Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الملحق (٢) التجديد في علم الكلام

الكاتب

أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور

الملحق (2) التجديد في علم الكلام

علم الكلام علم إسلامي يهدف إلى بيان العقائد ودحض شبهات المخالفين، وقد نشأ لعوامل دينية وسياسية، ويحتاج اليوم إلى تجديد مناهجه وأدواته لمواجهة التحديات الفكرية المعاصرة مع الحفاظ على ثوابته.

نشأة علم الكلام

لم ينشأ علم الكلام - عند المسلمين - دفعة واحدة، ولم تكن نشأته ثمرة أو نتيجة لعامل أو سبب واحد، بل كان نتيجة لعوامل متعددة: دينية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، وقد كان لفرقة المعتزلة أثر كبير في هذه النشأة، وفي ذلك يقول طاش كبري زادة: "فاعلم أن مبدأ شيوع الكلام كان بأيدي المعتزلة والقدرية، في حدود المائة من الهجرة" [مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، دار المعرفة / بيروت ط ١/ ١٩٨٥، ٢ / ١٤٨]، وكان للاتصال بالفلسفة اليونانية - بعد ترجمة كتبها إلى اللغة العربية - أثرٌ غير قليل في هذه النشأة، وفي تطور منهج هذا العلم، وفي ذلك يقول الشهرستاني: "ثم طالع - بعد ذلك - شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة، حين فسرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام، وأفردتها فنًّا من فنون العلم، وسمَّتها باسم الكلام" [الملل والنحل، بهامش الفصل، طبع المطبعة الأدبية ١٣١٧هـ، ١/ ٣٢ ، ٣٣، ولم يؤدِّ هذا التأثر إلى تبعية مطلقة للفلسفة، بل إن علم الكلام قد اختلف مع الفلسفة من حيث المقاصد والغايات، ووصل الأمر  - في العلاقة بالفلسفة - إلى حد أن ينظر كثير من علماء الكلام إلى الفلاسفة بوصفهم خصوصًا في العقائد كما يقول ابن خلدون في المقدمة، طبعة الشعب ص ٤٣].

وظيفة علم الكلام

واضطلع علم الكلام -عند نشأته وفي كثير من عصوره - بمهمتين أساسيتين:

أولاهما: بيان العقائد الإسلامية، والبرهنة على صدقها بالأدلة العقلية، والرد على الشبهات والشكوك التي توجه إليها من خصومها على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، وبيان مواقفهم من العقائد بصفة عامة.

وأخراهما: مناقشة عقائد المخالفين، وتقديم البراهين والحجج على بطلانها وبيان زيفها، وهي مهمة مكملة للأولى، ولعل المتكملين فيها كانوا يطبقون الفكرة القائلة بأن الهجوم هو خير وسائل الدفاع.

وتظهر هاتان الوظيفتان في كثير من التعريفات التي قدمت لهذا العلم، ومنها تعريف أبي نصر الفارابي (ت٣٣٩هـ) الذي يقول فيه: "وصناعة الكلام مَلَكَة يقتدر بها الإنسان على نُصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل" [الفارابي: إحصاء العلوم، تحقيق د / عثمان أمين، دار الفكر العربي ط ٢/ ١٩٤٩ ص ١٠٧، ١٠٨].

كما يظهر ذلك في تعريف ابن خلدون (٨٠٨ هـ) الذي يقول فيه: "هو علم يتضمن الحِجَاجَ عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة" [ابن خلدون، المقدمة ص ٤٢٤] ويتفق كلام ابن خلدون مع ما سبق أن قرره الإمام أبو حامد الغزالي (٥٠٥ هـ) الذي بَيَّنَ أن مقصد علم الكلام هو "حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش أهل البدعة الذين ألقى الشيطان في وساوسهم أمورًا مخالفة للسنة، فلهجوا بها، وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها، فأنشأ الله – تعالى - طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة على خلاف السنة المأثورة، فمنه نشأ علم الكلام وأهله" [الغزالي: المنقذ من الضلال، تحقيق د/ عبد الحليم محمود، مع أبحاث في التصوف، طبع دار الكتاب الحديثة ط ٧/ ١٩٧٢، ص ١١٨ -١٢١].

جهود علماء الكلام في مواجهة الخصوم

وقد بذل علماء الكلام - على اختلاف مدارسهم - جهودًا كبيرة في مواجهة خصومهم من أهل الأديان الأخرى، ومن الثنوية، والدهرية، والملاحدة، وأمثالهم، وألفوا في ذلك الكتب والرسائل، وخاضوا المناظرات، وسافروا للقاء أهل الشبهات في مواطنهم، ونجحوا في إقناع كثير من هؤلاء الخصوم ببطلان عقائدهم، وكان ذلك موضع فخرهم واعتزازهم، ونظروا إلى علمهم على أنه أرفع العلوم وأعلاها، وأنفعها وأجداها، وأحراها بعقد الهمة بها، وصرف الزمان إليها؛ لأنه كما يقول: المتكفل بإثبات الصانع وتوحيده وتنزيهه عن مشابهة الأجسام، ... وإثبات النبوة التي هي أساس الإسلام، وعليه مبنى الشرائع والأحكام، وبه يترقى في الإيمان باليوم الآخر من درجة التقليد إلى درجة الإيقان، وأن به حِفظَ قواعد الدين عن أن تزلزلها شُبَهُ المُبطلين، وأن يبنى عليه العلوم الشرعية،  فإنه أساسها، وإليه يؤول أخذها واقتباسها؛ ولذلك وصف بأنه العلم الأعلى، وأنه الذي تستمد منه العلوم، وهو لا يستمد من غيره، فهو رئيس العلوم على الإطلاق [عضد الدين الإيجي (٧٥٦ هـ): المواقف في علم الكلام، علم الكتب، بيروت ص ٤، ٨].

ضرورة تجديد علم الكلام، وضوابطه

أولًا: بواعث التجديد:

تعرض هذا العلم لكثير من أوجه النقد لدى كثير من علماء المسلمين، على الرغم من الغاية الجليلة التي نشأ من أجلها، وشارك في هذا النقد فقهاء، ومحدِّثون، وصوفية، ومؤرخون، وفلاسفة، ومفكرون سلفيون، وكُتِبَت بعضُ الكتب في صون المنطق والكلام عن علمي المنطق والكلام، وتعددت أسباب النقد، واختلفت منطلقاته، وقد اتجه بعضها إلى المنهج والطريقة، وبعضها إلى المسائل والقضايا أو إلى الوجهة التي اتجه العلم إليها أو إلى التقليد والجمود الذي ألَمَّ به، كشأن علوم إسلامية أخرى، وهذه كلها عوامل وبواعث تدعو إلى تجديد العلم في منهجه وفي وسائله وفي موضوعاته، ويمكن الإشارة إلى شيء من ذلك – بإيجاز - فيما يلي:

١- كان المتكلمون - في أول أمرهم - يدافعون عن العقيدة الإسلامية ضد خصومها من خارج الدائرة الإسلامية، وقد كان هؤلاء الخصوم يكتبون الكتب في الطعن على عقائد الإسلام، والتشكيك في أصوله الكبرى كوجود الله وتوحيده، ونبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعالمية رسالته، وختم النبوة به، وكان بعض هذه الكتابات يتجه إلى التشكيك في القرآن الكريم، ووصفه بالتناقض، ويدعو إلى تأويل نصوصه تأويلًا باطنيًّا، يجردها من مضمونها، ويُحولها إلى رموز لا صلة لها بنصوصه، ولا بأسباب نزوله،  بل ربما رسم هؤلاء منهجًا متدرجًا ينتهي بمن يطبقه إلى الخروج عن دينه [انظر مثلًا: الفرق بين الفرق، للبغدادي، طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ٢٨١-٣١٢، وفضائح الباطنية، للإمام الغزالي، تحقيق د /عبد الرحمن بدوي في مواطن كثيرة، ومذاهب الإسلاميين للدكتور / عبد الرحمن بدوي ١/ ١٢٤،١٢٣ والملل والنحل، للشهرستاني ٢/ ٥٥، ٥٦، والفصل، لابن حزم ١/ ١٠٣، وما بعدها، ٢٠٣، وانظر ليوحنا الدمشقي، الهرطقة المائة، المكتبة الشرقية بيروت ١٩٩٧ ص ٧١،٧٠ إلى كتب كثيرة أخرى] .

وكانت هذه الكتابات، والترجمات بما تضمنته من مطاعن وشبهات جديرة بأن تحدث بلبلة في عقائد المسلمين لو أنها تركت هكذا دون رد عليها، وبيان لبطلانها، وقد كان علماء الكلام في طليعة علماء المسلمين الذين تصدوا لهذه الكتابات والمترجمات، تثبيتًا لأصول الدين، وحفظًا لعقائد المسلمين، وفي هذا يقول الجاحظ: "... لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام، واختطفت واسترقت ..." [الجاحظ: الحيوان، تحقيق: الأستاذ عبد السلام هارون، طبعة الذخائر ٢٠٠٢ -٤ /٢٩٨]، وقد قام بهذه الجهود عشرات من علماء الكلام، من المعتزلة والأشاعرة، والماتريدية وغيرهم ممن يصدق عليهم هذا الوصف، حتى ولو لم ينتسبوا إلى فرقة بعينها كالمسعودي، والبيروني، وابن حزم، وأمثالهم.

وقد كانت هذه الجهود موضع تقدير المسلمين وثنائهم، حتى لقد وجدنا من الفلاسفة الإسلاميين مَن يشيد بهذه الجهود إشادة كبرى، ويصفها بأنها لا تقل في أهميتها وحاجة المسلمين إليها عن الجهود التي يقوم بها الجنود في ميادين الجهاد الحربي؛ لأن غاية الفريقين واحدة، وهي صيانة الدين والدفاع عنه". [أبو الحسن العامري (٣٨١ هـ): الإعلام بمناقل الإسلام، تحقيق د/ أحمد عبد الحميد غراب، دار الكتاب العربي ط١/ ١٩٦٧ ص ١١٠، ١١٦، ١٣٠، ١٣١ وانظر كذلك: الموافقات، لأبي إسحاق الشاطبي، طبعة الشيخ عبد الله دراز، المكتبة التجارية الكبرى ٢/٦٠].

لكن هذا الاتجاه إلى مواجهة الخصوم الخارجين ما لبث أن زاحمه، بل ربما غلبه اتجاه آخر ساق المتكلمين إلى مواجهة خصومهم من الإسلاميين، فتحولت الجهود إلى داخل الساحة الإسلامية بدلًا من الخصوم الحقيقيين الذين يبتغون القضاء على الإسلام ذاته، وشهد علم الكلام انقسام المنتسبين إليه إلى فِرَق وطوائف متناحرة متحاربة، ووصل الأمر إلى حد التكفير الذي حذر منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتكررت الكلمة كثيرًا في حديث كل فرقة عن آراء خصومها المخالفة لأصولها، وربما جرى إطلاق هذه الكلمة على صاحب رأي في مسألة تحتمل الخلاف في الرأي، وتعدد وجهات النظر، دون أن يستلزم الأمر تكفيرًا، بل ربما كان الخوف لفظيًّا أحيانًا، ولكن المخالف لا يسلم من إلصاق التهمة به [انظر مثلًا: الفرق بين الفرق، للبغدادي، وشرح الأصول الخمسة، وهو من تعليق أحمد بن الحسين بن هاشم الزيدي على كتاب الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار المعتزلي، والفصل، لابن حزم في القسم الخاص بالفرق الإسلامية]. وقد لاحظ الإمام الغزالي - من قديم - أن كل فرقة تُكَفِّرُ مخالفها، وتنسبه إلى تكذيب الرسول - عليه الصلاة والسلام - فالحنبلي يكفر الأشعري، زاعمًا أنه كذَّب الرسول في إثبات الفوق لله – تعالى - وفي الاستواء على العرش، والأشعري يُكذِّبُه، زاعمًا أنه مُشَبِّه، وكَذَّبَ الرسول في أنه (الله) ليس كمثله شيء، والأشعري يكفر المعتزلي زاعمًا أنه كذب الرسول في جواز رؤية الله – تعالى - وفي إثبات العلم والقدرة والصفات له، والمعتزلي يكفر الأشاعرة زاعمًا أن إثبات الصفة تكثير للقدماء، وتكذيب للرسول في التوحيد" [فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ضمن القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي، مكتبة الجندي ص ١٥٠، وانظر ١٤٤، ١٤٧].

ولم يقتصر الأمر على تكفير المخالفين من أصحاب الفرق الأخرى في بعض ما قالوه، بل وقع ذلك -أحيانًا- بين المنتسبين إلى مذهب واحد أو فرقة واحدة، من بعضهم لبعض كالذي حدث بين فرق الخوارج والمعتزلة، وأدت هذه الحدة في الخصومة، والتساهل في تكفير الخصوم من المخالفين في المذهب إلى إثارة غبار من الشك على علم الكلام - في جملته - وعلى مدى استمساكه بالغايات والمقاصد التي نشأ من أجلها، وكان هذا من بواعث الدعوة إلى تجديد علم الكلام.

٢ - ويتصل بهذه المسألة اتصالًا وثيقًا أن تسلط الخلاف على الفكر الكلامي، وما صاحبه من إعجاب كل ذي رأي برأيه، أدى إلى أن وصفت المناهج الكلامية على لسان منتقديها بالتناقض والتعارض، وأن الغاية التي تغلبت على أصحابها لم تقتصر على طلب الحق وإقامة الحجة، بل تعدَّت ذلك الأمر إلى إفحام الخصم وبيان تهافت آرائه، ومن ثم وصفت بأنها ذات طابع جدلي، وأن الحجج التي تداولها المتكلمون في خصوماتهم لم تعد من القوة بحيث تحسم الخلاف، وتحقق اليقين، بل إنها أصبحت كما يقول الشاعر:

                                                                                      حُجَجٌ تَهافَتْ كالزُّجاج تَخَالُها

                                                                                                                         حَقًا وكلٌ كاسِرٌ مكْسُورُ

[السيوطي: صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام، تحقيق د/ علي سامي النشار، د/ سعاد عبد الرازق، طبع مجمع البحوث الإسلامية ط١/ ١٩٧٠، ١/١٤٥، ١٤٦].

وترتب على هذا الأمر القول بأن المنهج الكلامي في الاستدلال أصبح لا يؤدي إلى طمأنينة القلب وبرد اليقين في مسائل العقيدة.

 وهذا ما يقرره الغزالي، وهو خبير بعلم الكلام ودقائقه كما تشهد بذلك مؤلفاته، وقد ذكر في سياق نقده لعلم الكلام أن الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدًّا، وأنه مشرف على الزوال بكل شبهة [انظر: المنقذ من الضلال، مرجع سابق ١٢٤، ١٢٥ وإحياء علوم الدين، طبعة الحلبي، ١/٣٥ -٣٧].

ويتفق الغزالي في هذا النقد مع من سبقه أو لحقه من الفلاسفة كالفارابي في إحصاء العلوم، وابن باجة في تدبير المتوحد، وابن رشد في مناهج الأدلة، ثم هو يتفق مع آراء الصوفية الذين يعتمدون في تحصيل اليقين على التوجه إلى الله بالعبادة والذكر، وتفريغ القلب من الشواغل، وانتظار ما يرد عليهم من الفيوضات والإلهام والعلم اللدني الذي يتصف في رأيهم بالوثاقة واليقين [انظر: المنقذ من الضلال والإحياء في المواضع السابقة].

٣ - ثم إن هذا المنهج في العرض والرد على الخصوم قد صار - في كثير من الأحيان - أشبه بالقضايا الرياضية [انظر: عقيدة المسلم، للشيخ محمد الغزالي، طبع دار الدعوة، ط ٥ / ٢٠٠٨ ص ٧، ٨ ورجال الفكر. والدعوة في الإسلامية، للعلامة أبي الحسن الندوي، طبع دار الفكر بالكويت ١٩٧٧ ص ٣٢٢، ٣٢٣]، التي قد تبهر العقل بما فيها من اتساق وانسجام بين المقدمات والنتائج، وبما فيها من مهارة عقلية في استخلاص الأدلة، وملاحظة مواطن الضعف في كلام الخصوم، والتنبه إلى دقائق التعبير في النصوص الشرعية عند الاحتجاج بها، ولكن هذا يمضي في طريقه دون أن يعني كثيرًا بجانب مهم من مقومات الإقناع التي تُحْدِثُ تأثيرها في الإنسان، وهو جانب الشعور والوجدان، فالإيمان ليس نتاج العقل وحده، بل إنه نتاج طاقات الإنسان كلها.

والعقائد الدينية لا تعتمد على جانب واحد من جوانب الحياة النفسية للإنسان: الوجدانية والإرادية والعقلية، ولكنها تتصل بها اتصالًا وثيقًا، ولا ترضى نفسُ المرء ولا تكمل شخصيته إلا إذا تضامنت شخصيته ونواحيه النفسية كلها، وعملت معًا على تقبل كل عقيدة من عقائده ... فيوجد قبول عقلي واطمئنان قلبي، والتقاء مع الإرادة، وذلك هو كمال الشخصية، وهو كمال الاعتقاد، وهو كمال العقيدة كذلك [د/ محمود حب الله: الحياة الوجدانية والعقيدة الدينية ٢٦٨، ٢٦٩ وانظر: الأسس المنهجية لبناء العقيدة، د/ يحيى هاشم فرغل ص ٣٧٢ (دون بيانات)]. ولم تكن المناهج الكلامية - في مجملها - معنية بهذه الجوانب كلها، بل إنها عُنِيَت بجانب واحد منها، وهو الجانب العقلي الذي انساق إلى الجدل في مواطن كثيرة، ومن ثَمَّ افتقدت هذه الأدلة ما تقتضيه العقيدة من تكامل في خطابها لجوانب الشخصية الإنسانية.

ويكفي أن نسوق - هنا - مثالًا واحدًا،  نقتبسه من كلام المتكلمين حول الصفات الإلهية، وهي من أهم القضايا التي تتضمنها البحوث الكلامية، وقد وقع بينهم فيها كثير من الخلافات والمجادلات والأخذ والرد، وقد قسموها إلى: صفات سلبية، وصفات ثبوتية أو نفسية، كما قسموها إلى: صفات ذات، وصفات أفعال، ثم تعرضوا إلى ما أسموه الصفات الخبرية، وهي التي تثبت له – تعالى - ما يُوهم المشابهة للخلق، كوصفه بأن له وجهًا أو يدًا أو عينًا أو نزولًا أو استواءً، ثم اختلفوا في تحديد علاقة الصفات بالذات، وهل هي عين الذات أو غيرها،  أولًا هي هو ولا هي غيره، ثم اختلفوا في إثباتها له – تعالى - أو نفيها عنه، وفي كونها قديمة أو حادثة، وكونها عامة شاملة أو مقيدة ببعض أقسام الوجود دون بعض، وهكذا هكذا.

وانطلق كل فريق من المتكلمين يسوق الحجج على صحة رأيه، وبطلان رأي المخالف له، وانشغلوا بذلك الأمر عرضًا ونقدًا، وإصدارًا، وإيرادًا، واستقراءً للاحتمالات، واستقصاء للشبهات، وردًّا على الاعتراضات، وتأويلًا للنصوص إذا ما خالفت ما انتهى إليه كل منهم من رأي، وبذلوا في هذا كله جهدًا مضنيًا، وملأوا كثيرًا من الصفحات، واستغرقوا كثيرًا من الأوقات، لكنهم - في حومة هذا الخوف - لم ينشغلوا ببيان ما يجب على المسلم تجاه هذه الصفات الإلهية وتحديد حظ المؤمن منها: تخلُّقًا وتعلُّقًا وتحققًا؛ حيث يتحقق فيها غاية الكمال، وقمة الجلال، ونهاية الجمال، وأن على المسلم أن يتخذها مثالًا للكمال الذي ينبغي التأسي به على قدر الطاقة البشرية، كما ينبغي استحضار إحاطتها بكل شيء في الوجود، واليقين التام بقيومية الله – تعالى - على كل شيء، وإحاطة علمه وحكمته وإرادته بكل شيء، وقدرته على كل شيء، وهذا ما يورث المؤمن حظًّا موفورًا من الحياء، والخشية، والمراقبة، وصدق التوكل، والإنابة، والتخلُّق بالخوف، والرجاء، والشكر، والصبر، والعبودية الخالصة، إلى غير ذلك من الصفات الخلقية العليا التي يقتبسها المؤمن من معاني الأسماء والصفات الإلهية.

ولو اهتم علماء الكلام بهذا الجانب – أيضًا - لأضافوا إلى علمهم عاملًا مهمًّا من عوامل القوة والتأثير، ولدفعوا عن أنفسهم أبوابًا من النقد والمؤاخذة، وقديمًا مَرَّ الجنيد بن محمد (٩٧٢هـ) وهو من أئمة الصوفية، على جماعة من علماء الكلام، فسأل عما يفعلونه؟ فقيل له: إنهم ينفون العيب عن الله - تعالى - فقال: "نفي العيب - حيث يستحيل العيب - عيب". [مقدمة ابن خلدون، ص ٤٣١].

٤ - ثم كان مما وقع فيه كثير من الكلاميين أنه قل - لديهم أو لدى كثير منهم - الاعتماد على الأدلة القرآنية الشرعية في إثباتهم للعقائد الدينية، وربما كان هناك ما يُسَوِّغُ لهم ذلك في جدالهم مع غير المسلمين؛ لأن هؤلاء لا يؤمنون بالإسلام الذي تُستقَى من مصادره تلك الأدلة الشرعية، لكن الأمر سار على النهج نفسه في جدالهم بعضهم مع بعض، ومن ثم وجدناهم يعتمدون في إثباتهم لأصول العقيدة على أدلة ذات أصول فلسفية كدليل الجوهر الفرد، ودليل الممكن والواجب، ودليل التناهي، وغيرها من الأدلة، بل إن بعض الفرق الكلامية، كالمعتزلة – مثلًا - عزلت الدليل الشرعي عن أن يكون دليلًا معتمدًا في أصول العقائد كالإيمان بالله - تعالى - وإثبات النبوة [انظر مثلًا: متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار، تحقيق: د/ عدنان زرزور، دار التراث، القاهرة ط ١ /١٩٦٩ ط ١ – (٤١،٣٧،٣٦،١٢،٥)] وتابعهم على ذلك بعض الأشاعرة، وعلى رأسهم فخر الدين الرازي (٦٠٦ه) الذي أبرز مسألة الدور الكلامية التي انتهت إلى أن إبطال دليل العقل - إذا ما تعارض مع الدليل الشرعي - يؤدي إلى إبطال دليل الشرع والعقل معًا [انظر مثلًا: معالم أصول الدين، للرازي، نشرة الأستاذ طه سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، ٢٤،٢٣، ٤٣ وأساس التقديس له، في مواطن عديدة، وانظر دراسة مفصلة لهذه المسألة لدى د / حسن الشافعي في المدخل إلى دراسة علم الكلام، مكتبة وهبة ط٢/ ١٩٩١ ص ١٥١ وما بعدها.].

وقد كان لعلاقة علم الكلام بالفلسفة اليونانية أثر مهم في هذا الموقف وفي بنية الأدلة الكلامية نفسها؛ حيث تظهر فيها كثير من الاصطلاحات المستقاة من هذه الفلسفة، كما تظهر فيها بعض الموضوعات الطبيعية كدراساتهم للجواهر، والأعراض، والأجسام، والزمان، والمكان، والحركة، والسكون، والخلاء، والملاء، والطفرة، وغيرها من الموضوعات التي استعانوا بها في مقدمات براهينهم، وكان للمعتزلة الأثر الأكبر في استحضار هذه الموضوعات والمصطلحات الفلسفية، مصحوبة بطريقة الفلسفة في الصياغة المنطقية، وها هو الجاحظ الذي هو من أعلامهم، ومؤسس فرقة من فرقهم يقول: "وليس يكون المتكلم جامعًا لأنظار الكلام، متمكنًا في الصناعة، يصلح للرئاسة حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة،  والعالم عندنا هو الذي يجمعهما" [الحيوان ٢/ ١٣٤، وواضح من كلامه أن جانب الفلسفة هو الميزان الأرجح الذي ينبغي أن يلحق به جانب الكلام في الدين].

وسرى هذا التأثير إلى الفرق الأخرى، وخصوصًا في عصورها المتأخرة، حتى أصبح الناظر في بعض كتبها يلتقي بجو فلسفي غلاب كما لاحظ ابن خلدون" [انظر مقدمة ابن خلدون ٤٣٠ وانظر كذلك كتاب المواقف لعضد الدين الإيجي وشروحه].

وقد كان التأثر بالفلسفة - حتى في بواكيره الأولى - من أسباب توجيه النقد إلى علم الكلام، وجاء هذا النقد على لسان كثير من أئمة الفقه كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأمثالهم من الأئمة [انظر: صون المنطق والكلام ١ / ٩٦ وما بعدها].

٥ - يضاف إلى ما سبق أن الحركة العقلية المزدهرة التي حفل بها علم الكلام في أثناء انشغاله بالرد على أصحاب العقائد الأخرى، قد ضعفت وحل محلها - وخصوصًا بعد التحول إلى نقد الفرق الكلامية الإسلامية - نوع من الركود الفكري، واتجه كثير من العاملين في حقل هذ العلم إلى تقليد العلماء القدامى من أئمة المذاهب وشيوخها، بل آل الأمر إلى ضعف بعض الفرق أو إلى انقراضها، وأدى التقليد إلى تعصب المتأخرين لآراء المتقدمين، والتقوقع داخل المذاهب؛ بحيث يعتقد أتباع كل مذهب أن الحق منحصر فيه، وكان ذلالة في بعض الأحيان أو في كثير منها سببًا في إنكار آراء مخالفيهم حتى لو كانت في ذاتها حقًّا، وقيل في تصوير ذلك إن أحدًا من المتكلمين لو اطلع على رأي من الآراء فاقتنع بصحته وصوابه، ثم علم - بعد ذلك - أنه رأي واحد من علماء فرقة أخرى مخالفة لرجع عن هذا الرأي الذي كان قد اقتنع به [انظر: فيصل التفرقة، للغزالي ص ١٧١، ١٧٢]. وأدى هذا كله إلى ضعف الإبداع، وندرة الجدة؛ وغلبة الفتور والتقليد واجترار الماضي على المؤلفات الكلامية، وساد أسلوب الحواشي والتقارير التي كتبت على المتون القديمة وشروحها دون إضافات علمية حقيقية أو مهمة، وران هذا الجمود والتقوقع على الفكر الكلامي، بل على الفكر الإسلامي بوجه عام خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين وأكثر القرن الثاني عشر [انظر: المدخل إلى دراسة علم الكلام ص ١٢٤ وما بعدها، وارجع إلى الكتابات الكلامية والشروح والتقارير التي كتبت على السنوسية، والجوهرة، والخريدة، وأمثالها].

وقد كشفت هذه العوامل مجتمعة عما أصاب علم الكلام من ضعف، وأبرزت الحاجة إلى ضرورة تجديده بما يعينه على تحقيق الغايات النبيلة التي أدت إلى نشأته قديمًا، وبما يسمح -كذلك - بأن يستأنف مسيرته العلمية التي ينبغي أن تكون مواكبة لما أصاب الحياة من حوله من تطور وتجديد.

ثانيًا: صور من التجديد:

شهد العالم الإسلامي في القرنين الأخيرين [الثالث عشر والرابع عشر الهجرين، التاسع عشر والعشرين الميلادين وما يسبقهما بقليل] تحديات خارجية تمثلت في المحاولات الغربية لغزو العالم الإسلامي، واحتلال أرضه، واحتوائه على المستوى الثقافي والفكري، بل والديني، وبدأ ذلك على نحو بارز بالحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت (١٧٩٨م) وتَمَثَّلَ كذلك في الكشوف العلمية الجديدة التي كانت تمثل تفسيرًا للحياة، ونشأتها، يختلف عما يمكن استخلاصه من النصوص الدينية عمومًا، وبلغ الاختلاف أشُدَّه فيما يتعلق بالإنسان وخَلْقِه على نحو ما ظهر في نظرية دارون (١٨٨٢م) للنشوء والارتقاء، وما أدت إليه هي وغيرها من النظريات في علوم مختلفة من تفسيرات ميكانيكية للحياة، ونشأتها بعيدًا عن الاعتقاد بوجود إله؛ لأن كل شيء في الوجود يمكن - في رأيهم - تفسيره تفسيرًا ماديًّا يقوم على الربط بين الظواهر وأسبابها القريبة، ووصل الأمل بأحد ممثلي هذا الاتجاه قبل دارون، وهو عالم الفلك الفرنسي لابلاس (١٨٢٧م) إلى أن يقول: يجب علينا أن نعتبر الحالة الراهنة للكون نتيجة لحالته السابقة، وسببًا في حالته التي تأتي بعد ذلك مباشرة، ولو استطاع ذكاء ما أن يعلم في لحظة معينة جميع القوى التي تَحَرَّت الطبيعة، وموضع كل كائن من الكائنات التي تتكون منها لاستطاع أن يعبر - بصيغة واحدة - عن حركات أكبر الأجسام في الكون، وعن حركات أخف الذرات وزنًا، ولكان علمه بكل شيء!! علمًا أكيدًا، ولأصبح المستقبل والماضي ماثلين أمام ناظريه كالحاضر تمامًا. [انظر: فلسفة العلم لفيليب فرانك، ترجمة د/ علي علي ناصف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ط١/ ١٩٨٣ ص ٢٢٢، ٢٢٣، وحكمة الغرب لرسل ترجمة د/ فؤاد زكريا عالم المعرفة الكويت "٩٨٣ ١ ص ١٥٠، ١٥١]، وقد كتب لابلاس تصوره لبناء العالم في كتاب سماه "نظام العالم"، وقدَّمه إلى نابليون، الذي سأله قائلًا: وأين موضع الله في هذا النظام؟ فأجاب بكل غرور وصلافة: سيدي! لست في حاجة إلى هذا الفرض [انظر فلسفة العلم ٣١٧]، وجاءت نظرية دارون فزادت النار ضرامًا، وسرى هذا الموقف الإلحادي الرافض للدين، والألوهية، والنبوة، والوحي في فروع العلوم المختلفة خلال القرن التاسع عشر في أوروبا، وروَّج كثير من الباحثين في هذه العلوم لمقولة أن حقائق الدين غيرُ قابلة لإثبات بوسائل العلم المحسوسة من ملاحظة وتجربة ونحوهما [انظر: إميل بوترو، العلم والدين في الفلسفة الحديثة، ترجمة د/ أحمد فؤاد الأهواني، طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٣ ص ١٠٥ وما بعدها]، وكان هذا الاتجاه المادي، المستند إلى التجارب العلمية يُلقي بأثقاله على أتباع العقائد الدينية في العالم كله، وكان على علماء العقيدة الإسلامية أن يواجهوا هذا التحدي الذي يتصادم مع الدين بطريقة مباشرة لا يمكن تجاهلها أو الفرار منها، وكان هذا التحدي يفرض نفسه على العالم الإسلامي بسبب العلاقة الاستعمارية والثقافية التي طبعت علاقة أوروبا بهذا العالم الإسلامي. وكان ذلك - زيادة على ما سبقت الإشارة إليه من أوجه النقد المختلفة - من أهم عوامل التفكير في تجديد علم الكلام كي يقوم بدوره في مواجهة هذه الظروف الجديدة التي لا يستطيع أن يواجهها بوسائله القديمة.

وقد تعددت صور التجديد التي شهدها العالم الإسلامي، وكثرت كثرة ظاهرة لا يسمح المجال بتتبعها، وإن كان يمكن الإشارة إلى بعضها.

فيلاحظ أن بعض دعاة التجديد قد اتجهوا إلى تفسير المعتقدات الإسلامية على ضوء الكشوف العلمية الحديثة، ومن هؤلاء: السيد أحمد خان (١٨٩٨م) الذي كان يرى أن علم الكلام القديم نشأ لمجابهة العلم والفلسفة اليونانيين، وإذا كان هذان قد انقرض عصرهما فإن ذلك يعني انقراض علم الكلام القديم – أيضًا - ولهذا ينبغي تطوير علم جديد للكلام للتوفيق بين الدين والنظريات المتجددة الوافدة من الغرب في ساحة العلم والفلسفة، وأن عليه أن يواجه الشبهات والتحديات الجديدة النابعة من اليقينيات والحقائق التجريبية التي لا يمكن مواجهتها ومجابهتها على أرضية الفروض والاحتمالات الفكرية القديمة كما كان الشأن في مواجهة الفلسفة اليونانية القديمة [انظر: السيد وحيد اختر، الأستاذ بجامعة عليكرة الإسلامية بالهند في بحث بعنوان (السيد أحمد خان ورؤيته للدين)، نشر ضمن: ثقافة الهند المجلد ٤١، العدد ٣/١٩٩٠ ص ١٦٥ -١٦٧.].

ومن هنا جاءت دعوته لتطوير علم الكلام على الأسس والدعائم الحديثة حتى يمكن له مجابهة تحديات الفلسفة والعلوم التطبيقية الحديثة السائدة في عصرنا اليوم [السيد وحيد اختر: مرجع سابق ١٦٧، ١٦٨].

وعلى العكس من ذلك نرى صورة أخرى من التجديد لدى معاصره: شبلي النعماني، الذي كتب كتابه في علم الكلام متبنيًا الدعوة إلى تطوير علم الكلام، غير أنه يرى أن هذا العلم نوعان، نوع منها يمثله علم الكلام القديم، وهو قديم في بنيته وكيانه، وهو يعالج القضايا القديمة التي يصفها بأنها بالية متآكلة، وأنها مضنية عسيرة، بسبب ما فيها من البراهين والأدلة التي طورها الأشاعرة المتأخرون.

أما النوع الثاني فهو الذي يعالج القضايا والمشكلات الجديدة التي أظهرتها المعتقدات الغريبة، والفلسفات الجديدة، والعلوم التطبيقية الحديثة، وهو يصف هذا النوع الثاني بأنه يمثل اجتهادًا ومبادرات للتفكير الجديد. [السابق ١٦٩، ١٧٠ ويذكر الباحث أن هذه النزعة القائمة على الارتماء في أحضان الغرب، وما أدت إليه من تأويل للنصوص الدينية بهدف تقريبها إلى الفكر الغربي قد أدت إلى مَقْتِ المسلمين له. انظر: ١٦٦، ١٦٨، ١٧٠، ١٧١ إلخ ... وانظر: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، للدكتور محمد البهي، مكتبة وهبة ط٨ / ١٩٧، ص ٣٧ -١٦٣،٤٣ - ١٦٦] ولقد نرى صورة من التجديد لدى الدكتور محمد إقبال (١٩٣٨) الذي اتجه إلى بعث الروح في بعض الآراء التي قال بها علماء الكلام القدامى، ومنها القول بفكرة الجزء الذي لا يتجزأ، التي ظهرت عند المعتزلة، ثم تبناها الأشاعرة، وهي الفكرة التي يرى إقبال أنها تمثل أول دليل على التمرد العقلي على مذهب أرسطو القائل بعالم ثابت ساكن، وأن هذه النظرية يمكن النظر فيها من جديد لتكييفها مع الطبيعيات الحديثة، وأن من الواجب على علماء الإسلام فيما يُقْبِل من الأيام أن يعيدوا بناء هذه النظرية العقلية البحتة، وأن يحكموا الصلات بينها وبين العلم الحديث الذي يَظهر لنا أنه مُتَّجِه في الاتجاه نفسه. [انظر: محمد إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ط١/ ١٩٦٨ ص ٨١، ٨٤.]، وإذا كانت هذه الصور الثلاث تنظر إلى التجديد من زاوية علاقة الدين بالعلم الحديث فإن هناك صورًا أخرى قد تنظر إلى التجديد انطلاقًا من علم الكلام القديم، وقد جاءت بعض هذه الصور التجديدية دالة على انتماء مذهبي لفرقة أو لأخرى من فرق علم الكلام.

فمنها ما ينطلق من فكر المعتزلة، كهذا الذي نجده لدى الدكتور أحمد صبحي الذي يقول: إنه مع التسليم بكل ما أُخِذَ على المعتزلة من إسراف، سواء في الفكر أو في العمل فإن تجديد الفكر الإسلامي لا يكون إلا ببعث تلك الروح الوثابة التي تُمَيِّزُ فِكر المعتزلة، حتى ندفع عن الإسلام عاديةَ مذاهبَ معاديةٍ، كما دفع الاعتزال عن الإسلام عادية أديان مخالفة ثم يَخْلُصُ إلى القول بأن أية دعوة لتجديد الفكر الإسلامي لا بد أن تتجاوز فكر الأشاعرة حتى لا يكون مصيرها التعثر، كما هو حال بعض الدعوات المعاصرة، وكيف يتسنى لها النجاح في ظل الاعتقاد بنظرية الكسب، وتكليف ما لا يطاق، وأن أفعال الله ليست معللة بأغراض لمصالح العباد [انظر لهذا النص وسابقه: د/ أحمد صبحي: في علم الكلام: الأشاعرة مؤسسة الثقافة الجامعية -الإسكندرية ط ٤ /١٩٨٢ صـ ٣١٠، ونحن في عرضنا لهذا الرأي وغيره نكتفي بالتعريف بالاتجاهات دون دخول في مناقشتها؛ لأن ذلك أمرًا لا يتسع له المقام].

ومن القائلين بالتجديد والداعين له من يراه في صورة أشعرية؛ لأن الأشعرية هي التي تملك مذهب أهل السنة والجماعة؛ ولأنها عقيدة الجمهرة الكبرى من المسلمين.

وهذا يستوجب مناصرتها ورفض الآراء التي تنال منها، أو من شيخها الإمام أبي الحسن الأشعري. [انظر بحثًا للدكتور/ عيسى بن عبد الله بن مانع الحميري بعنوان: (التجديد في عرض علوم العقيدة)، نشر ضمن أعمال المؤتمر الثالث عشر من مؤتمرات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة، ١٤٢٣هـ، ٢٠٠٢م صفحات ٩١٢ - ٩١٤، وتأتي الإشارة في البحث إلى الإمام أبي منصور الماتريدي، لكن الحديث يتجه - في معظمه - إلى الإمام الأشعري].

ولن نُعْدَمَ أن نجد محاولات للتجديد تنطلق من أئمة السلف، وبخاصة الإمام أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) ...

ولعلنا ونحن نشير هذه الإشارة الموجزة إلى هذه الاتجاهات التي ظهرت في نطاق مواجهة التحديات العلمية أو في نطاق علم الكلام لا نغفل محاولات أخرى للتجديد ظهرت على يد السيد جمال الدين الأفغاني (١٨٩٨م) الذي كتب كتابه: (الرد على الدهريين)، وكأنه يقدم صورة عملية للتجديد، تختلف عن تلك الصورة التي يقدمها أحمد خان، وكذلك الشيخ محمد عبده (١٩٠٥) الذي يعد كتابه: رسالة التوحيد صورة أخرى من صور عرض العقيدة الإسلامية، دون التزام بآراء فرقة كلامية بعينها، كما أن ردوده على المستشرقين كهانوتو، ورينان وكتاباته عن أن الإسلام دين العلم والمدنية تمثل جانبًا مهمًّا من جوانب القضايا التي ينبغي على علم الكلام الجديد أن يواجهها مواجهة علمية منهجية بعد المعرفة الدقيقة بها.

ثالثًا: ضوابط ومعايير:

ويطول بنا الحديث لو أردنا تتبع محاولات تجديد علم الكلام، وهي محاولات كثيرة تتفق - في مجملها - على ضرورة تجديد هذا العلم لينهض بمهمته الجليلة التي نشأ من أجلها،  وقد عقدت لهذه الغاية ندوات ومؤتمرات علمية في مواطن عديدة من البلاد الإسلامية، ويدل هذا على أهمية هذا العلم، وخطورة المهمة التي عليه أن ينهض بها وهي مهمة لا ينفرد المسلمون بإدراكها، بل إن مِن المستشرقين مَن يرى ضرورتها – أيضًا - ومِن هؤلاء البروفيسور هنري لاووست، المستشرق الفرنسي الذي ذكر في كتابه الذي خصصه للحديث عن الفرق الإسلامية قوله: إن الإسلام في حاجة اليوم إلى علماء توحيد ومؤرخين بقدر ما هو بحاجة إلى الفنيين والمهندسين، إذا كان يريد أن يظل إحدى القوى الروحية في المستقبل [voir: Laoust, henri: Les Schismes dans Lislam, payot, paris ١٩٧٧. P ٤٦].

لكن علم الكلام أو علم العقيدة الإسلامية مطالب - في عصرنا الحاضر - بأن يتخطى أوجه القصور التي وقع فيها في عصره القديم.

ولعل مما يساعد على حسن قيامه بما هو مأمول منه أن يراعي الأمور التالية، التي يمكن النظر إليها بوصفها ضوابط أو معايير للتجديد والتطوير، حتى لا يبتعد العلم عن مقاصده وغاياته بدعوى التجديد، إذا لم تراع أمثال هذه المعايير.

ينبغي - قبل الدخول في التفاصيل - التذكير بأن الهدف المرجو لدى الحريصين على هذا العلم هو بعث الروح فيه، وتزويده بالوسائل التي تعينه على الاستمرار في أداء وظيفته، وتخليصه من العوائق التي تجعله عاجزًا عن المواجهة.

وإذا كان علم الكلام القديم قد تَسَلَّح بالفلسفة والمنطق كي يتمكن من مواجهة خصومه الذين كانوا مسلحين بهما، وإذا كان قد قام بدراسة أفكار المخالفين وعقائدهم كي يطلع على مواطن ضعفها، وليأتي الرد عليها قائمًا على العلم والبيئة.

أقول: إذا كان الأمر كذلك فإن علم الكلام - إذا أراد أن يستمر في القيام بمهمته - مكلف - من الناحية الدينية والمنهجية - بأن يتصل اتصالًا وثيقًا بالواقع الفكري والعلمي الذي سيشتبك معه ويحاوره، ويرد على مقولاته ونظرياته التي تختلف عن المسلمات المقررة في هذا العلم اختلافًا بَيِّنًا، ولعل بعضها يهدم أو يسعى إلى هدم هذه المسلمات من أساسها، ومن ثَمَّ كان على علم الكلام - مع احتفاظه بثوابته ومقاصده - أن يسعى إلى تطوير أدواته وآلياته، بحسب التعبير الحديث، وكما يقال: "فإن المحارب يضطر إلى استخدام طريقة تلائم طريقة عدوه، وهو مقيد بأسلحته، متعرف لخططه، دارس لأهدافه، وليس ذلك في معارك السلاح فحسب، بل إن ذلك ينطبق على مجال الفكر أيضًا" [انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية، للشيخ محمد أبو زهرة، ص ١٣٤ دار الفكر العربي في سياق الكلام عن المعتزلة].

وبعبارة موجزة يمكن القول بأن هذه الضوابط لا يراد بها هدم هذا العلم العريق العتيد، ولا التقليل من شأنه، أو الازدراء بالجهد الذي قام به على امتداد تاريخه الطويل، بل إن المراد هو معاونة هذا العلم على القيام بدوره في مواجهة واقع جديد، يختلف - في جوانب كثيرة منه - ما سبق له مواجهته، وبهذا التجدد تتحقق له المعاصرة المرجوة التي يؤكد بها أصالته، ويثبت بها مكانته التي اكتسبها قديمًا بجهود علمائه الأعلام هذا، ومن الضوابط والمعايير التي يمكن استحضارها في هذا المقام ما يلي:

١- أن يتم التعريف بالعقائد الإسلامية والبرهنة على صحتها، والرد على المخالفين لها - من القدامى والمعاصرين - بلغة ميسرة تتسم بالوضوح والسهولة، والبعد عن المصطلحات الصعبة المعقدة وبخاصة تلك المجلوبة من فلسفات وثقافات أجنبية، والاستعانة بدلًا من ذلك - ببراهين واضحة مقنعة تستند إلى الأدلة الشرعية والبراهين العقلية الصحيحة، ولا مانع عند الحاجة، ودون تكلف أو مغالاة - من الاعتماد - في الإثبات والرد - على مُنجزات العلم الحديث وحقائقه التي تكشف عن كمال علم الله - تعالى - وسمو حكمته، وإعجاز قدرته، وتقدم لنا معلومات يمكن إذا أحسنا استثمارها أن تكون من الوسائل الموصلة إلى اليقين، ودفع دعاوى الصدفة والعبثية في الوجود،  كما ينبغي الاستعانة بحقائق التاريخ الدالة على فطرية الإيمان وتغلغل الإيمان في النفس البشرية، وبدراسات تاريخ الأديان التي تكشف عن كمال عقيدة الإسلام وحفظ مصادره وبعدها عن التغيير والتبديل والتحريف الذي تعرض له غيرها، على أن يأتي هذا كله - عَرْضًا واستدلالًا - بعيدًا عن الغموض والتعقيد الذي تصعب معه المتابعة، ويتعذر معه الاقتناع والتسليم.

ويقتضي تحقيق ذلك - على نحو فعال - تطويرًا في الأدلة والوسائل جميعًا، فلا يمكن مواجهة مقولات الماديين والملاحدة المعاصرين ودعاوى المستشرقين، وآراء الماركسيين، والوجوديين، والعلمانيين، والعولميين، ومقالات الحداثيين، وما بعد الحداثيين، وأمثالهم بنظريات الجوهر الفرد، ودليل الممكن والواجب، والطبيعيات القديمة الموروثة عن اليونان؛ بل لا بد من مواجهة الآراء والمذاهب المعاصرة بلغة معاصرة، وطرق متطورة تلائم هذه الأفكار وتناسبها، وهذا ما يقوله وحيد خان: "فكلما أردنا مواجهة الأسئلة التي تثار ضد الدين كان لا بد من تغيير لهجتنا ولغتنا ... حتى نستطيع أن نقف أمام العواصف، وعلينا ألا ننسى أن طريقة الكلام وأسلوبه قد تَغَيَّرَا لمواجهة تحدي العصر الحديث [الإسلام يتحدى لوحيد خان، طبع المختار الإسلامي، ط ٧/ ١٩٧٧، ص ٣٠] على أن مثل هذا الجهد لن يكتب له النجاح إلا بعد الدراسة العميقة لآراء المخالفين، والإحاطة بدقائقها، حتى لا يتحول الأمر إلى ادعاء يسهل كشفه أو تَعَالُمٍ هزيلٍ يمكن رده ونقضه، ويترتب عليه تأكيد الشبهات بدلًا من نقضها، وترسيخها بدلًا من إضعافها أو القضاء عليها.

وقديمًا نبه الإمام الغزالي إلى قاعدة منهجية شديدة الأهمية عندما قال عند توجهه لنقد آراء الفلاسفة "وعلمت يقينًا أنه لا يقع على فساد نوع من العلوم مَن لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غوره وغائلته، وإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقًا"، ثم يُرْدِفُ ذلك بنقده لردود المتكلمين على الفلاسفة فيقول: "ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم؛ حيث اشتغلوا بالرد عليهم إلا كلمات معقدة، مبددة، ظاهرة التناقض والفساد، لا يظن الاغترار بها بعاقل علمي [كذا، ولعلها: عامي]، فضلًا عمن يدعي دقائق العلوم، فعلمت أن رَدَّ المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رَمْي في عماية". [الغزالي: المنقذ من الضلال، مرجع سابق ص ١٢٦].

وتدلنا هذه القاعدة المنهجية الذهبية على أهمية التكوين العلمي للعاملين في حقل هذا العلم ممن يرغبون في تحقيق حكاياته، وضرورة اطلاعهم الواسع على آراء المخالفين، والبَصَرِ بمواطن القوة والضعف فيها، قبل القيام بمناقشتها، حتى لا تأتي الردود عليها ضعيفة متهافتة، وحتى لا يتصدى للقيام بهذا الأمر إلا من استكمل عدته، وتزود بما يعينه على التوفيق في مهمته.

ولقد تتأكد هذه الأهمية إذا علمنا أن أصحاب الآراء والفلسفات والمذاهب الدينية الأخرى موجودون وجودًا كبيرًا على الساحة الثقافية، وأنهم - وفي كثير من الأحيان - أعلى صوتًا، وأقدر على نشر أفكارهم، وتوسيع نطاق تأثيرها، وأن العاملين في حقل الكلام في عصورنا الحاضرة لا يناقشون أفكارًا قديمة مضى أهلها، وأصبحت (تاريخًا ماضيًا) بل إنهم يواجهون أفكارًا حية يحملها مفكرون يعملون على نشرها وتطويرها، ويقومون بالرد على مَن يخالفهم فيها؛ لذلك كان على مَن يتصدى لهم أن يكون قادرًا على الحوار والمناقشة بما اجتمع له من دراية عميقة بهذه المذاهب، ومهارة بأساليب النزال والنقد والتمحيص العلمي.

٢- أن يتخلص الباحثون من العلم أو أن يتخففوا - على الأقل - من التعصب المذهبي الذي يقع فيه كثير من العاملين في حقل هذا العلم، ولعل القارئ لبعض ما يصدر من الكتابات الحديثة فيه يلحظ هذا الأمر، حتى لكأنه يقرأ في كتاب قديم من كتبه، ومِن ثَمَّ ينقسم الباحثون فيه إلى مِثل ما انقسم إليه علماء الكلام القدامى، فهناك أشاعرة جدد، وماتريدية جدد، ومعتزلة جدد، وهكذا، وهناك منتمون إلى أفكار ومذاهب سلفية لا ترتضي شيئًا من آراء هذه الفرق الكلامية كلها، وكأننا ما زلنا في إطار علم الكلام القديم، وكأن المعارك - بين أصحاب الغاية الواحدة - ما تزال تثار، وما تزال تثير غبارًا يغطي على الهدف الذي قام العلم من أجله، وربما انصرفوا بهذه المعارك - التي ليس فيها منتصر ومهزوم - بل الكل فيها مهزوم، عن المعارك الأخرى التي لا بد من خوضها، دفاعًا عن العقيدة، وحرصًا عليها وعلى المسلمين، وهي المعارك القادمة من خارج الساحة الإسلامية، أو من بعض أهلها أحيانًا، وهي جميعًا - وبطرق مختلفة - تهاجم الإسلام في عقيدته وشريعته وأخلاقه وأعلامه وتاريخه، وهي تسعى إلى إزاحة الإسلام نفسه أو طمس هويته، ودمغه بالجمود والظلامية والازدراء بالعقل، واتهامه باتهامات جائرة تجعله مسئولًا عن تخلف المسلمين، وإنه يَقِفُ عقَبَة في وجه تَقَدُّمِهم.

ثم أضيف إلى ذلك في العقود الأخيرة وصفه بالإرهاب والعنف ومعاداة الحضارات الأخرى، وعجزه عن التعايش والعيش معها في سلام، كما أضيف إلى لوائح الاتهام المتجددة أنه يظلم المرأة، ولا يهتم بحقوق مخالفيه في الدين، ولا يُعْنَى بحقوق الإنسان، ولا يتأخر دُعَاة الحداثة عن الترويج لتَارِيخِيَّةِ نُصوصِه، والمناوأة بتفكيكها، وتأويلها دون التزام بقواعد التأويل المتعارَف عليها، وتطبيق مناهج اللسانيات والاتجاهات النقدية الحديثة عليها، وهكذا.

ويتردد هذا وينتشر دون أن يجد من ينهض لمناقشته، وبيان ما فيه من خطأ ومخاطر، ولعل من المُسْتَغْرَب أننا قد نَهْتَم بمسألة تاريخية ظهرت لأسباب خاصة فيما مضى، وهي المتعلقة بمشكلة خلق القرآن ونُعْنَى بِعَرْضِ الآراء ومناقشة المواقف التي دارت حولها، وننتصر لبعضها ونَرُدُّ على بعضها دون أن نهتم بعرض ما يُسمى القراءات الحديثة التي يُراد فرضها على القرآن الكريم، وكأنه نص بشري ينطبق عليه ما ينطبق على النصوص البشرية تفكيكًا وتأويلًا ونقدًا.

ولن يتمكن علماء الكلام والعقيدة من تحقيق مواجهة ناجحة لكل هذه القضايا والمخاطر المترتبة عليها وهم ينتسبون إلى عصبيات قديمة: اعتزالية وأشعرية وماتريدية وسلفية إلخ، بل لا بد أن يعملوا على تكوين جبهة واحدة، تعمل على تحقيق غاية كبرى هي الدفاع عن الإسلام وعقيدته، وهي غاية ينبغي أن تكون سابقة ومقدمة على نصرة الانتماءات الضيقة والعصبيات القديمة، حتى وإن تمسك أصحابها بها.

ويمكن التذكير – هنا - بموقف سابق وقَفَهُ الإمام الغزالي عندما قام بدراستهِ النقدية الهامة للفلسفة المشائية التي حمل لواءها الفلاسفة من أمثال الفارابي، وابن سينا، وإخوان الصفا، وقد بَيَّن في مقدمة كتابه: (تهافت الفلاسفة) أنه ظهر بين المسلمين طائفة استهانت بشعائر الدين، وانتقصت تعبدات الشرع ولم تقف عند حدوده، وكان من أسباب ذلك أنهم سمعوا أسماء بعض الفلاسفة اليونانيين كسقراط وأفلاطون وأرسطو. وقد ظنوا أن أولئك الفلاسفة منكرون للشرائع جاحدون للأديان؛ ولهذا أخذ الغزالي العهد على نفسه أن يفحص هذه الفلسفة، وأن يدرس أقسامها ليرى مواقع الصواب والخطأ فيها، وأيها يمكن الإفادة منها، وأيها يجب نقده وعدم الأخذ به.

وذكر الغزالي أنه استعان في دراسته ونقده لتلك الآراء بكل ما وصل إليه من أقوال السابقين من قبله، دون التفات إلى انتماءاتهم المذهبية الاعتقادية؛ نظرًا لجسامة المهمة التي تطلع للقيام بها، مضيفًا جهده إلى جهود سابقيه، وهو يكشف عن خطته التي اتبعها قائلًا" فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر، لا دخول مدع مثبت، فأبطل عليهم ما اعتقدوه ... بإلزامات مختلفة، فألزمهم تارة مذهب المعتزلة، وأخرى مذهب الكرامية، وطورًا مذهب الواقفية؟ ولا أنتهض ذابًّا عن مذهب مخصوص، بل أجعل جميع الفرق إلبًا واحدًا عليهم، فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين، فلنتظاهر عليهم، فعند الشدائد تذهب الأحقاد [تهافت الفلاسفة، تحقيق د/ سليمان دنيا، دار المعارف، مصر ط١/ ١٩٥٥ انظر ص ٦٠،٥٩ ثم٦٩،٦٨].

وواضح من كلام الغزالي أنه يقسم الاختلاف إلى نوعين: اختلاف في مسائل الأصول، وهو المتعلق بأصول الدين وعقائده، وهذا هو الذي تتضمنه أقوال الفلاسفة، واختلاف في بعض الفروع والتفصيلات، وهذا هو الخلاف الواقع بين الفرق الكلامية، ولا ينبغي التسوية بين هذين النوعين؛ إذ لا تستوي الفروع والأصول؛ ولذا يجب التغاضي عن الخلافات الجزئية أو الثانوية نصرة للإسلام وعقيدته، وإن على أصحاب الفرق مهما كانت الخلافات بينهم أن يتعاونوا على تحقيق هذه الغاية، وهذا يوجب اجتماع الكلمة وتكامل الجهود، وتناسى الخلافات، وما أحكم هذه النصيحة، وما أحوجنا إليها، وهي نفسها التي يستوجبها ما يتعرض له من هجوم الإسلام في هذه الأيام.

ويمكن القول بأنه إذا تم ذلك على أي وجه، وبأية وسيلة فإنه سيؤدي - صورة تلقائية - إلى انزواء نزعة التكفير التي قد تسللت إلى كلام المحدثين، وهم يعرضون الآراء الكلامية انطلاقًا من مذهب بعينه، وقد يقع ذلك استنادًا إلى نصوص القدماء في حديثهم عن مخالفيهم، وسواء أجاء ذلك تعبيرًا عن موقفهم، أم ترديدًا لأقوال سابقيهم فإنه وقوع في التكفير الذي حذر منه الشرع في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ثم هو تأريث للخلاف والخصومة، وتفريق لكلمة العلماء وللمسلمين من بعدهم، وستكون النتيجة - في النهاية - عجزًا عن مواجهة المخالفين الذين يسددون سهام نقدهم إلى الإسلام الذي يجب أن تلتف حوله كلمة الجميع.

٣- ينبغي أن تكون محاولات التجديد - في المنهج أو في القضايا أو في الوسائل - مشروطة بالحفاظ على ثوابت العقيدة، التي لا يصح التفريط فيها تحت أي مسمى، ولا حرج - عندئذ - من التجديد في وسائل الإقناع، وطرق العرض، وصور الاستدلال.

ويتصل بذلك اتصالًا وثيقًا - ولا سيما إذا كان علم الكلام يُقَدَّم للمسلمين - أن تعود للدليل الشرعي المُستَقى من الكتاب والسنة مكانته اللائقة به؛ لما للدليل الشرعي من خصائص، ولما يتحقق له من المزايا، فهو يتسم بالسهولة واليسر، ويبعد عن التعقيد والصعوبة، ويتحقق له القدرة على مخاطبة المستويات العقلية المتفاوتة، وربما أتى الدليل الشرعي الذي هو عقلي – أيضًا - في آية واحدة أو جزء من آية، وهو يختلف في هذا الجانب عن الأدلة الفلسفية والكلامية التي تنبني على مقدمات طويلة، ومصطلحات دقيقة وقضايا تحتاج إلى البرهنة عليها أو دفع الاعتراض عنها قبل بناء الأدلة عليها، وهذا كله يجعل متابعتها عسيرة على كثير من العقول.

ولا ينبغي أن تكون الأدلة على صحة أصول العقيدة محصورة في طائفة محدودة أو قليلة من الناس، بل ينبغي أن تكون في متناول الكافة؛ لأن العقيدة موجهة إليهم جميعًا، وأن تكون صالحة لينتفع بها الناس، كل على حسب فهمه وفكره فالعامة يفهمونها إجمالًا، والخاصة يعرفون من دقائقها وأسرارها ما يتناسب مع عقولهم.

وقد جمعت الأدلة الشرعية هذه المزايا كلها على نحو جعلها موضع الإشادة من كثير من الفلاسفة والمتكلمين، وقد سبق إلى ذلك أبو يوسف بن يعقوب بن إسحاق الكندي أول فلاسفة المسلمين، عندما تحدث عما تضمنته الآيات الأخيرة من سورة يس من أدلة على البعث بعد الموت في الآخرة، ثم قال: فأي بشر يقدر بفلسفة البشر أن يجمع في قول بقدر حروف هذه الآيات ما جمع الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها كَلَّت عن مثل ذلك الألسن المنطقية، وقَصُرت عن مثله نهايات البشر، وحُجِبت عنه العقول الجزئية [رسائل الكندي، تحقيق، د/ محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي. ط١/ ١٩٥٠م ١ /٣٧٦]، وها هو الإمام الغزالي يقول: إن أدلة القرآن الكريم مثل الغذاء الذي يَنتفع به كل الناس، بل إنها كالماء في انتفاع الخلق جميعًا به صغارًا وكبارًا، ضعفاء وأقوياء [انظر: إلجام العوام عن علم الكلام، ضمن مجموعة القصور العوالي، ص ٢٦٦]، وعلى النسق نفسه يأتي كلام ابن رشد، وغيره [انظر: مناهج الأدلة في عقائد الملة، تحقيق أستاذنا د/ محمود قاسم ١٥٢، ٥٣ ١، ودرء تعارض العقل والنفل تحقيق د/ محمد رشاد سالم ١/ ٢٨ وما بعدها، ومجموع الفتاوى ٩/ ٢٢٧، ٢٦٦. والموافقات للشاطبي ١/ ٥١ -٦٠، إلخ].

وينبغي أن يكون واضحًا أن الاعتماد على الأدلة الشرعية التي لم تأخذ حقها في كثير من قضايا ومسائل علم الكلام لا يعني حرمان العقل من الاجتهاد في أصول العقيدة، بل إن العقل المسلم مدعو  من منطلق الإيمان إلى بذل أقصى الجهد في تأييد أصول الدين، وهو مكلف بأن يبتكر من الأفكار والأدلة ما يصلح أن يدفع الشبهات عنها، مستعينًا في ذلك بتراث علم الكلام، وثمرات العقول المؤمنة، ودراسات مقارنة الأديان، وحقائق العلم التجريبي، وتجارب المهتدين إلى الدين، ولا سيما المهتدون إلى الإسلام من أصحاب العقائد الأخرى، كما يمكن الاستفادة بما يقدمه المفكرون من نقد للمذاهب الإلحادية في أصولها الفكرية أو في النتائج التي تترتب عليها؛ لأن كل هدم للإلحاد يمكن أن يكون لبنة في بناء الإيمان، والكلمة المحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

٤- ولعله قد اتضح - مما سبق - أن تجديد علم الكلام لا يعني هدمه والقضاء عليه وإغلاق صفحته، بل إنه يعني تطويره من حيث القضايا وطرق الاستدلال؛ ليكون علمًا معاصرًا، قادرًا على مواجهة الشبهات العصرية كما واجه علماؤه القدامى مشكلات عصورهم، وهذا مطلب موجه إلى علم الكلام كما هو موجه إلى غيره من العلوم الشرعية كالفقه، والأصول، والتفسير، وغيرها من العلوم.

ومن الحق الاعتراف بأن العقلية التي تشربت علم الكلام، وتمرست على قراءة نصوصه الصعبة، واستخلاص دلالاتها، وأدْرَكَت دقيق الكلام وجليله، وأجادت فهم مصطلحاته، وأتقنت الصياغة المحكمة لأفكاره - هذه العقلية تُعَدُّ ثروة غالية، ولئن أتيحت لها فرص التكوين العلمي الكفء الملائم لظروف العصر ومشكلته فستكون هي نفسها عاملًا مهمًّا من عوامل تطوير العلم، والإبداع فيه والسير به قُدُمًا إلى المعاصرة المرجوة التي تتحقق بها غايات العلم كما كانت له من قديم، على أنه ينبغي الإشارة إلى أن الساحة الفكرية لا تخلو من بعض المحاولات التي تسعى تحت شعار تجديد علم الكلام إلى قلب هذا العلم رأسًا على عقب، وتحويله إلى علم آخر لا صلة له بعلم الكلام القديم.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن علم الكلام الجديد ينبغي له أن يتحول من دراسته للعقائد التقليدية المتمثلة في الإلهيات والنبوات والسمعيات إلى دراسة الإنسان، الذي أُنْشِئ هذا العلم من أجل العناية به؛ ولذلك يكشف علم أصول الدين وبنيته "عن علم الإنسان ووجود الإنسان وصفات الإنسان، وعقل الإنسان، وماضي الإنسان، ومستقبل الإنسان ومجتمع الإنسانية [انظر عرض هذا الرأي لدى د/ حسن حنفي في كتابه دراسات إسلامية، مكتبة الأنجلو المصرية ١١، ٨ – ٢١، ١٠ومواطن أخرى، ودراسات فلسفية، مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٨٨ ص ٢١، ٢٨، ١٦٢ ومواطن أخرى، والتراث والتجديد، القاهرة ١٩٨ ص ١٢٨، ١٣٠، ١٣٤، ١٣٧، ١٣٩، ١٤٢ -١٤٦ إلخ.) لكن علم الكلام قديمًا قد أغفل جانب الإنسان واهتم بالإلهيات وأسند كل شيء إليها، وأهدر مبحث الإنسان ووظيفته في الكون والحياة، ومع ذلك ظل مبحث الإنسان مختفيًا وراء موضوعاته، وإن كان مغلَّفًا بمئات من الأغلفة اللغوية والعقائدية والتشريعية التي إن أمكن إزاحتها ظهر الإنسان جليًّا واضحًا على أنه محور كل دين وشريعة.

وينبغي إذن أن يعود العلم إلى ما كان عليه من عناية بمبحث الإنسان، دون الدخول في قضايا اعتقادية فرضت على هذا العلم بتأثيرات سياسية حولت مساره، ولا بد إذن من تغيير موضوعاته وأهدافه ليكون علمًا بالواقع والإنسان، وليقرأ المسلمون فيه واقعهم المتردي في مهاوي الاحتلال والتخلف والقهر والتغريب والفقر والتجزئة، وليروا فيه مقومات التحرر وعناصر التقدم وشروط النهضة (انظر: دراسات إسلامية ١٢، ١٤، ٣٥، ودراسات فلسفية ٢١، ٢٨، ١٦٢ إلخ).

ويمكن القول بأن هذا الرأي الذي يوصف بأنه تجديد لعلم الكلام هو رأي يقلب علم الكلام رأسًا على عقب" [يحتاج هذا الرأي إلى مناقشة طويلة تتكافأ مع جرأته وخطورته، لكن ذلك أمر يضيق عنه المقام]، ويخرجه عن إطاره المعهود، وعن الغاية التي نشأ العلم – تاريخيًّا - للقيام بها وتحقيقها، بل إنه يحول العلم المقترح إلى علم آخر بعيد عن علم الكلام، ومن الممكن أن يكون علمًا ذا طابع سياسي أو اجتماعي، لكنه لن يكون هو علم الكلام الذي عرفه المسلمون على امتداد تاريخهم، وعلى أصحاب هذا الرأي أن يسموا الأشياء بأسمائها، وليحتفظوا لعلم الكلام باسمه وموضوعه وغايته، وليبحث أصحاب هذا العلم عن تطويره وتجديده وإضافة موضوعات جديدة إليه مع الاحتفاظ بثوابت العلم ومقاصده كما سبق القول. {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} [يوسف: ٢١].

والحمد لله أولًا وآخرًا.


مراجع للاستزادة

  • فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، للإمام أبي حامد الغزالي
  • عقيدة المسلم: للشيخ محمد الغزالي.
  • الحياة الوجدانية والعقيدة الدينية: د/ محمود حب الله.
  • المدخل إلى دراسة علم الكلام: د / حسن الشافعي.
  • رجال الفكر والدعوة في الإسلامية للعلامة أبي الحسن الندوي.

الخلاصة

علم الكلام هو علم إسلامي يهتم ببيان العقائد والبرهنة عليها بالأدلة بالأدلة العقلية، وبمناقشة عقائد المخالفين، وتقديم البراهين على بطلانها، لكن أصابه التقليد والجمود، فتحول من مواجهة غير المسلمين إلى صراعات داخلية بين المسلمين، وصارت قضاياه أشبه بالقضايا الرياضية، فهده العوامل، وغيرها داعية إلى ضرورة تجديد هذا العلم، وتطوير أدلته، ومناهجه ووسائله لمواجهة الفكر المادي والإلحادي بلغة معاصرة تحافظ على ثوابت العقيدة.

موضوعات ذات صلة

هي من أعقد قضايا الفكر الإسلامي؛ لأنها مفتاح لفهم الوجود، وتفسير التغير الكوني.

الحكمة جوهر القيم الإنسانية التي تجمع بين الإيمان والعمل والعقل.

مفهوم متجذّر في اللغة والدين والفكر، تتفاوت دلالاته بين اليقين والشك والتهمة.

موضوعات مختارة