وقد وردت الكلمة
بصورها المختلفة في كتاب الله في مواضع كثيرة تربو على ثلاثة وثلاثين موضعًا، وقد
تعددت معانيها، ويمكن حصر هذه المعاني فيما يلي:
أولًا: من صيغ الكلمة المختلفة:
١- القيد المشدد للأسرى، وللمعذبين في جهنم، وذلك في قوله عز وجل مخاطبًا المؤمنين:
{حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ
ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً} [محمد: ٤]. أي: أحكموا قيود الأسارى، ومن ذلك
قوله عزوجل: {فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ
أَحَدٞ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ} [الفجر: ٢٥-٢٦]، والقيد في الآيتين ماديّ أما في الأسارى
فواضح، وأما في المعذبين بجهنم، فدليل ماديته قوله تعالى: {ثُمَّ
فِي سِلۡسِلَةٖ ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسۡلُكُوهُ} [الحاقة: ٣٢].
٢- العهد
المؤكّد والوعد المشدد، من ذلك قول يعقوب عليه السلام لأبنائه:
{قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ
لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ} [يوسف: ٦٦].
ثانيًا: الكلمة
نفسها، الميثاق:
لقد وردت كلمة الميثاق نفسها في القرآن المجيد
نيفًا وعشرين مرة جمهرتها في بني إسرائيل.
١-من ذلك قوله
عزوجل: {وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ
بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗا}[المائدة: ١٢].
ثم قوله عز وجل:
{فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ
لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗ} [المائدة: ١٣].
والمراد
بالميثاق هنا: العهد الوثيق القائم على إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتحديدًا رسالة
موسى عليه السلام، وإنزال التوراة؛ لكنهم كفروا بالرسول وحرفوا
الكلمة - عليهم لعائن الله.
٢- وقد أخذ الله
تعالى المواثيق على بني إسرائيل في أمور كثيرة، وقد بيَّن تعالى أنهم غدروا فيها،
ولم يوفوا بشيء منها، من ذلك قوله تعالى: {وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ
بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ
إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ
تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ} [البقرة: ٨٣]، وقوله تعالى: {وَإِذۡ
أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ} [البقرة: ٨٤]، وقوله تعالى: {أَلَمۡ
يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ
إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ} [الأعراف: ١٦٩].
فالمراد
بالميثاق هنا: هو دين الله تعالى كاملًا تامًا كما ورد في الآية الأولى ٨٣ من سورة
البقرة، أو بعض فرائضه وشرائعه كما ورد في الآيات الأخرى، لكن فسادهم وصل إلى
المستوى الذي أشارت إليه الآية الكريمة: {لَقَدۡ
أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ
كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ
وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ} [المائدة: ٧٠].
٣- العهد الذي
أخذه الله على اليهود أن يبينوا للناس صدق نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال
تعالى: {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ
ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا
قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} [آل عمران: ١٨٧]. فقد أعلم الله تعالى اليهود والنصارى
ببعثة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنزل علاماته وأماراته في كتابيهما التوراة
والإنجيل، قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي
ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ} [الأعراف: ١٥٧]. ولذا فقد أخذ الله تعالى الميثاق على
اليهود أن يبينوا للناس صدق رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويذكروا لهم تلك
العلامات التي ذكرها الله تعالى في كتابهم التوراة؛ لكنهم- كعهدهم - نبذوا كتاب
الله وراء ظهورهم، وغدروا وخانوا الميثاق، وقد أورد السيوطي عن المفسرين أنهم
قالوا في هذه الآية {وَإِذۡ أَخَذَ
ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ} قالوا: هم اليهود.
{َلتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ} قالوا: هو محمد ـ صلى الله عليه وسلم
ـ فالميثاق هنا: بيان صدق رسالته صلى الله عليه وسلم، وأنه هو الذي وردت أخباره في
كتابهم التوراة، وبيانهم للناس مبنيّ على معرفتهم صدق رسالته صلى الله عليه وسلم،
كما قال الله تعالى عنهم {ٱلَّذِينَ
ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥكَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ}
[البقرة:
١٤٦].
٤- عقد النكاح بما ينبغي أن يصحبه من حسن العشرة، وما يقتضيه من
المعاملة بإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، وذلك المراد بالميثاق الغليظ، وذلك قوله
سبحانه: {وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ
زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ
مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا * وَكَيۡفَ
تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم
مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا} [النساء: ٢٠-٢١].
لقد اتفقت كلمة
المفسرين، وجمهرة العلماء على أن المراد بقوله تعالى: {مِّيثَٰقًا
غَلِيظٗا} هو: الإمساك بالمعروف، أو التسريح بالإحسان
الوارد في قوله تعالى من سورة البقرة: {ٱلطَّلَٰقُ
مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ} [البقرة: ٢٢٩]،
وقد روى ذلك عن
جمهرة رجال الحديث، وجمهرة المفسرين. [جلال الدين عبد الرحمن بن أبي
بكر السيوطي، جـ٢/ص ٢٣٧ - ٢٣٨].
٥- إيمان
الأنبياء السابقين بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتمًا لهم، وإخبار أممهم به صلى
الله عليه وسلم، وذلك في قوله عز وجل: {وَإِذۡ
أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ
وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ
بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ
إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ
*
فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ
فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [آل عمران: ٨١-٨٢].
فالميثاق هنا: هو ذلك الذي ورد في الآية
الكريمة، حيث أخذ الله تعالى الميثاق على النبيين جميعًا من لدن آدم عليه السلام حتى عيسى عليه السلام أن يحققوا
أمورًا ثلاثة:
الأول: أن يؤمن كل نبي منهم بمن جاء قبله من
إخوانه المرسلين، وأن يُصدِّق بعضهم بعضًا، وأن يُبلغوا ذلك لأممهم، فتؤمن أممهم
بالأنبياء السابقين الذين جاءوا قبل نبيهم، وبذلك تتواصل المسيرة الخيِّرة النيِّرة
عبر التاريخ، وتتحد الأمم من خلال الرسل والرسالات ليتكوّن من الجميع قبيل واحد
يدين لله تعالى بميثاق واحد، هو الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، لا
يفرقون بين أحد من رسله، ومن ثم لا يفرقون بين الرسالات التي هي من مصدر واحد،
وجاءت على أيدى فريق واحد، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنْبِياءُ أَبناء عَلّاتٍ،
دِينُهُمْ واحِدٌ، وَأُمَّهاتُهُمْ شَتّى».
الثاني: أن يُؤمن كل نبي بالنبي الخاتم محمد ـ
صلى الله عليه وسلم ـ ويبلغ أمته بأن تؤمن بهذا النبي الذي جاء الخبر المعصوم عنه في
كتابهم، وبذلك يؤمن جميع الأنبياء وجميع أممهم بالنبي الخاتم محمد ـ صلى الله عليه
وسلم ـ ثم إن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤمن بجميع الأنبياء السابقين، وتؤمن
أمته بهم، وبذلك تتلاحم العقيدة الإيمانية لدين الله الإسلام، فيؤمن اللاحق
بالسابق، ويؤمن السابقون جميعًا بذلك اللاحق العاقب الخاتم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا يكون هناك تفرقة بين الرسل،
وتكاد الفواصل الزمنية بين الرسل والرسالات تتلاشى، وتتلاقى جميع الأمم على إيمان
واثق برب واحد، ودين واحد، وقبيل واحد من الرسل والرسالات والأنبياء والنبوات.
الثالث: وهو الأهم في آية الميثاق - وكل ما
ورد فيها مقدس ومهم - ونقصد هنا: حقيقة الميثاق، أو جماع الميثاق وملاكه - إن صح هذا
- فالله ـ عزوجل ـ قد أخذ الميثاق على جميع النبيين: {وَإِذۡ
أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ} [آل عمران: ٨١] أن يؤمنوا بخاتمهم صلى الله عليه وسلم إن بُعث فيهم، وأن يأمروا أممهم بذلك، والآية الكريمة تحدد ذلك
الميثاق بقوله سبحانه وتعالى: {لَتُؤۡمِنُنَّ
بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ} [آل عمران: ٨١].
والإيمان به
ونصرته يقتضي اتباعه إن اجتمعا معًا، فلو بعث رسول الله الخاتم في وجود رسول سابق
كان مقتضى الميثاق أن يترك الرسول السابق ما جاء به ويتبع محمدًا صلى الله عليه
وسلم، وليس ذلك نقضًا لما جاء به السابق؛ لأن
رسالته وكتابه يشتملان على الإيمان بذلك الرسول الخاتم، وليس ذلك تشقيقًا، أو
تفريعًا من عندنا؛ بل هو منطوق حديث النبي الصحيح الذي يقول فيه الصادق" «والذي نَفْسي بيدِهِ لو كان موسى حيًّا ما
وَسِعَهُ إلّا اتباعي». [المرجع السابق جـ٢/ص١٨٩-١٩٠].
وهذا الميثاق قد تحقق مرة قبل بعثة الرسول، ثم
تحقق بحوله تعالى مرة ثانية بعد بعثته صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء حيث بعث
الله سبحانه وتعالى جميع الأنبياء والرسل فَأتموا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في
صلاة ركعتين بالمسجد الأقصى، وكان ذلك تطبيقًا عمليًا للميثاق الذي أخذه الله
تعالى عليهم.
ثم سيتحقق هذا بقدرة الله تعالى آخر الزمان، فحين ينزل عيسى بن
مريم فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، أي لا يقبلها؛
إما الإسلام، وإما القتل، وعيسى عليه السلام الذي هو رسول من رسل الله أولي
العزم، ينزل آخر الزمان مؤمنًا برسول الله الخاتم، تابعًا له، ناصرًا إياه، فهو لا
ينزل باعتباره رسولًا، فإن الرسالات قد ختمت، ولكنه ينزل محققًا الميثاق الذي حدده
وعينه ربنا سبحانه بقوله: {لَتُؤۡمِنُنَّ
بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ} [آل عمران: ٨١].
وفي مقام
الاستدلال على وجود الله ومعرفته نجد أئمة التصوف، وعلماء العقيدة يستدلون على
معرفته فطرة في كل بني آدم بآية الميثاق [من هنا إلى نهاية
الموضوع رأت اللجنة إضافته لتكتمل به الفائدة المطلوبة]، قال تعالى: {وَإِذۡ
أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ
وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ
شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا
غَٰفِلِينَ * أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ
وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ
ٱلۡمُبۡطِلُونَ} [الأعراف: ١٧٢-١٧٣] فالله قد أخذ الميثاق على بني آدم في مرحلة
وجودية سابقة في علم الله تسمى مرحلة وجود الذر، وأشهد المرء على نفسه أزلًا لهذه
المعرفة الفطرية، ولا شك أن شهادة المرء على نفسه من أقوى أنواع الإقرار؛ لأن من
شهد على نفسه بحق فقد أقر به.
وقول الخليقة: {بَلَىٰ
شَهِدۡنَآۚ} هو إقرارهم بربوبيته وأنه خالقهم، فهم
حين خلقوا على الفطرة خلقوا مقرين بالخالق معترفين بوجوده شاهدين على أنفسهم بذلك،
وهذا الإقرار هو حجة الله على الخليقة يوم القيامة، فهو يذكر لهم أخذه الميثاق
عليهم، وإشهادهم على أنفسهم وإقرارهم على أنفسهم بهذه المعرفة لا يمكن جحده، ولهذا
قال سبحانه مذكرًا لهم بذلك الإقرار، قال تعالى: {أَن
تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} أي: كراهة أن تحتجوا يوم القيامة
بغفلتكم عن ذلك الإقرار، لأن هذا لم يغفل عنه بشر، بل هو من الأمور الضرورية التي لم
تخل منها نفس فطرها الله، بخلاف غيرها من العلوم الضرورية التي يغفل الإنسان عنها
أحيانًا كالحساب والرياضة، فإنها لو تصورت لوجدها الإنسان ضرورية، ولكن قد يغفل
عنها في كثير من الأحيان لشبهة قد تطرأ على عقله أو ليس في الدليل، بخلاف الاعتراف
الفطري بربوبية الخالق، فإنه علم ضروري لازم لكل نفس. ولهذا كان أسلوب القرآن في آيات
المعرفة الفطرية على سبيل التذكير والتذكر قال تعالى: {لَعَلَّهُمۡ
يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: ٢٢١]، قال تعالى: {إِنَّ
فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ} [الزمر: ٢١]. قال تعالى: {إِنَّمَآ
أَنتَ مُذَكِّرٞ} [الغاشية: ٢١]، قال تعالى: {وَإِنَّهُۥ
لَتَذۡكِرَةٞ} [الحاقة: ٤٨] قال تعالى: {فَهَلۡ مِن
مُّدَّكِرٖ} [القمر: ٥١].
فالقرآن في جميع
هذه الآيات وغيرها كثير يذكر الإنسان بأمور ضرورية فطرية قد ينساها المرء لعارض طارئ،
أو لشبهة فاسدة، أو لطريان ما يفسد فطرته التي خلق عليها، كما قال - عليه السلام -
فيما يرويه عن ربه: «خَلقتُ
عبَادي حنفَاء فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين».
وكل ما في القرآن من ذلك إنما هو تذكير للإنسان
بهذا الميثاق وتذكير له بفطرته الأولى، ومحاولة للعود به إلى حالته الصحيحة قبل طريان
الشبهات عليه، وآية الميثاق قد ذكرت حجتين قد يَحتج بأحدهما من فسدت فطرته، وهذا
الإقرار الفطري يدفع كلا منهما.
الحجة الأولى: احتجاجهم بالغفلة عن هذا الإقرار،
قال تعالى: {إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا
غَٰفِلِينَ} [الأعراف: ١٧٢] والآية بينت أن إقرارهم بربوبيته أزلًا
حجة عليهم في ذلك، وهذا يتضمن حجة الله في إبطال التعطيل، تعطيل الخالق عن خلقه،
والرب عن ربوبيته.
الحجة الثانية: احتجاجهم بشرك آبائهم ومتابعتهم في ذلك
بقولهم: {إِنَّمَآ
أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ} [الأعراف: ١٧٣]. فالمشركون هم آباؤنا فكيف تعاقبنا بفعلهم؟
وذلك أن العادة جرت على أن الرجل يحذو حذو أبيه في الصناعات والحرف، فلو لم تكن
نفوس هؤلاء مجبولة على الإقرار بالصانع لكانت متابعة الأبناء لآبائهم في شركهم نوع
عذر؛ لأن هذا هو مقتضى العادة والطبيعة، والأمر في ذلك كما قال عليه السلام: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ،
فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمَجِّسانِهِ». فالفطرة السليمة هي التي تبين لمن يحتج بما سبق
من العادة والمتابعة للآباء خطأ هذا الاعتقاد وبطلان الاحتجاج به.
وهذه المعرفة الفطرية سابقة على جميع ألوان
التربية التي يتلقاها المرء عن بيئته في شتى المجتمعات، وهذا يقتضي بالطبع أن
العقل الذي يعرفون به التوحيد حجة مع كل أحد في بطلان ألوان الشرك، ولا يحتاج
الأمر في ذلك إلى واسطة. ولو لم يكن في الفطرة أساس يعتمد عليه الإنسان في الأدلة
العقلية التي يعلم بها إثبات الصانع لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم؛ لأن
الرسالة جاءت للتذكير بالربوبية، والميثاق السابق بذلك، والدعوة إلى توحيد
الألوهية، وهذا من أقوى حجج الله على عباده يوم القيامة. والله أعلم.