والسؤال هنا
واجب من أين أتى هذا المذهب إلى غيلان؟
هل هو أول من
جهر به، وروج له ودعا إليه؟ حتى اشتهر به فسمى غيلان القدري؟ قيل هذا، كما قيل:
إنه قد أخذه عن الحسن بن محمد بن الحنفية، وهذه هي رواية ابن المرتضى في المنية
والأمل، والظاهر أن ذلك كان رغبة من ابن المرتضى في أن يدعي فضلا للمعتزلة في قولهم
بالقدر، وذلك برفعه إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- عن طريق أخذ الحسن إياه عن
أبيه عن جده علي بن أبي طالب عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وكذلك كان مسلك الفرق
المختلفة حين تريد تأصيل مذهبها برفعه إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فينفرد
بالمكانة الدينية المثلى عما سواه، وقيل وهو قول الأكثرين من الرواة: إن غيلان قد
أخذ القول بالقدر وحرية الاختيار الإنساني عن معبد بن خالد الجهني [هو معبد بن خالد
الجهني، وكان صاحب عطاء بن يسار، وكانا يجلسان معًا إلى مجلس الحسن البصري ويقولان
له إن هؤلاء أي الذين يتعللون في فعل المعاصي بالقدر يسفكون الدماء ويقولون: إنما
تجرى أعمالنا على قدر، كذب أعداء الله، ولقد خرج مع الأشعث على بني أمية، فقتله.
الحجاج لهذا صبرا سنة ٨٠هـ] فقد روى أن معبدًا سمع من يتعلل في المعصية بالقدر، فقال في الرد
عليه لا قدر والأمر أنف. أي: أن الأمور يستأنف العلم بها، وتستأنف إرادتها، وكأنه
بهذا ينفي الإرادة الأزلية وينفي العلم القديم، وذلك ليخرج فعل الإنسان عن نطاق
قدرة الخلاق العليم [الخطط للمقريزي].
وتذكر بعض
المراجع أيضًا أن معبدًا قد أخذ بدعة القول بالقدر، أوما يسمى بمذهب الاختيار
والحرية الانسانية عن رجل ظهر بالدعوة إلى هذا المذهب لأول مرة من أهل العراق يروى
أنه كان نصرانيًا فأسلم، ثم تنصر.
كما روى أن هذا
الرجل كان يدعى أبا يونس سنسويه من الأساورة [خطط المقريزي، شرح
العيون لابن نباتة، البيئة الإسلامية]، وبذلك تكون هذه البدعة دخيلة علي الإسلام
والمسلمين من أهل الديانات المختلطة بهم، ولم تكن وليدة البيئة الإسلامية ولا صدى لشيء
من نصوص القرآن والسنة، كما سبقت الإشارة إلى أن بدعة القول بالجبر وتداعيتها من
العقائد الأخرى قد انتقلت إلى الجعد بن درهم عن عنصر يهودي متمثل في أبان
بن سمعان الذي نقلها بدوره عن يهودي آخر هو طالوت بن الأعصم، فكلا
المذهبين - كما رأينا - دخيلين علي البيئة الإسلامية علي هذا النحو.
مراجع
للاستزادة
١-
الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري
المتوفى عام۳۲۰هـ- تحقيق/ محمد محيي الدين عبد الحميد- نشر وطبع مكتبة النهضة
المصرية، الطبعة الثانية ١٣٨٩هـ/ ١٩٦٩م.
٢-
البغدادي: الفرق بين الفرق لعبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي المتوفى عام
٤٢٩هـ/ ١٠٣٧م، تحقيق/ محمد محيي الدين عبد الحميد- مطبعة المدني- نشر مكتبة صبيح.
٣-
الشهرستاني: الملل والنحل للإمام أبي الفتح محمد عبد الكريم بن أبي بكر أحمد
الشهرستاني المتوفى ٥٤٨هـ ١١٥٣م، تحقيق/ عبد العزيز محمد الوكيل، مطبعة دار
الاتحاد العربي، نشر مؤسسة الحلبي.
٤-
الإسفرائيني: التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين للإمام
أبي المظفر الإسفرائيني، عالم الكتب - بيروت - الطبعة الأولى.
٥- الرازي:
اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للإمام فخر الدين محمد بن عمر الخطيب الرازي
المتوفى عام ٦٠٦هـ - ١٢٠٩م شركة الطباعة الفنية- نشر مكتبة الكليات الأزهرية.
٦-
ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم
الظاهري، دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت - لبنان - الطبعة الثانية.
٧-
الإيجي: مواقف في علم الكلام للعلامة عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي المتوفى
سنة ٧٥٦هـ.
٨-
الجرجاني: شرح المواقف في علم الكلام للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني
المتوفى٨١٦هـ، دار المعارف - الطبعة الرابعة.
٩-
الجرجاني: التعريفات لعلي بن محمد الجرجاني المتوفى ٨١٦هـ، تحقيق/ إبراهيم
الإبياري، مطبعة العلوم نشر دار الكتاب العربي- الطبعة الأولى.
١٠-
الطبري: تاريخ الطبري (تاريخ الرسل والملوك) لأبي جعفر بن جرير الطبري المتوفى۲۱۰هـ، دار المعارف - الطبعة الرابعة.
۱۱-
السعد: شرح المقاصد (مقاصد في علم الكلام) للعلامة سعد الدين عمر التفتازاني، دار
الطباعة العامرة بدار الخلافة الزاهرة - طبع هذا الكتاب سنة ١٢٧٧هـ.
۱۲-
ابن نباتة: سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون لابن نباتة وهو أبو النصر عبد
العزيز بن عمرو محمد بن أحمد بن نباتة، تُوفي ٤٠٥م.
۱۳-
ابن المرتضى: المنية والأمل.
١٤-
الذهبي: ميزان الاعتدال في نقد الرجال لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي
المتوفى ٧٤٨هـ، تحقيق على محمد البجاوي- دار المعرفة- بيروت- لبنان.
١٥-
ابن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى٨٥٢ هـ،
دار المعرفة- بيروت- لبنان.
١٦-
التاريخ لابن عساكر.
۱۷- الفهرست
لابن النديم.
۱۸- الخطط
للمقريزي.
۱۹-
الانتصار للخياط.
۲۰-
القاسمي: تاريخ الجهمية والمعتزلة.
۲۱-
المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا- دار الكتاب اللبناني- دار الكتاب المصري.
۲۲-
المعجم الوجيز مجمع اللغة العربية.
۲۳
المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية.