Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

البَدَاء

الكاتب

أ.د/ أحمد قوشتي عبد الرحيم

البَدَاء

تتعارض عقيدة البَدَاء بشكل واضح مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد علم الله المطلق والمحيط بكل شيء.

تعريف البَدَاء لغة

البَدَاء: اسم مصدر من الفعل بَدَا، يقال بَدَا الشيءُ يبدو بَدْوًا وبُدُوًّا وبُداءً، وتدل هذه المادة على معنى كليّ وهو ظهور الشيء، يقال: بَدا الشيء يَبدُو، إذا ظَهَر.

ويتفرع عن هذا المعنى الكلي معنيان فرعيان:

الأول: الظهور بعد الخفاء، يقال: بَدَا سور المدينة؛ أي: ظَهَر.

والثاني: نشأة الرأي الجديد، واستصواب شيء عُلِمَ بعد أن لم يُعْلَم، يقال: بَدَا لي في هذا الأمر بداء؛ أي ظهر لي فيه رأي آخر [انظر: ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ١/٢١٢، والفيومي: المصباح المنير ١/٤٠، وابن منظور: لسان العرب ١/٦٥، والزبيدي: تاج العروس ٣٧/١٥٤، والمعجم الوسيط ١/٤٥، ود. ناصر الفقاري: أصول مذهب الشيعة ٢/٩٣٨].

وقد ورد كِلا المعنيين في القرآن الكريم، فمن الأول قوله تعالى: {وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ} [البقرة: ٢٤٨]، وقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مَنَ اللَّهِ مَا لَم يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: ٤٧]؛ أي: ظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم [انظر: تفسير ابن كثير: ٧/١٠٤].

 ومن الثاني قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْد مَا رَأَوْا ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّى حِينٍ} [يوسف: ٣٥].

تعريف البَدَاء اصطلاحًا

لا يكاد تعريف البَدَاء اصطلاحًا يختلف بصورة كبيرة عن المعنى اللغوي الذي ذكرناه آنفًا، وقد عرفه ابن الأثير بأنه استصواب شيء عُلِمَ بعد أن لم يُعلم [انظر: ابن الأثير: النهاية ١/٢٧١، وانظر- أيضًا: الزبيدي: تاج العروس ٣٧/١٥٤]، وعرفه المتولي الشافعي بأنه استفادة علم لم يكن أو هو عبارة عمن يهم بأمر ويقصد ثم يندم على ما قدم [انظر: المتولي الشافعي: الغنية في أصول الدين ١/١٥٦]، وعرفه كل من الجرجاني [انظر: الجرجاني: التعريفات ص٦٢] والمناوي [انظر: المناوي: الوقوف على مهمات التعاريف ص ١١٨] بأنه ظهور الرأي أو الشيء بعد أن لم يكن.

وقسّم الشهرستاني البَدَاء إلى عدة أقسام، يعنينا منها البَدَاء في العلم: وهو أنه يظهر له خلاف ما عَلِم، والبَدَاء في الإرادة: وهو أن يظهر له صوابٌ على خلاف ما أراد وحكم [انظر: الشهرستاني: الملل والنحل ١/١٤٦].

ولا يخفى أن هذه المعاني كلها إن جازت في حق البشر، فهي مستحيلة في حق الله - سبحانه وتعالى - العليم بكل شيء والذي لا يعزب عنه: {لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} [سبأ: ٣].

مفهوم البَدَاء عند الشيعة:

أما مفهوم البداء عند الشيعة فقد اقتصر عدد من علمائهم المتقدمين على تعريفه بمعناه اللغوي وهو (الظهور) [انظر: المفيد: تصحيح اعتقادات الإمامية ص٦٥، وأبو الفتح الكراجكي: كنز الفوائد ص ١٠٣، والسيد الطباطبائي: تفسير الميزان ١١/١٦٩]، بينما سعى عدد من علمائهم المعاصرين إلى التبرؤ مما يفيد المعنى اللغوي للبَدَاء، وما يستلزمه من نسبة التغير في علم الله، وحاولوا ربطه بمفهوم النسخ أو المحو والإثبات في المقادير.

ومن هذا المنطلق فقد عرفوه بأنه عبارة عن إظهار الله - جل شأنه - أمرًا يرسم في ألواح المحو والإثبات، وربما يطلع عليه بعض الملائكة المقربين أو أحد الأنبياء، والمرسلين فيخبر الملك به النبي، والنبي يخبر به أمته، ثم يقع بعد ذلك خلافه؛ لأنه - جل شأنه - محاه وأوجد في الخارج غيره. [كاشف الغطاء: أصل الشيعة وأصولها ص ٣١٣، ٣١٤]

ومن المهم أن نشير إلى أن ثمة فرقًا كبيرًا وتباينًا واضحًا بين النسخ والبَدَاء، وكما قال ابن حزم - رحمه الله: "فإن الفرق بينهما لائح؛ إذ إن معنى البَدَاء أن يأمر الله – سبحانه - بالأمر والأمر لا يدري ما يؤول إليه الحال، والنسخ هو أن يأمر بالأمر، والأمر يدري أنه سيحيله في وقت كذا ولا بد، وقد سبق ذلك في عمله وحتمه من قضائه، فلما كان هذان الوجهان معنيين متغايرين مختلفين وجب ضرورة أن يعلق على كل واحد منهما اسم يُعبر عنه غير اسم الآخر ليقع التفاهم، ويلوح الحق، فالبداء ليس من صفات الباري تعالي" [ابن حزم: الإحكام ٤/٤٤٦، وانظر – أيضًا - في الفرق بين البَدَاء والنسخ: الشيرازي: التبصرة ١/٢٥٣، والآمدي: الإحكام ٣/١٢٢].

ثالثًا: نشأة القول بالبَدَاء وجذوره اليهودية

ولعلّ عبد الله بن سبأ وفرقة السبئية المنسوبة إليه من أقدم من نُسب إليه القول بالبَدَاء في كتب المقالات والفرق، وقد نص الملطي على أن فِرَق السبئية كلهم يقولون بالبَدَاء وأن الله تبدو له البدوات [الملطي: التنبيه والرد ص١٩].

وليس من المستبعد أن يكون ابن سبأ اليهودي قد استقى مقالته هذه من نصوص التوراة العديدة التي تَنسب إلى الله الندم والحزن الشديد والأسف على أفعال فعلها ثم تراجع عنها كما لو كان سبحانه غيرُ عالِمٍ بالمآل أو المصير الذي يؤول إليه عاقبة تلك الأشياء.

 ومن نماذج ذلك ما جاء في سفر التكوين أن الرب رأى أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه، فقال الرب: "أمحُو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع البهائم والدواب وطُيور السماء، لأنّي حَزِنتُ أنّي عملتهم" [سفر التكوين:٦: ٥ - ٧].

وفي سفر الخروج أنه لما أراد الرب إهلاك بني إسرائيل تضرع إليه موسى - عليه السلام - وقال له: "لماذا يا ربي يحمي غضبك على شعبك الذي أخرجته من أرض مصر بقوة عظيمة ويد شديدة، لماذا يتكلم المصريون قائلين أخرجهم بحيث ليقتلهم في الجبال، ويفنيهم عن وجه الأرض، ارجع عن حمو غضبك، واندم على الشر بشعبك، اذكر إبراهيم وإسحاق وإسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك، وقلت أكثر نسلكم كنجوم السماء، وأعطى نسلكم كل هذه الأرض التي تكلمت عنها فيملكونها إلى الأبد، فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه". [سفر الخروج: (٣٢: ١١- ١٤)]

وفي سفر صموئيل الأول: "كان كلام الرب إلى صموئيل قائلًا: ندمت على أني جعلت شاول ملكًا؛ لأنه رجع من ورائي ولم يُقِم كلامي، فاغتاظ صموئيل وصرخ إلى الرب الليل كله" [سفر صموئيل الأول: (١٠:١٥ -١١)].

 كذلك نُسِب القول بالبَدَاء إلى الكيسانية وزعيمهم المختار الثقفي، وهم من القائلين بإمامة محمد بن الحنفية، وثمّة سببٍ مهم دفعهم للقول بذلك، وهو أن مصعب بن الزبير بعث إليهم عسكرًا قويًّا، فبعث المختار إلى قتالهم أحمد بن شميط مع ثلاثة آلاف من المقاتلة، وقال لهم: أوحي إليّ أن الظفر يكون لكم، فهزم ابن شميط فيمن كان معه، فعاد إليه فقال: أين الظفر الذي قد وعدتنا؟ فقال له المختار: هكذا كان قد وعدني ثم بدا، فإنه - سبحانه وتعالى - قد قال يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ثم خرج المختار إلى قتال مصعب ورجع مهزومًا إلى الكوفة فقتلوه بها [الإسفراييني: التبصير في الدين ص ٣٤].

موقف الشيعة الإمامية من البَدَاء

ويعد الشيعة الإمامية أبرز من نُسب إليهم القول بالبَدَاء؛ حيث شغل مكانة بارزة في مذهبهم، كما حفلت كتب الحديث والمصادر والروايات المتقدمة عندهم بعشرات الروايات التي تعلي من شأن البَدَاء، وتجعله من العقائد الأساسية للقوم، وقد عقد الكليني في الكافي بابًا عنوانه (باب البداء) [الكليني: الكافي ١/١٤٦]، وأورد فيه الكثير من المرويات، ومنها: عن أبي عبد الله، قال: "ما عُبِدَ الله بشيءٍ مثل البداء"، وفي رواية: "ما عُظِّمَ الله بمثل البداء" [الكليني: الكافي ١/١٤٦، والمجلسي: بحار الأنوار ٤/١٠٧، والشاهرودي: مستدرك سفينة البحار ١/٢٩٠]، وفي رواية أخرى قال أبو عبد الله: "لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه" [الكليني: الكافي ١/١٤٨، والمجلسي: بحار الأنوار ٤/١٠٨، والشاهرودي: مستدرك سفينة البحار ١/٢٩٠].

وفي رواية أخرى قال: "ما بعث الله نبيًّا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار له بالعبودية، وخلع الأنداد، وأن الله يقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء" [الكليني: الكافي ١/١٤٧، والشاهرودي: مستدرك سفينة البحار ١/٢٩٠].

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -  قال: "لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وبما يكون، وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: ٣٩]" [المجلسي: بحار الأنوار ٤/٩٧].

ومن مروياتهم – أيضًا - ما نسبوه إلى نبي الله لوط - عليه السلام - أنه كان يستحث الملائكة لإنزال العقوبة بقومه خشية أن يبدو لله، ويقول: "يأخذونهم الساعة، فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم"، فقالوا: "يا لوط إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب" [الكليني: الكافي ٥/٥٤٦].

ويضاف إلى هذه الروايات أن هناك عشرات الآلاف من الشيعة، وربما مئات الآلاف منهم يكررون الجملة الآتية: "السلام عليكم يا من بدا لله في شأنكم"، وذلك عندما يدخلون مرقد الإمامين العسكريين (في سُرّ مَنْ رَأَى) للسلام على الإمامين العاشر والحادي عشر عند الشيعة [انظر: د. موسى الموسوي: الشيعة والتصحيح، ص١٤٨].

وهناك رواية في الكافي تنص على أنه ينبغي لزائر الإمام موسى الكاظم أن يقول: "السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا حجة الله، السلام عليك يا نور الله في ظلمات الأرض، السلام عليك يا من بدا لله في شأنه، أتيتك عارفًا بحقك، معاديًا لأعدائك، فاشفع لي عند ربك" [الكليني: الكافي ٤/٥٧٨].

لكننا نلاحظ مع كل ما سبق من الروايات أن ثمة تباينًا واختلافًا في كتب العقائد والفرق حول تحديد موقف الشيعة الإمامية من البَدَاء، وما المعنى الذي يقصدونه به إذا أطلقوه وصفًا في حق الله - سبحانه وتعالى.

والمطالع لكتب أهل السنة يجد أن نسبة القول بالبَدَاء إلى الشيعة يكاد أن يكون من الأمور المتفق عليها بين أهل العلم القدامى والمحدثين على اختلاف مذاهبهم، ولا فرق في ذلك بين المفسرين أو الأصوليين أو المؤرخين أو علماء العقيدة وعلم الكلام.

وربما كان الخلاف الوحيد بين علماء أهل السنة هو النظر في انطباق هذه النسبة على الشيعة جميعًا أو اقتصارها على طوائف منهم، ولا سيما الغلاة.

وقد نص الأشعري في المقالات على أن: "عامة الروافض يصفون معبودهم بالبداء، ويزعمون أنه تبدو له البدوات" [الأشعري: مقالات الإسلاميين ١/٤٩١].

ولكنه ذكر في موضع آخر من المقالات [المصدر السابق ١/٣٩] تفصيلًا أوسع؛ حيث أشار إلى اختلاف الشيعة في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

فالفرقة الأولى منهم يقولون: إن الله تبدو له البدوات، وأنه يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات ثم لا يحدثه لما يحدث له من البداء، وأنه إذا أمر بشريعة ثم نسخها فإنما ذلك لأنه بدا له فيها، وأن ما علم أنه يكون ولم يُطلع عليه أحدًا من خلقه فجائز عليه البَدَاء فيه وما أطلع عليه عباده فلا يجوز عليه البَدَاء فيه.

والفرقة الثانية منهم تزعم أنه جائز على الله البَدَاء فيما علم أنه يكون حتى لا يكون، وجوزوا ذلك فيما اطلع عليه عباده وأنه لا يكون، كما جوزوه فيما لم يطلع عليه عباده.

والفرقة الثالثة منهم يزعمون أنه لا يجوز على الله - عز وجل - البَدَاء، وينفون ذلك عنه - تعالى.

وإذا ما انتقلنا إلى كتب الشيعة أنفسهم - ولاسيما مصنفات علمائهم المتقدمين - فسوف نجد تيارًا غالبًا ينسب للمذهب تبنِّي القول بالبَدَاء حتى إن واحدًا من كبار علماء الطائفة - وهو الشيخ المفيد - نقل اتفاق الإمامية على ذلك فقال: "واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف، واتفقوا على إطلاق لفظ البَدَاء في وصف الله – تعالى - وأن ذلك من جهة السمع دون القياس".

وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه [المفيد: أوائل المقالات ص٤٦، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ١٤١٤هـ -١٩٩٣م].

ويعد الكليني أبرز من أرسلوا هذا المعتقد عند الاثنى عشرية [انظر: د. الفقاري: أصول مذهب الشيعة ٢/٩٣٧]؛ حيث وضعه في قسم الأصول من الكافي، وجعله ضمن كتاب التوحيد، وخصص له بابًا بعنوان (باب البداء)، وذلك في كتاب (الاعتقادات) [انظر: ابن بابويه: الاعتقادات: ص٨٩] الذي يسمى دين الإمامية، وفعل مثل ذلك في كتابه (التوحيد) [انظر ابن بابويه: التوحيد: ص ٣٣١]، كذلك اهتم المجلسي (ت ١١١١هـ) بأمر البَدَاء وبوَّب له في بحاره بعنوان (باب النسخ والبداء)، وذكر سبعين حديثًا من أحاديثهم عن الأئمة [انظر: المجلسي: بحار الأنوار ٤/٩٢ - ١٢٩]، كما جاءت هذه المقالة ضمن كتب العقيدة عند بعض المعاصرين، وألف شيوخهم في شأنهم مؤلفات مستقلة [انظر: د. القفاري: أصول مذهب الشيعة ٢/٩٣٨]، بلغت خمسة وعشرين مصنفًا [انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ٣/٥٣ - ٥٧].

ورغم كثرة الكتابات الشيعية التي تبنت القول بالبداء فقد أحس بعض علمائهم ببشاعة هذا القول، وما يلزم من لوازم خطيرة، فبذلوا غاية وسعهم لتبرئة المذهب من وصمة القول بالبداء، ومن ثم تعددت محاولاتهم، وأخذت اتجاهات شتى [انظر: د. القفاري: أصول مذهب الشيعة ٢/٩٤٣].

فمن علماء المذهب من أنكروا نسبة البَدَاء أصلًا للشيعة، ونزهوا المذهب تنزيهًا تامًا عن هذا القول المستبشع، ومن هذا الفريق النصير الطوسي (المتوفى سنة ٦٧٢هـ)، وقد أنكر وجود البَدَاء كعقيدة للاثنى عشرية، وقال عن طائفته: "إنهم لا يقولون بالبداء، وإنما القول بالبداء ما كان إلا في رواية رووها عن جعفر الصادق أنه جعل إسماعيل القائم مقامه، فظهر من إسماعيل ما لم يرتضه منه، فجعل القائم موسى، فسئل عن ذلك، فقال: "بدا لله في أمر إسماعيل"، وهذه رواية، وعندهم أن خبر الواحد لا يوجب علمًا ولا عملًا" [الطوسي: تلخيص المحصل ص ٢٥٠].

لكن من الواضح أن هذا النفي مخالف للواقع؛ إذ إن البَدَاء من عقائد القوم المقررة، ورواياتهم وأخبارهم فيه كثيرة؛ ولذلك قال المجلسي: إن هذا الجواب عجيب من الطوسي، وعزا ذلك لعدم إحاطته بالأخبار [المجلسي: بحار الأنوار: ٤/١٢٣].

وهناك من علماء الشيعة من أقر بالبداء كعقيدة وإن حاول أن يجد له تأويلًا مقبولًا، فمنهم من ذهب إلى تأويله بالابتداء؛ أي أن الله يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء ثم يعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلق غيره [ابن بابويه في التوحيد ص ٣٣٥]، وهذا تأويل خارج تمامًا عن أصل الموضوع؛ لأن الكلام في البَدَاء لا البدء، وهو ظاهر التكلف، ومخالف تمامًا من كل الوجوه للروايات الواردة في الباب كما سبق.

كما ذهب فريق آخر إلى جعله من باب التغيير في لوح المحو والإثبات عنده - سبحانه وتعالى - وأن البَدَاء لا يتعلق بالعلم الأزلي، وإنما هو ما يحصل من محو إثبات في الأقدار المشروطة بتوفر الشروط وانتفاء الموانع، وذلك كزيادة العمر لمن وصل رَحِمَه أو شفاء المريض إذا تصدق أو تفريج الكربة إذا دعا صاحبها، غير أن هذا التأويل لا يتفق أبدًا مع الروايات التي القول فيها صريح بأن الله – تعالى - يبدو له بعد أن لم يكن يعلم، كما في الروايات السابقة [انظر: د. القفاري: أصول مذهب الشيعة ٢/٩٤٤، ٩٤٥].

وقد حاول كثير من علماء الشيعة المتأخرين أن ينفوا عن مذهبهم وصمة البَدَاء بهذا المعنى المتقدم، وسعوا لحمله على محمل مقبول يتوافق مع نصوص القرآن والسنة، ويتماشى مع مذاهب سائر المسلمين، ولا سيما أهل السنة [انظر: محاولة الخميني لذلك في كتابه كشف الأسرار ص١٠١].

وممن فعل ذلك الشيخ كاشف الغطاء في كتابه (أصل الشيعة وأصولها)؛ حيث أقر أولًا بأن قول الشيعة بالبداء كان سببًا في تشنيع الناس عليهم وازدرائهم، لكنه نفى أن يكون مناه عندهم أن يظهر ويبدو لله - عز شأنه - أمر لم يكن عالمًا به، لاستلزامه الجهل على الله - تعالى - وأنه محل للحوادث والتغيرات [كاشف الغطاء: أصل الشيعة وأصولها ص ٣١٣].

أما مقصد الشيعة بالبداء - والذي هو من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغامض علومهم - فهو في رأيه عبارة عن إظهار الله - جل شأنه - أمرًا يرسم في ألواح المحو والإثبات، وربما يطلع عليه بعض الملائكة المقربين أو أحد الأنبياء والمرسلين، فيخبر الملك به النبي، والنبي يخبر به أمته، ثم يقع بعد ذلك خلافه؛ لأنه - جل شأنه - محاه، وأوجد في الخارج غيره، وكل ذلك كان - جلت عظمته - يعلمه حق العلم، ولكن في علمه المخزون المصون الذي لم يطلع عليه لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي ممتحن [المصدر السابق ص٣١٣، ٣١٤].

ولا أظن أن في هذا التعريف مخرجًا من الإشكالات السابقة (لأنه يعني أن النبي – صلى الله عليه وسلم - يمكن أن يخبر بخبر، ثم يظهر فيما بعد عدم صحة ما أخبر به، مما يعرّض مقام النبوة للتشكيك وسوء الظن.

وثمة محاولة أخرى لتأويل معنى البَدَاء عند بعض المعاصرين؛ حيث فسره بتفسير بعيد عن موضوعنا، ويتلخص في أن الإنسان قادر على تغيير مصيره بالأعمال الصالحة والطالحة، وأن لله - سبحانه - تقديرًا مشترطًا موقوفًا، وتقديرًا مطلقًا، والإنسان إنما يتمكن من التأثير في التقدير المشترط، وهذا بعينه قدرٌ إلهي، والله - سبحانه - عالم في الأزل بكلا القسمين كما هو عالم بوقوع الشرط؛ أعني: الأعمال الإنسانية المؤثرة في تغيير مصيره وعدم وقوعه [انظر: جعفر السجاني: محاضرات في الإلهيات ص ٢٣١].

مما يجدر ذكره - هنا - أن أصحاب النزعة التصحيحية داخل التشيع من العلماء المعاصرين قد رفضوا القول بالبداء، وأنكروا على من قال به، واعتبروه سُبّةً في جبين المذهب، لا بد من التخلي عنه، ومن هذا الفريق الدكتور موسى الموسوي صاحب كتاب (الشيعة والتصحيح)، والذي نبه إلى أن موضوع البَدَاء احتل جانبًا من الكتب الشيعية، وأفرد له بعض الأعلام فصولًا أو كتبًا، يدافع عن معنى البَدَاء وفحواه، وانتهى الجدل إلى الأبحاث الفلسفية والكلامية، التي احتلت أجزاء كثيرة من الكتب الكلامية. وعلى الرغم من ذلك كله، فإن الذين كتبوا وألفوا في البَدَاء لم يضيفوا إلا أوهامًا على أوهام، وسفسطة إلى سفسطة، ولو أنهم وجدوا حلًّا للمعضلة بالآية الكريمة التي أسلفناها لكان لهم خير طريق للخروج من مأزق وضعوا أنفسهم فيه، ولم ينته الأمر بهم للخروج منه إلى الطعن في سلطان الله، وأنه – تعالى - كان يريد شيئًا ثم بدا له غيره [انظر: د. موسى الموسوي: الشيعة والتصحيح ص ١٤٨].


أسباب لجوء الشيعة إلى القول بالبَدَاء

ويبدو أن القول بالبداء كان مخرجًا لدى الشيعة لتبرير أو توجيه كل وَعْدٍ وَعَدَ به الأئمة ولم يتحقق أو جاءت الحوادث مناقضة له، وقد روى عن أبي حمزة الثمالي أنه قال: قال أبو جعفر: "يا أبا حمزة إن حدثناك بأمر أنه يجئ من هاهنا، فجاء من هاهنا، فإن الله يصنع ما يشاء، وإن حدثناك اليوم بحديث، وحدثناك غدًا بخلافه، فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت" [المجلسي: بحار الأنوار: ٤/١١٩].

 ومن أشهر النماذج على ذلك ما حدث في قضية تسلسل الإمامة بعد جعفر الصادق؛ إذ كان المعروف أن الإمام بعده هو ابنه الأكبر إسماعيل، لكن إسماعيل مات فجأة في حياة أبيه، ومن هنا وقع انشقاق كبير داخل فرق الشيعة، فأما الإسماعيلية فقالوا: إن إسماعيل بن جعفر هو الإمام بعد أبيه، وأما الشيعة الإمامية فقالوا: إن الإمام جعفر الصادق هو ابنه موسى الكاظم، وعللوا ما حدث من انتقال الإمامة من إسماعيل إلى أخيه موسى بالبداء، ونسبوا إليه أنه قال: "ما بدا لله في شيء كما بدا له في ابني إسماعيل" [الصدوق: التوحيد ص٣٣٦، والاعتقادات في دين الإمامية ص ٤١، وكمال الدين وتمام النعمة ص٦٩، والمازنداراني: شرح أصول الكافي ٦ /٨٩، والمجلسي: بحار الأنوار ٣٧/١٣، والشاهرودي: مستدرك سفينة البحار ١/٢٩١، وقد حاول الخميني تأويل تلك الحادثة بتعسف، فانظر كتابه كشف الأسرار ص ١٠٣].

وقد تكرر أمر مماثل مع الإمام العاشر أبي الحسن علي بن محمد؛ حيث كان له ولد وهو أبو جعفر، وكان معروفًا أنه الإمام بعد أبيه، لكنه مات في حياة أبيه، ومن ثم انتقلت الإمامة إلى الإمام الحادي عشر أبي محمد الحسن بن علي.

ومن الطبيعي أن يثير هذا الأمر إشكالًا خطيرًا لدى الشيعة؛ إذ كيف ينص على إمامة إمام ثم يموت، وتنتقل الإمامة إلى أخيه؟ لكنهم عللوا ذلك بنفس العلة السابقة، وهي القول بالبداء، فعن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن - عليه السلام - بعدما مضى ابنه أبو جعفر، وإني أفكر في نفسي، أريد أن أقول: كأنهما - أعني أبا جعفر وأبا محمد - في هذا الوقت كأبي الحسن موسى، وإسماعيل ابني جعفر بن محمد - عليهم السلام - وإن قصتهما كقصتهما؛ إذ كان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر - عليه السلام - فأقبل علي أبو الحسن قبل أن أنطق، فقال: "نعم يا أبا هاشم، بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر ما لم يكن يعرف له، كما بدا له موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك، وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه، ومعه آلة الإمامة" [الكليني: الكافي ١/٣٢٧، والمفيد: الإرشاد ٢/٣١٩، والطوسي: الغيبة ص٨٢، والمجلسي: بحار الأنوار ٥٠/٢٤١، وهاشم البحراني: مدينة المعاجز ص ٥٢٢].

 ومن نماذج اتخاذ البَدَاء مخرجًا من عدم تحقق وعود الأئمة ما رواه الكليني عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام: "إن عليًّا - عليه السلام - كان يقول: إلى السبعين بلاء، وكان يقول: بعد البلاء رخاء، وقد مضت السبعون ولم نر رخاء". فقال أبو جعفر - عليه السلام: "يا ثابت إن الله -تعالى -  كان وقت هذا الأمر [والمقصود بهذا الأمر ظهور المهدي، والتمكين للشيعة] في السبعين، فلما أن قتل الحسين - عليه السلام - اشتد غضب الله على أهل الأرض، فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتًا عندنا: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: ٣٩]، قال أبو حمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله - عليه السلام - فقال: "قد كان ذلك" [الكليني: الكافي ١/٣٦٨، والعياشي ٢/٢١٨، والمجلسي: بحار الأنوار ٤/١١٤].

وفي رواية أخرى مهمة جدًّا لما تكشفه عن حقيقه الوعود التي يعول عليها الشيعة، روى الكليني عن علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن - عليه السلام - الشيعة تُربّي بالأماني منذ مئتي سنة، قال: وقال يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ قال: فقال له علي: إن الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد، غير أن أمركم حضر، فأعطيتم محضة، فكان كما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر، فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مئتي سنة أو ثلاثمئة سنة لقست القلوب ولرجع عامة الناس من الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه، تألفًا لقلوب الناس وتقريبًا للفرج [الكليني: الكافي ١/٣٦٩، والطوسي: الغيبة ص٣٤١، والمجلسي: بحار الأنوار ٤/١٣٢، والخوئي: معجم رجال الحديث ١٣/٢١٥].

تعقيب

وفي نهاية حديثنا عن البَدَاء بالمفهوم اللغوي والاصطلاحي الشائع، نجد لزامًا علينا إعادة التأكيد على مصادمته الواضحة لثوابت العقيدة الإسلامية، ونصوص القرآن والسنة، التي تقطع بعلم الله الشامل والمحيط بكل شيء، وكما يقول ابن حزم: "وأما البَدَاء فمن صفات من يهم بالشيء ثم يبدو له غيره، وهذه صفة المخلوقين لا صفة من لم يزل لا يخفى عليه شيء يفعله" [ابن حزم: الفصل ١/١٢٦].

وقد استفاضت نصوص القرآن والسنة في الحديث عن وصف الله - سبحانه وتعالى - بالعلم، ومن أدلة القرآن قوله تعالى: {وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} [الأنعام: ٥٩].

وهذه المفاتيح هي الخمسة المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ} [لقمان: ٣٤].

كذلك أخبر الله – سبحانه - أنه يعلم الغيب والشهادة: {عَالمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ۖ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: ٧٣].

وأن علمه وسع كل شيء: {إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: ٩٨]. وأحاط بكل شيء علمًا: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۖ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: ١٢]، ولا يغيب عنه مثقال ذرة: {لَّا يَعۡزُبُ عَنْهُۥ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلأَرۡضِ ۖ وَلَا أَصۡغَرَ مِنۢ ذَٰلِكَ وَلَا أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} [سبأ: ٣].

وهو عالم بما مضى: {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ۖ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ} [طه: ٥١ - ٥٢]، وعالم بما يستقبل، ولا سيما أمر الساعة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا عَلَمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيَهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۖ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَا تَأْتِيكُمۡ إِلَّا بَغتَةًۭ ۖ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّۭ عَنْهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا عَلَمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: ١٨٧].

عالم بما لم يكن لو كان كيف سيكون؛ حيث أخبر بما سيؤول إليه حال المشركين لو ردوا للدنيا: {وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} [الأنعام: ٢٨]، وهو سبحانه الأعلم بمن ضل وبمن اهتدى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} [النحل: ١٢٥].

وهو الأعلم بعواقب الأمور التي ربما بدت للناس شرًا وفيها الخير الكثير: {كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [البقرة: ٢١٦].

وليس الأمر مقصورًا على العلم فحسب بل إن الله - سبحانه - قد كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء، فكل ما جرى وما يجري فهو مكتوب عند الله في هذا الكتاب العظيم المسمى باللوح المحفوظ، والذي ما فرط من شيء، وما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا ذكرها وأحصاها، كما في قوله تعالى: {مَا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٍ} [الأنعام: ٣٨] على القول بأن المراد بالكتاب - هنا - هو اللوح المحفوظ.

وقال تعالى: {وَمَا مِن غَائِبَةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ} [النمل: ٧٥].

وقال تعالى: {وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَـٰهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} [يس: ١٢]، وقال تعالى: {وَكُلَّ شَيۡءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ۖ وَكُلَّ صَغِيرٍۢ وَكَبِيرٍۢ مُّسَتَّرٌ} [القمر: ٥٢ - ٥٣]، وقال تعالى عن موسى حين سأله فرعون عن القرون الأولى: {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كُتُبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ} [طه: ٥٢]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلْأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} [الأنبياء: ١٠٥].

وقال تعالى: {لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} [المدثر: ٦٨]، كما جمع سبحانه بين ذكر مرتبتَي العلم والكتابة في عدة مواضع من كتابه، منها قوله تعالى: {أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرۡضِ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: ٧٠].

فبدأ - سبحانه - بالعلم وقال إن ذلك في كتاب؛ أي عنده مكتوب في اللوح المحفوظ، وقال سبحانه: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٍۢ وَمَا تَتۡلُوءَ مِنۡ قُرۡآنٍۢ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تَفِيضُونَ فِيهِ ۖ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ} [يونس: ٦١].

ومن الآيات التي جمعت بين المرتبتين - أيضًا - قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} [الأنعام: ٥٩].

وروى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ، وكانَ عَرْشُهُ على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شيءٍ، وخَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ» [رواه البخاري: (٣١٩١ ، ٧٤١٨)].

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كَتَبَ اللَّهُ مَقادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ على الماءِ» [رواه مسلم: (٢٦٤٧)].

وأما محاولات الشيعة الحثيثة - ولا سيما كتبهم المعاصرة - لنفي وصمة القول بالبداء عن مذهبهم وتبرئته من ذلك، فلا شك أنها محاولات مشكورة وتستوجب الترحيب بشرط أن تخلو تمامًا من شبهة التقيّة أو أن يكون منطلقها محصورًا في غاية واحدة، وهي الدفاع عن المذهب أمام خصومه ومنتقديه. كما أعتقد أنه لكي تؤتي تلك المحاولات أُكلها فلا بد من أن تقترن بتبرؤ واضح وتكذيب صريح لما احتوته أمهات كتب المذهب - ومنها الكافي للكليني - من روايات لا تقبل تأويلًا وتنسب البدء بمعناه المستقبح إلى الله - سبحانه وتعالى - رغم وجود روايات أخرى تتناقض مع ذلك، ومنها ما جاء في كتاب التوحيد لابن بابويه عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام: هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله – تعالى - بالأمس؟ قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله، قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق [ابن بابويه: التوحيد: ص٣٣٤، وانظر الكليني: الكافي: ١/١٤٨].

ولا شك بأن عقيدة البَدَاء بمقتضى معناها اللغوي، وبموجب روايات الاثنى عشرية، وحسب تأويل بعض شيوخهم تقتضي أن يكون في علم الله اليوم ما لم يكن في الأمس.

ويبقى بعد ذلك كله التساؤل عن مدى جدوى التمسك بمصطلحٍ تحيط به كل هذه الإشكالات، والشبه مع أن المخرج الأقرب للنجاة والأبعد عن الاشتباه وسوء الفهم هو التخلص من المصطلح بالكلية وتنزيه الله - جل شأنه - عن الاتصاف به، ولا سيما أنه لم يرد لا في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة، فضلًا عما هو معلوم من الأصل في أمور العقيدة، وما يوصف الله به هو التوقيف والاقتصار على ما ورد من النصوص.


الخلاصة

يقصد بمفهوم البداء ظهور أمر على خلاف ما كان معروفًا أو استصواب شيء بعد أن لم يُعلم، وهو مفهوم يستحيل أن يتعلق بالله الذي هو عالم بكل شيء، وهو مصطلح يتعلق بالشيعة الإمامية ويعتبر من عقيِدتهم الأساسية.

موضوعات ذات صلة

العناية هي تأثير الله تعالى في العالم وتوجيهه نحو غايات معينة بإرادته، وحفظه لنظامه.

القضاء والقدر هما مفهومان أساسيان في الدين الإسلامي يتعلقان بعلم الله تعالي وإرادته في الكون.

تُطلق الفطرة على معنيين أساسيين: الاستعداد الفطريّ والميل الطبيعيّ الذي يُولد عليه الإنسان لقبول الإيمان وإفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة.

موضوعات مختارة