اللوح المحفوظ من المفاهيم الإسلامية العميقة التي تعكس علم الله المطلق وقدرته على حفظ كل ما يجري في الكون، وفهم هذا المفهوم يساعدنا على إدراك حكمة الخالق وعدله في تدبير الأمور وتسجيل كل شيء بدقة متناهية.
اللوح المحفوظ من المفاهيم الإسلامية العميقة التي تعكس علم الله المطلق وقدرته على حفظ كل ما يجري في الكون، وفهم هذا المفهوم يساعدنا على إدراك حكمة الخالق وعدله في تدبير الأمور وتسجيل كل شيء بدقة متناهية.
ونحن نتناول معنى هذا اللفظ (اللوح المحفوظ) وهو يتعلق بأمور عقدية، رأينا أنه ينبغي وضع هذا التمهيد، قبل بيان معاني هذا اللفظ كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، وفي اللغة والاصطلاح، سواء عند المتمسكين بظواهر النصوص، أم عند أصحاب التأويل، متكلمين، أو فلاسفة، أو صوفية.
والدارس للفكر العقدي في الإسلام يجد - فيما يتعلق بالله ـ عزوجل ـ وما يكون عنه من موجودات - اتجاهين أساسيين:
وهم جميعًا متفقون على أنه لا شك في وجود الموجودات التي ندركها بحواسنا أو بعقولنا، وذلك لأن مفهوم الوجود بديهي، وإن كان محتاجًا إلى تنبيه عند من يغفل عنه.
وقد ذهب المتكلمون إلى أن الموجود - المطلق - ينقسم إلى القديم الذي لا أول لوجوده، وهو الله ـ عز وجل ـ الغني عن كل ما سواه، وإلى الحادث وهو العالم، وهذا العالم كله أجسام وأعراض قائمة بالأجسام، وهو حادث ومخلوق بعد عدم، ومحدثه وخالقه هو الله - عز وجل - خلقه بعد عدم محض، إذ كان الله ولا شيء معه، ثم خلق العالم.
ويذهب المتكلمون في الإسلام إلى أن اللوح المحفوظ، والقلم من هذا العالم، ويقولون: إن هذا العالم مخلوق بعد عدم، ومن ثم فهما جسمان يشغلان حيزًا من الفراغ شأن غيرهما من الأجسام.
وأما الفلاسفة - في الإسلام - فقد ذهبوا إلى أن الوجود ـ المطلق - ينقسم إلى الواجب لذاته، والممكن لذاته.
فأما الواجب لذاته فهو الله - عز وجل - الغني عن كل ما سواه.
وأما الممكن لذاته فهو العالم، ومادام العالم ممكنا فهو محتاج في وجوده وبقائه إلى الله - عز وجل - الذي أوجب وجود هذا العالم، ومن ثم فقد صدر هذا العالم عن الله - عز وجل - على سبيل الإيجاب، وذلك لأن الله خير وهو يعطي الوجود لغيره - أي العالم - على سبيل الضرورة والدوام، ولذلك فالعالم مساوي في وجوده لله عز وجل.
ويقول الفلاسفة: إن الله - عزوجل - أوجد هذا العالم على سبيل الترتيب والتسلسل في العلل والمعلولات التي تنتهي إلى الواجب لذاته وهو الله عز وجل.
وقال الفلاسفة: إن أول صادر عن الله - عز وجل - هو العقل الأول وهو مجرد عن المادة أي ليس جسمًا ولا جسمانيًا، وعن هذا العقل صدر العقل الثاني: والنفس الكلية للعالم، وجرم الفلك الأقصى، وهكذا في بقية العقول والنفوس التي للأجرام السماوية إلى العقل العاشر المختص بعالم العناصر الموجودة على الأرض وهي: النار، والهواء، والماء، والتراب، وبامتزاجها تتكون النباتات، والجمادات، والحيوانات، ومنها أفراد النوع الإنساني.
ويذهب الفلاسفة - في الإسلام - إلى أن اللوح المحفوظ من عالم العقول والنفوس السماوية المجردة عن المادة.
كما نجد اتجاهًا ثالثا: وهو للصوفية - في الإسلام - وقد سار بعضهم على طريقة المتكلمين وقال: بحدوث اللوح المحفوظ، وأنه جسم معين له هيئة بكيفية معينة لا يدركها إلا الله - عز وجل.
وتبع آخرون مناهج الفلاسفة وقالوا: بتأويل اللوح المحفوظ، وأطلقوا عليه النفس الكلية.
وبعد هذا التمهيد سنقوم بدراسة هذا اللفظ اللوح المحفوظ في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، كما سنتناول معناه في اللغة العربية، ونبين آراء المفسرين سواء أكانوا متكلمين أم فلاسفة أم صوفية، حسب كل منهج لهؤلاء.
اللوح المحفوظ في القرآن الكريم: جاء ذكر اللوح المحفوظ في قوله تعالى: {بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ * فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} [البروج: ٢١ ـ ٢٢]
اللوح المحفوظ في السنة النبوية: جاء ذكر اللوح المحفوظ وما يتعلق به في أحاديث وآثار عديدة منها
١ - عن عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَانَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي اللَّوْحِ ذِكْرَ كُلِّ شَيْءٍ». [رواه أحمد بن حنبل في مسنده (٤٣١/٤) حديث ١٩٨٨٩وأصله في الصحيح].
٢ - عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: في قوله تعالى: {وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا} [مريم: ٥٢]: سمع صريف القلم حين كتب في اللوح. [أخرجه الحاكم في المستدرك (٤٠٥/٢) قال: وهذا حديث صحيح الإسناد، وقال صحيح].
٣ - عن ابن عباس ـ رضي الله عنه: "أول ما خلق الله القلم، خلقه من هجا قبل الألف واللام فتصور قلما من نور، فقيل له: إجر في اللوح المحفوظ، قال يا رب بماذا، قال بما يكون إلى يوم القيامة [أخرجه الحاكم في المستدرك (٤٠٥/٢) حديث ٣٦٩٣ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد].
اللوح في اللغة كل صحيفة عرضة خشبًا كانت أو عظمًا أو غيرهما، واللوح أيضًا: ما يكتب فيه من خشب أو غيره، واللوح بالضم الهواء بين السماء والأرض، وقد جاء في الصحاح: اللوح الكتف وكل عريض، واللوح الذي يكتب فيه [الجوهري: الصحاح، ٤٠٢/١].
كما جاء في القاموس المحيط: اللوح كل صحيفة عريضة خشبًا أو عظمًا، والجمع ألواح وألاويح جمع الجمع، والكتف إذا كتب عليها [الفيروزأبادي: القاموس المحيط ص٣٠٧]
كما جاء في مفردات غريب القرآن: لوح: واحد، ألواح السفينة، قال تعالى: {وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ} [القمر:١٣]، وبما يكتب فيه من الخشب وغيره، وقوله: {بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ * فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} [البروج: ٢١ ـ ٢٢] فكيفيته تخفى علينا إلا بقدر ما روي لنا في الأخبار، وهو المعبر عنه بالكتاب في قوله: {إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ} [الحج: ٧٠] [الأصفهاني: مفردات غريب القرآن، ١/٤٥٦].
وإذن: فاللوح في أصله كما جاء في اللغة: كل صحيفة عريضة من خشب واللوح المحفوظ هو جسم مستودع فيه كل ما أراد الله كونه، واللوح كل عظم عريض والجمع ألواح وألاويح جمع الجمع، ويجوز في اللغة أن يقال: للوحين ألواح، كما يجوز أن يكون من ألواح جمع أكثر من اثنين، وفي اللغة أيضًا ألواح الجسد عظامه.
جاءت آراء المفسرين في اللوح المحفوظ معتمدة على ما جاء في القرآن والسنة وما ذكره أهل اللغة، وهذه الآراء هي لجمهور المفسرين من أهل الحديث، والمتكلمين والفلاسفة والصوفية، وهم جميعًا على اتفاق بأن المقصود باللوح المحفوظ والكتاب المبين، وأم الكتاب، شيء واحد؛ إذ أنها تتفق في المعنى والمقصد فما جاء في قوله تعالى: {بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ * فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} [البروج: ٢١-٢٢]، هو المقصود من الكتاب المبين في قوله تعالى: { إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ} [الحديد: ٢٢] وأنه أم الكتاب كما جاء في قوله تعالى:َ {إِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: ٤] وقوله تعالى: {إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ * فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ} [الواقعة،٣٧ -٧٨] إذا فالمقصود من الكتاب المبين وأم الكتاب، وكتاب مكنون هو نفس المقصود باللوح المحفوظ [الرازي: تفسير، ١٩٣/٩].
وتكاد آراء المفسرين تكون منحصرة في ثلاثة آراء رئيسة منسوبة إلى جمهور المفسرين من أهل الحديث، والمتكلمين أو الفلاسفة، أو إلى الصوفية.
الرأي الأول:
لأهل الحديث والمتكلمين: يقول الجرجاني في كتابه التعريفات: اللوح المحفوظ عند أهل الشرع جسم فوق السماء السابعة كتب فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة [الجرجاني: التعريفات ص٩٧ وانظر حسن جلبي: حاشية على شرح المواقف ٨ /٩٣٠].
ويقول التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون: اللوح المحفوظ بالفتح وسكون الواو عند أهل الشرع جسم فوق السماء السابعة كتب فيه ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة كما يُكتب في الألواح المعهودة، ولا استحالة فيه؛ لأن الكائنات عندنا متناهية، فلا يلزم عدم تناهي اللوح المحفوظ في المقدار، عن ابن عباس – رضي الله عنه: هو لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء إلى الأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب [التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ٧٠/٤].
وأصحاب هذا الرأي يفوضون العلم بحقيقة وكيفية اللوح المحفوظ إلى الله - عزوجل - ويقولون: نحن لا نعلم من كيفيته إلا بقدر ما روي لنا في الأخبار [الأصفهاني: مفردات غريب القرآن، ١ /٤٥٦].
ويسير الزمخشري - وهو من المفسرين ذوي النزعة الاعتزالية - مع جمهور المفسرين من أهل الحديث والمتكلمين ويقول: وقرئ: {بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ} بالإضافة أي قرآن رب مجيد، وقرأ يحيى بن يعمر في لوح، واللوح الهواء، يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح محفوظ بالرفع صفة للقرآن، قوله واللوح الهواء في الصحاح اللوح بالضم الهواء بين السماء والأرض [الزمخشري: الكشاف، ٢٠١/٤]. ويذكر أصحاب هذا الرأي: أنه روي عن مقاتل أن اللوح المحفوظ عن يمين العرش [الشوكاني: فتح القدير، ٤١٤/٥]، كما جاء في تفسير القمي في قوله تعالى: {بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ * فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} قال: اللوح المحفوظ له طرفان طرف على يمين العرش على جبين إسرافيل، فإذا تكلم الرب جل ذكره بالوحي ضرب الله جبين إسرافيل فنظر في اللوح فيوحي بما في اللوح إلى جبرائيل. [الطباطباني: الميزان في تفسير القرآن، ٣٧٨/٢٠]
ويذكر أصحاب هذا الرأي أحاديث عديدة فيما يتعلق باللوح المحفوظ سواء عن مكانه، أوصفته، أو ما هو مكتوب فيه، ومن ذلك ما روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله {بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ * فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ}، في جبهة إسرافيل، وقال الحسن البصري: إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إنه في صدر اللوح: لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن وصدق بوعده، واتبع رسله أدخله الجنة.
قال: واللوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه من الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء. [ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ٤٩٧/٤ وانظر الشوكاني: فتح القدير، ٤١٤/٥].
ويرى فريق من أصحاب هذا الرأي أن الروايات في صفة اللوح كثيرة مختلفة، وهي على نوع من التمثيل [الطبطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ٠ ٠٣٧٨/٢]
أي أنها على نوع من المجاز، ومن ثم يؤولونها تأويلًا مجازيًا كما هو الشأن فيما جاء بشأن القلم، ولذلك نجد الغزالي يقول: اعلم أن لوح الله تعالى لا يشبه لوح الخلق، كما أن ذات الله وصفاته لا تشبه ذات الخلق ... بل ثبوت المقادير في اللوح يضاهي ثبوت كلمات القرآن وحروفه في دماغ حافظ القرآن وقلبه، فإنه منظور فيه حتى كأنه ينظر إليه. [الغزالي: إحياء علوم الدين، ١٠٩/١]
ويخلص أصحاب هذا الرأي إلى أن هذا اللوح المحفوظ له صفات منها:
الصفة الأولى: أنه أم الكتاب، والسبب فيه أن أصل كل شيء أمه، والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، ثم نقل إلى السماء الدنيا ثم أنزل بحسب المصلحة، فإن قيل: ما المصلحة في خلق هذا اللوح المحفوظ، مع أنه تعالى علام الغيوب، ويستحيل عليه السهو والنسيان؟ قلنا إنه تعالى لما أثبت إحكام حوادث المخلوقات، ثم أثبت أن الملائكة يشاهدون أن جميع الحوادث على موافقة ذلك المكتوب، استدلوا بذلك على كمال حكمة الله وعلمه [الرازي: تفسير، ١٩٥/٢٧].
الصفة الثانية: من صفات اللوح المحفوظ: قوله تعالى، لدينا هكذا، ذكره ابن عباس، وإنما خصه الله تعالى بهذا التشريف لكونه كتابًا جامعًا لأحوال جميع المحدثات، فكأنه الكتاب المشتمل على جميع ما يقع في ملك الله وملكوته، فلا جرم حصل له هذا التشريف.
قال الواحدي: ويحتمل أن يكون هذا صفة القرآن، والتقدير: أنه لدينا في أم الكتاب (المرجع السابق نفسه].
والصفة الثالثة: من صفات اللوح المحفوظ: كونه (عليًا) والمعنى: كونه عاليًا من وجوه الفساد والبطلان. [المرجع السابق نفسه]
الرأي الثاني:
للفلاسفة: أما عند الفلاسفة - المسلمين - فإن اللوح المحفوظ هو النفس الكلي للفلك الأعظم ترتسم فيه الكائنات ارتسام المعلوم في العالم يقول الجرجاني في التعريفات: اللوح المحفوظ هو الكتاب المبين والنفس الكلية، والألواح أربعة: لوح القضاء السابق على المحو والإثبات وهو لوح العقل الأول، ولوح القدر أي: لوح النفس الناطقة الكلية التي تفصل فيها كليات اللوح الأول، ويتعلق بأسبابها، وهو المُسمَّى باللوح المحفوظ، ولوح النفس الجزئية السماوية التي ينتقش فيها كل ما في هذا العالم بشكله وهيئته، ومقداره وهو المُسمًّى بالسماء الدنيا، وهو بمثابة خيال العالم، كما أن الأول بمثابة روحه، والثاني بمثابة قلبه، ولوح الهيولي القابل للصور في عالم الشهادة [الجرجاني: التعريفات، ص١٠٢ -١٠٣]
ونجد عند التهانوي في كتابه كشاف اصطلاحات الفنون تفصيلًا أكثر حيث يتحدث عن المتقدمين والمتأخرين من الفلاسفة فيقول عن اللوح المحفوظ: وعند الحكماء هو العقل الفعال المنتـقش بصور الكائنات على ماهي عليه، منه تنطبع العلوم في عقول الناس.
وفي شرح إشراق الحكمة أن العقل الفعال هو المُسمَّى بجبرائيل في لسان الشريعة، وفي شرح المقاصد: إن اللوح هو العقل الأول، ولعله الأول بالنسبة إلينا وهو العقل الفعال بعينه، فإنه لا يجوز أن تثبت الصور الكثيرة في العقل الأول؛ لأنه يبطل إذ ذاك قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، ثم هذا عند المشائين النافين للنفس المجردة في الأفلاك، المقتصرين على إثبات النفوس المنطبعة فيها، إذ الكليات لا ترتسم في تلك النفوس عندهم، واللوح المحفوظ لا بد أن ترتسم فيه صور جميع الموجودات، والجزئيات ترتسم في العقل عندهم، وإن كان على وجه كلي. (التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ٧١/٤ وانظر حسن جلبي: شرح المواقف، ٩٣/٨ وسعد الدين التفتازانى: شرح المقاصد، ٣٩/٢].
أما عند متأخري الفلاسفة المثبتين للنفس المجردة في الأفلاك: فاللوح المحفوظ هو النفس الكلي للفلك الأعظم يرتسم فيها الكائنات ارتسام المعلوم في العالم، يريد الحكماء باللوح والكتاب المبين العالم العقلي [التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ٧١/٤].
الرأي الثالث:
اللوح المحفوظ عند الصوفية: واللوح المحفوظ عند الصوفية: عبارة عن نور إلهي حقي متجل في مشهد خلقي اقتضت الموجودات فيه انطباعًا أصليًا، وهي أم الهيولي؛ لأن الهيولي لا تقتضي صورة إلا وهي منطبعة في اللوح المحفوظ، فإذا اقتضت الهيولي صورة ما وجدت في العالم على حسب ما اقتضته الهيولي، من الفور والمهلة؛ لأن القلم الأعلى جرى في اللوح المحفوظ بإيجادها حسب ما اقتضه الهيولي [المرجع السابق نفسه].
ويعطينا التهانوي تفصيلًا عما في اللوح المحفوظ عند الصوفية فيقول: واعلم أن النور الإلهي المنطبع فيه الموجودات هو المعبر عنه بالعقل الكلي، كما أن الانطباع في النور هو المعبر عنه بالقضاء، وهو التفصيل الأصلي الذي هو مقتضى الوصف الإلهي المعبر عن مجلاه بالكرسي، ثم التقدير في اللوح هو الحكم بإبراز الخلق على الصورة المعينة والحالة المخصوصة في الوقت المفروض وهو المعبر عن مجلاه بالقلم الأعلى، وهو المسمى بالعقل الأول، والمحل الذي وجد فيه بيان هذا الاقتضاء هو اللوح المحفوظ المعبر عنه بالعقل الكلي، ثم الأمر الذي يقتضي هذا الحكم في الوجود هو مقتضى الصفات الإلهية المعبر عنه بالقضاء ومجلاه هو الكرسي [المرجع السابق نفسه].
ويقول: واعلم أن اللوح المحفوظ نبذة من علم أجراه الله تعالى على قانون الحكمة الإلهية على حسب ما اقتضته الحقائق الحقية، يرد على نمط اختراع القدرة في الوجود، لا تكون مثبتة في اللوح المحفوظ، بل قد تظهر فيه عند ظهورها في العالم العيني، وقد لا تظهر أيضًا فيه، وجميع ما في اللوح المحفوظ هو علم مبدأ الحسي إلى يوم القيامة [المرجع السابق نفسه].
ويتحدث محي الدين بن عربي في كتابه الفتوحات المكية عن اللوح المحفوظ وما يحتويه على الإجمال فيقول: "ولما شاء أن يخلق عالم التدوين والتسطير عَيَّن واحدًا من هؤلاء الملائكة الكروبيين، وهو أول ملك ظهر من ملائكة ذلك النور، وسماه العقل والقلم، فاشتق من هذا العقل موجودًا آخر سماه اللوح وأمر القلم أن يتدلى إليه ويودع فيه جميع ما يكون إلى يوم القيامة لا غير فعلم اللوح ما أودعه إياه القلم" [محي الدين بن عربي: الفتوحات المكية، ٤٨/١١].
وفي تلخيص شديد ومركز لرأي هؤلاء الصوفية في اللوح المحفوظ يقول صدر الدين الشيرازي في كتابه الحكمة المتعالية: وأما اللوح المحفوظ فهو عبارة عن النفس الكلية سيما الفلك الأقصى، إذ كل ما جرى في العالم، أو سيجري مكتوب مثبت في النفوس الفلكية، فإنها عالمة بلوازم حركاتها، فكما ينتسخ بالقلم في اللوح الحسي النقوش الحسية، كذلك ارتسمت من عالم العقل الفعال صور معلومة مضبوطة لعللها وأسبابها على وجه كلي، فتلك الصور محلها النفس الكلية التي هي قلب العالم، والإنسان الكبير عند الصوفية، وكونها لوحًا محفوظًا باعتبار انحفاظ صورها الفائضة عليها على الدوام في خزائن الله تعالى على وجه بسيط عقلي أو باعتبار اتحادها بالعقل الفعال [صدر الدين الشيرازي: الحكمة المتعالية، ٢٩٥/٦].
ويؤول الغزالي اللوح المحفوظ بأنه قلب المؤمن حيث يقول عن عجائب القلب: قال زيد بن أسلم في قوله تعالى: {فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} هو قلب المؤمن، وقال سهل: مثل القلب والصدر مثل العرش والكرسي، فهذه أمثلة القلب. [الغزالي: إحياء علوم الدين، ١٠/٣ وانظر ص ٨].
أولًا: عند أهل السنة: إن المتتبع لتاريخ الجدل عند أهل السنة في مسألة كلام الله تعالى وفي عقيدة (القرآن غير المخلوق) يجد أنها بدأت مجرد عقيدة في وجود قرآن سابق على الوجود الأرضي، أي قبل التنزيل على محمد - صلى الله عليه وسلم - والاعتقاد في عدم خلق القرآن نشأ مع الاعتقاد في صفات حقيقية مساوية لله تعالى في الأزلية، وحين كان يطلق لفظ كلام الله ويقصد به القرآن السابق في وجوده على الوجود الأرضي التنزيل، فقد كان يحمل على أنه واحد من الصفات الحقيقية المساوية للذات الإلهية في القدم والأزلية، وهنا يواجهنا سؤالان:
السؤال الأول: ما النسبة الزمانية في الوجود بين القرآن واللوح المحفوظ؟
أي أن هذا السؤال يختص بعلاقة كلام الله - عزوجل - غير المخلوق بمعنى القرآن السابق على الوجود الأرضي (التنزيل) باللوح المحفوظ، ويساويه في هذا (الكتاب المبين) و (الكتاب المكنون) و(أم الكتاب) واللوح المحفوظ هو الذي كتبت فيه المقادير الإلهية، ومعلوم أن العرش والكرسي واللوح المحفوظ كلها مخلوقة خلقها الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض، والإجابة التي يمكن أن نعثر عليها عند أهل السنة هي: أن القرآن قد وجد مع وجود اللوح المحفوظ؛ لأنه طبقًا لما ذكره البغدادي، فإن السلف آمنوا بخلق اللوح والقلم قبل خلق السماوات والأرض، يقول البغدادي: لما اجتمع عليه سلف هذه الأمة مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى والسامرة من أن الله تعالى خلق اللوح والقلم قبل خلق السماوات والأرض.
والسؤال الثاني: هل حل كلام الله غير المخلوق في القرآن؟ أي كلام الله المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - والإجابة عن هذا السؤال عند أهل السنة نجدها عند الأشعري حين يقول: فإن قال قائل: حدثونا: أتقولون إن كلام الله في اللوح المحفوظ؟ قيل له: كذلك نقول؛ لأن الله - عزوجل- قال: {بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ * فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} [البروج: ٢١-٢٢].
فالقرآن في اللوح المحفوظ وتعني هذه الإجابة - عند أهل السنة - أن كلام الله تعالى غير المخلوق له حالة مزدوجة من الوجود:
الأولى: من الأزل كصفة قائمة بالله تعالى.
والثانية: مع خلق اللوح المحفوظ المخلوق قبل خلق السماوات والأرض.
ثانيا: المعتزلة:
وأما المعتزلة فقد نفوا عن الله تعالى وجود صفات قائمة أزلية غير مخلوقة، ولكنهم أثبتوا لله تعالى صفة الكلام على أنها صفة فعل حادثة مخلوقة، أي موجودة بعد عدم، وأشار جمهور المعتزلة إلى وجود قرآن هو كلام الله سابق على التنزيل على النبي محمد – صلى الله عليه وسلم - بل سابق على وجود السموات والأرض، فهم لا ينكرون وجود القرآن، وأنه كلام الله، لكنهم ينكرون قدمه وأزليته، ويصرحون بأنه حادث مخلوق أحدثه الله تعالى وخلقه إما في اللوح المحفوظ، أو في الهواء، أو نفس جبريل - عليه السلام - أو في نفس النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم - ويشير الشهرستاني إلى هذا كله حين يعرض رأي المعتزلة بأن الله متكلم بكلام يخلقه في محل كما صار إليه المعتزلة.
ولكن ما هو ذلك المحل الذي فيه خلق الله تعالى كلامه (القرآن)؟ وما هي كيفية وصفة ذلك القرآن حين خلق؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تختلف - عند المعتزلة - من شيخ لآخر، ويمدنا مؤرخو علم الكلام الإسلامي بمعلومات عن ذلك الشيء المخلوق الذي خلق الله تعالى فيه القرآن، ونجد هذا عند الأشعري حين يزودنا بفقرات عديدة يقرر فيها آراء المعتزلة، وخاصة آراء جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر (من البغداديين)، وأبي الهذيل العلاف (من البصريين)، في هذه المسالة.
ففي إحدى هذه الفقرات يقول الأشعري: جعفر بن حرب، وأغلب المعتزلة البغداديين يزعمون أن كلام الله عرض وأنه مخلوق [البغدادي: الفرق بين الفرق ص١٢٧].
وفي فقرة أخرى يقول الأشعري: وقال جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر ومن تابعهما: إن القرآن خلقه الله سبحانه في اللوح المحفوظ [الأشعري: الإبانة ص٣٠]، مع عبارة إضافية عند جعفر بن مبشر، أن القرآن جسم خلقه الله سبحانه في اللوح المحفوظ [الشهرستاني: نهاية الأقدام ص٢٦٩].
وعن أبي الهذيل العلاف؛ وأتباعه من معتزلة البصرة، يقول الأشعري والذي صان يقول به أبو الهذيل: إن الله - عز وجل - خلق القرآن في اللوح المحفوظ، وهو عرض [الأشعري: مقالات الإسلاميين، ١/١٦٨]. ويقول: وأبوا أن يكون جسمًا [المرجع السابق نفسه].
ومن ثم يمكننا أن نستنتج رأي هذه المجموعة من المعتزلة وهو على الوجه التالي:
إن كلام الله تعالى، أو القرآن السماوي السابق على التنزيل على محمد - صلى الله عليه وسلم - هذا القرآن مخلوق، خلقه الله تعالى عرضًا حالًا في اللوح المحفوظ الذي هو جسم مخلوق؛ لأن العرض لا يحل إلا في جسم، وأيضًا فإن رأي أبي الهذيل العلاف ومجموعته مماثل لرأي جعفر بن حرب في أن هذا القرآن السماوي عرض حال في اللوح المحفوظ.
والفرق بين رأي جعفر بن حرب وأبي الهذيل العلاف أن هذا القرآن السماوي المخلوق قبل خلق السماوات والأرض وبين رأي جعفر بن مبشر بأنه جسم مخلوق في اللوح المحفوظ الذي هو جسم مخلوق أيضًا هذا الفرق ليس له تأثير في القول بأن القرآن السماوي مخلوق في محل هو اللوح المحفوظ؛ لأن الاختلاف هنا قائم على أساس ما إذا كان في قدرة الله تعالى أن يكون خالقًا للأعراض؟ فإن جعفر بن مبشر واحد من أولئك الذين يرون أن الله تعالى يخلق الأجسام فقط ولا تتعلق قدرته بخلق الأعراض، ولذلك فإن كلام الله تعالى القرآن الذي يحل في اللوح المحفوظ هذا الكلام سواء أكان عرضًا، أم جسمًا قد أنزل من اللوح المحفوظ إلى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما بعد.
وكلام الله تعالى المخلوق، أو القرآن الحال في اللوح المحفوظ يتكون - عند المعتزلة - من حروف؛ لأنه طبقًا للرأي المعزو إلى أغلب المعتزلة فإن كلام الإنسان يتكون من حروف ومثله كلام الله تعالى، فقد قال كثير من المعتزلة: إن كلام الإنسان حروف وكذلك كلام الله [المرجع السابق نفسه].
وأخيرًا فإننا يمكننا أن نطرح هنا سؤالًا وهو: ماذا يقصد بخلق القرآن عند هؤلاء الثلاثة من المعتزلة وأتباعهم؟
والجواب أنهم - بلا شك - لا يقصدون إنكار القرآن السماوي السابق على التنزيل، وإنما يقصدون - فقط - أنه قبل تنزيل القرآن على النبي محمد – صلى الله عليه وسلم - فإن كلام الله القرآن مخلوق، خلقه الله تعالى في اللوح المحفوظ الذي هو جسم مخلوق أيضًا، أي أن القرآن واللوح المحفوظ مخلوقان معًا في وقت واحد، ومن المعلوم - كما بينا - أن اللوح المحفوظ خلقه الله قبل خلق السماوات والأرض، ومن خلق القرآن وحلوله في اللوح المحفوظ فقد أنزل القرآن بعد ذلك بواسطة جبريل – عليه السلام -على النبي محمد – صلى الله عليه وسلم .
خاتمة:
ونخلص مما سبق إلى أن ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة متعلقًا باللوح المحفوظ، قد تناوله المفسرون باتجاهاتهم المختلفة من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة وصوفية، وكانوا يعتمدون على ما جاء في اللغة العربية، أو ما توصلوا إليه بعقولهم أو أذواقهم، وقد خلص البحث إلى أن اللوح المحفوظ عند هؤلاء جميعًا، إما أنه جسم لا يعلم حقيقته وقدره إلا الله - عز وجل - أو أنه عقل أو نفس من العقول والنفوس السماوية، كما ذهب إلى ذلك فلاسفة المسلمين، وقد تبنى الصوفية من أصحاب الاتجاه الفلسفي هذا التأويل للوح، وذكر بعضهم أن اللوح المحفوظ هو قلب المؤمن الكامل، إذ تنعكس فيه من اللوح المحفوظ السماوي كل الحقائق التي أمر الله تعالى القلم بكتابتها.
مراجع للاستزادة:
يُمثّل اللوح المحفوظ في العقيدة الإسلامية تجليًا لمطلق العلم الإلهي، وهو سجلٌّ كونيٌّ مكتوبٌ فيه كل ما كان وما سيكون، قبل وقوعه في عالم الشهادة، ويتضح أن اللوح المحفوظ يمثل عند أهل الظاهر جسمًا مكتوبًا فيه العلم الإلهي، بينما هو عند الفلاسفة النفس الكلية أو العقل الفعال، وعند الصوفية رمزٌ باطنيٌ يتلقى التجليات الإلهية، واللوح المحفوظ أحد مظاهر علم الله الأزلي، مع ضرورة الجمع بين الظاهر والنظر العقلي في تناوله.
الكرسي، والعرش من الغيبيات، التي ورد ذكرها في نصوص الوحيين الشريفين.
هو جسر على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم.
يمثل القلم في الفكر الديني والتصوف الإسلامي رمزًا للقوة الإلهية.