علم الكلام هو علم يُعنى بإثبات العقائد الإسلامية والدفاع عنها بالعقل والبرهان، وهو الوسيلة لمواجهة الشبهات.
علم الكلام هو علم يُعنى بإثبات العقائد الإسلامية والدفاع عنها بالعقل والبرهان، وهو الوسيلة لمواجهة الشبهات.
عَرَّفَ الجرجاني في كتابه (التعريفات) علم الكلام بقوله: "علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد، على قانون الإسلام"، والقيد الأخير لإخراج العلم الإلهي للفلاسفة.
وأما عند النحويين فيراد بالكلام: "المعنى المركب الذي فيه الإسناد التام".
وهناك تعريفات أخرى لهذا العنوان لا تخرج في مضمونها عما ذكرناه. [انظر: ص ١٩٩].
وإذا كنا قد بينا أن المسمى واحد، وهو - هنا - موضوع هذا العلم ومسائله، فإنه من الطبيعي أن نرى جمهور الكاتبين في هذا العلم أو الذين أرخوا له يوردون هذه المسائل تحت اسم من أسمائه، وهنا يتأكد أن تعدد أسماء هذا العلم، وإيثار أحدها على الأسماء الأخرى، إنما يلحظ في هذا الاختيار معنى معينًا، يبرر هذا الإيثار.
من هنا نرى أن الاسم الذي معناه - الكلام - قد قيل في إيثاره على غيره أنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات أو لأن أبوابه بدأت أولًا بالكلام في كذا [انظر على سبيل المثال: كتاب اللمع، للأشعري لترى الباب الثاني باب الكلام في القرآن والإرادة، الباب الثالث باب الكلام في الإرادة وأنها تعم سائر المحدثات - الباب الرابع: باب الكلام في الرؤية، وهكذا حتى الباب العاشر وعنوانه: باب الكلام في الإمامة. ذكرنا هذا وإن كنا نعتقد أن تصدير أي بحث من مباحث العلم بلفظ الكلام مسألة شكلية عرضية؛ مما يرجح أن هذا التعليل ليس مسلمًا، ومن المعروف أن كتاب (اللمع) من
الكتب المتقدمة، وهذا يعنى أن الإمام الأشعري كان يؤثر هذه التسمية على ما سواها، وقد ألف رسالة صغيرة
ذات دلالة كبيرة سماها: استحسان الخوص في علم الكلام] أو لأن مسألة الكلام، وهل يراد به المعنى النفسي القائم بذات المتكلم أو الحروف والألفاظ؟ وبالضرورة ما ترتب على هذا الاختلاف من القول بقدم القرآن الكريم وأزليته عند فريق على أنه كلام الله النفسي القديم أو حدوثه لدى من نظر إليه على أنه حروف وأصوات، وأنكر المعنى القديم.
أقول: كانت هذه المسألة من أبرز المسائل التي دار حولها الخلاف بين فريق المحافظين القائلين بقدمه - وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل صاحب محنة خلق القرآن - وبين المعارضين من المعتزلة، ومن شايعهم من القائمين على السلطة الزمنية وغيرها أولئك الذين قالوا بحدوثه.
وأحسب أن هذا أقوى المبررات لهذه التسمية، وتحقيق هذه المسألة ليس مقصودًا في هذا البحث، فله مكانه في الدراسات المطولة، وإن كنا نقرر أنه كان لكل من الفريقين وجهة تبرر ما ذهب إليه دون أن نتهمهما، أو أحدهما بالخروج من الملة.
ونقف هنا أمام ثلاثة أسئلة أثارها التهانوي صاحب كشاف اصطلاحات العلوم والفنون، وهي:
١ - هل علم الكلام علم للدفاع عن العقائد الدينية فقط، أو لإثباتها ابتداء، أو هما معًا؟
٢ - هل علم الكلام يشمل الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة فقط، أو يشمل - أيضًا - كل العقائد المتعلقة بأصول الدين، يستوي في ذلك الموافق لمذهب أهل السنة والمخالف له؟
٣ - ما الفارق بين علم الكلام، وعلم الإلهيات؟
فأما المسألة الأولى، فقد تكلم فيها الكثيرون من الباحثين، وقرروا أن مهمة العلم تهدف – أولًا - إلى الدفاع عن أصول الدين ضد خصومه المعاندين بإقامة الحجة عليهم، وفي نفس الوقت يوضح الطريق أمام المسترشدين؛ وذلك بسوق البراهين الدالة على أصول العقيدة حتى يُبنى الإيمان على أساس صحيح - كما ذكرنا قبلًا - ويلوح من هذا البيان أن غاية هذا العلم تنحصر في صياغة الأدلة وتقديم البراهين للمعاند أو المسترشد على السواء مع اختلاف المقامين، وأما بالنسبة لإثبات العقائد ابتداء، فهذا أمر غير معقول؛ لأن أصولها موجودة في النصوص الدينية، والأدلة النقلية متضافرة على بيانها وإيضاحها غير أن الأمر قد يحتاج إلى نظر عقلي في صياغة الأدلة وبخاصة للمعاند، فتكون مهمة هذا العلم هنا مهمة مزدوجة.
وقد تفرع على تخريج هذه المسألة على هذا الشكل قضية على جانب كبير من الأهمية، هي: إذا كانت أصول العقيدة قد جاءت في النصوص الشرعية قرآنًا كانت أم سنة صحيحة، وجاءت معها أدلتها الواضحة الدلالة على صحتها، وأن تلك الأدلة وإن سميت أدلة نقلية إلا أنها تخاطب العقل، وأنه لا فرق بين الدليل العقلي والدليل النقلي إلا من هذه الجهة، وأما وجه الدلالة فواحد، أقول: إذا كان الأمر هكذا فما الداعي إلى هذا العلم - علم الكلام – لا سيما وأن الفرق فيه مختلفة والآراء متباينة، وكل فريق يدعي أنه على الصواب، وأن الحق هو ما ذهب إليه؟
إن التاريخ يحدثنا أنه ما من قضية من قضايا هذا العلم إلا ودار حولها كثير من الجدال، وذلك منذ الصدر الأول للإسلام، وتذكر كتب السنة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على قوم وهم يتراجعون في القدر، فغضب غضبًا شديدًا واحمر وجهه كأنما فقئ فيه حب الرمان ثم قال: «أَيْ قَوْمٍ، أَبِهَذَا أَمَرْتُكُمْ؟ أَمْ بِهَذَا جِئْتُ إِلَيْكُمْ؟! إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَضَرْبُهُمُ الْكِتَابَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَرَفْتُمْ فَاعْمَلُوا، وَمَا لَمْ تَعْرِفُوا فَآمِنُوا» [ذكر الحديث بتمامه ابن سعد في الطبقات الكبرى: ٤/١٤١ ط - القاهرة ١٩٥٨م] ثم ألم يلجأ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى نفي صَبيغ بن عِسْل إلى البصرة؛ لأنه كان يسأل كثيرًا عن متشابه القرآن ويحاول جمع الناس حوله؟ ثم ألم تصدر من كثير من العلماء فتاوى تحرم الاشتغال بهذا العلم؛ لأنه يفضي إلى المراء والتشكيك؟ ألم تؤلف كتب صريحة - في كل عصر تقريبًا - تحذر من الاشتغال بهذا العلم؟ ثم أخيرًا ألم يصبح مجرد ذكر العنوان – الكلام - دليلًا على عدم الفلاح عند الكثيرين من المحافظين؟
وقد ذكر شارح الطحاوية عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه قال لبشر المريسي: "العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأسًا في الكلام قيل: زنديق أو رمي بالزندقة".
كما نقل عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام".
ثم أنشد:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة *** إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما جاء فيه قال حدثنا *** وما سوى ذاك وسواس الشياطين
[العقيدة الطحاوية: ص ۷۲ ط المكتب الإسلامي، بيروت، ۱۳۹۹هـ]
وإذا صح ما نقل عن هذين العلمين فإنه يتوجه إلى أصحاب المراء والجدال واللجاج في أمور الدين مما ليس تحته عمل مما يمكن أن يقال عنه إنه الجدال الذي يحدث الخصومة في الدين لا الذي يراد منه بيان الحق.
وعلى أية حال، فإنه بظهور المعتزلة على مسرح الحياة الفكرية ثم ظهور الأشعرية بعد ذلك بالإضافة إلى ما كان معروفًا لدى الخوارج، والشيعة، وأصحاب القول بالقدر، والجبر ... إلخ أصبحت الساحة الفكرية مفتوحة على كل الآراء، وأصبح الانتصار لفريق بعينه أو الرفض لآرائه مسألة طبيعية.
ولا شك في أن تباين الأحكام على هذا العلم وبهذا العنوان كان مبنيًّا على عدم الفهم الصحيح لطبيعته والغاية منه، ولو أن القوم حرروا محل النزاع بتعريفه وبيان موضوعه والثمرة المرجوة منه لما رأينا هذه المنازعات حوله.
والأحكام التي صدرت على مَنْ يشتغل بهذا العلم من كل من أبي يوسف، والإمام الشافعي تدل على أن هذا الوصف العنواني لهذا العلم كان متداولًا غير أنه لا يُعرف متى ظهر على وجه التحديد، كما لا يُعرف من أطلق على هذا العلم هذا العنوان، والمؤلفات المبكرة - في القرن الثاني الهجري - في هذا العلم لم تبحث فيه تحت هذا العنوان.
فهذا واصل بن عطاء ألّف في هذا العلم، غير أن مؤلفاته جاءت تحت أسماء مخالفة؛ حيث ذكر ابن المرتضى في (المنية والأمل) أسماء مؤلفاته تحت عنوان: (الألف مسألة في الرد على المانوية)، كما ذكر له ابن النديم: (أصناف المرجئة)، وكتاب (التوبة)، وكتاب (المنزلة بين المنزلتين)، وكتاب (معاني القرآن)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذا العنوان لم يكن معروفًا حتى النصف الأول من القرن الثاني.
وإذا تجاوزنا مسألة التوقيت الدقيق لظهور هذا المصطلح على أنه لا يعني شيئًا إذا قيس بموضوع العلم وثمرته، فإنا نقول: إن الخلاف حول قضية القرآن الكريم، هل هو قديم على اعتبار أنه كلام الله الأزلي أو حادث على اعتبار أنه ألفاظ وحروف وأصوات، هو أقوى المبررات لجعل هذا الوصف عنوانًا على هذا العلم.
والمسألة الثانية وهي بيان مهمة علم الكلام باعتباره فن الدفاع عن المعتقد، فهل يراد بهذا عقيدة أهل السنة والجماعة أو مطلق العقيدة الإسلامية، أو ما هو أبعد من ذلك فيراد به العقيدة أي عقيدة، وفي أي مجال؟ وقد اختلفت الآراء في تحديد مجال الدفاع الذي يأخذه هذا العلم على عاتقه، فالغزالي، وابن خلدون يذهبان إلى أن مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة والجماعة والدفاع عنها، يقول أبو حامد: "وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها من تشويش أهل البدعة". [المنقذ من الضلال: ص ٩٦ تحقيق د. عبد الحليم محمود ط - القاهرة ١٩٦٨م].
وابن خلدون يقول: "علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة" [مقدمة ابن خلدون: ص ١٠٣٥ تحقيق د. على عبد الواحد وافي - ط القاهرة ١٩٦٠م].
غير أن الذي قرره كل من الغزالي وابن خلدون – هنا - فيه تضييق في مهمة هذا العلم؛ لأن المعركة الأساسية إنما مجالها (الإلحاد) بكل صوره وأشكاله، وأما الاختلاف بين الفرق الإسلامية فخطبه سهل؛ لأنه يرجع في معظمه إلى الخلاف اللفظي، حتى مع أظهر الفرق تطرفًا في الأخذ بالنهج العقلي، الذي يجعله أساسًا للشرع؛ لأن القضية ينبغي أن ينظر إليها برؤية أوسع.
فالمعتزلة - مثلًا - لهم بلاؤهم في الدفاع عن الدين ضد خصومة الخارجين، والأشاعرة والماتريدية كذلك، من ثم نرى الانخلاع عن التعصب للمذهب وادعاء أن أصحابه هم وحدهم الفاهمون لأصول الاعتقاد ينبغي أن يكون ضمن النهج الأصيل الذي تتحاكم إليه الفرق جميعًا.
وإذا كان الغزالي قد قرر المسألة على الوجه الذي ذكرناه فإنه في نفس الكتاب الذي ذهب فيه إلى هذا الرأي وهو (المنقذ من الضلال) قد قرر المسألة على وجه آخر في معركته مع الفلاسفة حين ألزمهم بمذاهب الفرق الأخرى يقول في ذلك: "ليعلم أن المقصود تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة، وظن أن مسالكهم نقية عن التناقض ببيان وجوه تهافتهم؛ فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر، لا دخول مدع مثبت ... فألزمهم تارة مذهب المعتزلة، وأخرى مذهب الكرامية، وطورًا مذهب الواقفية، ... فلنتظاهر عليهم، فعند الشدائد تذهب الأحقاد" [المنقذ من الضلال ص٩٨].
وأما عضد الدين الإيجي فقد وسع من أهداف علم الكلام، فلم تكن رسالته لديه الدفاع عن منهج الأشعرية الذين يدعون أنهم أهل السنة والجماعة؛ حيث قال: "فإن الخصم - أي في المذهب - وإن خطأناه لا نخرجه من علم الكلام.
والمسألة الثالثة؛ وهي التي تبرز الفرق بين علم الكلام والعلم الإلهي، فقد قال في ذلك سعد الدين التفتازاني في تعريفه: "هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية ... ويتميز عن العلم الإلهي بكون البحث فيه على قانون الإسلام"؛ أي ما علم قطعًا من الدين. [المنقذ من الضلال ص٩٨]
وفي هذا المقام تبرز مسألة على جانب كبير من الأهمية، هي: هل الدفاع المنوط بهذا العلم يراد به فهم مضمون الإيمان والبحث في أصول الدين على أساس عقلي أو يراد به نصرة العقيدة فقط على اعتبار أن أصولها موجودة في الكتاب والسنة؟".
لقد أشرنا من قبل إلى أن مهمة هذا العلم مزدوجة، وقد استأنسنا في ذلك بما قاله السعد التقتازاني من أن مهمة هذا العلم: تحلية الإيمان بالإيقان، والارتفاع من حضيض التقليد إلى ذروة اليقين، وأن دلائله يقينية يحكم بها صريح العقل، وشهادة العقل المؤيدة بالنقل، هي الغاية في الوثاقة، ومن ثم فلا نحفل كثيرًا بما فهم من بعض الباحثين على غير هذا الوجه؛ لأن تقرير العقل للأدلة التي يحررها على صحة المدلول لا بد لها من ضوابط لعل على رأسها وضوح وتلازم العلاقة بين المدلول والدليل، وإلا كان الدليل في غير محله [المقاصد ١/١١].
ويظهر أنه منذ المناظرة التي تمت بين الإمام أحمد بن حنبل وبين ابن أبي دؤاد في حضرة المعتصم حول القرآن الكريم قد تكون الاتجاه المحافظ في الإسلام أن علم الكلام لا مشروعية له؛ لأن الإمام قال آنذاك: "لست صاحب كلام"، ولعل هذا هو الذي أوحى لبعض الكاتبين في مراحل تالية إلى تأليب العوام على أصحاب المناهج التي لا تُسلم بظاهر النص مع التفويض فيما أشكل منه، فابن عبد البر يذكر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) ما ينطوي عليه هذا العلم من خطر على صحيح الاعتقاد، والهروي الأنصاري في كتابه (تحريم علم الكلام)، وموفق بن قدامة المقدسي يكتب رسالة تحت عنوان: (تحريم النظر في علم الكلام)، كل هذه كتابات تؤكد أن النهج العقلي في تناول أصول العقيدة الذي يظهر لدى بعض الفرق، والذي من خلال النظر إليه يتبين أنه الأصل الذي ينبغي أن ينظر إلى النص في ضوئه، إنما يؤكد على الانحراف بدرجات متفاوتة عن منهج أهل السنة والجماعة المرتكز أساسًا على ظاهر النص الديني.
غير أننا وجدنا لدى الإمام الأشعري - وقد كان معتزليًّا في أول حياته ثم رجع إلى منهج أهل السنة والجماعة أو على الأقل في أول انتقاله - يؤلف رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام [انظر: د. عبد الرحمن بدوي - مذاهب الإسلاميين: ١/١٤]، وفي مستهلها يذكر كلامًا شديدًا وقاسيًا على من يعترض على علم الكلام يقول فيه: "إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين، ونسبوه إلى الضلال وزعموا أن الكلام في الحركة والسكون، والجسم والعرض، والألوان والأكوان والجزء والطفرة، وصفات الباري - عز وجل - بدعة وضلالة، وقالوا: لو كان هديًا ورشادًا لتكلم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه وأصحابه، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى تكلم في كل ما يحتاج إليه من أمور الدين، وبينه بيانًا شافيًا، ولم يترك بعده لأحد مقالًا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، وما يقربهم من ربهم ... فلما لم يُرَو عنه الكلام في شيء من ذلك عَلِمنا أن الكلام فيه بدعة والبحث فيه ضلال.
وعلى طريقة الجدلي البارع والممارس للمناظرة رأينا أبا الحسن يتصدى للرد عليهم من ثلاثة وجوه: أحدها: قلب السؤال عليهم بأن يقال: "النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل إنه من بحث عن ذلك وتكلم فيه فاجعلوه مبتدعًا ضالًا".
وثانيها: أن يقال لهم: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يجهل شيئًا مما ذكرتموه كالحركة والسكون إلخ؛ لأن ذلك كله وارد في القرآن الكريم، وهو يدل على التوحيد الذي هو أصل العقيدة وأساسها.
ثالثها: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلم عن شيء مما ذكرتموه؛ لأن دواعي الحديث عنها أو فيها لم تكن متوفرة.
وينتهي الإمام الأشعري – هنا - إلى إلزامهم مبدأ الجدال عن الدين، والدفاع بسلاح العصر، ومقتضيات الواقع، وهو - هنا - من الذكاء بمكان؛ لأن موضوعات الاعتقاد من الثوابت التي لا تتغير بتغير العصور والدهور، وأما مناهج الدفاع عنها ضد غير المؤمنين بها أو تصحيحها وتثبيتها لدى المؤمنين بها لإصلاح ما اعوج منها عندهم، فأمر يقبل التطور ومراعاة مقتضيات الأحوال، والقرآن الكريم نفسه به من الثراء المنهجي ما يمكن أن يغطي مدارك البشر على اختلاف مشاربهم واستعداداتهم فيه ما يخاطب به الحواس، وما يخاطب به العقول، وما يسمو إلى مخاطبة الألباب والبصائر ... إلخ. [نشرت هذه الرسالة ١٣٤٤هـ في حيدر أباد، وأعاد نشرها الأب يوسف مكارثي اليسوعي في ذيل كتاب اللمع، للأشعري ١٩٥٣م، وانظر: د/ بدوي - مذاهب الإسلاميين: ١/١٥]
وعلى كل حال، فإن القارئ لعلم الكلام سيلاحظ أن إيثار هذه التسمية على غيرها من الأسماء الأخرى لهذا العلم لم يوجد - غالبًا - إلا عند الأشعرية.
بعد الرسالة التي أشرنا إليها - استحسان الخوض في علم الكلام - وأن المحاولات التي قللت من شأنه أحيانًا، وحكت بكفر الاشتغال به أحيانًا أخرى، لم توجه إليه إلا من هذه الناحية، وكأن الاسم في ذاته - الكلام - أصبح علمًا على البحث فيما يورث الضلال والزيغ في الوقت الذي لم نلاحظ فيه أبدًا - أو على الأقل بحسب علمنا - أي انتقاص لهذا العلم إذا أخذ أصحابه اسمًا آخر من أسمائه - كعلم أصول الدين مثلًا - مما يجعل الباحث يقرر أن جميع الإساءات التي وجهت إلى علم الكلام إنما كانت تعبيرًا عن حالة نفسية لدى أُناس قلت بضاعتهم، فلم يروا أمامهم إلا العلم الموروث ضاربين صفحات عما أحدثه انفتاح الإسلام على الحضارات الأخرى .. ومن المعلوم أن المناظرات التي كانت تقوم بين بعض أرباب الفرق من طرف - كالمعتزلة مثلًا - وبين ممثلي الاتجاه المخالف من المنتمين إلى مذاهب غير إسلامية - كالسمنية مثلًا - لها في تاريخ الفرق مكان معروف، ولو تصورنا جدلًا أن أمسك المسلمون عن مجادلة الخصوم، فماذا تكون النتيجة حينئذ؟ وهل هذا يتفق مع النهج القرآني الذي كان يطالب المخالفين في عقيدة ما بقوله: ﴿قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِینَ﴾ [البقرة.١١١]، وقوله: ﴿قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمࣲ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَاۤۖ﴾ [الأنعام:١٤٨]، وحسبنا هذا القدر في هذا الاسم.
علم الكلام هو علم ديني يهدف إلى البحث في ذات الله وصفاته وأحوال الممكنات بناءً على الشريعة الإسلامية مع تمييزه عن الفلسفة، ويهدف إلى الدفاع عن أصول الدين ضد الخصوم وإقامة الحجة عليهم، وتوضيح العقائد للمسترشدين بالبراهين، وقد دار حوله جدل تاريخي كبير؛ حيث حذر بعض السلف من المراء فيه.