومعرفتها يقينية مثل الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر والقضاء والقدر، ولكن تفصيلات هذه الأصول ليست يقينية كلها [انظر الزمخشري: الكشاف].

الشك

وضد اليقين الشك، وإذا كانت بضدها تتميز الأشياء فبتوضيح الشك يتضح اليقين، وقد وردت كلمة (شك) في القرآن الكريم خمس عشرة مرة، منها قوله تعالى: ﴿‌وَإِنَّ ‌ٱلَّذِينَ ‌ٱخۡتَلَفُواْ ‌فِيهِ ‌لَفِي ‌شَكّٖ ‌مِّنۡهُۚ﴾ [النساء: ١٥٧]، والآية تتحدث عن عيسى - عليه السلام - وعقيدة النصارى فيه. قيل: إنه عن جميعهم. وقيل: إنه لم تختلف فيه إلا عوامهم، ومعنى اختلافهم قول بعضهم إنه إله وبعضهم يقول إنه ابن الله. وقال الحسن قيل: إن اختلافهم أن عوامهم قالوا: قتلنا عيسى، وقال: من عاين رفعه إلى السماء ما قتلناه، وقيل: اختلافهم أن النسطورية من النصارى قالوا صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وقالت الملكانية وقع الصلب والقتل على عيسى من جهة ناسوته ولاهوته. وقيل: اختلافهم هو أنهم قالوا: إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى وإن كان هدا عيسى فأين صاحبنا؟ وقيل: اختلافهم هو أن اليهود قالوا: نحن قتلناه؛ لأن يهوذا رأس اليهود وهو الذي سعى في قتله. وقالت طائفة من النصارى: بل قتلناه نحن وقالت طائفة منهم: بل رفعه الله إلى السماء ونحن ننظر إليه. وكل هذا داخل تحت مفهوم الشك الذي يعني عدم اليقين أو ضد اليقين، قال تعالى: ﴿‌مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ﴾ [النساء: ١٥٧]، والظن يعنىي الشك، وقال: ﴿‌وَمَا ‌قَتَلُوهُ ‌يَقِينَۢا﴾ [النساء: ١٥٧]، أي وما قتلوا عيسى يقينًا.

ومقابل اليقين (الظن)، وقد وردت مادة (ظن) في القرآن الكريم زهاء مائة مرة، وقد يقع الظن بمعنى الكذب، وأصل الظن وقاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه، وقد يقع موقع اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ ‌وَأَنَّهُمۡ ‌إِلَيۡهِ ‌رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦].

والصوفية يرون أن حقيقة اليقين هو رؤية القلوب لله أو رؤية الله بالقلوب [الملطى: الرد والتنبيه على آهل الأهواء والبدع ١٢٠].

واستدلوا على ذلك بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «اعبُدِ اللهَ كأنَّك تراه فإنْ لم تكُنْ تراه فإنَّه يراكَ».

اليقين عند الصوفية

للصوفية حديث ثري عن اليقين، فهم أكثر من تحدثوا فيه واهتموا به، ومما قالوه فيه: إن أصول مقامات اليقين التي ترد إليها فروع أحوال المتقين تسعة: أولها التوبة، والصبر ويأتي بعدهما الشكر، والرجاء، والخوف، والزهد، والتوكل، والرضا، والمحبة، وهذه محبة الخصوص وهي محبة المحبوب ومن حديثهم عن اليقين حديثهم عن الفناء، والفناء عندهم أقسام: أعلاها الفناء عن وجود السوي ودونه الفناء عن شهود السوي ودون هذين الفناء عن عبادة السوي [السابق ص١٧٢].

فاليقين مقام من مقامات الصوفية والمقام عندهم هو: استمرار الحال واستقراره ودوامه بحيث يصبح صفة دائمة لصاحبه، فالمقامات هي المنازل الروحية التي يمر بها السالك إلى الله – تعالى - فيقف فيها تارة من الزمن مجاهدًا في إطارها حتى يهيئ الله - سبحانه وتعالى - له سلولك الطريق إلى المنزل الثاني [السابق ص١٧٢].

وفي حديث الصوفية عن اليقين يرون أن التوبة مقام من مقامات اليقين يستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿‌وَتُوبُوٓاْ ‌إِلَى ‌ٱللَّهِ ‌جَمِيعًا ‌أَيُّهَ ‌ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ‌لَعَلَّكُمۡ ‌تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].

أي ارجعوا من هوى أنفسكم ومن وقوفكم مع شهواتكم عسى أن تظفروا بدينكم في الميعاد، وكي تبقوا ببقاء الله - عز وجل - في نعيم لا زوال له ولا نفاد، ولكي تفوزوا وتسعدوا بدخول الجنة، وتنجوا من النار فهذا هو الفلاح [السابق ص١٧٢].

وهكذا نجد أن اليقين مقام من مقامات الصوفية، والمقام عندهم هو استمرار الحال واستقراره ودوامه بحيث يصبح صفة دائمة لصاحبه. [السابق ص١٧٢].

وبعض الصوفية يعتبرون اليقين حالًا من أحوالهم ويجعلونه على ثلاث مراتب هي: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فعلم اليقين: ما كان عن طريق النظر والاستدلال، وعين اليقين: ما كان عن طريق الكشف والنوال، وحق اليقين: ما كان بتحقيق الانفصال عن لون الصلصال بورود زائد الوصال [السابق ص١٧٢].

هذا ويزعم بعض الصوفية في شطحاتهم أنهم وصلوا من المعرفة إلى درجة اليقين، ولكنه سر وغيب يجب على الصوفية أن يحفظوه من الأغيار كما يقول الجنيد حتى لا يعترض عليهم أو يتهموا فيذهب بهم لقصور فهم الأغيار عن إدراكه، ويقسم الحلاج العلم إلى علم براني وعلم غير براني؛ والعلم غير البراني  - وهو اليقين - خاص بالصوفية، وهو اليقين الذي ينشأ عند بعضهم من وحدة الوجود كما قال الحلاج، وقد سئل عن الطريق إلى الله فقال: الطريق بين اثنين وليس مع الله أحد، فقال سائله: بَيِّن. قال: من لم يقف على إشارتنا لم ترشده عبارتنا [عوارف المعارف ٣٣١، وانظر: التصوف عقيدة وسلوك ٨٦]

فاليقين مقام من مقامات الصوفية التي أول مقام فيها هو التوحيد كما أنه أول دعوة الرسل؛ إذ قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وهو أول فرض فرضه الله على العباد [أخبار الحلاج ٥٧]. وعددها غير متفق عليه عندهم؛ إذ يجعلها بعضهم سبع مقامات ويصل بها آخرون إلى ثمانية عشر مقامًا، ومنهم الغزالي الذي أسماها بالمنجيات في كتابه الإحياء أما ابن سبعين فيقفز بعدد المقامات إلى مائة وخمسين مقامًا [مدارك السالكين ١ -١٥١].

وأيًّا ما يكن فاليقين هو العلم المؤكد قال تعالى: ﴿وَجِئۡتُكَ ‌مِن ‌سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]؛ أي يخبر أكيد وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ‌هَٰذَا ‌لَهُوَ ‌حَقُّ ‌ٱلۡيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]؛ أي هذا الذي قصصناه هو محض اليقين وخالصه وجاز إضافة الحق إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما، وهو كقولك عين اليقين فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه واليقين مقام يحصل ببذل المجهود. وضد اليقين الجحود قال تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ ‌أَنفُسُهُمۡ ‌ظُلۡمٗا ‌وَعُلُوّٗاۚ﴾ [النمل: ١٤]. 

 أي تيقنوا من عصى موسى أنها من عند الله وأنها ليست سحرًا، ولكنهم كفروا بها وتكبروا أن يؤمنوا بموسى [المعارف ١٢٨ - تحقيق د - جورج كنوره: الطبعة الأولى ١٩٨٧].

واليقين أعلى درجات العلم، وقد استغله الصوفية في شطحهم؛ إذ معظم شطحهم كان في باب العقيدة: عقيدتهم في الله وفي أنفسهم فالإثنينية عندهم وهي الفرق بين الله والغير لا إثنينية في الظاهر فقط وفرق في اللسان فحسب، أما الحقيقة ففي الجمع المشهود في الجنان، يقول أبو الحسن الشاذلي: ليكن الفرق في لسانك موجود في جنانك.

وإذا كان اليقين أعلى درجات العلم فإن الشك أول درجات العلم.

ويرى بعض الصوفية أن الصلاة سقطت عنهم لوصولهم إلى مقام اليقين؛ لأن المقصود بالصلاة - عندهم – المعرفة، فإذا حصلت المعرفة لم يحتج إلى الصلاة. [التصوف عرض ونقد ١٦٢] أو أن لله رجالًا لا يحتاجون إلى متابعة محمد - صلى الله عليه وسلم - بل استغنوا عنه كما استغنى الخضر عن موسى - عليه السلام - أو أن كل من كاشف وطار في الهواء أو مشى على الماء فهو ولي سواء صلى أم لم يصل [التصوف عرض ونقد ٦٢ ١]، وهذه كلها دعاوى باطلة ساقطة لا تحتاج إلى رد، وقوله تعالى: ﴿‌كَلَّا ‌لَوۡ ‌تَعۡلَمُونَ ‌عِلۡمَ ‌ٱلۡيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥].  

وأضاف العلم إلى اليقين كما أضافة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ‌هَٰذَا ‌لَهُوَ ‌حَقُّ ‌ٱلۡيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، وقيل اليقين – هنا - هو: الموت، وقيل: البعث؛ لأنه إذا جاء زال الشك؛ أي لو تعلمون علم البعث لشغلكم ذلك عن التكاثر بالدنيا [التصوف عرض ونقد ١٦٣].

كما يرى الصوفية - أيضًا - أن الرضا عن الله - سبحانه وتعالى - من أعلى مقامات اليقين. قال تعالى: ﴿‌هَلۡ ‌جَزَآءُ ‌ٱلۡإِحۡسَٰنِ ‌إِلَّا ‌ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. فمن أحسن الرضا عن الله جازاه الله بالرضا وهو قوله: ﴿رَّضِيَ ٱللَّهُ ‌عَنۡهُمۡ ‌وَرَضُواْ ‌عَنۡهُۚ﴾ [المائدة: ١١٩].

وكان عمر بن عبد العزيز وبعده الصوفية من رجالهم يقول: أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القضاء، وما ذلك إلا لشدة يقينه، ومما يروى في مجال اليقين عن الصحابة - رضوان الله عليهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال لطائفة منهم: «مَنْ أَنتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ المُؤمِنُونَ؛ فَقَالَ: مَا عَلَامَةُ إِيمَانِكُم؟ قَالُوا: نَصْبِرُ عَلَى البَلَاءِ، وَنَشْكُرُ عِندَ الرَّخَاءِ، وَنَرْضَى بِمَوَاقِعِ القَضَاءِ، فَقَالَ: مُؤمِنُونَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ»، وكل هذا يدور حول اليقين.

مراجع للاستزادة:

  • الملطي: الرد والتنبيه على آهل الأهواء والبدع.
  • قوت القلوب: لأبي طالب المكي.
  • التفتازاني شرح العقائد النفسية.

الخلاصة

اليقين أصل من أصول العقيدة ومعرفة أصولها، وهو من أعلى درجات العلم، وهو ضد الشك والظن والمراء والمجادلة، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم خمس عشرة مرة، وهو من مقامات التصوف، ومن مقامات اليقين (التوبة - الصبر- الخوف – الرجاء – التوكل - المحبة – الفناء - الشكر).

موضوعات ذات صلة

التصوف ينظر إلى الشكر باعتباره حالة وجودية تتجلى في القلب واللسان والجوارح.

هي أساس التطهير الروحي والارتقاء في درجات القرب الإلهي.

يُعد مقام الرجاء من المقامات الروحية الأساسية في التصوف الإسلامي.

موضوعات مختارة