منذ أن خلق الله الإنسان وهو في حاجة إلى الهداية الربانية؛ لأن العقل البشري قاصر عن إدراك الحقائق الغيبية وحده؛ ولذا جاءت الرسالات السماوية لتكون دليلًا للبشرية نحو الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.
منذ أن خلق الله الإنسان وهو في حاجة إلى الهداية الربانية؛ لأن العقل البشري قاصر عن إدراك الحقائق الغيبية وحده؛ ولذا جاءت الرسالات السماوية لتكون دليلًا للبشرية نحو الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.
جاء الله -سبحانه وتعالى- بالناس في هذه الدنيا لأداء رسالة، والعقل البشري قاصر وحده عن التفريق بين الخير والشر، الحلال والحرام، فهناك بعض الأمور الغيبية العظيمة التي تعجز العقول وحدها عن أن تصل إليها مستقلة عن الوحي.
ومن مظاهر الحكمة الإلهية إرسال العديد من الأنبياء والرسل؛ لكي تقود البشرية إلى طريق الصواب، وتحدد خطواتهم إلى الحق من أقرب السبل، وتخبرهم بما عند الله من ثواب في جنته للمؤمنين الطائعين [د. محمد عبد الله الشرقاوي: مقدمة تحقيق كتاب "الرد الجميل لإلهية عيسى لمؤلفه حجة الإسلام للغزالي: دار الهداية - مصر، ١٤٠٦هـ/ ص١٨]، ومن عقاب في النار لمن عصى وتكبر.
ولو لم يرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين لكان للناس على الله حجة بأنه لم يرسل لهم من يبلغهم أوامره ونواهيه، وسائر شرائعه، حتى يعرفوا واجبهم نحو ربهم، قال تعالى: {رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا} [النساء: ١٦٥]
وهذا ما أكده ابن القيم بقوله: "لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنَال رضا الله البتة إلا على أيديهم .. فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه" [محمد نعمان الجارم: أديان العرب في الجاهلية، مطبعة السعادة - مصر، ١٣٤١هـ/١٩٢١م، ص٦-٧]، فكان إرسال الرسل وسيلة لتوصيل الدين إلى الناس.
إلا أن البشر قد اختلفوا أمام هذه المسألة، فهناك من أنكر الدين بشكل عام، وهناك من أقر بوجود دين ما، وأنكر النبوة والرسل، وقد عُرفت هذه الآراء في الحضارة الإسلامية، واتخذ علماء العقيدة موقفًا منها، ووجهوا النقد إليها.
فقد انتشر في العالم الإسلامي في القرن الثالث والرابع الهجريين، اتجاه لا يرى ضرورة للدين، وانقسم الناس في هذا الوقت إلى اتجاهين، أحدهما يقول: بعدم ضرورة الدين، وأن العقل وحده كاف لمعرفة كل الحقائق أو ما أسموه باسم العقل الطبيعي أو الدين الطبيعي، والاتجاه الآخر قال بضرورة الدين لحياة الإنسان وسعادته.
الاتجاه الأول: وهو الاتجاه القائل بعدم ضرورة الدين، وقد وصل هذا الاتجاه من الإلحاد إلى ذروته على يد زعيمين من أكبر زعماء الفكر الإلحادي في الإسلام، هما أبو الحسين بن الراوندي (ت٣٤٥ هـ)، وأبو بكر بن زكريا الرازي (ت حوالي القرن الثالث الهجري).
أما ابن الراوندي، فقد كان من مشاهير متكلمي المعتزلة غير أنه لم يلبث أن خرج عليهم، ومال عن مذهبه إلى الرافضة من الشيعة تارة، وفي دهاليز الملحدين وأعداء الإسلام تارة أخرى، وأيًّا ما كانت الأسباب التي دفعته إلى هذا الاتجاه الإلحادي مما يختلف عليها المؤرخون فإن حمله على المعتزلة حملة عنيفة [د. آمنة نصير: مباحث في علوم العقيدة، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٩٨٤م، ص٢١٣] تجاوزها إلى مهاجمة الإسلام وتعاليمه، وإنكار النبوة عامة، ونبوة محمد - صلى الله وعليه وسلم - خاصة، ومن ثم اعتبر في نظر جمهور مفكري الإسلام ملحدًا وزنديقًا.
ويُنسب إلى ابن الرواندي مؤلفات عديدة هاجم فيها النبوة، وقال عنها: إنها نوع من العبث، ومهمة لا طائل من ورائها، ومن مؤلفاته كتاب (التاج) الذي يدعم فيه مذهبه في قدم العالم طعنًا في عقيدة التوحيد، وكتاب (الزمردة) الذي رفض فيه النبوة اعتمادًا على كفاية العقل في المعرفة، فيعتبر ابن الرواندي أن العقل أعزَّ ما يملك الإنسان، وهو السبيل الوحيد للمعرفة، وهو الملجأ الوحيد لتقويم الأشياء [ابن القيم: زاد المعاد، المطبعة المصرية، ١٣٧٩هـ، ج٤، ص١٤] ، وله كتاب (الفرند) في الطعن على النبي محمد - صلى الله وعليه وسلم - وكتاب (الدامغ) الذي يطعن به في القرآن الكريم إلى غير ذلك مما ذكره له المؤرخون، وهو وإن كان مسبوقًا في إلحاده وزندقته بغيره من المتكلمين أمثال: أبي عيسى الوراق، وشاكر الديصاني، وابن طالوت، وأبي حفص الحداد وغيرهم إلا أنه كان أكثرهم شهرة بمؤلفاته في الكفر والزندقة.
وقد نسب ابن الرواندي هذه النظرية إلى البراهمة الذين ينكرون النبوة، وبعث الرسل، وينفون إمكان ذلك معتمدين في هذا على كفاية العقل في معرفة ما سيأتي به الرسل.
وهذا ما يذكره عنهم القاضي عبد الجبار، قائلًا: "إنهم أنكروا النبوة قائلين بأن الرسول إذا كان يأتي بما يوافق العقول فقد استغني بالعقل عن الرسول، وإذا كان يأتي بما يخالف العقول، فكيف ينزل الله أحكامًا تخالف العقول، وعادة ما يأتي الرسول بما يخالف العقول، مثل طقوس معينة في العبادات أو يبيح ما يحظره العقل كذبح البهائم، فكيف يجب بالسمع ما يكره بالعقل، إنه لا يجوز في الحكمة الإلهية أن يبعث الله رسولًا". [أبو الحسين الخياط: الانتصار، تحقيق: د. نيبرج، القاهرة. ١٩٢٥م، ص ١٠٢، وأيضًا الخوانساري: روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات. القاهرة، ١٩٨٨م، ج١، ص٥٤]
أما أبو بكر بن زكريا الرازي فقد نقد فكرة نزول الأديان وإرسال الرسل اعتمادًا - أيضًا - على تصوره لكفاية العقل، وحدد ثلاثة أسباب في ذلك:
السبب الأول: أن العقل وحده يكفي لمعرفة الخير والشر، فلا ضرورة لإرسال أناس يختصون بهذا الأمر من جانب الله، فإن الباري - عز اسمه - إنما أعطانا العقل وحبانا به؛ لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مثلنا [د. عبد الرحمن بدوي: تاريخ الإلحاد في الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٤٥م، ص ١٠٠ – ١٠١، وأيضًا: بول كراوس: مقالة عن كتاب (الزمرد) لابن الراوندي، مجلة الأدب، بيروت، ١٩٤٣م، مج [٢]، ج٩، ص٣٠ -٣١]، وهذا يفيد القول بانعدام الحاجة إلى الشريعة التي يأتي بها الأنبياء.
السبب الثاني: أن الأنبياء - فيما يذهب الرازي - يأتون بأقوال متناقضة فيما بينهم، فإذا كان مصدرهم واحد هو الله – تعالى - فمن أين أتى التناقض؟ وقد ذكر الرازي هذا السبب في كتابه (مخاريق الأنبياء) مشيرًا إلى التناقض بين الأديان بعضها وبعض بحيث لا يصح الإيمان بها، ويضرب مثالًا على ذلك بأن عيسى - عليه السلام - قد زعم أنه ابن الله، وزعم موسى أنه لا ابن له، وزعم محمد - صلى الله عليه وسلم - مخلوق كسائر الناس، وأن المسيح لم يقتل، واليهود والنصارى تنكر ذلك، وتزعم أنه قتل وصلب. [حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، القاهرة، ١٢٧٤هـ، ج٣، ع٣٥٤، ج٤، م٦٠، ٩٢]
السبب الثالث: أن إرسال النبوة أو الديانة تعني اختصاصًا لأحد البشر دون بقيتهم، وهذا لا معنى له - فيما يروي الرازي - لأن البشر متساوون في العقل والفطنة، والتفاوت يأتي من تنمية المواهب وتوجيهها، فيقول: من أين أوجبتم أن الله اختص قومًا بالنبوة دون غيرهم، وفضَّلهم على الناس، وجعلهم أدلة لهم، وأحوج الناس إليهم ومن أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك؟ [القاضي عبد الجبار: المغني في أبواب العدل والتوحيد، ج١٠ (التنبؤات والمعجزات)، تحقيق: محمود الخضيري، د. محمود قاسم. القاهرة، ١٩٦٥ م، ص١٠٦] بل يشير في كتابه (السيرة الفلسفية) على قدح في بعض ما حلله الشرع من ذبح الحيوان وأكله باعتباره إيلامًا للحيوان بغير ذنب ارتكبه، وهو ما يعني - عنده - أن الشريعة التي أتى بها النبي - صلى الله وعليه وسلم - تشتمل على مستقبحات في العقول توجب رفضها وإنكارها.
وقد تصدَّى للرد على هذا الاتجاه طائفة كبيرة من علماء الكلام من كافة الفرق والاتجاهات من المعتزلة تصدَّى لهم القاضي عبد الجبار في كتابه (المغني)، وأبو الحسين الخياط في كتابه (الانتصار).
ومن الأشاعرة كان أبو الحسن الأشعري، والباقلاني، والبغدادي، وبعض دعاة الإسماعيلية مثل (المؤيد في الدين هبة الله ابن أبي عمر الشيرازي) (ت ٤٧٠هـ) داعي الدعاة في عصر الخليفة المستنصر بالله الفاطمي، ويعتبر كتابه (المجالس المؤدية) في مقدمة الكتب التي ردت على شبهات هذا الاتجاه.
وقد ناقش (أبو حاتم الرازي) (ت٣٢٢هـ) وكان معاصرًا لأبي بكر الرازي هذه الأفكار ونقدها في كتابه (أعلام النبوة)، ولم يخل عصر من العصور الفكرية عن وجود هذا النقد لمن ينكر ضرورة الدين.
وقد ظل الهجوم على الدين مستمرًا حتى العصور الحديثة، عندما وصف كارل ماركس وأتباعه الدين بأنه (أفيون الشعوب)، وأن الناس يقبلون على الدين؛ لأنه يخرجهم ويلهيهم عن شقاء الحياة، وكما ظهر قديمًا من مفكري الإسلام من نقد الاتجاه الإلحادي ظهر – أيضًا - من مفكري الإسلام في العصر الحديث من نقد هذا الاتجاه، ومنهم الأستاذ (عباس محمود العقاد) الذي وضع كتابًا للرد على هذا الاتجاه قائلًا: هذا القول الهراء عن الدين آخر وصف يمكن أن ينطبق عليه، وأول وصف ينطبق على مذهب كارل ماركس بجميع معانيه، فالشعور بالمسئولية والمسكرات نقيضان، وما من دين إلا وهو يوقظ في نفس المتدين شعورًا حاضرًا بالمسئولية في السر والعلانية، ويجعله على حذر من مقارفة الذنوب بينه وبين ضميره، ويوحي إلى الفقراء والأغنياء على السواء أنهم لن يستحقوا أجر السماء بغير عمل وغير جزاء، وشتان بين هذا وقول القائلين: إن الدين يخدر المرء كما تخدره المسكرات وعقاقير الأفيون [أبو بكر الرازي: الطب الروحاني، ضمن رسائل فلسفية للرازي، تحقيق: بول كراوس، مصر، ١٩٢٩م، ج١، ص ١٧]
الاتجاه الثاني: مَثَّل هذا الاتجاه الغالبية العظمى من مفكري الإسلام، فيؤكد ابن حزم ضرورة الدين والشرع؛ لأنه بدونه لا يتحقق صلاح المجتمع، ولا يمكن انكفاف الناس عن العقل الذي فيه فناء الخلق، وعن الزنا الذي فيه فساد النسل، وعن الظلم الذي فيه الضرر على الأنفس والأموال وخراب الأرض، وعن الرذائل: البغي والحسد والكذب والجبن والبخل والنميمة والغش والخيانة، وسائر الرذائل.
إذن صلاح العالم لا يمكن تحققه، والشرور والمفاسد لا يمكن درؤها إلا بشريعةٍ آمرةٍ زاجرةٍ؛ إذ لولا ذلك لفسد العالم كله، وفسدت العلوم كلها، وبطلت فضيلة الفهم والنطق والعقل الذي في الإنسان، وصار كالبهائم. [د. منى أحمد أبو زيد: الفكر الكلامي عند ابن خلدون، منشأة المعارف - الإسكندرية، ص١٢٠].
وقد أخذ بهذا الاتجاه كلٌ من المعتزلة والأشاعرة، فربط المعتزلة فكرة ضرورة بعث الأنبياء بالدين بفكرهم وفلسفتهم، فهم على الرغم من اعترافهم بأن العقل قادر وحده على معرفة كل الحقائق قبل نزول الأديان إلا أنهم رأوا أن الدين هو صورة من صور اللطف الإلهي، وأن الأصلح للبشر أن ينزل عليهم الدين، ويبعث فيهم الرسل.
وبوجود الرسل يصح التكليف، ويتم الحساب من ثواب وعقاب؛ لأن العدل الإلهي أن لا يحاسب الله البشر إلا بعد أن يبلغهم أوامره ونواهيه من خلال الدين عن طريق الرسل.
ولمّا كان الله عادلًا، فهو لطيف بعباده اختار لهم ما هو أصلح لهم، فإذا كان في إنزال الأديان وبعث الأنبياء صلاحًا للبشر وجب ذلك عليه – تعالى - لطفَا منه بالمؤمنين، فتصوروا الدين على أنه أحد صور اللطف الإلهي بالإنسان، والله قد لطف بعباده ببعثه الرسل، وبما أدوه من الشرائع. [أبو بكر الرازي: الرسائل، ح ٢٠٤ - ٢٠٥]
ومن هنا صرح القاضي عبد الجبار بقوله: "قال مشايخنا: إن البعثة متى حسنت وجبت" [عباس محمود العقاد: أفيون الشعوب، المذاهب الهدامة، منشورات المكتبة العصرية، صيدا لبنان، [د.ت]، ص٩]، وأضاف: "إن البعثة لابد أن تكون لطفًا للمكلفين" [ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، مطبعة الحلبي - القاه ة، ج١، ص ٩٤]
وذهب الأشاعرة - أيضًا - إلى التأكيد على ضرورة الدين، وإن كانت هذه الضرورة ضرورة غير عقلية كما ذهب المعتزلة، بل هي تابعة لحكمة الله ومشيئته، وأكد أحد أعلامهم، وهو (فخر الدين الرازي) أن الله قد بعث الرسل بالأديان لقطع الحجة، كما جاء في قوله تعالى: {رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا} [النساء: ١٦٥]، وأن الطاعة يمكن أن تعرف بمقتضى العقل، ولكن كيفية الطاعة غير معلومة لنا، فوجب إرسال الرسل لقطع العذر حتى إذا بين الأنبياء كيفية الطاعة بالشرائع زالت أعذار الناس [القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، تحقيق: د. عبد الصريم عثمان، مكتبة وهبة - القاهرة، ١٩٦٥م، ص ٥٦٤].
ومن أصحاب هذا الاتجاه كذلك (العامري) الذي اعتبر أن الدين أحد صور الخير والعناية التي أولاها الله للإنسان، فقد خصه دون بقية موجودات العالم في منحه الشرائع والأديان، ويؤكد هذا قائلًا: "إن الدين يؤدي بالإنسان إلى ما هو خير بالذات" [القاضي عبد الجبار: المغني، ج١٣ [اللطف] ، تحقيق: د. أبو العلا عفيفي، القاهرة، ١٩٦٢م، ص ٢٠]
ويصف (العامري) الدين بأنه المُنجي للإنسان من الوقوع في الشرور، والموصل إلى تحقيق الخير المطلق له، وبه تتحقق صورة من صورة العناية الإلهية بالإنسان، فالدين كريم الصحبة يعز من يلجأ إليه، ويستر عيوب من اتصل به، مع ما يدخر له في عاقبته من الغبطة الأبدية. [القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ص٥٧٢ - ٦١٣]
فإذا كان الدين يحقق للإنسان خيره الخاص، وخيره المطلق في الدنيا والآخرة وجب على الإنسان أن يلتزم به، والالتزام بالدين ليس هو التزام بأعمال خارجية أو أقوال فقط، بل يرى العامري أن الدين على خلاف ذلك؛ لأن الدين لا يخاطب الإنسان من الخارج فقط، بل يخاطب داخله أكثر باعتبار أن الإيمان هو اعتقاد أكثر منه فعل، وهذا يظهر من خلال تعريفه لمعنى الايمان بأنه هو: "الاعتقاد الصادق اليقيني، ومحله من القوة التميزية هو القوة العاقلة" [د. أ حمد محمود صبحي: في علم الكلام، نشر المؤسسة الجامعية، الإسكندرية - مصر، ١٩٧٨م، ج١، ص٧٦٨ ]
ويرى (العامري) أن الإسلام أفضل الأديان؛ لأنه أحق الأديان بطول البقاء؛ حيث جمع بين الشدة واللين، فوجد كل من ذوي الطبائع المختلفة ما يصلح به حاله في معاده ومعاشه، ويستجمع له من خير دنياه وآخرته، وكل دين لم يوجد على هذه الصفة فمن المحال أن يُسَمَّى دينًا هنيًّا فاضلًا.
ويوجه (العامري) نقده لأصحاب الأديان الأخرى الذين ينتهجون أمورًا تصعب على الإنسان، مثل رهبان النصارى الذين هجروا النكاح، والتزموا العزلة أو أصحاب الديانة الثنوية الذين التزموا الزهد والابتعاد عن عمارة العالم أو ما التزمه نُسّاك الهند من تعذيب أجسادهم، ورأى أن مثل هذه الأديان تصعب الحياة على الإنسان، أما الإسلام فهو الدين الملائم للإنسان، وأن الله لو أراد بعباده حملهم على إهلاك الأنفس لمَا علَّمهم صنعة ملبس لتحصنهم من بأسهم، ولما جعل لهم سرابيل تَقيهم الحر، ولما هداهم لصنوف العقاقير النباتية ليستشفوا بها من الآلام [أبو الحسن العامري: الأمد على الأبد، تحقيق: أورت. ك. أورسن. دار الكندي - بيروت، ١٩٧٩م، ص١٢]
وهكذا ينهي (العامري) تصوره للدين على اعتبار أنه عناية بالإنسان، ليس فقط في كونه يرشد الإنسان لخيره الخاص، ولكن في كونه خير الأديان التي تراعي حق الإنسان وتيسر له العيش، وتحافظ على حياته باعتباره خليفة الله على الأرض، وأشرف مخلوقاته، وهي العناية الممثلة في بعث الأنبياء بالشرائع والأديان.
وحاجة الإنسان إلى الدين ليست حاجة قديمة - قد انتهت - وإنما حاجة مستمرة ومتصلة بحياة الإنسان، بل إننا في هذا العصر في أمس الحاجة إلى الدين، فقد أثبتت الأزمة الشاملة التي يعانيها العالم اليوم بسبب المادية العلمية إفلاس التقدم العلمي والصناعي وعجزه عن تحقيق الخير للبشر، وهذا ما دفع الناس إلى أن يرنوا بأبصارهم نحو الدين على أنه (بمُثله وقيمه الأخلاقية) المنقذ الوحيد للبشرية من الأزمة التي تعانيها، وفي هذا دليل على أن التعاليم الدينية لم تفقد فعاليتها ولن تفقدها؛ لأن الدين نفسه يقوم على دعائم حقيقية غير قابلة للنقض.
فالدين ضرورة للإنسان حين تتطلبه غريزته وطبيعته، وهو ضروري حين تفتقد بصيرته، وهو ضروري حين يحتاج إليه لحل كافة مشكلات الحياة، وهكذا نجد أن الدين هو الذي بدأ الحياة على الأرض، وهو الذي خلق الحضارة والثقافة، ووجه الناس إلى صنعها يقول د. عثمان أمين: الدين دعامة أساسية للحضارة؛ لأنه منبع القيم الروحية، ولأنه هو البعد الجواني للإنسان من حيث هو إنسان.
الدين ضرورة عقلية وروحية لحياة الإنسان لا يمكن الاستغناء عنها، وقد رد علماء الإسلام بالحجج العقلية والنقلية على منكريه، وفي ظل الأزمات المعاصرة كانت الحاجة المتجددة إلى الدين كمصدر للأمن الروحي والقيم الأخلاقية.
العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين
الرباط بين الدين والأخلاق والحضارة رباط وثيق