تُعتبر النحلة من المفردات الغنية بالمعاني في التراث العربي والإسلامي، فيتقاطع معناها بين العطاء الحقيقي والانتحال الزائف، ويظهر عمق هذه الكلمة من خلال استخدامها في السياقات القرآنية واللغوية والعقدية؛ مما يفتح مجالًا واسعًا لفهمها في سياقات متنوعة.
تُعتبر النحلة من المفردات الغنية بالمعاني في التراث العربي والإسلامي، فيتقاطع معناها بين العطاء الحقيقي والانتحال الزائف، ويظهر عمق هذه الكلمة من خلال استخدامها في السياقات القرآنية واللغوية والعقدية؛ مما يفتح مجالًا واسعًا لفهمها في سياقات متنوعة.
إن التركيز على المعنى اللغوي لهذه المفردة سوف يمكننا من استنباط معانٍ جديدة تتعلق بالمعنويات التي تدل عليها بعد أن وردت كثيرًا متعلقة بالمحسوسات، وقد وردت الكلمة كثيرًا في لغة العرب، جمع ابن منظور منها الجم الغفير، ومما ورد في مدلول هذه المفردة ما يلي:
النُّحل بالضم: إعطاؤك الإنسان شيئًا بلا استعاضة، وعمّ به بعضهم جميع أنواع العطاء، وقيل: هو الشيء المعطى وقد أنحله مالًا ونحله إياه، ونحل المرأة مهرها، والاسم النِّحلة، تقول: أعطيتها مهرها نِحلة - بالكسر - إذا لم ترد منها عوضًا، وفي التنزيل العزيز: {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ} [النساء: ٤]، وقال بعضهم: فريضة. قال بعضهم: ديانة، كما تقول: فلان ينتحل كذا وكذا؛ أي يدين به. وقيل: نحلة؛ أي دينًا وتدينًا. وقيل: أراد هبة. وقال بعضهم: هي نحلة من الله لهنَّ أن جعل على الرجل الصداق ولم يجعل على المرأة شيئًا من الغرم، فتلك نحلَة من الله للنساء، ونحلت الرجل والمرأة إذا وهبت له نحلة.
وفي التهذيب والصداق فرض؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يعطون النساء من مهورهن شيئًا، فقال الله تعالى: {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ} [النساء: ٤] هبة من الله للنساء فريضة لهن على الأزواج، وفي الحديث: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ» [الحديث].
النُّحُل: العطية والهبة ابتداءً من غير عوض ولا استحقاق.
والنِّحلة الدعوى، وانتحل فلان شعر فلان أو قول فلان إذا ادعاه أنه قائله، وتنحَّله: ادعاه وهو لغيره، ونحله القول: نسبه إليه، ونحلته القول أنحله نحلًا إذا أضفت إليه قولًا قاله غيره وادعيته عليه.
ويقال: نحل الشاعر قصيدة إذا نُسبت إليه وهي من قول غيره، وتنحله مثله، قال الفرزدق:
إذا ما قلت قافية شرودًا *** تنحلها ابن حمراء العجان
وفي حديث قتادة بن النعمان، كان بشير بن أبيرق يقول الشعر ويهجو به أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وينحله بعض العرب؛ أي ينسبه إليهم من النحلة وهي النسبة بالباطل.
ويقال: ما نحلتك أي ما دينك؟ [لسان العرب، مادة نحل]
ومن مجموع ما ذكر نرى الكلمة تطلق على أمرين في وقت واحد:
نحله الشيء ينحله نحلًا ونحلةً: أعطاه إياه دون عوض طيبةً بها نفسه، فالنِّحلة: الإعطاء على هذه الصفة، وتطلق النحلة على المُعطي نفسه، وتطلق النِّحلة على الملة والدين، يقال: صدقة الفطر نحلة؛ أي دين وفريضة.
وعندما تناولوا قول الله تعالى: {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ} [النساء: ٤] فسروا النحلة بالإعطاء دون عوض، وبالعطية دون عوض، وبالفريضة والدين [معجم ألفاظ القرآن الكريم، مادة (نحل) ص ٦٩٠].
وفي المفردات في غريب القرآن ورد: والنَّحلة والنِّحلة عطية على سبيل التبرع، وهو أخص من الهبة؛ إذ كل هبة نحلة وليس كل نحلة هبة، واشتقاقه فيما أرى أنه من النحْل نظرًا منه إلى فعله، فكأن نَحَلته أعطيته عطية النحل، وذلك ما نبه عليه قوله: {وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ} [النحل: ٦٨].
وبين الحكماء أن النَّحْل يقع على الأشياء كلها فلا يضرها بوجه وينفع أعظم نفع؛ فإنه يعطي ما فيه الشفاء كما وصفه الله – تعالى - وسمي الصداق بها من حيث إنه لا يجب في مقابلته أكثر من تمتع دون عوض مالي، وكذلك عطية الرجل ابنه، يُقالُ: نَحَلَ ابْنَهُ كذا وأَنْحَلَهُ، ومِنْهُ: نَحَلْتُ الْمَرْأَةَ، قالَ: صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةٌ .
والانتحال ادعاء الشيء وتناوله، ومنه يقال: فلان ينتحل الشعر، ونحل جسمه نحولًا، صار في الدقة مثل النحل، ومنه النواحل للسيوف أي الرقاق الظبات تصورًا لنحولها، ويصح أن يجعل النحلة أصلًا، فيسمى النحل بذلك اعتبارًا بفعله والله أعلم [المفردات في غريب القرآن مادة (نحل) ص ٥۰۷، ٥۰۸].
وأما المفسرون فقد توسعوا في دلالة الكلمة، ومن هؤلاء نرى الزمخشري يقول في تناوله للفظة (النحلة) في قول الحق سبحانه: {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ} [النساء: ٤] من نحله كذا إذا أعطاه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة نحلًا، ومنه حديث أبي بكر ـ رضي الله عنه: "إني كنت نحلتك جدادًا عشرين وسقًا بالعالية" [الحديث]، وقيل: نحلة من الله عطية من عنده وتفضلًا منه عليهن.
وقيل: النحلة الملة، ونحلة الإسلام خير النحل، وفلان ينتحل كذا أي يدين به، والمعنى: "آتوهن مهورهن نحلة؛ أي ديانة، ويجوز أن يكون حالًا من الصدقات؛ أي دينًا من الله شرعه وفرضه ..." [الزمخشري ١/٢٤٦ بتصرف]، وأما القرطبي فقد عُني بضبط الكلمة وبيان الحكم الشرعي في الصداق، ولم يخرج في الدلالة اللغوية عما ذكر في لغة العرب سابقًا. [القرطبي ٢/١٥٩٤]
أطلق ابن حزم كلمة (نحلة) على المعتقدات الحقة كما أطلقها على المعتقدات الباطلة.
ومن إطلاقه كلمة (نحلة) على المعتقد الحق قوله: قد أكملنا - بعون الله - الكلام في الملل، فلنبدأ - بحول الله عز وجل - في ذكر نحل أهل الإسلام وافتراقهم فيها، وإيراد ما شغب به من شغب منهم فيما غلط فيه من نحلته، وإيراد البراهين الضرورية على إيضاح نحلة الحق من تلك النحل كما فعلنا في الملل والحمد لله رب العالمين ... [الفصل ج ٢/٨٨ بتصرف]
ومن كلامه: "قد أوضحنا شنع جميع هذه الفرق في كتاب لنا لطيف اسمه: (النصائح المنجية من الفضائح المخزية والقبائح المردية) من أقوال أهل البدع من الفرق الأربع: المعتزلة والمرجئة والخوارج والشيعة، ثم أضفناه إلى آخر كلامنا في النحل من كتابنا هذا، وجملة الخير كله أن تلزموا ما نص عليه ربكم – تعالى - في القرآن بلسان عربي مبين ..." [الفصل ج ٣/٩٢]
وبهذا يكون ابن حزم قد أطلق كلمة (ملل) على اليهود والنصارى وفرقتهم، وهذا واضح حين تناول في الباب الأول ونصف الباب الثاني من كتابه (الفصل) اليهود وفرقهم والنصارى وأحوالهم، ثم انتقل من هذا إلى حديثه عن (الكلام في النحل وبيان فرق أهل الإسلام)، ولم يعالج في هذا الأمر إلا فرق الإسلام ومن تفرق منها وانشعب عليها، وقد ذكر أهل الاعتدال من كل فرقة كما ذكر الغالين منهم، ولم يفرق في الوصف بينهم، بل أطلق على كل فرقة أو جماعة قامت على أسس عقدية اسم (نحلة)، وأما المذهبيات الفقهية والصوفية فلم يتطرق إليها لا من قريب ولا من بعيد.
وبهذا تكون (النحلة) اسمًا أو صفة للفرق المعتدلة في الإسلام، كما تكون اسمًا أو صفة للفرق الغالية أو المارقة
الشهرستاني وكلمة نحلة:
إذا كان ابن حزم - وهو أسبق من الشهرستاني - قد نص على ما سبق، فإن الشهرستاني قد قسم أتباع العقائد إلى قسمين:
١- أتباع ديانات سماوية، وهؤلاء دعاهم بأهل الدين والملل.
٢- أتباع أهواء وديانات وضعية، وهؤلاء سماهم بأهل الأهواء والنحل.
ومن كلامه عن الفريق الأول: "من الفرق الإسلامية وغيرهم ممن لهم كتاب منزل محقق، مثل اليهود والنصارى، وممن له شبهة كتاب مثل المجوس والمانوية". [الملل والنحل من ٣٦]
وعندما فصل القول في أرباب الديانات والملل تناول الإسلام، وذكر الكثير من الفرق الإسلامية التي وجدت في زمنه، وما تشعب عن كل فرقة من فرقة، فذكر المعتزلة وذكر لها شعبًا عشرًا، وذلك في الفصل الأول، وفي الفصل الثاني ذكر الجبرية وذكر لها فرقًا ثلاثة، وفي الفصل الثالث ذكر الصفاتية وذكر لها فرقًا ثلاثة، وفي الفصل الرابع ذكر الخوارج وذكر لهم فرقًا ثمانية، وفي الفصل الخامس ذكر المرجئة وذكر لهم فرقًا ستًا، وفي الفصل السادس ذكر الشيعة وذكر لهم خمس فرق وما انشعب عن كل فرقة من هذه الفرق الخمس.
وفي الباب الثاني تحت عنوان (الملل) تناول أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى وفرقهم وما انشعب منها
وفي الباب الثالث تناول من لهم شبهة كتاب، فذكر الصابئة والمجوس وما انشعب منهما، كما تناول الثنوية وفرقهم.
وأما أهل الأهواء والنحل فقد نص على مقابلتهم لأهل الأديان والملل تقابل تضاد، ومن كلامه: "أهل الأهواء والنحل من الصابئة والفلاسفة وآراء العرب في الجاهلية وآراء الهند، وهؤلاء يقابلون أرباب الديانات تقابل تضاد، واعتمادهم على الفطر السليمة والعقل الكامل والذهن الصافي، فمن معطل بطال لا يرد عليه فكره براد، ولا يهديه عقله ونظره إلى اعتقاد، ولا يرشده فكره وذهنه إلى معاد، قد ألف المحسوس وركن إليه، وظن أنه لا عالم سوى ما هو فيه من مطعم شهي ومنظر بهي، ولا عالم وراء هذا المحسوس، وهؤلاء هم الطبيعيون الدهريون لا يثبتون معقولًا ويثبتون محسوسًا، ومن الناس من يقول بالمحسوس والمعقول، ولا يقول بحدود وأحكام وهم الفلاسفة الدهرية، ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام، ولا يقول بالشريعة والإسلام، وهم الصابئة"، وقد دار كلامه في الباب الثاني من كتابه (الملل والنحل) حول مفردات الأقسام (السابق الإشارة إليها). [راجع الباب الأول والثاني من الملل والنحل للشهرستاني]
إذا كان الانتحال هو الادعاء بالباطل، وادعاء ما لا يملك الإنسان ونسبة الشيء إلى غير مصدره، فإن الحكم يكون الفرق اليهودية والنصرانية نحلًا لا يشوبه شائبة؛ لأنه ادعاء بالباطل من حيث المصدر والمضمون، كما أن كافة الفرق المارقة عن الإسلام وإن انتسبت إليه يمكن تسميتها "نحلة" بمعنى الانتحال، أي الكذب أو الادعاء بالباطل.
فعندما يعلن ميرزا غلام أحمد القادياني أنه رسول، وأنه مجدد، وأنه يوحى إليه منتحلًا لصفة النبوة والرسالة، ومنتحلًا لكتابه (براهين أحمدية)، وعندما يدعي نسخ بعض الأحكام وتعديل بعضها، يكون منتحلًا؛ أي مدعيًا بالباطل ما لا دليل له عليه.
وعندما يعلن ميرزا حسين المازندراني أو البهاء أنه المهدي ثم النبي ثم يدعي الألوهية يكون منتحلًا في ذلك كله، فالنبوة خُتمت، والرسالة تمت، والكتاب أحكمت آياته، ولم يلق النبي ربه حتى نزلت الآية الكريمة: {ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ} [المائدة: ٣]، فما حاجة المسلمين إلى من يخفف بعض الأحكام، ويتلاعب بالصلاة والصيام، ويعيد ترتيب شهور السنة والأيام، ويغير الكعبة والقبلة من البيت الحرام إلى العراق؛ حيث إقامته الأولى وعكا؛ حيث مثواه في الرغام؟
أليس الأجدر بهذا أن تسمى بالنحلة من الانتحال وهو الادعاء الكاذب لا من النحل أي الفرائض والتدين والتعبد والالتزام.
وخلاصة القول لدى علماء الأديان أن كلمة (دين) أو (ملة) تطلق على كل معتقد حقًّا كان أو باطلًا، وأن كلمة (نحلة) قد اشتهرت عند الإطلاق على المذاهب الوضعية والفرق المارقة وأدعياء النبوة وأشياعهم من الفرق التي لا سند لها من دين أو كلام مبين.
وأما ما ذهب إليه ابن حزم من تسمية الإسلام بالنحلة وتسمية الفرق الإسلامية بالنحل، فلعله أراد المعنى البعيد للكلمة في لغة العرب، وهو التدين والفريضة والعطية بلا مقابل والعبادة، والإسلام من حيث هو فريضة إلهية من ناحية، وترك للعمل به من ناحية ثانية أو الهبة؛ وذلك ليلتزم الناس به ويطبقوا تعاليمه (العبادة)، فجاز إطلاق النحلة من هذا القبيل على الإسلام، وإطلاقها على الأهواء والاختلافات المصبوغة بالصبغة الدينية فهو من باب الدلالة الكلامية في الانتحال؛ أي الكذب وادعاء ما لا دليل عليه والله أعلم.
مراجع للاستزادة:
تعكس كلمة (نِحْلَة) تعددًا دلاليًّا بين المعنى الإيجابي والمعنى السلبي، الأول كالهبة والفريضة، والثاني كالادعاء الزائف والانتحال، وتُستخدم قرآنيًّا للدلالة على العقيدة المشروعة، بينما تشير لغويًّا إلى الفرق المنحرفة عند الانتحال، فيتحدد معناها وفق السياق والمقصد؛ مما يجعلها كلمة غنية بالدلالة بين الحق والباطل.