أما أصحابنا - أهل السنة والجماعة المثبتين للشفاعة - فقد تمسكوا فيه بوجوه أحدها: قوله سبحانه
وتعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: {إِن
تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ
ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [المائدة : ١١٨] وجه الاستدلال أن هذه الشفاعة من عيسى - عليه السلام - إما أن يقال إنها كانت في حق الكفار، أو في حق المسلم المطيع، أو في حق المسلم صاحب الصغيرة أو المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة، والقسم الأول باطل؛ لأن قوله تعالى: {َإِن
تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} لا يليق بالكفار، والقسم الثاني، والثالث، والرابع، باطل؛ لأن المسلم المطيع،
والمسلم صاحب الصغيرة، والمسلم صاحب الكبيرة لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلًا عند الخصم، وإذا كان كذلك لم يكن قوله تعالى: {إِن
تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ } [المائدة: ١١٨] لائقًا بهم وإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن
يقال: إن هذه الشفاعة؟ إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة، وإذا صح القول بهذه الشفاعة في حق عيسى - عليه السلام - صح القول بها في حق محمد - صلى الله عليه وسلم - ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
ثانيها: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم - عليه السلام: {فَمَن
تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم:
٣٦]، فقوله
تعالى: {وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ}
لا يجوز حمله
على الكافر؛ لأنه ليس أهلًا للمغفرة بالإجماع، ولا حمله على صاحب الصغيرة، ولا حمله على صاحب الكبيرة بعد التوبة؛ لأن غفرانه لهم واجب عقلًا عند الخصم فلا حاجة له إلى الشفاعة، فلم يبق إلا حمله على صاحب الكبيرة قبل التوبة، ومما يؤكد دلالة هاتين الآيتين على ما قلناه ما رواه البيهقي في كتاب (شعب الإيمان) أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَلا قَوْلَ اللهِ عزَّ وجلَّ في
إبْراهِيمَ: {رَبِّ
إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فمَن تَبِعَنِي فإنَّه مِنِّي} [إبراهيم: ٣٦] الآيَةَ، وقالَ
عِيسى عليه السَّلام: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ
فإنَّهُمْ عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لهمْ فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨]، فَرَفَعَ
يَدَيْهِ وقالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتي أُمَّتِي، وبَكى،
فقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، ورَبُّكَ أعْلَمُ،
فَسَلْهُ ما يُبْكِيكَ؟ فأتاهُ جِبْرِيلُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَأَلَهُ
فأخْبَرَهُ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بما قالَ، وهو أعْلَمُ، فقالَ
اللَّهُ: يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إنّا سَنُرْضِيكَ في
أُمَّتِكَ، ولا نَسُوءُكَ» رواه مسلم في الصحيح.
ثالثها: قوله تعالى في سورة مريم: {يَوۡمَ
نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا * وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ
جَهَنَّمَ وِرۡدٗا * لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ
عَهۡدٗا}
[مريم: ٨٥-٨٧]، فالآية تدل على حصول الشفاعة لأهل الكبائر؛ لأنه قال عقيبه: {إِلَّا
مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا} [مريم: ٨٥-٨٧]، والتقدير: إن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا عند الرحمن عهدًا، فكل من اتخذ عند الرحمن عهًدا وجب دخوله فيه، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدًا وهو التوحيد والإسلام، فوجب أن يكون داخلًا تحته.
رابعها: قوله تعالى في صفة الملائكة: {وَلَا
يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ} [الأنبياء: ٢٨] ووجه الاستدلال به أن المسلم
صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى، وكل من كان مرتضى عند الله تعالى
وجب أن يكون من أهل الشفاعة، إنما قلنا: إن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى؛ لأنه مرتضى عند الله بحسب
إيمانه وتوحيده وكل من صدق عليه أنه مرتضى عند الله بحسب هذا الوصف يصدق عليه أنه مرتضى عند الله تعالى؛ لأن المرتضى عند الله جزء من
مفهوم قولنا: مرتضى عند الله بحسب إيمانه، ومتى صدق المركب صدق المفرد، فثبت أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون من أهل الشفاعة؛ لقوله تعالى: {وَلَا
يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ} [الأنبياء: ٢٨] نفي الشفاعة إلا لمن كان مرتضى والاستثناء من النفي إثبات فوجب أن يكون المرتضى أهلًا لشفاعتهم، وإذا ثبت أن صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة وجب دخوله في شفاعة الأنبياء، وشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ضرورة أنه لا قائل بالفرق ...
خامسها: قوله تعالى في صفة الكفار: {فَمَا
تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ} [المدثر: ٤٨] خصهم بذلك فوجب أن يكون حال المسلم بخلافه بناء على دليل الخطاب.
سادسها: قوله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: {وَٱسۡتَغۡفِرۡ
لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ} [محمد:١٩] دلت الآية على أنه تعالى أمر محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بأن يستغفر لكل المؤمنين والمؤمنات، وقد بينا في تفسير
قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ} [البقرة: ٣] أن صاحب الكبيرة مؤمن،
وإذا كان كذلك ثبت أن محمد - صلى الله عليه وسلم -استغفر لهم، وإذا كان كذلك ثبت أن الله تعالى
قد غفر
لهم، وإلا لكان الله تعالى قد أمره بالدعاء؛ ليرد دعاءه فيصير ذلك محض التحقير والازدراء وهو غير لائق بالله تعالى ولا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -
فدل على أن الله تعالى لما أمر محمدًا بالاستغفار لكل العصاة فقد استجاب دعاءه، وذلك إنما يتم لو غفر لهم ولا معنى للشفاعة إلا
هذا.
سابعها: قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ
فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ} [النساء: ٨٦]
فالله تعالى آمر الكل بأنهم إذا حياهم أحد بتحية أن يقابلوا تلك التحية بأحسن منها أو بأن يردوها، ثم أمرنا بتحية محمد – صلى الله عليه وسلم - حيث
قال: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا} [الأحزاب:
٥٦]، والصلاة
من الله رحمة ولا شك أن هذا تحية، فلما طلبنا من الله الرحمة لمحمد - صلى الله عليه وسلم -
وجب بمقتضى
قوله تعالى: {وَإِذَا
حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ} [النساء:
٨٦] أن
يفعل محمد - صلى الله عليه وسلم -: مثله، وهو أن يطلب لكل المسلمين الرحمة من الله تعالى،
وهذا هو معنى الشفاعة، ثم توافقنا على أنه - صلى الله عليه وسلم - غير مردود بالدعاء فوجب أن يقبل الله شفاعته في الكل
وهو المطلوب.
ثامنها: قوله تعالى: {وَلَوۡ
أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ
وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا} [النساء:
٦٤]، وليس في
الآية ذكر التوبة فدل على أن الرسول – صلى الله عليه وسلم - متى استغفر للعصاة والظالمين فإن الله يغفر لهم، وهذا يدل على أن شفاعة الرسول – صلى
الله عليه وسلم - في حق أهل الكبائر مقبولة في الدنيا فوجب أن تكون مقبولة في الآخرة؛ لأنه لا قائل بالفرق.
تاسعها: أجمعنا على وجوب الشفاعة لمحمد - صلى الله عليه وسلم -
فتأثيرها إما أن يكون في زيادة المنافع، أو في إسقاط المضار، والأول باطل وإلا لكنا شافعين للرسول - صلى الله عليه وسلم -
إذا طلبنا من الله تعالى أن يزيد في فضله عندما نقول: اللهم صل على سيدنا
محمد
وعلى آل سيدنا محمد، وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو المطلوب.
عاشرها: قوله تعالى في صفة الملائكة، {ٱلَّذِينَ
يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ
وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ} [غافر:
٧]، وصاحب
الكبيرة من جملة المؤمنين فوجب دخوله في جملة من تستغفر الملائكة لهم .......
الحادي عشر: الأخبار الدالة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر ولنذكر منها ثلاثة أوجه، الوجه
الأول قوله - صلى الله عليه وسلم: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» وقد
اعترضت المعتزلة على ذلك.
الوجه الثاني: روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ نَبيٍّ دَعْوَةٌ
مُسْتَجَابَة؛ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنيِّ اخْتَبَأْتُ
دَعْوَتي شَفَاعَةً لأُمَّتي يَوْمَ القِيَامَة، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ
اللهُ مَنْ مَاتَ مِن أُمَّتي لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا» [رواه مسلم]، والاستدلال به أن الحديث صريح في أن شفاعته - صلى الله عليه وسلم -
تنال كل من مات من أمته لا يشرك بالله شيئًا، وصاحب الكبيرة كذلك فوجب أن تناله الشفاعة.
الوجه الثالث: عن أبي هريرة قال: أُتِيَ
رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم - يومًا بلحمٍ، فرفع إليه
الذراعُ ... الحديث.
وقد اعترض المعتزلة بكلام كثير، ورد عليهم أهل السنة بأكثر منه. [انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ج ٣ ص
٠ ٨ إلى ص ٩٤ باختصار].
وقد
أكد ذلك القرطبي رحمه الله - بقوله: فمذهب أهل الحق أن الشفاعة حق وأنكرها المعتزلة، وخلدوا المؤمنين من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب، والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين، وقد تمسك القاضي عليهم في الرد بشيئين:
أحدهما: الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى، والثاني الإجماع من
السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول، ولم يبد من أحد منهم في عصر من الأعصار نكير، فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها وقبولهم لا دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق، وفساد دين المعتزلة، ثم ذكر أدلتهم ورد عليها
بمثل ردود الرازي السابقة. [انظر: تفصيل
ذلك في تفسير القرطبي ج ١ ص ٣٧٨-٣٨٠]، وأضاف في تفسير آية الكرسي:
{مَن
ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ} [البقرة:
٢٥٥]، وتقرر في
هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة وهم: الأنبياء
والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى كما قال تعالى: {وَلَا
يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ} [الأنبياء: ٢٨]
قال ابن عطية: والذي
يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعمال صالحة [تفسير القرطبي ج ٣ ص ٢٧٣]
وقال النووي - رحمه الله - في باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار: قال القاضي عياض رحمه الله: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلًا ووجوبها سمعًا بصريح قوله تعالى: {يَوۡمَئِذٖ
لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ
قَوۡلٗا} [طه:
١٠٩] وقوله
تعالى: {وَلَا
يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ}[الأنبياء: ٢٨] وأمثالهما وبخبر الصادق - صلى الله عليه وسلم - ، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة
في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها ، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار. الخ. [شرح صحيح مسلم للنووي ج ٣ ص ٥ ٣ وما بعدها].
وقال ابن حجر في شرح حديث باب٣٢ قول الله تعالى: {وَلَا
تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا
فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ
وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ} [سبأ: ٢٣]،
ولم يقل: ماذا
خلق ربكم؟ قال: وفي الحديث إثبات الشفاعة وأنكرها الخوارج والمعتزلة، وهي أنواع أثبتها
أهل السنة
منها: الخلاص من هول الموقف، وهي خاصة بمحمد رسول الله المصطفى - صلى الله عليه وسلم -،
كما تقدم بيان ذلك واضحًا في الرقاق، وهذه لا ينكرها أحد من فرق الأمة.
ومنها الشفاعة في قوم يدخلون الجنة بغير حساب، وخص هذه المعتزلة بمن لا تبعة عليه، ومنها الشفاعة في رفع الدرجات ولا خلاف في وقوعها، ومنها الشفاعة في إخراج قوم من النار عصاة أدخلوها بذنوبهم وهذه التي أنكروها، وقد ثبتت بها الأخبار الكثيرة، وأطبق أهل السنة على قبولها وبالله التوفيق. [صحيح البخاري كتاب التوحيد باب ٢ ٣ قول
الله تعالى، مع فتح الباري، لابن حجر ج ١٣ ص ٤٥٩،
٤٦٠]، وقال
في كتاب الرقاق
في شرح باب صفه الجنة والنار. [الباب
رقم ٥١ من كتاب الرقيق
صحيح البخاري الأحاديث ٦٥٤٦- ٦٥٧٢ فتح الباري شرح صحيح
البخاري، لابن حجر ج ١١ ص ٤١٥، ٤٤٤].
أخرج مسلم من طريق يزيد الفقير قال: «فَخَرَجْنا في عِصابَةٍ
ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ على النّاسِ، قالَ: فَمَرَرْنا على
المَدِينَةِ، فإذا جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جالِسٌ إلى سارِيَةٍ،
عن رَسولِ اللهِ صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: فإذا هو قدْ ذَكَرَ الجَهَنَّمِيِّينَ،
قالَ: فَقُلتُ له: يا صاحِبَ رَسولِ اللهِ، ما هذا الذي تُحَدِّثُونَ؟ واللَّهُ يقولُ:
{إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فقَدْ أخْزَيْتَهُ} [آل
عمران: ١٩٢] و{كُلَّما
أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فيها} [السجدة:
٢٠]، فَما
هذا الذي تَقُولونَ؟ قالَ: فقالَ: أتَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: فَهلْ
سَمِعْتَ بمَقامِ مُحَمَّدٍ عليه السَّلامُ، يَعْنِي الذي يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِيهِ؟
قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: فإنَّه مَقامُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ المَحْمُودُ
الذي يُخْرِجُ اللَّهُ به مَن يُخْرِجُ، قالَ: ثُمَّ نَعَتَ وضْعَ الصِّراطِ، ومَرَّ
النّاسِ عليه، قالَ: وأَخافُ أنْ لا أكُونَ أحْفَظُ ذاكَ، قالَ: غيرَ أنَّه قدْ زَعَمَ
أنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ بَعْدَ أنْ يَكونُوا فيها، قالَ: يَعْنِي، فَيَخْرُجُونَ
كَأنَّهُمْ عِيدانُ السَّماسِمِ، قالَ: فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا مِن أنْهارِ الجَنَّةِ،
فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ كَأنَّهُمُ القَراطِيسُ، فَرَجَعْنا قُلْنا:
ويْحَكُمْ أتُرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ على رَسولِ اللهِ صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ؟
فَرَجَعْنا وقلنا: أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوالله ما خرج منا غير رجل واحد»
وحاصله: أن الخوارج الطائفة المشهورة المبتدعة كانوا ينكرون الشفاعة، وكان الصحابة ينكرون إنكارهم ويحدثون بما سمعوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فأخرج البيهقي في البعث من طريق شبيب عن أبي فضالة ذكروا عند عمران بن حصين الشفاعة، فقال رجل: إنكم
لتحدثوننا
بأحاديث لا نجد لها في القرآن أصلًا، فغضب وذكر له ما معناه: إن الحديث يفسر القرآن، وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن أنس قال: "من كذَّبَ بالشَّفاعةِ فلا نصيبَ لَهُ فيها".
وأخرج البيهقي في البعث من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس: خطب عمر فقال: وإنه سيكونُ من بعدكُم قوم يُكذّبونَ بالرجمِ وبالدجّالِ وبالشفاعةِ وبعذابِ القبرِ، وبقومٍ يخرجونَ من النارِ بعد
ما امتحشُوا "ومن طريق أبي هلال عن قتادة قال
أنس يخرج قوم من النار، ولا نكذب بها كما يكذب بها أهل حروراء يعني الخوارج، قال ابن بطال: أنكرت المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من أدخل النار من المذنبين وتمسكوا بقوله تعالى: {فَمَا
تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ} [المدثر:
٤٨]
وغير ذلك من الآيات، وأجاب أهل السنة بأنها في الكفار، وجاءت الأحاديث في إثبات الشفاعة المحمدية متواترة ودل عليها قوله تعالى: {عَسَىٰٓ
أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا} [الإسراء: ٧٩]، والجمهور على أن المراد به الشفاعة، وبالغ الواحدي فنقل فيه الإجماع، وقال الطبري: قال أكثر أهل التأويل: المقام المحمود هو الذي يقوم به النبي -صلى
الله عليه وسلم- ؛ ليريحهم من كرب الموقف، ثم أخرج عدة أحاديث في بعضها التصريح بذلك، و في بعضها مطلق الشفاعة، فمنها حديث سلمان قال: فيشفق
الله في أمته
فهو المقام المحمود ومن طريق رشدين بن كريب عن أبيه عن ابن عباس: المقام المحمود الشفاعة، ومن طريق داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة في قوله:
{عَسَىٰٓ
أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا}[الإسراء:
٧٩] قال: سئل عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقال: «هي الشفاعة» ومن حديث كعب بن مالك رفعه «أَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
فَيَكْسُونِي اللَّهُ حُلَّةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ يَأْذَنُ لِي، فَأُثْنِي عَلَيْهِ
بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ» ومن طريق يزيد بن زريع عن قتادة ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم -
أول شافع،
وكان أهل العلم يقولون: إنه المقام المحمود ومن حديث أبي مسعود رفعه: «وَإِنِّي لَأَقُومُ الْمَقَامَ
الْمَحْمُودَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وفيه فَأَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ مَقَامًا لَا يَقُومُهُ أَحَدٌ، فَيَغْبِطُنِي بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ»، ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: المقام المحمود الشفاعة ٠٠٠٠٠
والراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، لكن الشفاعة التي وردت في الأحاديث المذكورة
في المقام المحمود نوعان:
الأول: العامة في فصل القضاء.
والثاني: الشفاعة في إخراج المذنبين من النار.