السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وتعني الطريقة أو السيرة، وتشمل أقوال النبي وأفعاله وتقريراته، تُعد السنة حجة شرعية كالقرآن، وقد دُوّنت في عهد النبي بجهود الصحابة، وتعرضت للطعن والتشكيك من بعض المنكرين.
السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وتعني الطريقة أو السيرة، وتشمل أقوال النبي وأفعاله وتقريراته، تُعد السنة حجة شرعية كالقرآن، وقد دُوّنت في عهد النبي بجهود الصحابة، وتعرضت للطعن والتشكيك من بعض المنكرين.
التعريف بالسنة النبوية
أولًا: السنة في اللغة هي: الطريقة، وهي السيرة حميدة أو غير حميدة. ومن ذلك قول الرسول -صلى الله عليه وسلـم-: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [أخرجه مسلم].
وسنة الله في خلقه: حكمه سبحانه في خلقه، وما عودهم عليه [المعجم الوسيط ص: ٤٥٦، وغيره من المعاجم]،
وذلك كقولهم: سنة الله - تعالى - في خلقه أن يمهل العاصي عله يتوب ويرجع.
ثانيًا: السنة في الاصطلاح:
يختلف معنى السنة في الاصطلاح حسب تخصص المصطلحين وأهدافهم واهتماماتهم، وفي هذا المجال نجد هناك المحدثين، وهناك الأصوليين، ونجد هناك الفقهاء، فهؤلاء ثلاثة لكل منهم مجال بحثه واهتمامه:
١ - أما علماء الحديث أو المُحَدَّثون؛ فإنما يبحثون في السنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- الإمام الهادي، والنبي الرسول، الذي أخبرنا ربنا -سبحانه- أنه أسوتنا وقدوتنا، ومن ثم ينبغي علينا أن نعرفه -صلى الله عليه وسلـم- من جميع جوانبه، وكافة أحواله.
لذا فقد نقل المحدثون كل ما يتصل به -صلى الله عليه وسلـم- من أقوال وأفعال وتقريرات، سواء أثبت ذلك حكمًا شرعيًا أو لم يثبت، كما نقلوا عنه -صلى الله عليه وسلـم- شمائله وقصصه، وصفاته خَلقا وخٌلقًا.
هذا ما الْتأمت عليه كتب الحديث، وأنتجته مجهودات المحدثين، ومن هنا فقد عرَّفوا السنة بأنها: (كل ما أثر عن النبي -صلى الله عليه وسلـم- من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها.
٢- وأما علماء الأصول؛ فإنما يبحثون في السنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلـم - المشرع الذي يضع القواعد ويوضح الطريق أمام المجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة على ما يرضي الله سبحانه، ومن ثم فقد اهتموا من السنة بأقوال النبي - صلى الله عليه وسلـم - أفعاله وتقريراته التي تستقى منها الأحكام على أفعال العباد من حيث الوجوب، أو الحرمة، أو الإباحة وغير ذلك.
لذا عرَّفُوا السنة بأنها: ما نقل عن النبي -صلى الله عليه وسلـم- من قول أو فعل أو تقرير.
مثال القول: قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [متفق عليه].
ومثال الفعل: ما نقل إلينا من فعله -صلى الله عليه وسلـم- في الصلوات من حيث عددها وهيئتها ووقتها، وكذلك مناسك الحج والعمرة، وغير ذلك.
ومثال التقرير: إقراره - عليه الصلاة والسلام - لاجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في أمر صلاة العصر في غزوة بني قريظة، حيث قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلـم: «لَا يُصَلّيَنّ أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» [متفق عليه].
ففهم بعضهم النهي على ظاهره فأخر صلاة العصر ولم يصلها حتى فات وقتها، وفهم بعضهم أن المقصود من النهي حث الصحابة على الإسراع، فصلوها في وقتها قبل الوصول إلى بني قريظة، وقد بلغ النبي -صلى الله عليه وسلـم- ما فعل الفريقان فأقرهما جميعًا [السنة ومكانتها من التشريع، د. مصطفى السباعي، ص ٤٧، السنة قبل التدوين. ص ١٦ د. عجاج الخطيب].
٣- وأما علماء الفقه، فيبحثون في السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - الذي لا تخرج أقواله وأفعاله عن الدلالة على حكم من الأحكام الشرعية، ومن ثم كانت السنة عندهم هي: "ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلـم- أمرًا غير جازم، أو: "ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلـم- من غير افتراض ولا وجوب" أو "ما في فعله ثواب، وفي تركه ملامة وعتاب لا عقاب"، وهي تقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة لدى الفقهاء.
وقد تطلق السنة عندهم على ما يقابل البدعة، فيقال: فلان على سنة، إذا كان يعمل على وفق ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلـم-، ويقال: فلان على بدعة، إذا كان عمل على خلاف عمل النبي -صلى الله عليه وسلـم، ويشير إلى ذلك حديث العرباض بن سارية: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ» [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه]، [إرشاد الفحول ص ١ ٣، والموافقات ج٤ص٣، تدوين السنة ص١٧د. محمد مطر الزهراني - السنة ومكانتها من التشريع ص: ٤٩].
وقال ابن مسعود: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة، وفي بعض الآثار: "مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلاَّ رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ".
هذه معاني السنة أو تعريفاتها والمراد بها في مصطلح العلماء، وقد تبين لنا أن أهل كل فن أو علم لهم اهتمام وعمل في السنة يتناسب مع علومهم وفنونهم التي يشتغلون بها، وإضافة إلى ما يهتم به الجميع من السنة بما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم باعتبارهم مسلمين، بعيدًا عن تخصصاتهم العلمية، وطبيعي أن جوانب اهتمام كل منهم بالسنة النبوية لا تتعارض مع اهتمام الآخرين، ولا يقلل من شأنه، فالحق أنها كلها في خدمة السنة النبوية، وتيسير التعرف عليها، والعمل بها، وليس من شك في أن من أشرف أهداف القائمين على الاهتمام بالسنة النبوية - أيا كانت علومهم وفنونهم - هو جمع السنة النبوية وتمحيصها وتنقيتها مما يكون دخيلًا عليها، ثم الدفاع عنها ضد الشاغبين عليها من أعداء الله ورسوله والمسلمين.
وبعد أن ذكرنا عددًا من تعريفات السنة عند بعض العلماء أصحاب الفنون والعلوم المختلفة؛ فلعله ينبغي أن نتخير التعريف الذي يتفق مع بحثنا هذا.
ونعني هنا تعريف السنة عند المحدثين علماء الحديث الذين يعنون بجمع السنة ودراستها وتيسير العلم بها، والعمل على مقتضاها، وهؤلاء لا يقتصرون على فن بعينه أو علم بخاصته، بل يعنون بالسنة عناية شاملة لكل جوانبها، ومن أراد أن يأخذ ما يهمه ممن لهم عناية خاصة بفن أو علم، فإنه يأخذه عن المحدثين الذين مهدوا له السبيل وأوضحوا له الحجة ببيان المحجة.
وعلماء الحديث يعرفون السنة بأنها: ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلـم - من أقوال، وأفعال، وتقريرات، وصفات خلقية وخلقية، وسيرة.
فهذه خمسة أقسام شملها تعريف السنة عند المحدثين، ولعل الأمر يحتاج منا إلى أن نذكر مثالًا أو مثالين لكل واحد من هذه الأقسام.
١-من السنة القولية: قوله - صلى الله عليه وسلـم - فيما رواه أبو هريرة - رضي الله عنـه: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِئَةً غَيْرَ وَاحِدٍ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» [متفق عليه].
٢- من السنة الفعلية: ما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» [متفق عليه].
قولها: «كان -صلى الله عليه وسلـم- إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ» [متفق عليه].
٣- من سنته التقريرية: والمراد بذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- لا يقول شيئًا، ولا يفعل شيئًا، ولكن يراد بالتقرير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- يرى فعلًا، أو يسمع قولًا، أو يعلم بذلك الفعل أو القول فيقره ويسكت عنه ولا ينكره، مع قدرته - صلى الله عليه وسلـم - على الإنكار. ذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- لا يقر باطلًا، ولا يسكت على منكر، فإن الله - تعالى - قد فرض عليه التبليغ، والتبليغ ينافي أن يرى منكرًا أو يسمع به ثم لا ينكره، وينبني عليه أن سكوته -صلى الله عليه وسلـم- عن شيء رآه أو سمع به يدل على جوازه.
وعلى ذلك فإن من ادعى أن النبي -صلى الله عليه وسلـم- قد رأى منكرًا فسكت عليه ولم ينكره فقد كفر.
ومن تقريراته -صلى الله عليه وسلـم- ما وقع من المؤمنين يوم غزوة بنى قريظة فإن النبي - صلى الله عليه وسلـم -، قال لأصحابه جميعًا: «لَا يُصَلّيَنّ أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» [متفق عليه].
لكن ناسًا من الصحابة فهموا أن المراد بذلك هو الإسراع، فلما حضر وقت العصر صلوا ثم أسرعوا، وفهم الآخرون أن الحديث على ظاهره فتركوا الصلاة حتى فاتهم وقتها، ولما ذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلـم- سكت ولم يخطّئ أحدًا من الفريقين، فكان ذلك إقرارًا لاجتهاد كل منهما، وأن كلًّا منهما مصيب في اجتهاده.
وقد يقترن بالسكوت منه -صلى الله عليه وسلـم- ما يدل على ما هو أكثر من التقرير، بل يدل على الرضا والسرور وذلك مثل ما ورد في قضية عمرو بن العاص -رضي الله عنه- فإنه حين صلى بأصحابه -رضي الله عنهم- في ليلة شديدة البرد فتيمم ولم يغتسل، وكان قد أصابه جنابة، فلما شكاه أصحابه إلى النبي - صلى الله عليه وسلـم - سأله النبي -صلى الله عليه وسلـم- عن ذلك، فقال عمرو: ذكرت قول الله تعالى: {وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا} [النساء: ٢٩] فتيممت ثم صليت. فضحك النبي -صلى الله عليه وسلـم- وسكت عنه. [رواه أحمد، وأبو دواد، والدارقطني، وابن حبان والحاكم].
فضحكه -صلى الله عليه وسلـم- يدل على سروره - صلى الله عليه وسلـم - بفعل عمرو وثنائه على اجتهاده.
٤ - صفاته -صلى الله عليه وسلـم- الخلقية والخلقية:
أ - فمن صفاته -صلى الله عليه وسلـم- الخلقية: ما رواه أبو سعيد - رضي الله عنه - «كان خاتم النبوة في ظهره بضعة ناشزة». [رواه الترمذي].
وقول جابر بن سمرة -رضي الله عنه– "كان خاتم النبوة غدة حمراء مثل بيضة الحمامة" [رواه مسلم، والترمذي].
وقول أنس -رضي الله عنه – «كَانَ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم – رَبْعَةً مِنَ القومِ، ليس بالطَّويلِ البائِنِ، ولا بالقصيرِ، أزْهَرَ اللَّونِ، ليس بالأبْيَضِ الأمهَقِ، ولا بالآدَمِ» [رواه البخاري].
وقول ابن عمر رضى الله عنهما: "كان شيبه - صلى الله عليه وسلـم - نحو عشرين شعره". [رواه أحمد، والترمذي].
وقول كعب بن مالك - رضي الله عنـه: «كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا سُرَّ استنارَ وجهُه، كأنَّهُ فَلَقَةُ قمرٍ» [متفق عليه].
وقول على رضي الله عنـه: «كانَ – صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم – ضَخْمَ الهامَةِ، عَظيمَ اللِّحيَةِ». [رواه أحمد، وابن حبان، والبيهقي].
ب - من صفاته -صلى الله عليه وسلـم- الخلقية: قول عائشة - رضى الله عنها: «كانَ خُلُقُهُ القُرآنَ» [رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود].
وقول أبي سعيد -رضي الله عنه – «كانَ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم– أشدَّ حياءً من العَذْراءِ في خِدْرِها» [متفق عليه].
وقول أنس رضي الله عنـه: «كانَ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم– أَوْدَ النَّاسِ، وأَحْسَنَ النَّاسِ، وأَشْجَعَ النَّاسِ» [متفق عليه].
وقد قال الله تعالى موجبًا على الأمة إتباع رسوله -صلى الله عليه وسلـم– {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: ٣١].
وقال سبحانه موجبًا على المسلمين الاقتداء والتأسي برسوله -صلى الله عليه وسلـم- قال تعالى: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأحزاب: ٢١].
وفي أمر الله -تبارك وتعالى- الأمة بإتباع الرسول -صلى الله عليه وسلـم- والاقتداء والتأسي به يقين بأن كل ما جاء به -صلى الله عليه وسلم- حق وصدق لا باطل فيه ولا زيف ولا كذب.
فإن الله سبحانه لا يأمر عباده بأن يتبعوا ضالًّا ولا مضلًا ولا كاذبًا حاشا رسول الله -صلى الله عليه وسلـم، وقد نبه رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- وأخبر بأنه لا يقول إلا حقًا، ولا ينطق إلا صدقًا، فقد روى أصحاب السنن أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما كان يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلـم، فنهاه ناس عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه ورسول الله -صلى الله عليه وسلـم- بشر يتكلم في الرضا والغضب، فأمسك عن الكتابة وسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- عن ذلك.
فأشار رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- فيه وقال: «اكْتُبْ فوالذي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا يخرج مِنْهُ إِلَّا الْحق» وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه. [رواه أحمد في مسنده ٢٠ /١٦٣، والدارمي في سنته ١/١٠٣، وأبو داود في سننه، ٤/٦٠ والخطيب في تقييد العلم ص ٧٤- ٨٨١، وانظر: تدوين السنة النبوية ص: ٧٩]
وإذا كان -صلى الله عليه وسلـم- لا يقول إلا حقًا. فهو لا يفعل إلا حقًا، ولا يقر إلا حقًا، وحاشاه -صلى الله عليه وسلـم- أن يفعل قبيحًا، أو يُقر منكرًا.
المبحث الثاني: مكانة السنة النبوية الشريفة من التشريع وأدلة حجيتها
أولًا: مكانة السنة النبوية الشريفة من التشريع:
إن السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وهذه حقيقة لا يعارضها أو يشغب عليها إلا شقي معاذ الله ورسوله والمؤمنين، مخالف لما أجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا، وحتى قيام الساعة بحوله تعالى ذلكم أن المقرر لدى الأمة المسلمة أن الوحي المنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلـم - من قبل الله تعالى نوعان:
الأول: القرآن المجيد: كلام الله سبحانه المنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلـم - وبلفظه ومعناه، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه، المحفوظ من الله تعالى أن يناله التحريف، المجموع بين دفتي المصحف الشريف.
الثاني: السنة النبوية المطهرة بأقسامها الثلاثة: القولية والفعلية والتقريرية، فسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - هي وحي من الله تعالى على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلـم - بإجماع أمة المسلمين، وذلك لما قام الدليل من كتاب الله تعالى على ذلك.
في آيات كثيرة نذكرها بحوله تعالى في موضعها، ثم لما صرحت به السنة النبوية في أحاديث صحاح،
ثم لما أجمعت عليه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين - بحوله تعالى.
١ – ومن الآيات القرآنية التي تدل على أن السنة وحي؛ قول الله - تبارك وتعالى - عن رسوله: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ * إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ} [النجم: ٣-٤].
فهاتان الآيتان نص قاطع على أن الرسول - صلى الله عليه وسلـم - لا يأتي بشيء من عنده وأن كل ما ينطق به في مجال التشريع إنما هو وحي من الله - تعالى - سواء كان وحيًا من النوع الأول: القرآن أو من الثاني: السنة النبوية.
٢- ومن ذلك أيضًا - قول الله - تبارك وتعالى - مبينًا إن السنة وحي: قال تعالى: {لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ} [آل عمران :١٦].
٣ - ومن الآيات التي تقطع بأن السنة وحي من عند الله - سبحانه وتعالى - وأن الرسول -صلى الله عليه وسلـم- لا ينطق فيما يتصل بالتشريع إلا بما يوحى إليه من ربه سبحانه؛ قول الله تعالى في شأن رسوله قال تعالى: {وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ * لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ} [الحاقة: ٤٤-٤٦]، ومن الآيات القرآنية التي جاءت تأمر بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - ما هو قاعدة عامة في رسل الله أجمعين - صلوات الله عليهم - وخاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلـم - يدخل في القاعدة دخولا أوليًّا، وذلك قوله تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ } [النساء: ٦٤].
فثمرة إرسال الرسل صلوات الله عليهم تنحصر في أن يبلغوا عن الله فيطاعوا، وطاعتهم إنما هي بإذن الله وأمره، فالشاغب عليهم، التارك لسنتهم، الرافض لطاعتهم، إنما هو محارب لله - سبحانه نابذ لإذنه، فاسق عن أمره، كافر بدينه.
وبهذه الآيات التي قدمناها، والتي هي أوضح من أن توضح، فهي- بحق - آيات بينات يتضح مكانة السنة النبوية من التشريع، كما تتضح حجيتها، وأنها من حيث الحجية هي بمنزلة القرآن المجيد، فهما من هذا الجانب متساويان؛ ولا ينبغي أن يفهم من هذا أننا نجعل السنة بمنزلة القرآن في المكانة والقداسة والشرف.
فذلك مما لا يقول به مسلم فلا ريب أن القرآن يفضل السنة بأمور كثيرة نجملها فيما يلي:
١- القرآن المجيد موحى بها من الله - عز وجل - بلفظه ومعناه، أما السنة فهي أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلـم، وأفعاله وتقريراته، وإن كان معناها موحى به من قبل الله تعالى.
٢- القرآن المجيد تكفل الله - تعالى بحفظه، وليست السنة كذلك.
٣- القرآن المجيد يتعبد بتلاوته، وليست السنة كذلك.
٤- القرآن العظيم معجز للإنس والجن أن يأتوا بمثله أو شيء منه، وليس كذلك السنة.
٥- لا تجوز رواية القرآن بالمعنى، وإن كان يجوز ذكر معناه منصوصًا على أنه تفسير، أما السنة فتجوز روايتها بالمعنى مع شروطها.
٦- لا يجوز أن يمسه إلا المتطهرون، وليست السنة كذلك.
٧- القرآن مجموع بين دفتي المصحف والسنة موزعة في كتب السنن والمدونات فالقرآن مقدم على السنة في هذه الجوانب جميعها لكن كلامنا هو في مجال الحجية في التشريع.
وفي هذا المجال نجد القرآن حجة في التشريع ومثل ذلك السنة، فهي حجة في التشريع، وحجيتها في التشريع على نفس المستوى مع حجية القرآن الكريم.
فما ثبت بالقرآن، مثل ما ثبت بالسنة، لأن نقاط الحجية في الإثنين واحد، وهو الوحي الإلهي، فالقرآن حجة لأنه وحي الله، والسنة كذلك لأنها وحي الله.
من هنا ذهب العلماء إلى أن القرآن والسنة متساويان في مرتبة واحدة من حيث الحجية في إثبات الأحكام الشرعية) [انظر: الكفاية. ص٣٩-٤٠ الخطيب البغدادي، بحوث في السنة ص٣٣ الشيخ عبد الغني عبد الخالق، شبهات القرآن حول السنة النبوية، د. محمود مزروعة).
المبحث الثالث: تدوين السنة النبوية وتوثيقها:
تدوين السنة النبوية وتوثيقها:عرف المسلمون منذ البدايات الأولى للبعثة النبوية الشريفة الأهمية القصوى للسنة النبوية المطهرة، ومنزلتها من الدين كله، كما عرفوا أنها قرينة القرآن في التشريع وبيان الدين، وتوضيح المراد من آي القرآن المجيد، وأدركوا- كذلك - حاجة القرآن المجيد إلى السنة النبوية، لتبينه وتوضحه كما ورد في كتاب الله - تعالى - الإشارة إلى هذا المعنى في قوله سبحانه: {وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: ٤٤].
من أجل ذلك اشتد حرص المسلمين منذ بداية البعثة النبوية على حفظ السنة وتدوينها، وإن تأخر تصنيفها عن تدوينها [هناك فرق بين التدوين والتصنيف قد لا يلتفت إليه الكثيرون، لذلك رأينا أن نبين الفرق بينهما للإفادة، فالتدوين: هو جمع المعلومات المتفرقة المشتتة المتباعدة في كتاب أو ديوان واحد، كأن يكون لديك معلومات في قصاصات متفرقة فتجمعيا في كتاب واحد، وفي(القاموس): دونه تدوينًا: جمعه، والتدوين أعم من التصنيف، أما التصنيف: فمرحلة بعد التدوين، وهو أخص من التدوين وأدق وأكثر فائدة إذ هو ترتيب ما دون وتنسيق فلى فصول محددة، وأبواب معينة، ومباحث مميزة، فالتصنيف يأتي بعد التدوين، فأنت تجمع المعلومات أي تدونها، ثم تصنفها في أبواب وفصول ومباحث، قال في القاموس ... وصنفه تصنيفًا: جعله أصنافًا، وميز بعضه عن بعض". انظر معاجم اللغة، وبخاصة: القاموس المحيط ج ٤ ص ٢٢٦، تاج العروس: ج٩ ص ٤ ٠٢٠ ولسان العرب، مادة: دون].
فإن ما يهمنا تدوينها وتوثيقها الذي بدأ مع البعثة الشريفة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلـم - الذي كان يحفز أصحابه رضوان الله عليهم لكتابة السنة النبوية، وتسجيل أقواله -عليه الصلاة والسلام- وذلك على غير ما أشتهر بين الناس، فقد اشتهر بين الناس من ذوي الثقافات غير الدينية، أو الثقافات الدينية الضحلة، وكذلك المثقفون من غير ذوي التتبع والاستقصاء أن الحديث النبوي، والسنة بوجه عام قد ظلت لأكثر من مائة عام، بل ظلت قرابة قرنين من الزمان يتناقلها العلماء حفظًا دون تدوين وكتابة، وفي ذلك ما فيه من فتح أبواب الطعن والتشكيك في سنة النبي - صلى الله عليه وسلـم، كما تجري به العادة في علم ظل قرابة القرنين معتمدًا على الحوافظ دون الكتابة والتدوين، وإن كان الأمر في سنة النبي -صلى الله عليه وسلـم- لا يستدعي ذلك، بل لا يقبله حتى لو كان حفظها رهنًا بالحافظة والذاكرة، من حيث إن سنة النبي - صلى الله عليه وسلـم - هي ديننا، وأن سنة النبي - صلى الله عليه وسلـم - هي المصدر الأساس لأكثر أحكام الفقه، فالفقهاء في أحكامهم يلجأون إلى السنة أكثر مما يلجأون إلى الكتاب، لأنهم يجدون تفصيل ما يريدون في السنة، من حيث إن السنة هي تفصيل الكتاب، وتبيانه، كما قال ربنا سبحانه: {وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: ٤٤]، فهذه الأهمية الكبيرة، وذلك الخطر العظيم الذي تمثله السنة النبوية بالنسبة للمؤمنين ودينهم، وحياتهم التي ترسم لهم السنة مناهجها ووسائلها وغاياتها، هذه الحياة التي تربط كل جزئية فيها بنسبة النبي - صلى الله عليه وسلـم - والتي لا يستقيم فيها شيء بدون سنة النبي - صلى الله عليه وسلـم - كل ذلك يجعل المسلمين يحفظون سنة نبيهم، ويحافظون عليها، ولا يدعون شيئًا في الدنيا يؤثر على حفظهم هذه السنة، فالسنة محفوظة حتى ولو أن ذلك قصرًا على الحوافظ والذواكر، لكن الأمر على غير ذلك.
فإن السنة لم يتأخر تدوينها حتى القرن الثاني، ولم تظل معتمدة على الذاكرة دون تدوين أو تصنيف، فإن القول بذلك وهْم وخطأ شاع بين متدني الثقافة الدينية وغير المتثبتين، وقد ساعد على شيوع هذا الخطأ الفهم المتعجل لما ورد عن المؤرخين لتدوين الحديث النبوي، حيث درجوا على القول بأن أول من دون العلم السنة النبوية هو ابن شهاب الزهري المتوفى سنة (١٢٤أو١٢٥هـ)، وذكروا كذلك المصنفين، فإذا هم ممن عاش بعد سنة (١٤٣هـ).
وقد روج لهذه الشائعة أحاديث وردت تنهي عن كتابة الأحاديث، وتقصر الإذن بالكتابة على كتابه القرآن الكريم، وهذه الأحاديث رغم كثرتها - لم يصح منها إلا حديث واحد أخرجة الإمام مسلم - رحمه الله - هو حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنـه -: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ..» الحديث [صحيح مسلم كتاب الزهد. حديث ٧٢، وقد اختلف البخاري، ومسلم - رحمهما الله تعالى - وقفه ورفعه].
وهذا الحديث - رغم أن البخاري وغيره قد أعله بالوقف على أبي سعيد - رضي الله عنه - قد رد عليه العلماء بأن سبب المنع كان في البداية لأمور منها: خشية آن يضاهى بالقرآن غيره، أو أن يشتغل الناس عن القرآن بالسنة، أو أن يخلط الناس بين القرآن والسنة في الكتابة، وبخاصة وأن الأعراب من الصحابة لم يكونوا قد تفقهوا في الدين، أو جالسوا العلماء، فلا يُؤْمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف المكتوبة بالقرآن ويعتقدوا أن ما كتب فيها هو كلام الرحمن [تقييد العلم ص ٧ ٥ الخطيب].
لذلك أورد العلماء الأدلة الكثيرة القائمة على الأمثلة والوقائع الصحيحة على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - قد أذن بكتابة الحديث، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يكتبون الحديث، وكان لكثير من الصحابة صحائف خاصة بهم كتبوا فيها سنة النبي - صلى الله عليه وسلـم - ومن تلك الصحائف التي كتبها الصحابة في حياته صلى الله عليه وسلـم:
١- صحيفة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه- كتب فيها فرائض الصدقة، وفي هذه الصحيفة: "هذه فريضةُ الصدَقَةِ التي فرضَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلـم - على المسلمينَ، والتي أمرَ اللهُ بها رسولَه" الحديث بطوله [صحيح البخاري - كتاب الزكاة - باب زكاة الغنم: فتح الباري ج٣ ص٣١٧حديث ٠١٤٥٤ ٦٦٣].
٢- صحيفة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وفيها قول علي - رضي الله عنه - من زعم أن عندنا شيئًا نقرأه ليس في كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة فقد كذب، قال راوي الأثر: وكانت الصحيفة معلقة في سيفه، وفيها أسنان الإبل، وشيء من الجراحات، وحديث النبي - صلى الله عليه وسلـم - « اَلْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» [صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم ح ١١١ وانظر تقييد العلم ص٨٨ وانظر: جامع بيان العلم وفضله،ج١ ص ١ ٧، وانظر: تدوين السنة النبوية ص ٠ ٩-٩١ د. محمود بن مطر الزهراني].
٣- صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص - رضى الله عنهما -، المعروفة بالصحيفة الصادقة، روى مجاهد فقال: "أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص فتناولت صحيفة من تحت مفرشه، فمنعني فقلت له: ما كنت تمنعني شيئًا، قال: هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - ليس بيني وبينه أحد". [جامع بيان العلم وفضله، ج١ ص٧٣، وقد اخرج الإمام أحمد هذه الصحيفة في مسنده. ج٢ ص٨].
٤ - صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، وقد ذكرها الإمام البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه: باب الصبر عند القتال. [فتح الباري ج٦ص: ٤٥ح٢٨٣٣].
٥- صحيفة أبي موسى الأشعري - رضي الله عنـه -. [نص على ذكرها الدكتور عبد الغني عبد الخالق في البحوث، وذكر أنها في مكتبة "الشهيد علي بتركيا].
٦- صحيفة جابر بن عبد الله. [ذكرها ابن حبان. في مشاهير علماء الأمصار ص١١، الإمام الذهبي في التذكرة ١ /٤٣، وذكر د. أكرم العمري أنها بمكتبة الشهيد علي بتركيا].
٧- صحيفة الصحيحة التي تروى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قد رواها الإمام أحمد في مسنده. [رواها أحمد في مسنده، وطبعت بتحقيق محمد حميد الله].
ومن الأدلة - كذلك - على أن الصحابة - رضوان الله عليهم، كانوا يكتبون السنة في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - ما يلي من أمثلة للتذكير لا للحصر:
١ - حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الذي مر بنا والذي يقول فيه: "ما من الصحابة أحد أكثر منّى حديثًا إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب" [صحيح البخاري - كتاب العلم].
٢ - حديث عبد الله بن عمرو - رضى الله عنهما، الذي يقول فيه: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - فنهاني ناس عن ذلك وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه ورسول الله - صلى الله عليه وسلـم - بشر يتكلم في الرضا الغضب، فأمسكت عن الكتابة، وسألته - صلى الله عليه وسلـم - عن ذلك، فأشار رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - إلى فيه، وقال: «اكْتُبْ فوالذي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا يخرج مِنْهُ إِلَّا الْحق وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه» [رواه أحمد، أبو داود الدارمي، انظر: تقييد العلم ص ٧٤].
٣ - حديث أبي هريرة - رضي الله عنـه: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - في فتح مكة... الحديث وفيه «اكْتُبُوا لأبِي شاهٍ» [صحيح البخاري، كتاب العلم].
هذه الأدلة جميعها - وغيرها كثير - تدل على أن السنة النبوية كتبت ودونت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلـم - في حياته الشريفة منها ما كان بأمر مباشر من رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - كما نرى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث أبي شاه، ومنها ما كان اجتهاد من بعض الصحابة يكتبون ما يخافون ضياعه، فيكتبونها على هيئة مفردات.
ومنها ما كان مدونات كبيرة مثل صحيفة أبي بكر، وصحيفة عبد الله بن عمرو، وصحيفة همام عن أبي هريرة التي كاتبها ثمانية وثلاثين ومائة حديث رواها أحمد في مسنده.
وهذا الذي أحصى وسجله العلماء، وما لم يحص كثير، ورغم ذلك فإن السنة الشريفة ظلت غرضًا لسهام أعداء الله ورسوله والمسلمين. الذين يحاولون نقض عهدي الإسلام، بالإساءة إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلـم - والطعن فيها والتشكيك في صحتها، بل والطعن في الائمة الأبرار الأطهار الذين حفظ الله تعالى بهم دينه حيث وفقهم لحفظ سنة نبيه -صلى الله عليه وسلـم - لكن إبليس وذريته، وجنده من الجنة والناس يطعنون في هؤلاء الأئمة، حتى وصل الفجور بأحدهم أن يقول في أمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله البخاري صاحب أصدق كتاب بعد كتاب الله تعالى قال عنه: فض الله فاه، وجعل جهنم مثواه: ما أفسد هذا الدين إلا البخاري وجماعته.
لذا رأينا أن نشير- بإيجاز- إلى طائفة الرافضين حديث النبي - صلى الله عليه وسلـم - وسنته في المبحث التالي بحوله تعالى والله المستعان.
المبحث الرابع: منكرو السنة والشاغبون عليها:
إن تاريخ منكري سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - يكاد أن يساوق تاريخ منكري رسالته عليه الصلاة والسلام، فالكفر بسنته هو قرين الكفر برسالته، فهما أمران متقاربان زمانًا، متساويان منزلة، متماثلان حكمًا، لا يختلفان من حيث الحكم إلا باعتبار أن ثمة كفرًا دون كفر، وإلا فإن إنكار سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - كفر كما أن إنكار رسالته كفر، ومن المسلم به أنه لم يخل زمان من الأمرين جميعًا، فكما لم يخل زمان من منكري رسالته الكافرين بها، كذلك لم يخل زمان من منكري سنته - صلى الله عليه وسلـم - الشاغبين عليها.
مع زعم هؤلاء الآخرين أنهم مسلمون نعني منكري السنة، وأنهم مؤمنون برسالته، وهذا - لعمري - شيء عجيب؛ إذا كيف يكونون مؤمنين برسالته ثم ينكرون سنته، ويرفضون أقواله وأفعاله، ويتنكبون طريقته، ويصرون على عدم الأخذ عنه، والاحتكام إليه، والتسليم له، والله تعالى يقول: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} [النساء: ٦٥].
لقد بدأت مسيرة إنكار السنة في عهده - صلى الله عليه وسلـم - ويذكر العلماء مثلًا عن ذلك: السبب الذي نزلت فيه الآية الكريمة التي ذكرناها، حيث اعترض أحد الصحابة على حكم الرسول - صلى الله عليه وسلـم - ورفضه فنزلت الآية الكريمة في ذلك.
ثم اتضح ذلك أكثر في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلـم - حيث بدأ قوم من الأعراب، وممن في إيمانهم دخل وجهل يرفضون السنة، ويقولون لا نأخذ إلا بما في القرآن وقد تنبأ رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - بهؤلاء وحذر منهم ومن ضلالهم، وقد ورد في الصحاح كثير من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلـم - عن أولئك الذين أنكروا السنة زاعمين اكتفاءهم عنها بالقرآن.
ومن هذه الأحاديث:
١- عن أبي رافع مولى رسول الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عنه يقول: لا أدرى، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». [رواه أبو دود في سنته ح ٤٦٠٥ / والترمذي في كتاب العلم من جامعة ج ٠٢٦٦٣ وقال: حديث حسن صحيح]
٢ - عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلـم - مِثْلُ مَا حَرَّمَ الله». [رواه أبو داود في سنته ح ٤٦٠٤، والترمذي في كتاب العلم من جامعة].
٣ - عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - قال: «لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَأْتِيَهُ حَدِيثٌ مِنْ حَدِيثِي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: دَعُونَا مِنْ هَذَا، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَا». [رواه الخطيب في كتابه الكفاية ص: ٤٢، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ج٢ ص١٨٩]
وهذا الذي حدث به رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - وحذر منه قد وقع كما صوره رسول الله تمامًا، وقد نقل إلينا السلف الصالح روايات كثيرة عن هؤلاء الذين أنكروا السنة مدعين الاكتفاء بالقرآن.
ومن هذه الروايات:
١- عن الحسن البصري - رحمه الله - أن عمران بن الحصين كان جالسًا ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم: "لا تحدثونا إلا بالقرآن قال: فقال له: - أدن فدنا، فقال له: أترى لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعًا، والمغرب ثلاثًا تقرأ في اثنين؟ أترى لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيه الطواف سبعًا، والطواف بالصفا والمروة، ثم قال: أي قوم: خذوا عنا، فإنكم والله إن لم تفعلوا لتضلن".
[رواه البيهقي في الدلائل ٥/١ وابن عبد البر في الجامع ٢/١٩١).
٢- وعن أيوب السختياني: أن رجلًا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: "إنا والله ما نريد بالقرآن بدلًا، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا". [رواه البيهقي في المدخل، وابن عبد البر في الجامع ١/١٩١].
٣- وعن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: "كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِالسُّنَّةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلـم - كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ". [رواه الدارمي في السنن: ٥٤٩، والخطيب في الكفاية. ص٤٨، وابن عبد البر في الجامع١/١٩١].
وقد انقسم منكرو السنة إلى طوائف أشهرها:
١- الشيعة: وهؤلاء علتهم في عقائدهم الضالة، حيث كفروا الصحابة جميعًا، فلم يبقوا إلا على قلة من الصحابة لا يبلغون عدد أصابع اليدين رضى الله عن الصحابة، ولعن الله الظالمين، وهؤلاء لا يقبلون الحديث إلا ممن كان على دينهم، وقد أسندوا السنة جميعها إلى جعفر بن محمد - رحمه الله -، وجروا في كل أحاديثهم على قولهم: قال أبو عبد الله - رضي الله عنه - يقصدون جعفر بن محمد - رحمه الله - ويسمون فقههم الفقه الجعفري نسبة إليه وهو بريء منهم ومن كل ما تقولوا عليه.
٢- أما الخوارج: فقد طعنوا في الصحابة - رضوان الله عليهم - بعد واقعة التحكيم المعروفة، فمن الخوارج من فسق الصحابة وهم قلة لا تذكر، وأما جمهرتهم فقد كفروهم، بل جعلوهم كالمشركين في وجوب حربهم وسبيهم، وعدم قبول الجزية منهم، ومن ثم فقد أسقطوا عدالة الصحابة جميعًا، ولم يقبلوا أخذ السنة عنهم، وإذا عرفنا أن الصحابة - رضى الله عنهم - هم سبيلنا إلى معرفة سنة النبي - صلى الله عليه وسلـم؛ فإننا ندرك مقدار زيغ هؤلاء وضلالهم وفساد دينهم.
٣- وأما المعتزلة: ومن جرى مجراهم؛ فقد ردوا السنة النبوية في جمهرتها وأنكروها، حيث طعنوا في خبر الآحاد، وذكروا أن خبر الآحاد لا يفيد علمًا، ولا يوجب عملًا، وزعموا أنهم لا يأخذون إلا بالمتواتر، وهذا يعنى أنهم يردون الدين في جملته، ويتركون المجال للعمل بعقولهم في مقابل الوحي الشريف المتمثل في السنة النبوية. وهذا ضلال مبين.
لقد ظلت مسيرة الضلال هذه التي تكلمنا عنها تنتقل عبر التاريخ بطوائفها المختلفة، وعلى مستوى الأمة المسلمة شرقًا وغربًا، حتى كانت نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين، حيث نبتت نابتة سوء بين المسلمين في بلاد الهند، أنكرت السنة بجملتها، ورفضوها جميعًا، ورفعوا من دينهم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلـم ، وخلت جميع كتبهم الدينية من جملة قال رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- وقد زعم هؤلاء - أخزاهم الله- أن القرآن كاف وواف، وأن الدين في غنى عن سنة محمد - صلى الله عليه وسلـم، وكانوا يفاخرون - لعنهم الله - بأنهم أهل القرآن، لا يشتغلون إلا به، وأما الأمة كلها فقد ضلت وزاغت حيث اشتغلت الأمة بسنة النبي -صلى الله عليه وسلـم- وتركت القرآن.. والواقع أن هؤلاء ليسوا قرآنيين، ولا من المشتغلين بالقرآن أو محبيه، بل واقع أمرهم، وحقيقة دينهم، أنهم أعداء القرآن، الرافضون له، الخارجون عليه، الكافرون به، ولقد مر بنا حديث القرآن العظيم عن النبي -صلى الله عليه وسلـم-، وعن وجوب طاعته، ووجوب أتباعه، ووجوب الأخذ عنه، والسماع له، والاقتداء والائتساء به -صلى الله عليه وسلـم، وقد بدأت هذه الطائفة مسيرتها بالهند على يد جماعة ممن باعوا أنفسهم للإنجليز الذين كانوا يستعمرون الهند في ذلك الزمان، وقد جندهم الإنجليز وأغدقوا عليهم المال والجاه، والحماية من جماهير المسلمين، جندهم الإنجليز للقضاء على الإسلام، وفكر هؤلاء ودبروا، وعرفوا أن القضاء على السنة ورفضها هو القضاء على الإسلام، ومن ثم شمروا عن ضلالاتهم، وجدوا في اختلاق ما أسموه شبهات ضد السنة.
وأنشأوا الجمعيات المناهضة للسنة، وزعماء هذه الدعوة الضالة الكافرة كثيرون، نذكر منهم أحد زعماءها المؤسسين، وهو: أحمد خان. [أحمد خان بن أحمد مير المتقي بن عماد الحسيني، ولد بمدينة - دلهي " أكتوبر١٨١٧م. تعلم العربية والفارسية والإنجليزية، درس العلوم الدينية، وحفظ القرآن. مات أبوه وهو في الحادية والعشرين، التحق للعمل بشركة الهند الشرقية، وكان ذلك بداية اتصاله بالإنجليز لاحظ سادته الإنجليز استعداده لعمل أي شيء لتحقيق طموحاته، فأغدقوا عليه المال والحماية، ورد إليهم هو أياديهم، فباع دينه وأمته لإرضائهم. أكثر من التأليف والكتابات لخدمة سادته الإنجليز، وتعبيرا عن رضاهم عنه منحته ملكة انجلترا لقب " سير " - سيد -، فانتقل اسمه من "أحمد خان" إلى " سير أحمد خان " واشتهر في العربية - " السيد أحمد خان " بسبب هذا اللقب الذي منحه الإنجليز له أنشا الكثير من المدارس يدرس فيها الولاء للإنجليز وتخرج عملاء لسيادته. ثم ختم نشاطه بإنشاء جامعة " عليكره - أو " على كره " هذا على المستوى العام. وعلى المستوى الشخصي فقد شهد القريبون منه أنه كان لا يصلى ولا يصوم ولا ييتم بشعائر الدين. ولسنا بحاجة إلى شهادتهم لنعرف ذلك. توفي في مارس ١٨٩٧ عن ثمانين عاما: أنظر الفكر الإسلامي الحديث. د. محمد البهي، شبهات القرآنيين ضد السنة/ خادم حسين بخسن)
السنة النبوية تُعد المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي في اللغة تعني الطريقة أو السيرة، سواء كانت حسنة أو سيئة، أما في الاصطلاح، فلها تعريفات تختلف بحسب تخصص العلماء؛ فالمحدثون يرونها كل ما أثر عن النبي -صلى الله عليه وسلـم- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، والأصوليون يركزون على ما يفيد الأحكام الشرعية من أقواله وأفعاله وتقريراته.