التصوف ينظر إلى الشكر باعتباره حالة وجودية تتجلى في القلب واللسان والجوارح، حيث يظهر أثر نعمة الله على لسان العبد ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة، فتتوهج الروح بحب المنعم وتذوب الذات في مقام العبودية الخالصة.
التصوف ينظر إلى الشكر باعتباره حالة وجودية تتجلى في القلب واللسان والجوارح، حيث يظهر أثر نعمة الله على لسان العبد ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة، فتتوهج الروح بحب المنعم وتذوب الذات في مقام العبودية الخالصة.
الشكر لغة: يطلق الشكر في اللغة على معان عدة، نذكر منها ما هو خاص بالسلوك والأخلاق، ومن ذلك:
الشكر بمعنى الثناء على المحسن لأجل إحسانه، وهذا يتعدى باللام وبغيرها، تقول: شكرته وشكرت له، وتعريفه باللام أفصح ومنه قوله تعالى: {فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ} [البقرة: ١٥٢]، وقوله تعالى: {أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ} [لقمان: ١٤]. [مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/٢٠٧، ت/عبد السلام هارون، دار الفكر، ط: ١٣٩٩هـ، ١٩٧٩م، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروز آبادي: ٣/٣٣٤- ت/محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ط: الثالثة-١٤١٦هـ/١٩٩٦م].
والشكر بمعنى الرضا باليسير، ومنه فرس شكور؛ إذ كفاه لسمنه العلف القليل، [مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/٢٠٧]، وهذا واضح في مقام العبودية لله تعالى؛ إذ العبد الكامل العبودية يرضى بما قسمه الله له، ويحمده على ذلك.
والشكر ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهورًا بينًا، يقال: شكرت الدابة تشكر شكرًا على وزن سمنت تسمن سمنًا، إذا ظهر عليها أثر العلف، وهذا هو المعنى، قال فيه ابن القيم: وكذا حقيقته في العبودية وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة. [تهذيب مدارج السالكين لابن القيم: ٣٨٤، ت/عبد المنعم صالح العلي العزي، المكتبة القيمة- القاهرة بدون طبعة ولا تاريخ].
وللشكر معنى رابع، وهو الامتلاء، ومنه عين شكرى أي ممتلئة، وهذا المعنى موجود في أخلاق السالك إلى ربه؛ إذ إنه يمتلئ من ذكر المنعم عليه سبحانه وتعالى. [مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/٢٠٨، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: ٣/٣٣٤]، ولعل من هذا المعنى ما ذكره عبد الله بن سلام عن موسى عليه السلام، أنه قال: يا رب، ما الشكر الذي ينبغي لك؟ قال: يا موسى لا يزال لسانك رطبًا من ذكري. [عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم: ١٠١- ت/ زكريا علي يوسف- دار الكتب العلمية- بدون تاريخ]، وذكر أبو عبد الله الدامغاني للشكر معنى آخر له دلالة إيمانية لطيفة، وهو أن الشكر يأتي بمعنى التوحيد، قال: ومنه قوله تعالى في سورة آل عمران: {وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ} [آل عمران: ١٤٤]، يعني الموحدين. [الوجوه والنظائر لأبي عبد الله الدمغاني: ١/٤٥٨، ت/ محمد حسن أبو العزم، المجلس الأعلى، ط/ ١٤٢٤هـ -٢٠٠٣م].
قلت: وهذا المعنى له دلالة قوية في أداء الشكر، كأنه لا يشكر الله إلا من وحده، ولا يشكر الناس إلا من شكر الله بعد توحيده، فللتوحيد أثر في شكر الناس، وشكر رب الناس، ولعل في الربط بين شكر الخلق، وشكر الله عز وجل في قوله سبحانه: {أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ} [لقمان: ١٤]، ما يدل على ذلك.
الشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح -كما سيأتي تفصيل ذلك- واختلفت عبارة السالكين إلى الله تعالى في تحديد معناه؛ نظرًا لغلبة بعض الأحوال، فمن غلب عليه الانشغال بعمل القلب، عرف الشكر بأنه عمل قلبي، ومن غلب عليه عمل اللسان، عرف الشكر بأنه عمل لساني، ومن غلب عليه عمل الجوارح عرف الشكر بأنه انشغال الجوارح بما يرضي الله تعالى.
وقد يغلب على الواحد منهم حالتان، فيعرفه باعتبار الحالتين، وأجمع التعاريف ما اجتمع فيه الحالات الثلاثة (عمل القلب، واللسان، والجوارح)، وإليك بعض هذه التعريفات:
تعريف الشكر بأنه عمل:
قال حمدون القصار: شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليًّا، وهذا المعنى ما قصده الجنيد في قوله: الشكر أن لا ترى نفسك أهلًا للنعمة، وعرفه بعضهم بأنه معرفة العجز من الشكر. [الرسالة القشيرية: ٨٠ وما بعدها].
تعريف الشكر بأنه عمل لسان:
عرفه القشيري بأنه: الثناء على المحسن بذكر إحسانه، فشكر العبد لله ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه، وشكر الحق سبحانه وتعالى للعبد ثناؤه عليه بذكر إحسانه له. [الرسالة القشيرية: ٨٠ وما بعدها].
ومن تعريفه بأنه عمل الجوارح:
ما ورد من الجنيد أنه قال: كان السري السقطي إذا أراد أن ينفعني يسألني فقال لي يومًا: يا أبا القاسم ما الشكر؟ فقلت له: ألا يستعان بشيء من نعم الله على معاصيه، فقال: من أين لك هذا؟ قلت من مجالستك. [تهذيب مدارج السالكين: ٣٨٥].
ومن تعريفه باعتبار ما يوضح ملاحظات حال أخرى:
تعريف بعضهم أنه الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، ومثل هذا التعريف تعريف من عرفه بأنه إضافة النعمة إلى موليها بنعت الاستكانة. [الرسالة القشيرية: ٨٠ وما بعدها]، فهذان التعريفان يلاحظ فيهما اعتبار عمل القلب وعمل اللسان، وعرفه أبو بكر الوراق بأنه حالة قلبية منعكسة على جوارح العبد فقال: شكر النعمة مشاهدة المنة وحفظ الحرمة. [الرسالة القشيرية: ٨٠ وما بعدها]، وقريب من هذا تعريف حجة الإسلام الغزالي إذ عرفه بأنه معرفة النعمة والفرح بها، وهذه حالة قلبية، وعمل الجوارح بطاعات الرب سبحانه وذلك قوله: اعلم أن الشكر من جملة مقامات السالكين، وهو ينتظم من علم ومال وعمل، فالعلم هو معرفة النعمة من المنعم، والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه، والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه. [إحياء علوم الدين للغزالي:٤/١٠٩، ت/ جمال محمود، محمد سيد، دار الفجر- القاهرة- ط/أولى ١٤٢٠هـ].
ومن أجمع التعريفات ما عرفه به الحارث بن أسد المحاسبي، وقد سئل عن الشكر ما هو؟ فقال: علم المرء بأن النعمة من الله وحده، وأن لا نعمة على خلق من أهل السماوات والأرض إلا وبدائعها من الله تعالى، فشكر الله عن نفسه وعن غيره، فهذا غاية الشكر. [حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني: ١٠/٨٩، دار الكتاب العربي- بيروت، ط/ الرابعة ١٤٠٥هـ].
ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، إِلَّا أَدَّى شُكْرَ يَومِهِ، وَمَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي اللهُمَّ مَا أَمْسَى بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، إِلَّا أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ». [أخرجه أبو داود في سننه عن عبد الله بن غنام البياضي، ك: الأدب- ب. ما يقول إذا أصبح، حديث رقم (٥٠٧٣)، سنن أبي داود: ٢/٧٣٨، ت/محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر- دمشق- بدون تاريخ].
ومن التعريفات الجامعة تعريف ابن القيم للشكر بأنه ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة. [تهذيب مدارج السالكين: ٣٨٤]..
ونظرة في التعريفات السابقة تبين لنا أن الشكر ينتظم عدة أمور هي:
الخضوع والتذلل للمنعم.
الاعتراف بالنعمة.
ألا تستخدم النعمة في معصية.
حب العبد للمنعم.
ولذلك يقول ابن القيم: والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور وحبه له واعترافه بنعمته وثناؤه عليه بها وأن لا يستعملها فيما يكره، فهذه الخمس هي أساس الشكر وبناؤه عليها فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة، وكل من تكلم في الشكر وحده، فكلامه إليها يرجع، وعليها يدور، وهذه القواعد هي:
خضوع الشاكر للمشكور.
وحبه له.
واعترافه بنعمته.
وثناؤه عليه بها.
وأن لا يستعملها فيما يكره. [تهذيب مدارج السالكين: ٣٨٤].
ثم قد يطرأ سؤال في النفس مضمونه، إذا كان الشكر فيه جانب من الثناء، فإن الحمد كذلك، فهل بينهما فرق، أو هما لفظان عن معنى واحد؟، وهل ثمة مفارقة بين لفظ الشاكر والشكور؟
الحمد يكون على الأوصاف الجميلة، سواء وجدت نعمة تعدت إلى الحامد أو لم توجد، والشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة الواصلة إلى الشاكر، ولذا قال بعضهم: الشكر ثناء على الله بأوصافه وإنعامه، والحمد ثناء بأوصافه، ويقول الشيخ عبد العزيز الديريني مشيرًا إلى هذا الفرق: الحمد لله مدح في الثناء الحسن - والشكر نشر لجميل المحسن. [المحرر الوجيز في لطائف الكتاب العزيز لابن عطية: ١/١٠١-١٠٢، ت/أحمد صادق المالح، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ط/١٩٩٩م، بصائر ذوي التمييز: ٣/٣٤٠، الكنز المدفون والفلك المشحون للسيوطي: ٣٨٠، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر –ط/ الأخيرة ١٩٩٩م]. وإذا وضح هذا الفرق ظهر السر في بدء السور الخمسة. [سور: الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر]، في القرآن الكريم بلفظ الحمد لله بدلًا من الشكر لله؛ إذ لو كان البدء بالشكر لكان العباد مأمورين بشكره سبحانه لما أولاهم من نعم، ولم يكن الله عز وجل محمودًا إلا لأجل إنعامه، بخلاف الحمد لله فإن معناه أن الله تعالى محمود على كل حال، وصلت نعمه إلى خلقه أو لم تصل، حمدوه أو لم يحمدوه.
الحمد ثناء باللسان فقط، والشكر يتعلق باللسان، والقلب، والجوارح، ولذا يقول الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ منِّى ثلاثةً ** يَدِي ولِسَانِى والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا
[مختصر تفسير ابن كثير، محمد علي الصابوني: ١/٢٠-٢١، دار التراث العربي، ب ت].
ومن كلام القوم في الفرق بين الحمد والشكر: الحمد على الأنفاس، والشكر على نعم الحواس، وقيل: الحمد على ما دفع -أي ما دفعه إلينا من النعم- والشكر على ما منع، أي ما منعه عنا من الشرور والنقم، وما أجمل قول من قال: الحمد ابتداء منه سبحانه، والشكر اقتداء منك. [الرسالة القشيرية: ٨٠ وما بعدها]، أي أنه سبحانه وتعالى حمد نفسه بما هو أهله، وطلب منك أن تحمده بالمحامد التي حمد بها نفسه، وقد يعني أنه سبحانه وتعالى أوصل النعم إلينا، وأسبغها علينا بدون أن نفعل سببًا لاستحقاق تلك النعم، وطلب منا أن ننفع خلقه بها، ولا ننتظر منهم جزاءً ولا شكورًا اقتداءً به سبحانه وتعالى، والله أعلم.
الدلالة اللغوية للفظ الشاكر والشكور توحي بأن فرقًا بينهما، ضرورة الفرق بين اسم الفاعل وصيغة المبالغة، وكذا الحال عند أرباب الطريق، فإن الشكور أقوى في الدلالة عن الشاكر، وقد تعددت أقوالهم في الدلالة على هذا المعنى ومن ذلك ما قيل:
الشاكر: الذي يشكر على الموجود.
الشكور: الذي يشكر على المفقود.
الشاكر: الذي يشكر على النفع.
الشكور: الذي يشكر على المنع.
الشاكر: الذي يشكر على العطاء.
الشكور: الذي يشكر على البلاء. [الرسالة القشيرية: ٨٠ وما بعدها].
ووصف الله بالشكور يختلف عن وصف العبد بذلك، فوصف الله تعالى بذلك معناه أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء، والشكور من عباد الله الذي يجتهد في شكر ربه بطاعته، وأداء ما افترض عليه من عبادته. [لسان العرب: ٤/٤٣٤].
بمَ يكون الشكر؟
سبقت الإشارة إلى أن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، يقول حجة الإسلام الغزالي: الشكر يتعلق بالقلب، واللسان، وبالجوارح. [إحياء علوم الدين: ٤/١٠٩].
وقد دل القرآن الكريم على اعتبار الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: {ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} [سبأ: ١٣]، فلم يقل سبحانه وتعالى: اشكروا بدلًا من اعملوا لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب واللسان والجوارح. [بصائر ذوي التمييز: ٣/٣٣٥].
وشكر القلب معناه: إقرار القلب بنعم الله تعالى، وأنها منه سبحانه، وقصده الخير، وإضماره لكافة الخلق. [إحياء علوم الدين: ٤/١١٢].
ومن شكر القلب: ما روي أن موسى عليه السلام قال في مناجاته: إلهي خلقت آدم بيدك، وفعلت، وفعلت، يا رب كيف شكرك ابن آدم؟ فقال: علم أن ذلك مني، فكان ذلك شكره لي. [الرسالة القشيرية: ٨٠ وما بعدها].
وشكر اللسان معناه: إظهار الشكر لله تعالى بالتحميدات الدالة على الشكر، وفي حق الخلق مكافأة صاحب النعمة بالقول الجميل، والثناء الحسن، ومن شكر اللسان ما سبق من قول الله تعالى لموسى: ولا يزال لسانك رطبًا من ذكري.
ومنه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَجِئَهُ صَاحِبُ بَلَاءٍ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، فقد أدى شكر تلك النعمة». [أخرجه الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ك، الدعوات، ب، ما يقول إذا رأى مبتلى، حديث رقم ٣٤٣١، وقال حديث غريب، سنن الترمذي: ٥/٤٩٣، ت/أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي- بيروت- بدون تاريخ].
ومنه ما روي من أن وفدًا قدموا على عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى- فقام شابٌّ يتكلم فقال عمر: الأكبر الأكبر، فقال: يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسنِّ لكان في المسلمين مَن هو أسن منك.. فقال تكلم فقال الشاب: لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة، أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلُك، وأما الرهبة فقد أمَّننا فيها عدلُك، أما نحن فوفد الشكر جئنا لشكرك باللسان وننصرف. [الرسالة القشيرية: ٨٠ وما بعدها].
وشكر الجوارح معناه:
استعمال نعم الله تعالى في طاعته، والتوقي من الاستعانة بها على معصيته، أو بعبارة القشيري: اتصاف البدن بالوفاء والخدمة. [الرسالة القشيرية: ٨٠ وما بعدها].
ويقول الغزالي في شكر الجوارح:
حتى إن شُكْر العينين أن تستر كل عيب تراه للمسلم، ومن شكر الأذنين أن تستر كل عيب تسمعه. [إحياء علوم الدين: ٤/١١٢].
قال رجل لأبي حازم:
ما شكر العينين يا أبا حازم؟
قال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنته، وإن رأيت بهما شرًا سترته.
قال: فما شكر الأذنين؟
قال: إن سمعت بهما خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًا دفعته.
قال: فما شكر اليدين؟
قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًّا لله علمًا.
قال: فما شكر الفرج؟
قال: قال الله تعالى: {إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ} [المؤمنون: ٦-٧].
قال: فما شكر الرجلين؟
قال: إذا رأيت حيًّا غبطته استعملت بهما عمله، وإن رأيت ميتًا مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله.
فأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه، فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر. [الشكر لابن أبي الدنيا: ٤٤، ت / بدر البدر، المكتب الإسلامي – الكويت، ط ٣، ١٤٠٠هـ].
ومن شكر الجوارح ما روي عن ابن عطاء أنه قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت لها: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ مَا رَأَيْتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبَكَتْ، وَقَالَتْ: «وَأَيُّ شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَجَبًا؟ أَتَانِي لَيْلَةٍ فَدَخَلَ مَعِي فِي فِرَاشِي- أَوْ قَالَتْ: فِي لِحَافِي- حَتَّى مَسَّ جِلْدِي جِلْدَهُ ثُمَّ قَالَ "يَا ابنة أَبِي بَكْرٍ ذَرِينِي أَتَعَّبَدُ لِرَبِّي" فقَالَتْ، قُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ قُرْبَكَ، لَكِنِّي أُوثِرُ هَوَاكَ فَأذّنتُ لَهُ، فَقَامَ إِلَى قِرْبَةِ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ فَلَمْ يُكْثِرْ صَبَّ الْمَاءِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَبَكَى حَتَّى سَالتْ دُمُوعُه عَلَى صَدْرِه ثُمَّ رَكَع فَبَكَى ، ثُمَّ سَجَدَ فَبَكَى ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى جَاءَ بِلالٌ فآذنه بِالصَلَاةِ ، فَقُلتْ، يا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُبْكِيكَ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا وَلِمَ لا أَفْعَلُ وَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ: {إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ} [آل عمران:١٩٠]». [أخرجه ابن حبان عن عطاء، حديث رقم ٦٢٠، صحيح ابن حبان، ت/شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط/ الثانية: ١٩٩٣م].
وكلام أبي حازم السابق يجعل المرء يتساءل، هل يكفي الشكر باللسان فقط؟ والحق: أن أكمل الشكر ما اجتمع فيه اعتراف القلب، وثناء اللسان، وتصديق الأركان، ولا يمنع ذلك اعتبار شكر اللسان، فهو أقل ما يكون به الشكر، ومن لم يشكر بلسانه، وعجز عنه لغير مانع، فذلك دليل خبث النفس، وما ذلك إلا لسهولة شكر اللسان.
يقول ابن مسكويه: ولست أعني بالشكر المكافأة التي ربما يعجز عنها بالفعل، ولكن ربما عطل نيته في الشكر فلا يكافئ بما يستطيع وبما يقدر عليه، ويغتنم الجميل الذي يسدي إليه ويراه حقًّا، أو يتكاسل عن شكره باللسان وليس أحد يتعذر عليه نشر النعمة التي تتولاه، والثناء على صاحبها، والاعتداد له بها. [تهذيب الأخلاق لابن مسكويه: ٥٨]
ومن جميل ما يذكر هنا قول الشاعر:
ارْفَـعْ ضـَعِيفَكَ لا يَحُرْ بِكَ ضَعْفُهُ ** يَوْماً فَتُدْرِكَهُ الْعَواقِبُ ما جَنَى
يَجزيكَ أَو يُثني عَلَيكَ وَإِنَّ مَن ** أَثنى عَلَيكَ بِما فَعَلتَ فَقَد جَزى
ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذين البيتين قال: ما أحسن ما قال.
[فضيلة الشكر لله على نعمته لأبي بكر محمد بن جعفر الخرائطي: ٦٣، ت/محمد مطيع الحافظ، وعبد الكريم اليافي، دار الفكر- دمشق، ط أولى ١٤٠٢هـ]
وقول محرز بن الفضيل:
علامةُ شُكرِ المرءِ إعلانُ شُكرِه ** ومَن شَكَر المعروفَ منه فما كَفَر
[فضيلة الشكر لله على نعمته: ٦٣]
١) أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه به، قال تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ١٥٨]؛ وقال عز من قائل: {وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا} [النساء: ١٤٧]؛ ويكفي العابد المطيع عزًّا وشرفًا أن يتصف بمعاني صفات ربه، ولعل هذا من الحكم في تعليم الله لنا بعض أسمائه وصفاته.
٢) الشكر نصف الإيمان؛ فالإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر. [تهذيب مدارج السالكين: ٣٨٣]. وهذا واضح في تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من حال المؤمن: «عَجَبَاً لأَمْرِ المُؤْمِن؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَير، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، وَإِنَّ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَه». [أخرجه الإمام مسلم عن صهيب، ك. الزهد والرقائق، ب. المؤمن أمره كله خير، حديث: ٢٩٩٩، صحيح مسلم: ٤/٢٢٩٥، ت/محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي- بيروت]..ولعل في قول الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ} [سبأ: ١٩] ما يدل على ذلك.
٣) الشكر مأمور به، ومنهي عن ضده، قال تعالى: {فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ} [البقرة: ١٥٢]، وقال تعالى: {وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ}. [البقرة: ١٧٢]، ومن جميل ما يذكر أن العابد إنما يفعل المأمور به لا لذات الأمر، بل لكون الله تعالى أمر، وفي سؤال هاجر عليها السلام- سيدنا إبراهيم عليه السلام: (آلله أمرك بهذا؟) إشارة إلى ذلك.
٤) الشكر من صفات خواص خلق الله الأنبياء عليهم السلام: قال تعالى: {إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ * شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [النحل: ١٢٠-١٢١]، وقال أيضًا: {ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا} [الإسراء: ٣].
٥) في الشكر مرضاة لله تعالى: قال عز وجل: {إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ} [الزمر: ٧].
٦) وصية النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، فقد جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا وَاللَّهِ يا مُعَاذ إني لأُحِبُّكَ فَلَا تَنْسَ أنْ تَقُول فِي دُبِرِ كُلِّ صَلَاةٍ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». [أخرجه أبو داود عن معاذ بن جبل، ك. سجود القرآن، ب. في الاستغفار، حديث: ١٥٢٢، ١/٤٧٥].
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ في دُعَائِهِ «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَي وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَي وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَي وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ الْهُدَى لِي وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَي رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا»، الحديث. [أخرجه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، ك. الدعوات، ب. في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، حديث: ٣٥٥١، وقال: حديث حسن صحيح، سنن الترمذي: ٥/٥٥٤].
٧) الشكر صارف للعذاب؛ قال تعالى: {مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا} [النساء: ١٤٧].
٨) سبب لحصول النعم؛ قال تعالى في قصة لوط وقومه، وأن الله نجاه وأهلكهم: {نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ} [القمر: ٣٥].
٩) ولعظم الشكر، وجليل قدره كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل الرجل عن حاله لا لشيءٍ ولكن ليسمع منه كلمة الشكر لله تعالى، وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم؛ روي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةِ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يدعو له، فجاء يومًا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «كَيْفَ أَنْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ إِنْ شَكَرْتُ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا نَبِيَّ الله كُنْتَ تَسْأَلُنِي وتَدْعُو لِي، وَإِنَّكَ سَأَلْتَنِي الْيَوْمَ فَلَمْ تَدْعُ لِي، قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَسْأَلُكَ فَتَشْكَرُ اللَّهَ، وَإِنِّي سَأَلْتُكَ الْيَوْمَ فَشَكَكْتَ فِي الشُّكْرِ». [أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك، حديث ١٣٥٦١، مسند الإمام أحمد: ٣/٢٤١، ت/ شعيب الأرنؤوط، مؤسسة قرطبة- القاهرة- بدون تاريخ].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سلم على رجل فرد عليه السلام، فقال عمر: كيف أنت؟ قال الرجل: أحمد الله إليك، قال عمر: هذا ما أردت منك. [الشكر لابن أبي الدنيا: ٣٤].
الفرق بين الشكر والصبر
الشكر مراد لنفسه، والصبر مراد لغيره؛ فالإنسان يصبر لأجل أن يحدث ما يترتب عليه وما يؤدي إليه من الأشياء، والشكر غاية في نفسه، والصبر وسيلة إلى غيره وإلى ما يحمد، وليس مقصودًا لنفسه. [سلسلة أعمال القلوب: ١٥٨، محمد صالح المنجد، دار الفجر للتراث ٢٠٠٥م].
صلة الشكر بالتوكل
هناك صلة وثيقة بين الشكر والتوكل، يوضح الإمام ابن القيم هذه الصلة قائلًا: الشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور وحبه له واعترافه بنعمته وثناؤه عليه بها وأن لا يستعملها فيما يكره. [مدارج السالكين: ٢/٢٥٤، دار الحديث- مصر].
والمتأمل في هذه القواعد يجد أنها توضح صلة الشكر بالتوكل، ذلك أن المؤمن بالله تعالى الواثق به، المسلم له والراضي بقضاء الله وقدره، هو ذلك الخاضع لصاحب النعمة، والخاضع عن رضى محب لخضوعه، والمحب دائم الذكر لنعم محبوبه، يثني عليه دائمًا، وهذا لا يتم إلا بتصريف النعم في إرضاء المنعم، ومآل ذلك كله على الثقة بالله والتوكل عليه. [حولية كلية أصول الدين بالقاهرة: ٣٠٥، العدد السادس]
أنواع الشكر: للشكر أنواع ثلاث:
١) شكر يستوي فيه كل الخلق، وهو الشكر في مقابل النعمة، أو ما يسمى بالشكر في المجاب؛ فالإنسان مجبول على حب من أحسن إليه، وإذا أحبه أثنى عليه، يقول الشاعر: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ** فطالما استعبد الإنسان إحسان، ومن سعة رحمة الله تعالى أن بدا هذا النوع شكرًا، ووعد بالمثوبة عليه. [منازل السائرين للهروي:٣٥، دار الكتب العلمية- بيروت-ط/١٩٨٨م، تهذيب مدارج السالكين: ٣٨٧].
٢) وشكر أعلى في الفضل والمنزلة من الشكر السابق وهو الشكر في المكاره، ولا يكون إلا من أحد رجلين: - رجل لا يميز بين الحالات، بل يستوي عنده المكروه والمحبوب، فشكر هذا إظهار منه للرضا بما نزل، وهذا من أسمى الأحوال في العبادة. – ورجل يميز بين الأحوال، فهو لا يحب المكروه، ولا يرضى بنزوله به، فإذا نزل به مكروه شكر الله تعالى عليه، فكان شكره كظمًا للغيظ الذي أصابه، وسترًا للشكوى ورعاية للأدب. [تهذيب مدارج السالكين: ٣٨٧].
٣) وأعلى الأنواع وأنفسها قدرًا أن يستعظم العابد النعمة، ويستحلي الشدة، يقول الهروي في هذا النوع: أن لا يشهد العبد إلا المنعم، فإذا شهد المنعم عبودية استعظم منه النعمة، وإذا شهده حبًّا استحلى منه الشدة. [منازل السائرين للهروي: ٥٤].
درجات الشكر:
الدرجة الأولى: درجة الوجوب، وهي أن يأتي العبد بالواجبات، ويتجنب المحرمات، وهذه الدرجة لا بد منها في طريق السالك إلى ربه تعالى، ولذلك قال بعض السلف في تعريف الشكر: الشكر ترك المعاصي، وسبق تعريف الجنيد للشكر بأنه: أن لا يستعان بشيء من النعم على معصيته.
والدرجة الثانية: درجة الاستحباب وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض واجتناب المحارم بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين وهي التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث التي سبق ذكرها، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في الصلاة ويقوم حتى تنفطر قدماه فإذا قيل لم تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول أفلا أكون عبدًا شكورًا. وقال بعض السلف لما قال الله عز وجل (اعملوا آل داود شكرًا)، سبأ، لم يأت عليهم ساعة من ليل أو نهار إلا وفيهم مصل يصلي. [جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي: ٢٤٥-٢٤٦، دار المعرفة- بيروت-ط: أولى ١٤٠٨هـ].
بين شكر الله وشكر الخلق:
على المسلم أن يعلم أنه ليس لله حاجة في شكره له، وأن نفع الشكر إنما يعود على الشاكر وليس على المشكور سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ}. [النمل: ٤٠]، فإنه تعالى منزه عن الحظوظ والأغراض. [إحياء علوم الدين: ٤/١١٤].
بخلاف شكر البشر فقد يكون للمنعم حظ في الشكر من الثناء والإطراء، أو الدخول في الخدمة، أو الموافقة في الرأي والهوى أو نحو ذلك، ولا يخرج من هذا الطور إلا من سمت نفسه عن رؤية الخلق، ولم ير إلا الله سبحانه وتعالى في عبادته، وذلك مقام الإخلاص، قال تعالى: {إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: ٩].
هناك صلة وثيقة بين شكر الخلق وشكر الله تعالى؛ فشكر الخلق دليل على شكر الله سبحانه وتعالى، وكذا كفران نعم الخلق ولذلك ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين الشكرين في قوله: «لا يَشكُرُ اللهَ مَنْ لا يَشكُرُ النَّاسَ» [أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه، ك. الأدب، ب. في شكر المعروف، حديث: ٤٨١١، سنن أبي داود: ٢/٦٧].
يقول الخطابي: هذا الكلام منه صلى الله عليه وسلم يتأول على معنيين:
أحدهما: أن من كان طبعه كفران نعمة الناس، وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعم الله عز وجل وترك الشكر له.
والوجه الآخر: أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم. [آيات الشكر ومشتقاته في القرآن الكريم، د/علي سيد أحمد أبو علي- رحمه الله-: ١٨-١٩، دار الطباعة المحمدية، ط/أولى-٢٠٠٤م].
الشكر وزيادة النعم:
ربط الله سبحانه وتعالى بين شكره وزيادة نعمه على خلقه في قوله سبحانه: {لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ} [إبراهيم: ٧].
قال الإمام عَليّ كرم الله وجهه لجليس له: "اشكر المنعم عليك وأنعم على الشاكر لك فإنه لا نفاد للنعم إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت والشكر زيادة في النعم وأمان من الغير". [فضيلة الشكر لله على نعمته: ٦٦]
وعن الحسن أنه قال: إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر قلبها عليهم عذابًا.
ويقول الفضيل بن عياض: كان يقال: من عرف نعمة الله بقلبه وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة لقول الله عز وجل: {لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ} [إبراهيم: ٧]. [الشكر لابن أبي الدنيا:٦].
ويقول الرازي في تفسير قوله تعالى: {لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ } واعلم أن المقصود من الآية بيان أن من اشتغل بشكر نعم الله زاده الله من نعمه، ولا بد ههنا من معرفة حقيقة الشكر ومن البحث عن تلك النعم الزائدة الحاصلة عن الاشتغال بالشكر، أما الشكر فهو عبارة عن الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة، وأما الزيادة في النعم فهي أقسام: منها النعم الروحانية، ومنها النعم الجسمانية، أما النعم الروحانية فهي أن الشاكر يكون أبدًا في مطالعة أقسام نعم الله تعالى وأنواع فضله وكرمه، ومن كثر إحسانه إلى الرجل أحبه الرجل لا محالة، فشغل النفس بمطالعة أنواع فضل الله وإحسانه يوجب تأكد محبة العبد لله تعالى، ومقام المحبة أعلى مقامات الصديقين، ثم قد يترقى العبد من تلك الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلًا له عن الالتفات إلى النعمة، ولا شك أن منبع السعادات وعنوان كل الخيرات محبة الله تعالى ومعرفته، فثبت أن الاشتغال بالشكر يوجب مزيد النعم الروحانية، وأما مزيد النعم الجسمانية، فلأن الاستقراء دل على أن من كان اشتغاله بشكر نعم الله أكثر، كان وصول نعم الله إليه أكثر. [التفسير الكبير للفخر الرازي: ٩/٢١٣].
وكان الفضيل بن عياض رحمه الله يقول: عليكم بملازمة الشكر على النعم فقل نعمة زالت عن القوم فعادت إليهم. وقال بعض السلف النعم وحشية فقيدوها بالشكر. [إحياء علوم الدين: ٤/١٧٠].
على المسلم أن يعلم:
١) أن النعم كلها من الله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ} [النحل: ٥٣]، وأن من أوصل النعمة إليه إنما هو مسخر منه سبحانه.
٢) أن فعل الشكر وترك الكفر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى عما يكرهه؛ إذ معنى الشكر استعمال نعمه تعالى في محابِّه ومعنى الكفر نقيض ذلك إما بترك الاستعمال أو باستعمالها في مكارهه. [إحياء علوم الدين: ٤/١٢٠].
٣) أن أفضل النعم هي نعمة الهداية، فهي أولى النعم بالشكر، ولذلك أمر الله بالشكر عليها، {وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ} [البقرة: ١٩٨]، ولذلك يقال: وشكر العامة على المطعم والمشرب والملبس وقوة الأبدان، وشكر الخاصة: على التوحيد والإيمان وقوة القلوب. [تهذيب مدارج السالكين: ٣٨٥].
٤) أن شكر الله تعالى إنما يكون في كل حال؛ روي أن موسى عليه السلام سأل ربه تعالى ما الشكر؟ قال: أن تشكرني على كل حال. [الرسالة القشيرية: ٨٠ وما بعدها].
٥) أنه إذا كانت النعمة منه سبحانه وتعالى، فإن ستر الذنوب عن أعين الخلق من أفضل نعم الله تعالى. كتب بعض العلماء إلى أخ له: أما بعد فقد أصبح بنا من نعم الله ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه فما يدري أيهما نشكر أجميل ما يسر أم قبيح ما ستر، وقيل للحسن ها هنا رجل لا يجالس الناس فجاء إليه فسأله عن ذلك فقال إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار من الذنب والشكر لله على النعمة، فقال له الحسن أنت عندي يا عبد الله أفقه من الحسن فالزم ما أنت عليه. [عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم: ١١٩، ت/زكريا علي يوسف، دار الكتب العلمية- بيروت- بدون تاريخ].
٦) أن نعم الله تعالى إنما هي اختبار وابتلاء، قال تعالى: {هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ} [النمل: ٤٠].
٧) أن الناس إما شاكر أو كافر؛ فلينظر ممن يكون، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: ٣].
٨) أن الشكر لا يكون بدون عبادة، قال تعالى: {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ } [الزمر: ٦٦].
٩) أن شكر النعمة منه سبحانه وتعالى؛ فليطلب من الله أن يوفقه إليه، وإليه يقول الشاعر:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي وفي أمثالها يجب الشكر
فكيف وقوع الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
ولا منهما إلا له فيه منة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر. [الشكر لابن أبي الدنيا ٣١].
١٠) إن على العبد في طريقه إلى ربه تعالى أن ينظر في أمور الدين إلى من هو فوقه حتى يتسنى له الاقتداء، وأن ينظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه، ليتمكن من شكر الله تعالى، عن عمرو بن شعيب عن جده عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا، وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلا صَابِرًا مَنْ نَظَرَ فِي دِينِه إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِه عَلَيْهِ، كَتَبَهُ اللَّهُ صَابرًا شَاكِرًا». [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس بن مالك رضي الله عنه حديث: ٤٥٧٥، شعب الإيمان للبيهقي: ٤/١٣٧، ت/ محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية- بيروت، ط/أولى ١٤١٠هـ]
. يقول الشاعر:
مَن شاء عيشًا رحيبًا يستطيل به
في دينه ثم في دنياه إقبالًا
فلينـــظرن إلى مـــن فــوقـــه ورعـًــا
ولينظرن إلى من دونه مالًا. [إحياء علوم الدين ٤٠/ ١٦٧].
من أهم وأبرز الخصائص التي تبين شرف الشكر ومنزلة أهله ما يلي:
· أنه من أعلى المنازل.
· أن منزلة الشكر فوق منزلة الرضا، ذلك أن الرضا مندرج في الشكر ويستحيل وجود الشكر من دونه.
· أن الله تعالى أثنى على أهله ووصفهم بخواص خلقه.
· وعد الله أهله بأحسن الجزاء.
· جعله سببًا للمزيد من فضله.
· جعل الله الشكر حارسًا حافظًا للنعمة.
· أخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المنتفعون بآياته.
· اشتق لهم اسمًا من أسمائه (الشكور) وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره ويعيد الشاكر مشكورًا.
· سمى سبحانه نفسه شاكرًا وشكورًا، وسمى الشاكرين بهذين الاسمين، فأعطاهم من وصفه وسماهم باسمه وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلًا.
· أخبر الله تعالى عن قلة الشاكرين في عباده.
· الشكر عكوف القلب على محبة المنعم، والجوارح على طاعته، وجريان اللسان بذكره والثناء عليه. [مدارج السالكين: ٢٥٢ وما بعدها، سلسلة أعمال القلوب: ١٥٨ وما بعدها]..
الشكر في جوهره ليس مجرد كلمة، بل هو حالة وجودية شاملة تتجلى في القلب واللسان والجوارح، وهو من أعظم منازل الإيمان ومقامات السالكين، حيث يمثل نصف الإيمان وسببًا لرضا الله وزيادة النعم وصرف العذاب، يتجلى الشكر في استشعار العبد لنعم الله في كل حال، واستخدامها في طاعته، ويعكس مدى توكله على الله ومحبته له، وهو حالة من الوعي العميق بأن كل خير هو عطاء إلهي، مما يحفز العبد على مزيد من العبادة والامتنان، ويضمن له دوام النعم وزيادتها، ويرفعه إلى أعلى الدرجات في القرب من خالقه.