Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصفات الخبرية

الكاتب

أ.د/ عبد الحميد عبد المنعم مدكور

الصفات الخبرية

الصفات الخبرية صفات لله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة، واختلفت الفرق في فهمها بين الإثبات الظاهري والتأويل، لكنها اتفقت على تنزيه الله عن التشبيه.

مفهوم الصفات الخبرية

يطلق هذا المصطلح على الصفات الإلهية التي ثبتت بالخبر الشرعي الوارد في القرآن والسنة، ويتضح من تعريفها أن مصدر ثبوتها هو الشرع، وأن العقل ليس له دخل في إضافتها إلى الله تعالى، وهي تفترق - بذلك - عن الصفات التي يقول العقل بإثباتها لله تعالى، مع مجيء الشرع بإثباتها، كالعلم والقدرة ونحوهما من الصفات التي تثبت بالعقل والشرع معًا، وقد تضمنت هذه الصفات الخبرية ما يوهم مشابهة الله - تعالى - لخلقه، وذلك كوصف الله بأن له وجهًا أو عينًا أو يدًا، أو وصفه - سبحانه وتعالى - بأن له استواءً، أو مجيئًا، أو نزولًا، أو هرولةً، أو ضحكًا، أو تعجبًا، أو نحو ذلك من الصفات التي جاءت في القرآن والسنة الصحيحة.

ومما جاء منها في القرآن قوله تعالى: {كُلُّ ‌مَنۡ ‌عَلَيۡهَا فَانٖ * وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ} [الرحمن: ٢٦-٢٨] {‌وَأَلۡقَيۡتُ ‌عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي* وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ} [طه: ٣٩-٤٠] {وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ ‌فَإِنَّكَ ‌بِأَعۡيُنِنَاۖ} [الطور: ٤٨] {وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ ‌يَدُ ‌ٱللَّهِ ‌مَغۡلُولَةٌۚ} [المائدة: ٦٤] {‌إِنَّ ‌ٱلَّذِينَ ‌يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ} [الفتح: ١٠] {ٱلرَّحۡمَٰنُ ‌عَلَى ‌ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه: ٥] {هَلۡ ‌يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ} [البقرة: ٢١٠] {‌وَجَآءَ ‌رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا} [الفجر: ٢٢].

ومما جاء منها في السنة قوله - صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فيَقولُ: مَن يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ له، مَن يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له؟» وفي رواية «حتّى يُضِيءَ الفَجْرُ أوْ حتّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ» [صحيح مسلم بشرح النووي، طبعة الشعب، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى ٢/٤٠٧ -٤٠٩ ومسند أحمد ٢/٢٥٨].

 ومنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قال الله - عزوجل: «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي، وأنا معهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منه، وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ ذِراعًا، اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [صحيح مسلم كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الذكر والدعاء وحسن الظن بالله ٥/ ٥٤٢ وبه روايات أخرى ٥/٥٤٥ - ٥٤٣، وصحيح البخاري طبعة إسطنبول، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ}) ١٧١/٨، وسنن الترمذي نشره أ/ عبد الرحمن عثمان - دار الفكر- بيروت، ككتاب أبواب الدعوات، باب منه ٥/٢٣٨، ٢٣٩]، ومنها: «يضحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحدُهُمَا الآخرَ كَلَاهُما يدخلُ الجنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فيُقتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُقَاتِلُ فيُستَشهَدُ» [سنن النسائي، كتاب الجهاد، اجتماع القاتل والمقتول في سبيل الله في الجنة ٦ /٣٨، ٩ ٣ وفي إحدى رواياته: «يَعْجَبُ رَبُكَ»، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية ١/٦٨] - ومنها: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ليعجَبُ من الشّابِّ ليسَتْ له صَبْوَةٌ» [مسند أحمد ٤/ ١٥١]

وقد عقد الإمام البخاري بابًا في كتاب التوحيد الذي جعله خاتمة كتابه ذكر فيه صفات أخرى وسماه "باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله" [صحيح البخاري ٨/١٧٠، ١٧١] (سنن النسائي، كتاب الجهاد، اجتماع القاتل والمقتول في سبيل الله في الجنة ٦ /٣٨، ٩ ٣ وفي إحدى رواياته: «يَعْجَبُ رَبُكَ»، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية ١/٦٨).

آراء علماء الكلام في النظر إلى الصفات الخبرية

وقد افترق علماء الكلام في النظر إلى هذه الصفات إلى فرق:

١- فمنهم من فهمها على ظاهرها، وقد بالغ هؤلاء في الإثبات حتى وصل بهم إلى التشبيه، بل وصل إلى التجسيم صراحة، أوضمنًا، وظهر ذلك من قبل لدى بعض طوائف اليهود الذين غلب عليهم طابع التشبيه، وها هو الشهرستاني يقول عنهم: "إن التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته (زارته) الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإن العرش لَيَئِطُّ من تحته كأطيط الرحل الجديد، وإنه ليفضُل من كل جانب أربعة أصابع" [الشهرستانى: الملل والنحل، بهامش الفصل لابن حزم، المطبعة الأدبية ١٣١٧هـ ٤١/١، وقارن: العهد القديم، سفرالتكوين٣٢، ٨/٣ -٨ -١٠، ٢٢، ٦/٦، ٢٠/٨، ٢١، ١٧/ ١ ثم٢٧ / ١ "١٠، وسفر الخروج ١٠/٣٢ -١٤، وسفر العد ١٢٨ -٨الخ]، ولعله كان لهذا التصور أثر فيما ظهر في المجتمع الإسلامي لدى بعض الطوائف، كبعض الخوارج والمرجئة والشيعة، بل لدى بعض أصحاب الحديث المنتسبين إلى السنة، وفي هؤلاء يقول الأشعري: وقال بعض أهل الحديث: إن العرش لم يمتلئ به، وإنه يفقُد معه نبيه -عليه السلام - على العرش [انظر مقالات الإسلاميين للأشعري الذي يورد نماذج لهذا الاتجاه في الجزء الأول ١٠٦-١٠٩-١٦٨-٢٨٤،٢٨٨]

 ويوجد مثل هذا الكلام الغليظ في الحديث عن الله تعالى لدى بعض الشيعة كهشام بن الحكم ولدى بعض الخوارج (مقالات الإسلاميين ١ /٠٦ ١ - ١٠٩، والفرق بين الفرق، طبعة الشيخ محيي الدين عبد الحميد ٦٥].

٢-  وكان من علماء الكلام من صرف هذه الصفات الموهمة للتشبيه عن ظواهرها، وأبعدها عن هذه المشابهة الموهومة؛ لأن الله: {‌لَيۡسَ ‌كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١] {لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ * وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ ‌كُفُوًا ‌أَحَدُۢ} [الإخلاص: ٣-٤]

وظهر هذا المنهج في النظر أولًا لدى المعتزلة الذين وقفوا موقفًا يتسم بالشدة والحدة تجاه القائلين بالتجسيم أو التشبيه، وقد قال أبو الهذيل العلاف معبرًا عن ذلك: "من شبَّه الله سبحانه وتعالى بخلقه، أو جوَّره في حكمه، أو كذّبه في خبره فهو كافر [مقالات الإسلاميين ١ /٠٦ ١ - ١٠٩، والفرق بين الفرق، طبعة الشيخ محيي الدين عبد الحميد ٦٥]، وكان سبيلهم لنفي هذه المشابهة هو التأويل الذي يصرف به اللفظ عن ظاهره، حرصًا على التنزيه الواجب لله تعالى، فالوجه عندهم يعني الذات، واليد تعني النعمة أو القدرة، والعين بمعنى العلم أو العناية، والاستواء بمعنى الاستيلاء وهكذا.

 وينقل الأشعري عن أبي الهذيل أنه كان يقول: "لله وجه هو هو، فوجهه هو هو، ونفسه هي هو، ويتأول ما ذكره الله من اليد أنها نعمة، ويتأول قول الله عز وجل: {‌وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ} [طه: ٣٩] أي بعلمي، ثم ينقل عن بعض المعتزلة قوله "ذكر الله سبحانه الوجه على التوسع، لا لأن له وجهًا في الحقيقة، وإنما يعني ويبقى وجه ربك: ويبقى ربك، وتعنى اليد النعمة" [السابق ص١٦٧]، نقل عنهم القول بأن اليد بمعنى النعمة، والعين بمعنى العلم، والجنب بمعنى الأمر (السابق ٢١٨)، ثم ظهر هذا الاتجاه من بعد المعتزلة لدى طوائف أخرى كالشيعة والإباضية، ثم ظهر كذلك لدى جمهور الأشاعرة، ولا سيما من المتأخرين منهم، وممن قالوا بهذا الرأي: أبو بكر بن فورك (٤٠٦هـ)، وإمام الحرمين الجويني (٤٧٨هـ)، وفخر الدين الرازي (٦٠٦هـ)، وسيف الدين الآمدي (٦٣١هـ)، وعضد الدين الإيجي (٧٥٦هـ) وأمثالهم [انظر مثلا: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، وهو بتعليق أحمد بن الحسين بن هاشم وتأويل مشكل الحديث لابن فورك، والإرشاد للجويني، وأساس التقديس لفخر الدين الرازي وغاية المرام للآمدي، وانظر للإباضية، مسند الإمام الربيع بن حبيب، ضبط وتخريج محمد درويش، مكتبة الاستقامة، عمان ط١ /١٩٩ ص ٤١٤ ثم ٣٢١ وما بعدها، ٣٨٨]

وقد كان فخر الدين الرازي من أكثر الذين عنوا بتأصيل هذا الرأي وظهر ذلك جليًا في كتابه أساس التقديس الذي تحدث فيه عن ضرورة التأويل، وإن جميع فرق الإسلام مُقِرون بأنه لابد منه في بعض ظواهر القرآن والأخبار، وقد ذكر الموانع العشرة التي تمنع من أن يكون الدليل الشرعي قطعيًا، كما ذكر الأدلة التي تمنع من الاحتجاج بخبر الآحاد في معرفة الله تعالى، وفضل ما ينبغي عمله إذا تعارضت البراهين العقلية والظواهر النقلية، وقد ذكر الاحتمالات الأربعة التي يمكن تصورها عندئذ مؤكدًا أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وقد انتهى من سرده لهذه الاحتمالات إلى أنه يجب القطع بمقتضى الأدلة العقلية، أما الدلائل النقلية فإما أن يقال إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة، إلا أن المراد فيها غير ظواهرها، وعندئذ نلجأ إلى تأويلها، وإلا فوضنا العلم بها إلى الله تعالى، وهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات  [انظر: الساس التقديس في علم الكلام - مطبعة مصطفى البابي الحلبي ١٩٣٥ ص٧٩ وما بعدها ١٦٨، ١٧٢، ١٨١، ١٨٢] وتكرر مثل هذا الاستدلال والاحتجاج به لدى عضد الدين الإيجي الذي وصف الصفات التي توهم التشبيه بأنها ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات، ومهما تعارض دليلان وجب العمل بهما ما أمكن، وإلا فتؤول الظواهر: إما إجمالًا ويفوض تفصيلها إلى الله تعالى، وعليه أكثر السلف، وإما تفصيلًا كما هو رأى طائفة، فنقول الاستواء: الاستيلاء والعندية بمعنى الاصطفاء والإكرام {‌وَجَآءَ ‌رَبُّكَ} [الفجر: ٢٢]، أي أمره، و{‌إلىۡهِ ‌يَصۡعَدُ} [فاطر: ١٠]، أي يرتضيه، فإن الكلم عرض يمتنع عليه الانتقال و{‌ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ} [الملك: ١٦] أي حكمه أو سلطانه أو ملك موكل بالعذاب، وعليه فقس [الإيجى: الموقف في علم الكلام، عالم الكتب ٢٧٢، ٢٧٣ وانظر ٢٩٧].

واستقر هذا لدى المتأخرين من الأشاعرة فيما صنفوه في العقائد: شعرًا ونثرًا وشروحًا وتعليقات وممن جرى على هذا الشيخ إبراهيم اللقاني في جوهرة التوحيد فقال:

وكل نص أوهم التشبيها *** أوله أو فوِّض ورم تنزيها

وقال عبد السلام اللقاني في شرحه: "وكل نص أي لفظ ناص ورد في كتاب أو سنة صحيحة (أوهم التشبيها) باعتبار ظاهر دلالته، أي أوقع في الوهم صحة القول به... (أوله) وجوبًا بأن تحمله على خلاف ظاهره، فتؤول الفوقية بالتعالي في العظمة دون المكان، والإتيان بإتيان رسول عذابه ورحمته وثوابه، وكذا النزول والمراد بالصورة: الصفة، والوجه بالذات أو بالوجود، واليد بالقدرة" ثم قال: "أو فوض" علم المعنى المراد من ذلك النص تفصيلًا إليه تعالى، وأوله إجمالًا كما هو طريق السلف، (ورم) أي اقصد واعتقد مع تفويض علم ذلك المعنى (تنزيهًا) له تعالى عما لا يليق وينسب الشيخ عبد السلام هذا الرأي إلى السلف، وأن الأشاعرة موافقون لهم في ذلك، يقول: فالسلف ينزهونه - سبحانه - عما يوهمه ذلك الظاهر من المعنى المحال، ويفوضون علم الحقيقة على التفصيل إليه تعالى، مع اعتقاد هذه النصوص من عنده - سبحانه - فظهر مما قررنا اتفاق السلف والخلف على تنزيهه - تعالى - عن المعنى المحال الذي دل عليه ذلك الظاهر، وعلى تأويله وإخراجه عن ظاهره المحال، وعلى الإيمان بأنه من عند الله جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم - لكنهم اختلفوا في تعيين محمل له معنى صحيح، أو عدم تعيينه، بناءً على أن الوقف على قوله تعالى: {ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ} [النساء: ١٦٢]، أو على قوله: {وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ} [آل عمران: ٧]، [انظر: شرح عبد السلام بن إبراهيم المسالكي لجوهرة التوحيد للإمام اللقاني على هامش: حاشية محمد بن محمد الأسير، شركة مكتبة ومطبعة مصطفي البابي الحلبى وأولاده، ط ١٣٦٨هـ - ١٩٤٨م ص٩٨، ٩٩. والإشارة في آخر النص إلى الآية السابقة من سورة آل عمران، وهي التي تبدأ بقوله تعالى: ﵟهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ .......ﵞ [آل عمران: ٧] الآية، والقول باتفاق السلف والخلف على التنزيه والتأويل في مثل هذه الصفات قول لا يخلو من تسامح وتساهل، كما يتضح من عرض آراء السلف في المسالة]

٣- أما أهل الحديث فقد نظروا إلى هذه الصفات نظرًا يجمع بين الإثبات والتنزيه، وفي ذلك يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه، ووصف به نبيه -صلى الله عليه وسلم - من غير اعتراض فيه، ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب، وترك التكييف له لازم" [الأشعري: رسالة أهل الثغر، مطبعة التقدم القاهرة ص ٧٦]

وكذلك قال في مقالات الإسلاميين "وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه على العرش.... ولا يقدَّم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف... ولم يقل شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب أوما جاءت به الرواية عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – [مقالات الإسلاميين ٢٨٥/١ وانظر ١/ ٣٤٥]

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٢٤٤هـ) عن هذه الأحاديث التي تضمنت هذه الصفات الخبرية: إنها أحاديث حق لا شك فيها، رواها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نفسرها، ومن أشهر ما يستند إليه أصحاب هذا الرأي في ترك التأويل قول الإمام مالك بن أنس الذي سئل عن معنى قوله تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه: ٥] فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، ثم أمر بالرجل فأخرج من مجلسه (القاضي عياض: ترتيب المدارك وتقريب المسالك في إعلام مذهب مالك تحقيق د / أحمد بكير. بيروت وليبيا ١٩٦٧ ج ١٧٠/١، ١٧١).

وكان سفيان الثوري، وشعبة وحماد بن زيد، وشريك وأبو عوانة لا يحددون، ولا يشبهون، ويروون هذه الأحاديث، ولا يقولون: كيف قال أبو داود وهو قولنا، وقال البيهقي، وعلى هذا قضى أكابرنا [ابن حجر: فتح الباري، طبعة الريان -القاهرة١٣/٤٠٧].

 وكان مما صرفهم عن اللجوء إلى التأويل أن المعرفة المبنية على التأويل معرفة ظنية، ويدل على ذلك أن القائلين به اختلفوا فيه اختلافًا كبيرًا، ومن أمثلة ذلك أنهم أولوا الاستواء على العرش بخمسة عشر تأويلًا [انظر لابن العربي: العوا صم من القواصم، تحقيق د /عمار طالبي، دار الثقافة قطر ط١/١٩٩٢م، ص ٢١٤، ١/١١٦ -١٣٧٠١١٨ -١٣٩، الملل والنحل ١/١١٦، ١١٨، ١٣٧ ١٣٩]، وإذا كان التأويل ظنيًا - على هذا النحو - فإنه يتعذر معه الاعتماد عليه في مسائل العقيدة التي ينبغي أن تقوم على اليقين.

ثم إن التأويل لا يخلو من تعسف في بعض الأحيان، ومن أمثلة ذلك تأويل المعتزلة لقوله تعالى: {‌وُجُوهٞ ‌يَوۡمَئِذٖ ‌نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: ٢٢-٢٣]، وقد أولوها بما يتفق مع مذهبهم الذي ينكر رؤية الله تعالى في الآخرة، ولهذا أولوا: ناظرة فجعلوها بمعنى منتظرة أو متوقعة أو راجية، وقالوا: إن إلى ليست هي حرف الجر المعروف، وإنما هي مفرد الآلاء بمعنى النعم، ومعنى الآية على هذا أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه [انظر: القاضي عبد الجبار: المختصر في أصول الدين، ضمن رسائل التوحيد والعدل، جمع وتحقيق د/ محمد عمارة، ط مكتبة الأسرة عن طبعة دار الشروق ٢٠٠٨م، ج١ /٢٢٠ - ٢٢٢، وانظر: الزمخشري محمود بن عمر: الكشاف. دار المعرفة بيروت ١٩٢/٤، وكذلك فعل الزمخشري في قوله تعا لي: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا} [النساء: ١٦٤] انظر الكشاف ا / ٥٨٢، وانظر شرح الأصول الخمسة ٠٢٤٥]، وعندما وجد بعض المعتزلة - ومن وافقهم - نصوصًا كثيرة تثبت الرؤية في الآخرة للصالحين من عباد الله تعالى دون تحديد ولا إحاطة قالوا: إنه لا يستدل في هذه المسألة بالسمع أصلًا [شرح الأصول الخمسة ٢٦٢].

وإذا كان هؤلاء لا يستخدمون التأويل في النظر إلى الصفات الإلهية وبخاصة الصفات الخبرية فإنهم يضيفون إلى ذلك أنه ينبغي صرف النفس عن الخوض والتنقيب والتفتيش فيما يتعلق بالله تعالى: فالله أعلى وأجل من أن يحيط العقل بحقيقة ذاته أو كنه صفاته، وليس للعقل من الناحية المعرفية الخالصة - أن يقتحم هذا المجال؛ لأن هذا العقل محدود في قواه وفي وسائله التي يدرك عن طريقها، وإذا كان العقل لا يبدأ طريقه في المعرفة إلا من طريق استخدامه للحواس فإن الله – عزوجل – {‌لَّا ‌تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} [الأنعام: ١٠٣]، وقد حدثنا الشرع الكريم عن الآخرة وما فيها من جنة ونار ونعيم وعذاب، مستخدمًا في ذلك أسماء وصفات مما نستخدمه في لغتنا التي نصف بها ما في عالمنا الذي نشهده ونحياه، ولكن ذلك لا يعني أن اتحاد الوصف لا يعني اتحاد الموصوف، وقد أشار ابن عباس - رضي الله عنهما - إلى شيء من ذلك حينما قال: "ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء" [راجع تفسير الطبري في تفسير الآية ٢٥ من سورة البقرة، والفصل لابن حزم، وقد قال عن سنده: إنه في غاية الصحة ٨/١٠٢ وتفسير ابن كثير، طبعة الشعب ٩١/١]، وهو يتفق مع ما جاء في الحديث القدسي: «أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ» [صحيح البخاري - طبعة إستانبول، كتاب التفسير، تفسير سورة السجدة باب قوله: {فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ}٦/٢١، وصحيح مسلم بشرح النووي، طبعة الشعب ، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ٦٨٧ - ٦٨٩ ، ومسند أحمد ۳۱۳/۲]، وإذا كان هذا صحيحًا أو متصورًا بالنسبة للجنة التي هي من مخلوقات الله - عز وجل - فمقام الله أعلى وأجل من أن تحيط اللغات والأفهام بحقائق ذاته، أو بكيفية صفاته، ولهذا ينبغي للعقل أن ينشغل بما هو مؤهل له من النظر في الكون ومخلوقاته بدلًا من أن يقحم نفسه في مجال الأمور الإلهية التي لا قدرة له على إدراكها، ومن ثم كان من الحكمة والرشد عدم التنقيب والتفتيش فيها والاعتماد في هذه الشئون - وفي غيرها - على القرآن والسنة الصحيحة اللذين هما المصدر والحجة والميزان، ومنهما تستمد العقائد والأحكام، وفي مثل هذا قال ابن عباس - رضي الله عنهما: "تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا الله قدره" وبعضهم يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - [نظر: حلية الأولياء للأصبهاني ٦ / ٦٦، ٦٧، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند الإمام أحمد ١/ ١٥٥، وتخريج الحافظ العراقي لأحاديث الأحياء (الحلبي) ٤ / ٥٢٦، وفتح الباري شرح صحيح البخاري (الريان) ١٣/ ٣٩٤، وكشف الخفاء للعجلوني ٣/١/١، ٣٧٢، والمقاصد الحسنة للسخاوي ٢٦٠، ٢٦١، والجامع الصغير للسيوطي (صبيح) ١٣٢/١، وفتح القدير للشوكاني ١٦/٥ ١]

تعقيب: لعله قد ظهر من عرض الآراء الواردة في هذا المسألة أن الآراء قد تفاوتت فيها تفاوتًا واضحًا وأن الاختلاف فيها كان كبيرًا وعميقًا، ويرجع ذلك لصعوبة المسألة في ذاتها، واختلاف المصادر والأدلة التي انبثقت هذه الآراء عنها، ولقد يدل على ذلك أن أصحاب المذهب الواحد أو المدرسة الواحدة قد يختلفون فيما قالوا به من رأى، أو فيما انتهوا إليه من موقف فيها، فالأشاعرة - على سبيل المثال - ليسوا على رأى واحد فيها ففريق منهم يقول بالتأويل، ومن هؤلاء - على سبيل المثال ابن فورك، والرازي، والآمدي والإيجي والمتأخرون، وفريق منهم يقول بالإثبات للصفات الخبرية دون تأويل لها مع ملاحظة التنزيه فيها ومن هؤلاء أبو بكر الباقلاني الذي يذكر في التمهيد بابًا في أن لله وجهًا ويدين ويرد فيه على القائلين بالتأويل كتأويل اليد بالقدرة أو النعمة [انظر: الباقلاني: التمهيد، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، تحقيق: عماد الدين حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية. لبنان ط ١٩٨٧/١م ص ٢٩٥ "٢٩٨]، والحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة وهو يخصص فيه بابًا لذكر الآيات والأخبار التي وردت في إثبات صفة الوجه واليدين والعين والاستواء ونحوها [انظر الاعتقاد، مطبعة السلام العالمية ١٩٨٤ ص٣٥،٣٦، وانظر٥١، ٨٨، ٨٩، ١٤٢، ١٤٣ إلخ، بل إن بعض المتكلمين في هذه المسألة منهم قد يوجد له رأيان في المسألة فهو يؤول أحيانًا، ويثبت أحيانًا أخرى، ويمكن الإشارة هنا إلى الإمام الأشعري الذي ينسب إليه أن له رأيين في المسألة [مجمل اعتقاد السلف ٣/١٨٧ والأشهر في النسبة إليه ترك التأويل كما في الإبانة ومقالات الإسلاميين ورسالة إلى أهل الثغر]، كما يمكن الإشارة إلى إمام الحرمين الجويني الذي يذكر في كتاب الإرشاد أنه ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليدين والعينين والوجه صفات ثابتة للرب تعالى، والسبيل إلى إثباتها السمع، دون قضية العقل، والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود [الجويني: كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق د/ محمد يوسف موسى، والأستاذ علي عبد المنعم عبد الحميد، الخانجي ١٩٥٠ ص ١٥٥ وما بعدها]، وقد وصف من يجعلون النصوص الواردة فيها على ظواهرها ويستروحون إليها بأنهم حشوية رعاع مجسمة [انظر الإرشاد ١٥٨].

وقد وصف الأحاديث الواردة في هذه الصفات بأنها أحاد لا تفضي إلى العلم، ولو أضربنا عن جميعها لكان سائغًا، لكنا نومئ إلى ما دون منها في الصحاح... [السابق ١٦١]، ثم ختم ما قدمه من تأويل بقوله: "ومن أحاط بما ذكرناه لم يصعب عليه مدرك تأويل ما نسأل عنه بعد التثبيت، وعدم الابتدار إلى تأويل كل ما يسأل عنه من مناكير الأخبار [السابق١٦٤]، غير أن الجويني نفسه يعود إلى مناقشة القضية في عقيدته النظامية وهو ينتهي فيها إلى رأى آخر يختلف عن قوله السابق في الإرشاد وهو يقول في النظامية: وقد اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها، وإجراؤها على موجب ما تبتدره أفهام أرباب اللسان منها، فرأى بعضهم تأويلها، والتزام هذا المنهج في آي الكتاب، وما يصح من سنن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيًا، وندين الله به عقدًا: اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع [الجويني: العقيدة النظامية في الأركان ألإسلامية، نشرة د/ أحمد حجازي السقا مكتبة الكليات الأزهرية ط١ ١٩٧٩ ص ٣٢، وانظر/محمد سيد عبد الفضيل القوصي، هوامش على العقيدة النظامية، مكتبة الإيمان ج٢ /٠٦ ٢٠م، ص١٤٩ وانظر ما بعدها إلى ص ١٥٣]، وقد استند في رأيه هذا إلى إجماع الأمة الذي هو حجة متبعة، ومستند معظم الشريعة، وإلى منهج الصحابة الذين تركوا التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، ولو كان تأويل هذه الآي والظواهر مسوغًا ومقومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.

وقد أخذ التابعون لهم بالمنهج نفسه "فحق على كل ذي دين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب تبارك وتعالى" [العقيدة النظامية ص٣٢، ٣٣].

ولا يقتصر هذا الاختلاف في الرأي. أو الانتقال عنه أو الجمع بين الرأيين في هذه المسألة على مذهب الأشاعرة، بل إننا نجد له نظائر لدى غيرهم أيضًا ويمكن الإشارة هنا إلى أبي الفرج بن الجوزي الذي هو من أعلام الحنابلة الذين يقولون في هذه المسألة وفي غيرها بترك التأويل.

وقد صرح ابن الجوزي باتباعه لمنهج السلف وما ذهبوا إليه من رفض للتأويل أخذا بما قاله الإمام أحمد بن حنبل، وها هو يقول عن الطريق السليم الذي ينجي صاحبه من تلبيس إبليس: "إنه ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وآلة وسلم - وأصحابه وتابعوهم بإحسان من إثبات الخالق سبحانه وإثبات صفاته، على ما وردت به الآيات والأخبار، من غير تفسير ولا بحث عما ليس في قوة البشر إدراكه ولا نتعدى مضمون الآيات، ولا نتكلم في ذلك برأينا ثم ذكر أن هذا هو منهج الإمام أحمد، وقال: "والعجب ممن يدعي اتباع هذا الإمام، ثم يتكلم في المسائل المحدثة" [ابن الجوزي: تلبيس إبليس، طبع دار الكتب العلمية عن طبعة إدارة الطباعة المنيرية ط٢ / ١٣٦٨ ص ٨٨].

لكن ابن الجوزي يستخدم لغة أخرى، ومنهجًا مختلفًا عندما تصدى للدفاع عن أصول مذهب الإمام أحمد، الذي شانه وعابه بعض من كتبوا فيه من الحنابلة، وقد وصف هؤلاء بأنهم "قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصافرة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلى إلغاء ما توجبه الظواهر من سمات الحدث" ووصف هؤلاء بأن كلامهم صريح في التشبيه، وإن كانوا يقولون عن أنفسهم: إنهم أهل السنة [ابن الجوزي، دفع شبه التشبيه، بأكف التنزيه في الرد على المجسمة والمشبهة، تحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري، تصدير الشيخ محمد أبو زهرة، تقديم د/ جمعة الخولي، المكتبة التوفيقية ١٩٧٦ ص ٢٦، ٢٧].

وكان من أسباب رده عليهم أنهم - فيما يرى - كابروا الحس والعقل، وأنهم حملوا الأحاديث على الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازمًا؛ لئلا يُنسب الإمام أحمد - رحمه الله - إلى ذلك، وإذا سكت نسبت إلى اعتقادي ذلك [السابق ٣٠]، وقد تعقب ما ورد من هذه الصفات في الآيات والأحاديث، وأملًا تأويلًا يخرج بها عن المعاني الحسية التي حملها عليها بعض سابقيه من الحنابلة، ثم قال: "ونحن نحمد الله، إذ لم ينجس حظنا من المنقولات ولا من المعقولات، ونبرأ من أقوام شانوا مذهبنا، فعابنا الناس بكلامهم" [السابق ٧٥، وانظر ٩١].

ويدلنا هذا الاختلاف الواقع بين أتباع المذهب الواحد، ثم الاختلاف في الرأي للعالم الواحد على ما في المسألة من صعوبة وعسر، وأن التعمق فيها لا يمنع من وقوع الخلاف فيها، ولهذا ذهب بعض الأئمة - من قديم - إلى تجنب الغوص فيها، حذرًا من الاختلاف الذي يؤدي إلى افتراق الكلمة وتفرق الأمة، وقد نقل القاضي عياض عن الإمام مالك كراهته التحدث في الأحاديث الموهمة للتشبيه والمشكلة المعنى، وتمنَّى أن لو وافقه الناس على ترك الحديث فيها، وساعدوا على ذلك؛ لأن أكثرها ليس تحته عمل، وقد أنحى باللائمة على بعض العلماء الذين اعتمدوا في دراستهم لهذه المسألة على أحاديث ضعيفة تزيد الأمر بلبلة، وتزيد الخلاف اضطرامًا [انظر القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفي، دار التراث س- القاهرة، د. ت ٢٤١/٢، ٢٤٠].

ونادى غيره كالعز بن عبد السلام بأن يعذر المسلمون بعضهم بعضًا في اختلافهم حول الصفات؛ لأن الجهل بالصفات ليس جهلًا بالموصوف [ابن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام ٠١٧٢/١].

وأحس كثير من الباحثين في هذه المسألة بوطأة الخلاف والاختلاف فيها، ولاحظوا ما أدى إليه ذلك من أحكام شديدة كان يطلقها كل فريق على خصومه، فالقائلون بالتأويل يصفون القائلين بالإثبات بأنهم مجسمة حشوية، والقائلون بالإثبات دون تأويل، لكن مع التنزيه يصفون القائلين بالتأويل بأنهم معطلة أو جهمية.

وربما غلا كل فريق فيما يطلقه على مخالفيه من صفات حتى لقد يصل الحكم إلى التكفير أحيانًا، ولهذا وجدنا من يحذر من مخاطر الخلاف وعواقبه.

 وجاء أبو إسحاق الشاطبي (٧٩٠هـ) الذي قال: "إن من أشد مسائل الخلاف بين الفرق الكلامية مسألة الصفات، حيث نفاها من نفاها، وأثبتها من أثبتها وينبغي أن يعالج الخلاف بالرفق والرحمة، وأن يلاحظ أن الآراء - وإن اختلفت - فهناك قاسم مشترك بينها، وهو قصد التنزيه لله تعالى فإنا إذا نظرنا إلى مقاصد الفريقين وجدنا كل واحد منهما حائمًا حول حمى التنزيه ونفي النقائص وسمات الحدوث، وهو مطلوب الأدلة، وإنما وقع اختلافهم في الطريق، وذلك لا يخل بهذا القصد في الطرفين جميعًا، ودعا الشاطبي إلى جعل الخلاف في هذه المسألة مثيلًا للاختلاف الواقع في مسائل الفروع، التي لا يقع التكفير بالاختلاف فيها" [الشاطبي، الاعتصام، دار عمر بن الخطاب- د. ت ١٨٧/٢].

ومن قبل دعا الإمام أبو حامد الغزالي (٥٠٥ هـ) إلى اتباع رأى السلف فيما ذهبوا إليه من النهي عن الخوض في مسائل الصفات ونحوها مما لم يقع الخوض فيه في عصر الصدر الأول من المسلمين ولا سيما مسألة الصفات؛ لأن الخطر في البحث عن الصفات عظيم، وعقباته كؤود، ومسالكه وعرة، والعقول عن درك جلال الله تعالى قاصرة وما ذكره الباحثون ببضاعة عقولهم مضطرب ومتعارض [الغزالي: إحياء علوم الدين (الحلبي) ٠٢١٨/٤].

وهكذا تتقارب المواقف، وتخف حدة الخلاف، وتعلو الدعوة إلى التسامح والتماس العذر من أصحاب الآراء المختلفة بعضهم لبعض، وهذا ما يتضح جليًا في آراء بعض المتأخرين، وقد نقل الشيخ الأمير قول جلال الدين الدواني: "اعلم أن مسألة زيادة الصفات وعدم زيادتها ليست من الأصول التي يتعلق بها تكفير أحد الطرفين" وقد سمعت بعض الأصفياء أنه قال: عندي أن زيادة الصفات وعدمها وأمثالهما لا يدرك إلا بكشف حقيقي للعارفين، وأما من تمرن في الاستدلال، فإن اتفق له كشف فإنما يرى ما كان غالبًا على اعتقاده بحسب النظر الفكري، ولا أرى بأسًا في اعتقاد أحد طرفي النفي والإثبات في هذه المسألة، ثم أردف ذلك بقوله معبرًا عن رأيه: "وماذا على الشخص إذا لقي ربه جازمًا بأنه على كل شي قدير مقتصرًا عليه، مفوضًا علم ما وراء ذلك إليه" [حاشية الشيخ محمد بن محمد الأمير على شرح عبد السلام بن إبراهيم المالكي لجوهرة التوحيد للإمام اللقاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي ط ١٩٤٨ ص ٨٢، ٨٣].

وهذا سبيل من سبل اجتماع الكلمة، ونزع فتيل الفرقة، ومنع للتنابذ بالألقاب، وهو استجابة لما دعا إليه القرآن من نبذ الخلاف، والتحذير من الوقوع في هاوية العداوة {‌إِنَّ ‌ٱلَّذِينَ ‌فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ} [الأنعام: ١٥٩] ، والحمد لله أولًا وآخرًا.                                                 

الخلاصة

الاعتقاد بأن الله - سبحانه وتعالى - أعظم وأعلى من أن تحيط به الأفهام البشرية هو القاسم المشترك بين غالبية المذاهب الكلامية، ويبدو هذا من خلال اختلافهم حول الصفات الخبرية، وحرص الجميع على تنزيه الله تعالى عن كل نقص.

موضوعات ذات صلة

تدور قضية الصفات الإلهية حول طبيعة العلاقة بين الصفات والذات

السمعيات هي العقائد التي لا يُدركها العقل وحده، بل يُثبتها الوحي كالآخرة والحساب

العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين

موضوعات مختارة