يُعد التأويل أحد أبرز المفاتيح - لفهم النصوص الدينية والفلسفية، حيث يتجاوز المعنى الظاهري إلى عمق المعاني الباطنية والرمزية، وقد شكّل التأويل عبر العصور أداة مركزية لتفسير النصوص، ومرآة لاختلاف المذاهب والاتجاهات الفكرية.
يُعد التأويل أحد أبرز المفاتيح - لفهم النصوص الدينية والفلسفية، حيث يتجاوز المعنى الظاهري إلى عمق المعاني الباطنية والرمزية، وقد شكّل التأويل عبر العصور أداة مركزية لتفسير النصوص، ومرآة لاختلاف المذاهب والاتجاهات الفكرية.
التأويل مشتق من الأول، وهو الرجوع، يقال: آل إليه أي أرجعه، وعند علماء اللاهوت: تفسير الكتب المقدسة تفسيرًا رمزيًّا أو مجازيًّا يكشف عن معانيها، فالشريعة - كما يقول بعضهم مشتملة على ظاهر وباطن لاختلاف فطر الناس، وتباين قرائحهم في التصديق، فكان لا بد من إخراج النص من دلالته الظاهرية إلى دلالته الباطنية بطريق التأويل، فالظاهر هو الصور والأمثال المضروبة للمعاني، والباطن هو المعاني الخفية التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان، فالتأويل - في نظرهم - هو الطريقة المؤدية إلى رفع التعارض بين ظاهر الأقاويل وباطنها. [راجع ابن حزم: الأحكام في أصول الأحكام، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٣هـ، ص ١٩٦، وكذلك ابن رشد: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق دكتور محمد عمارة، ط ٣. القاهرة، دار المعارف، د.ت، ص ٣٢]
والتأويل كمصطلح [جميل صليبا: المعجم الفلسفي، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ١٩٧١ م،١/ ٢٣٤، وراجع معنى التأويل في اللغة عند ابن منظور: لسان العرب، مادة أول] بمعنى صرف ظاهر اللفظ إلى معان مخالفة لما في المعاجم وكتب اللغة، وقد وجد في الحضارات والأديان القديمة، فللتأويل جذور قديمة، فعند فلاسفة اليونان القدماء كان التأويل الرمزي لدى الفيثاغورية والأفلاطونية والرواقية، بل ربما ظهر قبل نشأة الفلسفة في اليونان عند الشاعر اليوناني هوميروس، فقد كانت طريقة التأويل متبعة في الأساطير الإغريقية التي تحتويها القصائد الهوميرية. [برهييه، إميل: الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري، ترجمة الدكتور محمد يوسف موسى والدكتور عبد الحليم النجار. القاهرة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٩٥٤م، ص ٦١]
وتأثر الفكر اليهودي بالفكر الفلسفي اليوناني، وبخاصة في مدرسة الإسكندرية، حيث أثرت الفلسفة اليونانية بمدارسها المختلفة في الديانتين: اليهودية والمسيحية، فكانت الجالية اليهودية في الإسكندرية تقرأ التوراة في الترجمة اليونانية المعروفة بالسبعينية. [يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ١٩٣٦م، ص ٣٢٢]
وكان فيلون اليهودي الإسكندري من أكبر ممثلي النزعة إلى التأويل، وقد دفعه إلى اتخاذ هذا المذهب الحملة التي قام بها المفكرون اليونانيون على ما في التوراة من قصص وأساطير ساذجة، أو غير معقولة - على حد زعمهم - مثل برج بابل، والحية التي أغرت حواء في الجنة، وغضب الله، وأحلام يوسف، فاضطر فيلون إلى الدفاع عن التوراة بتأويل هذه المواضع تأويلًا باطنيًا، ورأى أن التأويل الباطني هو روح النص المقدس، وأن التفسير بالمعنى الحرفي للنص سيؤدي إلى الكفر. [دكتور عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين، بيروت، دار العلم للملايين، ١٩٧٣م، ٢ /١١ -١٢]
ومن أبرز مفكري اليهود الذين حاولوا التوفيق بين العقيدة اليهودية والفلسفة اليونانية قبل فيلون، وأكثرهم اعتمادًا على التأويل الفيلسوف اليهودي أرستوبول Aristobule (ت١٥٠ ق. م) الذي كان دائم الحرص على تجنب التجسيم والتشبيه عن طريق التأويل المجازي، وجعل موسى أستاذًا لفلاسفة الإغريق. [برهييه: الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري. ص ٧٦].
ومن فيلون اليهودي الإسكندري انتقلت طريقة التأويل الباطني إلى النصرانية، وبخاصة لدى الفيلسوفين كليمان الإسكندري (١٦٠ - ٢١٥ م) وتلميذه أوريجانس (١٨٥ - ٢٥٤ م) وقد اضطر الأخير تحت وطأة هجمات المفكرين اليونانيين إلى الإقرار بأن في التوراة استحالات عقلية تحتاج الى التأويل فقام بالتفرقة بين نوعين من الأقوال في نصوص الكتاب المقدس؛ أقوال يمكن أن تفسر تفسيرا حرفيًّا، وأخرى يجب أن تؤول باطنيًّا. [دكتور عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين، ص ٢ ا ١٣]
ثم انتقل التأويل الباطني من أمثال فيلون اليهودي إلى العالم الإسلامي لأول مرة على يدي عبد الله بن سبأ اليمني الصنعاني الذي كان يهوديًا ثم أعلن الإسلام، وحاول تأويل القرآن الكريم تأويلًا باطنيًا رمزيًا، مثل تأويل قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ مَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ وَمَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} [القصص: ٨٥] فقال: "إني لأعجب ممن يقول برجعة عيسى ولا يقول برجعة محمد". [دكتور محمد أحمد الخطيب: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، ط ٢، عمان، مكتبة الأقصى، الرياض، عالم الكتب، ١٩٨٦م، ص ٣٢]
فكان ابن سبأ أول من أحدث في عقائد الشيعة أفكار الرجعة والوصية ونحو ذلك.
ومن الآيات القرآنية التي اتخذها الباطنية في العالم الإسلامي وسيلة لتبرير مبادئهم ونشرها قوله تعالى:
{فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا * يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا * وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا} [نوح١٠-١٢] فأوّلوا قوله تعالى: {فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ} [نوح :١٠] بمعنى اسألوه أن يطلعكم على أسرار المذهب الباطني، وقوله: {يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا} [نوح: ١١] بأن السماء هي الإمام، والماء المدرار هو العلم ينصب من الإمام إليهم ومعنى: {وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ}، أن الأموال هي العلم، والبنين هم المستجيبون ومعنى {وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا} أن الجنات هي الدعوة السرية أو الباطنية، والأنهار هي العلم الباطني. [السابق، ص ٣٣ - ٣٤]
والإمام عند أغلب الشيعة هو مصدر التأويل الباطني، فهو وارث العلم النبوي، وهو يعلو على سائر البشر باتصاله الدائم بالله تعالى، فلم يصل إلى هذا العلم الإلهي عن طريق الاكتساب، أو ترتيب أدلة، بل ينقدح العلم في نفسه انقداحًا. [دكتور علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ط٩. القاهرة، دار المعارف،٢/ ٢٩٥]
فالتأويل يختص به الأئمة، ولا يطلب إلا منهم؛ لأن الله تعالى نصبهم لذلك، وأودع فيهم علمه، حتى أصبح الإمام بذلك قرين القرآن، وإنما سمي القرآن بهذا الاسم لاقترانه بالعترة، كما ورد في الحديث النبوي: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا :كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ» [الحديث ذكره الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٨٨ هـ:١/ ٢٩٤]، فالقرآن قرين كل واحد من الأئمة الطاهرين ذرية الرسول الأمين. [علم الإسلام ثقة، الإمام (الداعي الإسماعيلي)، المجالس المستنصرية بيروت، مؤسسة النور للمطبوعات، ٢٠٠١ م، ص ٢٩]
ويقوم التأويل عند أكثر فرق الشيعة، الغلاة والإثنى عشرية على ثنائية الظاهر والباطن في النصوص الدينية، بحيث يكون للنص الديني ومعان ظاهرة يفهمه العامة، وأسرار ومعان أخرى باطنة تخالف معناه الظاهري، ولا يفهمها إلا الخاصة، وهم الأئمة من آل البيت المعصومين. وقد استند الشيعة في هذه الفكرة إلى عدة آيات قرآنية ورد فيها لفظًا الظاهر والباطن، ومنها قوله تعالى: {وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ} [الأنعام :١٢٠]، وقوله تعالى: {وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ} [لقمان : ٢٠]، وأما من جهة السنة، فقد رووا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلـم - أنه قال: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» [المؤيد في الدين : سيرة المؤيد، القاهرة، دار الكاتب المصري، ١٩٤٩ م، والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه بنحوه، نقلًا عن دكتور عبد العزيز سيف: التأويل الإسماعيلي الباطني، بدون ناشر،١٩٨٤م، ص ٢٣]؛ فذهبوا إلى أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، وأن عامة الناس يعلمون علم الظاهر، وعند الأئمة علم الباطن، وأولوا على هذا النحو ألفاظ القرآن الكريم تأويلات بعيدة غريبة، فالكليني (وهو عندهم في مكانة البخاري عند أهل السنة) يؤكد "أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور" [الكافي: ١ / ٣٧٤].
ويقول الداعي الإسماعيلي القاضي النعمان: "لابد لكل محسوس من ظاهر وباطن، فظاهره ما تقع الحواس عليه، وباطنه ما يحويه ويحيط العلم به بأنه فيه، وظاهره مشتمل عليه، وهو زوجه وقرينه". [النعمان بن محمد: أساس التأويل، تحقيق دكتور عارف تامر، بيروت، منشورات دار الثقافة، د. ت، ص ٢٨].
ويشير الشهرستاني إلى إحدى فرق الشيعة الغلاة، وهم الهاشمية أتباع أبي هاشم بن الحنفية، قالوا: "إن لكل ظاهر باطنًا، ولكل شخص روحًا، ولكل تنزيل تأويلًا، ولكل مثال في هذا العالم حقيقة في ذلك العالم، والمنتشر في الآفاق من الحكم والأسرار يجتمع في الشخص الإنساني، وهو العلم الذي استأثر عليّ - رضي الله عنه - به ابنه محمد بن الحنفية، وهو أفضى ذلك السر إلى ابنه أبي هاشم، وكل من اجتمع فيه هذا العلم فهو الإمام حقا ". [الشهرستاني: الملل والنحل، تقديم وإعداد دكتور عبد اللطيف محمد العبد، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٧٧م، ص ١٥٣]
ويعرض أبو حامد الغزالي للفكرة ذاتها عند الباطنية، فيحكي عنهم قولهم: "إن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند الجهال الأغبياء صورًا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة، وأن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا والأسرار، والبواطن والأغوار، وقنع بظواهرها مسارعًا إلى الاغترار، فكان تحت الأواصر والأغلال". [الغزالي، أبو حامد: فضائح الباطنية، دكتور عبد الرحمن بدوي ، القاهرة، الدار التومية للطباعة والنشر، ١٩٦٤م، ص ١١] ويطلق الداعي الإسماعيلي أبو يعقوب السجستاني على أهل السنة اسم أهل الظاهر، ويرد على منهجهم في تلقي العقيدة والشريعة ويحذرهم، فيقول : "أراكم يا أهل الظاهر تكذبون بالتأويل، وتقتصرون على التنزيل، وقد وبخكم الله تعالى: {بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ} [يونس: ٣٩]، واكتفيتم من علم القرآن بما عرفته العرب من الأسماء والصفات، ولم تعلموا أن الأسامي ربما صرفت إلى غير ما تعرفه العرب إذا حققتها المعاني، وإذا أوجب التأويل صرف بعض الأسامي إلى معنى من المعاني أنكرتموه [السجستاني، أبو يعقوب: الافتخار، تحقيق إسماعيل قربان. بيروت، دار الغرب الإسلامي، ٢٠٠٠م، ص ٢١٦]
كما يحكم الداعي الإسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني على من ينكر العلم الباطن بأنه ملحد، فيقول: "كان النبي - صلى الله عليه وسلـم - قد دعا إلى العمل الظاهر الذي هو الصلاة والزكاة وغيرها، وإلى العلم الخفي الباطن الذي هو المعارف الدينية جميعًا، وأنت تؤمر بالعمل الظاهر، وتكفر بالعلم الباطن الذي به تتعلق وحدانية الله تعالى ومعارف ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلـم -، فأي إلحاد أعظم مما أنت فيه، من الإيمان ببعض ما جاء والكفر ببعض. [الكرماني، أحمد حميد الدين: راحة العقل، تحقيق دكتور مصطفى غالب، ط ٢. بيروت، دار الأندلس، ١٩٨٣م]
ومن أمثلة تأويلاتهم الباطنية ما ينسبونه إلى الإمام جعفر الصادق في تأويله لقوله تعالى: {مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ} [الرحمن: ١٩]؛ قال:"عليّ وفاطمة"، {بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ} [الرحمن:٢٠] قال: "لا يبغي علي على فاطمة، ولا تبغي فاطمة على علي"، {يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ} [الرحمن: ٢٢]، قال: "الحسن والحسين عليهما السلام". [المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ط ٢ بيروت، مؤسسة الوفاء، ١٩٨٣ م: ٢٤ / ٩٧]
وقد شبه الإسماعيلية الباطنية الظاهر بصدفة لا بد من كسرها نهائيًا، وهذا لا يتم إلا بالتأويل الباطني، ثم قالوا: "إن المستجيب إذا وصل إلى تلك الدرجة من التأويل، ومعرفة الحقائق، سقطت عنه الالتزامات والتكاليف التي تفرضها الشريعة". [كوربان: تاريخ الفلسفة الإسلامية. بيروت. منشورات عويدات،١٩٦٦م، ص٦٠]، وذكر القاضي النعمان أن الناس ينقسمون إزاء الظاهر والباطن إلى فرق ثلاث: فرقة تعلقت بالظاهر وأنكرت الباطن أو أهملته، وفرقة تعلقت بالباطن وأنكرت الظاهر أو أهملته، وهاتان الفرقتان - كما يقرر القاضي النعمان - من أهل الضلال، وأما الفرقة الثالثة فهي عنده فرقة أهل الحق، المتبعون لأولياء الله في ظاهر دين الله وباطنه، وصدَّقت بالظاهر والباطن، وعرفت حدود ذلك ومخارجه، فعبد هؤلاء ربهم حق عبادته؛ إذا قاموا بما تعبدهم به من ظاهر دين الله وباطنه" [القاضي النعمان: تأويل الدعائم، القاهرة، دار المعارف: ١ /١٧٠ -١٧٦، نقلًا عن الدكتور عبد العزيز سيف النصر: التأويل الإسماعيلي الباطني، ص ٢٩]
وقد تأثر فلاسفة الصوفية من أمثال محي الدين ابن عربي (ت٦٣٨هـ) وغيره من القائلين بالحلول والاتحاد بمنهج الشيعة في التفرقة بين الظاهر والباطن، وأقام ابن عربي نظريته في وحدة الوجود [راجع كتابنا: فلاسفة الإسلام والصوفية وموقف أهل السنة منهم، الإسكندرية، دار الوفاء، ٢٠٠٦م، ص ٢٥١ وما بعدها]. على فكرة الظاهر والباطن.
التأويل هو جسر بين الظاهر والباطن في النصوص الدينية، وامتد جذوره عبر الحضارات القديمة ليؤثر في الفكر اليهودي والمسيحي والإسلامي، خاصة في المذهب الشيعي، يُعتبر الإمام مصدر العلم الباطني، مما يجعل التأويل أداة حصرية لفهم المعاني الخفية للنصوص المقدسة، ورغم اختلاف المذاهب حوله يبقى التأويل محورًا أساسيًا في نقاشات العقيدة والفكر الديني.