على ضوء السمات العامة المميزة لكل مدرسة من مدارس علم الكلام نقول: ترى المعتزلة
أن الوعد والوعيد واجبان بالعقل أولًا ثم بالسمع ثانيًا؛ لأن المعتزلة
تقول: بالواجبات العقلية وبالحسن والقبح العقليين، بل إنها تؤكد أن معرفة الله - سبحانه
- ذاته واجبة بالعقل قبل وجوبها بالسمع.
لذلك قررت أن الثواب والعقاب (الوعد والوعيد)
واجبان بالعقل وبالسمع وهنا نجد أن الخوارج تتفق مع المعتزلة...
وهذا يعني أن العقل الحر عند الخوارج يؤيد الوجوب العقلي والسمعي للوعد
والوعيد.
على أن أهل السنة والأشاعرة يختلفان مع كل من الخوارج والمعتزلة
في هذا الصدد صحيح أن أهل السنة والأشاعرة يعتدون بالعقل إلى حد كبير؛ لكن
من الصحيح أيضًا أن الأولوية عندهما للنص لا للعقل فالناس عند أهل السنة والأشاعرة
محجوجون بالنص في المقام الأول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} [الإسراء:
١٥]، من خلال فهم الأشاعرة للنص ذهبوا إلى أن العقاب ينبغي أن يكون بقدر
الخطأ فثمة تفاوت في نوعية المعصية وعلى ذلك وطبقًا للعدل الإلهي فإن العقاب يأتي
متوافقًا ومنسجمًا مع الخطأ أو المعصية... فليس من يكذب كمن يقتل، وليس من ارتكب
معصية عن جهل كمن أصر بعلم سابق على القيام بها... ولهذا فإن الله يعاقب مرتكب
المعاصي بناءًا على عدله الذي يقدر حجم الجرم الذي ارتكبه المرء.
ولذلك نجد أن الأشاعرة أجازت عفو الله، أي الخلف في الوعيد طبقًا لآي
الذكر الحكيم أولًا، ولما يقول به العقل المؤمن.
ثانيًا: إن الله - سبحانه - يقول: {إِنَّ
ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن
يَشَآءُۚ} [النساء: ٤٨]، وليس بعد الكفر ذنب: {إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ} [لقمان:
١٣].
إن ما يجمع أهل السنة والأشاعرة هنا هو اتفاقها على أن الخلف في
الوعيد، أحيانًا، لون من ألوان التفضل والكرم والرحمة واللطف من جهة الله
للعبد... وهذا ثابت بنص القرآن الكريم إن الشرك من الذنوب التي لا تغتفر أما ما
دون الشرك فإن الأمر متروك لله - سبحانه - طبقًا لعدله ولطفه ورحمته.
وباختصار إن أهل السنة والأشاعرة يقولان:
إن الوعد والوعيد منصوص عليهما في القرآن الكريم، ولا حكم للعقل فيهما بل ينبغي
عليه أن يفوض الأمر فيهما إلى الله.
لقد ذهب المحققون من الأشعرية كالجويني،
والغزالي، والرازي، إلى أن حصول الثواب من جهة
التفضل وليس على سبيل الاستحقاق على الطاعات؛ لأنه - تعالى - لا يجب عليه واجب،
ومن ثم لا يجب عليه الإثابة على الطاعات...أما العقاب فإنه مستحق للعاصين [أحمد
محمود صبحي: الزيدية ص ۲۷۱، الزهراء للإعلام العربي ط ٢، ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م].
وليس ثمة واجب على الله هنا، إنه - سبحانه - إن
أثاب فبفضله وإن عاقب فبعدله، ولا يحق للعقل الإنساني أن يوجب على الله شيئًا، لا
يحق له أن يحلل ويحرم... لأن قضية الحسن والقبح والحلال والحرام... إلخ ذلك ترجع
إلى إطلاق الشرع لا إلى صريح المعقول، فقد نقل الشهرستاني على لسان الأشعري قوله: الواجبات كلها سمعية، والعقل لا يوجب شيئًا، ولا يقتضي تحسينًا ولا
تقبيحًا، فمعرفة الله - تعالى - بالعقل تحصل، وبالسمع تجب، قال الله تعالى: {وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} [الإسراء: ١٥]، وكذلك شكر المنعم، وإثابة
المطيع، وعقاب العاصي يجب بالسمع دون العقل ولا يجب على الله - تعالى - شيء ما
بالعقل: لا الصلاح ولا الأصلح ولا اللطف، وكل ما يقتضيه العقل من جهة الحكمة
الموجبة فيقتضي نقيضه من وجه آخر[الشهرستاني: الملل والنحل ص ۱۰۳].
يقول الجويني: الثواب
عند أهل الحق ليس بحق محتوم ولا جزاءً مجزومًا، وإنما هو فضل من الله - تعالى -،
والعقاب لا يجب أيضًا والواقع منه هو عدل من الله وما وعد الله من الثواب أو توعد
به من العقاب فقوله حق ووعده الصدق [الجويني: الإرشاد ص ۳۸۱].
وإلى هذا المعنى ذهب الغزالي إن الله - تعالى - إذا كلف العباد فأطاعوه، لم يجب عليه الثواب بل إن شاء
أثابهم، وإن شاء عاقبهم، وإن شاء أعدمهم ولم يحشرهم ولا يبالي لو غفر لجميع
الكافرين، وعاقب جميع المؤمنين ولا يستحيل ذلك في نفسه، ولا يناقض صفة من صفات
الإلهية وذلك؛ لأن التكليف تصرف في عبيده ومماليكه أما الثواب ففعل آخر على سبيل
الابتداء [الغزالي، أبو حامد: الاقتصاد في الاعتقاد ص ۹۱،
مصطفى البابي الحلبي، القاهرة سنة ١٩٦٦م، وراجع أبو منصور عبد الظاهر البغدادي:
أصول الدين ص ٢٤٢ وما بعدها ط ١، استانبول ١٣٤٦هـ - ١٩٢٨م].
الإحباط
والتكفير لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ، فالعصمة لله وحده، والمعصوم من عصمه الله،
وهذا فحواه أنه لا يوجد إنسان لم يخطئ أو لم يعص الله، أيًّا كانت نوعية هذه
المعصية؛ ولهذا فإن كلًّا منا يجمع في حياته بين الطاعات، وبين بعض المعاصي
والعدالة الإلهية تقتضي أن يحاسب الله الإنسان عليها جميعها.
وفي هذا الصدد ناقشت المعتزلة جملة الطاعات والمعاصي من وجهة نظر
حسابية بحتة: إما أن تتكافأ المعاصي، مع الطاعات أو تزيد إحداهما على الأخرى، وقد
انتهى المعتزلة إلى أن الأقل يسقط بالأكثر.... بمعنى إذا كانت المعاصي أقل
من الطاعات سقطت هذه المعاصي أما إذا كانت الطاعات أقل من المعاصي سقطت هذه
الطاعات.
إنا قد ذكرنا أن المكلف إما أن
تخلص طاعاته أو معاصيه أو يجمع بينهما ويخلطه، فإذا جمع بينهما فلا سبيل إلى
التساوي على ما تقدم، فليس إلا أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، والآخر أقل منه،
فيسقط الأقل بالأكثر وهذا هو الذي نعنيه بالإحباط والتكفير [شرح
الأصول الخمسة: ص ٦٢٥].
وترى المعتزلة أن المرء في نهاية المطاف إما أن يثاب، وإما أن يعاقب؛
لكنها ترفض أن يثاب ويعاقب في آن واحد، إن المكلف لا يخلو إما أن يستحق الثواب، أو
أن يستحق العقاب، من كل واحد منهما قدرًا واحدًا، أو يستحق من أحدهما أكثر مما
يستحق من الآخر، لا يجوز أن يستحق من كل واحد منهما قدرًا واحدًا... وإذا استحق من
أحدهما أكثر من الآخر، فإن الأقل لا بد أن يسقط بالأكثر ويزول [شرح الأصول الخمسة ص ٦٢٤].
والإحباط - كمصطلح - ورد ذكره في القرآن الكريم ما يقرب من خمس عشرة مرة،
والفاسق عند المعتزلة بإقدامه على المعاصي جنى على نفسه وأخرجها من أن
تستحق الثواب قال تعالى: {وَمَن
يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ} [المائدة: ٥]،
{أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا
وَٱلۡأٓخِرَةِ} [آل عمران: ٢٢]، {وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ
لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} [الحجرات: ٢].
على كل حال فإن المعتزلة ترى أنه إذا زادت
الطاعات درأت السيئات، والمهم هنا هو طبيعة المعصية وطبيعة
الطاعة فثمة طاعة واحدة تجب عدة سوءات، وثمة كبيرة واحدة تقضي على كل الطاعات
السابقة،
ومما ذهبت إليه المعتزلة هنا أيضًا أن
الإحباط والتكفير ليس لهما شأن يذكر بالنسبة للصبي والمجنون ومن في حكمهما؛ لأن من
هذا حاله لا يسأل عمَّا يؤمن به، وعمَّا يصدر عنه؛ لأن التكليف منتفٍ عنه إن
الإحباط والتكفير واجبان فيمن يستحقهما.
ومن عظمة الإسلام هنا أنه مع أن
التكليف رفع عن الأطفال وفاقدي العقل في الدنيا، إلا أن القرآن الكريم أكد حقهم -
كما يقول المعتزلة - في أن يعوضهم الله في الآخرة، إن المصائب والآلام التي
تلحق الأطفال لا بد لهم من العوض عليها؛ ولذا فإن الله يكمل عقولهم ويلحقهم
بالصالحين في الجنات يستوي في ذلك من كان ابنًا لمؤمن أو ابنًا لكافر؛ لأن كل
مولود يولد على الفطرة، فضلًا عن أنهم لم يصلوا إلى سن التكليف حتى يكون لهم حساب [أحمد
محمود صبحي في علم الكلام ص ١٦٨].
إن الله - تعالى - لا يعذب إلا من يستحق العذاب
بتقصيره، وأن يكون مقصرًا بأن يفعل ما نهى عنه وقبح فعله من المعاصي أو بأن لا
يفعل الواجب الذي يقدر عليه، ولا عذر له في ألا يفعل فأمَّا من لاعقل له البتة أو
لم يتوجه إليه خطاب، كالأطفال والبهائم، فإنه - تعالى - لو عذبهم لكان ظالمًا،
وأطفال المشركين كأطفال المسلمين في أنهم لا ذنب لهم فالله - عزوجل -، منزه عن
تعذيبهم، تعالى الله عن ذلك [القاضي عبد الجبار: المختصر
في أصول الدين ص ۲۲۲، من جملة رسائل في العدل
والتوحيد نشرة محمد عمارة ج ۱، دار الهلال القاهرة سنة ١٩٧١م].
أما أن الشرع أجاز الإحباط والتكفير، فهذا واضح من خلال بعض الآيات قال - تعالى
-: {فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ *وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ } [الزلزلة: ٧-٨]، وكذلك جاء في الذكر الحكيم: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ} [البقرة: ٢٦٤]، أمَّا أن القرآن الكريم تحدث عن الكبائر والصغائر فهذا واضح من قول الحق -
سبحانه:
{مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا
كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ} [الكهف: ٤٩]، وقال
تعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ} [الحجرات:
٧]، في هذه الآية نجد أن المعاصي مرتبة من حيث الأكبر فالأصغر... ابتدأت الآية
بالكفر الذي هو أعظم المعاصي، ثم تحدثت بعد ذلك عن الفسق ثم العصيان.
وفى هذا أيضًا قال القرآن: {ٱلَّذِينَ
يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ } [النجم: ٣٢]، وقال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا
دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ} [النساء: ٤٨]، وفي تعقيبه على هذه الآيات السابقة قال القاضي عبد
الجبار: فبهذه الوجوه، التي ذكرناها، عُلِمَ أن من المعاصي صغيرًا، كما أن فيها
كبيرًا، وإلا فلو خلينا قضية العقل لكنا نقطع على أن الكل كبير[المرجع
السابق ص ٦٤٣ وروجع أحمد صبحي الزيدية ص ۳۷۷: ۳۷۸]، هذا وقد ذكر القاضي أن الله - تعالى - لا يجوز أن يعرفنا الصغائر بأعينها...؛ لأن الصغائر
إغراء بالقبيح، والإغراء بالقبيح مما لا يجوز على الله - تعالى –[شرح
الأصول ص ٦٣٤].
ويؤكد القاضي عبد الجبار أن الثواب ليس مرتبطًا فحسب بالفعل، بل إنه مرتبط كذلك بعدم فعل المعصية
والإصرار الداخلي على فعل الخير إن محاربة الإنسان لنفسه الأمارة بالسوء وجعل
قيادة الفعل لكل من النفسين: اللوامة، والمطمئنة أمر يقتضي ثواب الله.
اعلم أن الثواب يسقط بوجهين: أحدهما: بالندم على ما أمر به من الطاعات،
والثاني: بمعصية هي أعظم منه...، وأما العقاب المستحق، من جهة الله -تعالى -، فإنه
يسقط بالندم على ما فعله (المرء) من المعصية، أو بطاعة هي أعظم منه [المرجع
السابق ص ٦٣٥].
وقد اعترض الماتريدية على هذا الرأي فالاجتناب
للكبائر ليس حسنة؛ لأن الحسنة هي العبادة، فإنه جاء في التفسير إن الحسنات هي
الصلوات الخمس، والاجتناب للكبائر لا يكون عبادة... والسيئات لا تسقط إلا بالعبادة
ثم تساءل الماتريدية: ما الصغيرة التي تصير مغفورة بالاجتناب للكبائر؟ وما الكبيرة
التي لا تصير مغفورة؟ [أبو اليسر محمد البزدوي: أصول الدين ص ١٤٦ تحقيق د.
هانز بينزانس المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م].
أما عن الآيات التي تدل على أن مرتكب الكبيرة يستحق العقاب فمنها قول الحق:
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا} [المائدة:
٣٨]، {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا
مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ} [النور: ٢].
وقال - تعالى: {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا} [النساء: ١٤]، وكذلك: {وَمَن
يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا} [النساء: ٩٣].
ولقد نقدت الأشاعرة موقف المعتزلة
من الإحباط؛ لأن قول المعتزلة: بأن الذنب الواحد يمكن أن يكون محبطًا جميع
الطاعات مخالف لقول الله - سبحانه: {إِنَّ
ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ} [هود: ١١٤].
وقالوا فيمن يكفر بالإيمان: فقد حبط عمله: {وَمَن
يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ
حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ} [البقرة: ٢١٧].
موقف الأشاعرة هنا هو أن إحباط الحسنات
إنما يكون بالموت على الكفر، ووجب من هذا أن ما سواه من السيئات تذهبه الحسنات ومن
لم يقل بهذا فلا غفران لسيئاته وكفاه بذلك خِزْيًا على حد تعبير عبد القاهر
البغدادي [عبد القاهر البغدادي: اصول الدين ص ٢٤٤].
ويضيف أبو اليسر
البزدوي هنا: إن مسألة الإحباط والتكفير متروكة وموكولة إلى الله - تعالى - إنه لا
يستحيل عند أهل السنة والجماعة أن يغفر الله تعالى لواحد ذنبًا لا يُغفر لغيره ذلك
الذنب؛ لأن هذا تفضل وتكرم منه كما أن إعطاء النعم منه في الدنيا تفضل وتكرم، وقد
يعطي البعض وقد لا يعطي البعض ولا يستحيل ذلك [أبو اليسر
البزدوي: أصول الدين ص ١٤٧].
ويقول الجويني: إن كل ما ذكره المعتزلة (في الإحباط) خبط لا تحصيل له إذ ليس
بإزاء معرفة الله - تعالى - كبيرة يربو وزرها على أجرها، والأشياء تعرف بأضدادها
فيعلم أجر المعرفة بوزر ضدها، فكان من حقهم أن يدرؤوا الزلات بالمعرفة، فإذا لم
يفعلوا ذلك بطل هذيانهم بتغالب الأعمال وسقوط أقلها بأكثرها، ثم لا يبعد في العقل
أن تكثر طاعات عبد وتصدر منه زلات ويعاقبه سيده عليها زمنًا، ثم يرده إلى كرامته،
وإن كانت زلاته أقل، وكل ما ذكروه تحكم لا محصول له [الجويني: الإرشاد، ص ۳۹۰، تحقيق د محمد يوسف موسى علي
عبد المنعم عبد الحميد، مكتبة الخانجي بالقاهرة ١٣٦٩م - ١٩٥٠م].
لماذا لم
يبتدئ الله الخلق في الجنة؟
لقد أثار المعتزلة سؤالًا له دلالته هو: لماذا لم يبتدئ الله الخلق في الجنة، وفي هذه الحالة
لم تكن هناك معاناة وعصيان وخطايا... إلخ.
انقسمت المعتزلة إلى فريقين في الإجابة عن هذا السؤال فريق تزعمه الجبائي الكبير الذي قال: كان من الجائز أن يبتدئ الله الخلق في الجنة، ومن ثم
يبتدئ عباده بالتفضل عليهم بحيث لا يعرضهم لمنزلة الثواب؛ لأنه أنذالك لن يكلفهم
شيئًا من المعرفة ولن يضطرهم إلى معرفته سبحانه آنذاك.
على أن هناك وجهة نظر أخرى تزعمها الرهط الأكبر من
المعتزلة فحواها أن الله قد كرم الإنسان وجعل الكائنات الأخرى مسخرة
لخدمته، وهذا يقابله استحقاق من جهة الإنسان بحيث يبرهن على جدارته بهذه المنزلة،
وأنه نال ما ناله عن استحقاق وجدارة لهذا لم يكن من الجائز أن يبتدئ الله الخلق في
الجنة؛ لأن الضرورة الوجودية والأخلاقية اقتضت أن يكلف الله الإنسان المعرفة وأن
يحمله أمانة التكليف، تاركًا له الحرية كل الحرية، في أن يفعل أو لا يفعل، وأن
يكون قادرًا على فعل الخير وفعل الشر أو تجنبه... حتى إذا جاءت الساعة نال الإنسان
ما ناله من نعيم بناءًا على استحقاق وهذا أبلغ في السعادة مما لو حصلت لكل الناس،
يستوي في ذلك المجدون والكسالى، العاملون والخاملون إن اللذة التي يحصل عليها
المرء نتيجة جهده ومثابرته وإصراره، تتجاوز أية سعادة أو لذة يتفضل بها الآخرون
على كل الناس، إن أعلى المنازل عند الله منزلة الثواب، وهذه هي التي عَرَّضَ الله
الإنسان لا حتى يكافئه على عمله (الوعد) [الأشعري: مقالات
الإسلاميين ج ۲، ص ۲۸۹].
إن الله - سبحانه - قد خلق عباده لينفعهم لا
ليضرهم، وإن ما كان من الخلق غير مكلف فإنما خلقه، لينتفع به المكلف ممن خلق
وليكون عبرة لمن يخلقه ودليلًا [المرجع السابق ج ۱ ص ۲۹۱].
الوعد
والوعيد... واللطف الإلهي في كتابه المغني في أبواب
التوحيد والعدل خصص القاضي عبد الجبار الجزء الثالث عشر، وهو من أكبر أجزاء كتاب المغني، للحديث عن اللطف الإلهي.
عرَّف القاضي اللطف: بأنه كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده
أقرب إما إلى اختيار أو إلى ترك قبيح [القاضي عبد الجبار: ج ۱۳،
اللطف ص ۹
وزارة الثقافة والإرشاد القاهرة ١٣٨٢هـ– ١٩٦٢م] إن اللطف هو في النهاية توفيق الله العبد في فعل الطاعة واجتناب المعصية...
ولهذا ربط القاضي بينه أيضًا وبين العصمة... من حيث أن هذه تعني أيضًا مساعدة الله العبد
(يعصمه) في البعد عن الشر والتوجه نحو عمل الخير بهذا المعنى يكون اللطف هو التوفيق
الإلهي وهو العصمة التي يتفضل بها الله على وجه يقع اختياره عندها، أو يكون
أولى أن يقع عنده [المغني في أبواب التوحيد: اللطف ص ۱۱] فعلى هذين الوجهين يوصف الأمر الحادث بأنه لطف، وكلاهما يرجع إلى معنى
واحد، وهو ما يدعو إلى الفعل وقد أشار القاضي إلى أن اللطف قد يستعمل في فعل القبح، أو فيما يدعو إلى فعله... لكن هذا
الاستخدام غير شائع ومن ثم فإن الأكثر في التعارف أن اللطف يستعمل فيما نختاره عند
الطاعة ويدعو إليها؛ لهذا فإن اللطف، بالمعنى الاصطلاحي، هو كل حادث جنس يختار
عنده ما تناوله التكليف من واجب أو ندب، أو يكون المكلف عنده إلى اختياره أقرب،
والامتناع من القبيح في هذا الباب بمنزلة الواجب[المرجع السابق ص
۱۲].
والمعتزلة بوجه عام يسوون بين اللطف، كما أشرنا، وبين
التوفيق استعمل شيوخنا - رحمهم الله - التوفيق فيما نختار عنده الطاعة.
كذلك سوى المعتزلة بين اللطف وبين العصمة اعلم أن ذلك يفيد في أنه
إذا لم يختر المكلف القبيح أو امتنع عنه وصف بأنه عصمة [المرجع السابق ص
١٥]، ويرتبط بما سبق أن اللطف الإلهي يعني من جملة ما يعني إزاحة العلل؛
لكي يتمكن المكلف من القيام بما كلف به؛ لأن دوافع الفعل وصوارفه كثيرة والإنسان في
النهاية، عرضة للخطأ، ومن ثم فإنه في حاجة إلى المساعدة وإلى التمكين من فعل الخير
(الوعد)، وتجنب عمل الشر (الوعيد).
بهذا المعنى يكون اللطف لونًا من ألوان العون والمساعدة من جهة المكلف
للمكلف، حتى يتمكن من أداء ما كُلف به؛ ولهذا أيضًا قيل: إن لفظة اللطف تستعمل في
وجوه المعونة، وتستعمل في الهداية والدلالة، سواء اعتقد فيهما أن الفعل لا يتم إلا
بهما أو قد يتم دونهما [المرجع السابق ص ۱۹].
أما عن مجالات اللطف فإن المعتزلة ترى
أنه جائز في كل النافلات كما في كل الواجبات، وقد أكد المعتزلة على وجود اللطف
الإلهي من خلال نصوص القرآن الكريم، فذكروا قوله سبحانه: {وَلَوۡلَا
فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا} [النساء: ٨٣]، وكذلك قوله سبحانه: {وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ
وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ
بَصِيرٞ} [الشورى: ٢٧]، وقال - تعالي: {وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى} [محمد:
١٧].
إن الإنسان مُكَوَّن من عقل وجسم، ومن ثم يوجد
صراع بين مطالب الجسد، ومطالب الروح والعقل ثمة جانب حيواني في الإنسان ينبغي عدم
تجاهله بل العمل على إشباعه، وثمة جانب آخر روحي ينبغي التأكيد عليه والرفع من
شأنه؛ لأنه يؤكد إنسانية الإنسان، الإنسان ليس ملاكًا وليس حيوانًا، هنا يكمن
الصراع بين مطالب الجسد ومطالب الروح...وهنا أيضًا تكون الحاجة ماسة إلى اللطف الإلهي
لترجيح دواعي فعل الخير على دواعي فعل الشر واحسب أن هذا يؤكد العناية الإلهية
بالإنسان، التي تتمثل في أنه سبحانه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعله قادرًا على
القيام بما كلف به وساعده على ذلك من خلال منحه العقل، وبعثة الرسل والشرائع، ومده
بالتوفيق والهداية، وتنبيهه على الآجال والأرزاق... إلخ كل ذلك يمثل في النهاية
مجموعة من العوامل الفاعلة في ترغيب الإنسان في عمل الخير وتجنب عمل الشر، إن من
شأن هذه العوامل أن تؤدي إلى تيسير حياة الناس، وتهيئة سبل الخير لهم؛ لأن الإنسان
- بلا شك - في حاجة إلى العون الإلهي، وإلى توفيق الله وسداده بإزاحة عوامل
الشر والحث على فعل الخير بتمكين الإنسان من أسبابه.
إن العقل كما قال أحد الباحثين أول مقتضيات التكليف وأهم مظاهر اللطف، وإنه
إذا فقد الإنسان العقل فقد زال عنه التكليف، كما هو حال المجنون وإذ أودع الله في
الإنسان الشهوة فقد أكمله بالعقل؛ ولذا فإنه يجب على الإنسان النظر العقلي المؤدي
إلى معرفة تجنبه الشرور والمعاصي، والمعرفة هي الشرط الأول لإتيان العمل الصالح؛
لأن الإنسان إذا علم بعقله أن له في الفعل منفعةً كان ذلك داعيًا له إلى فعله، كما
أنه إذا علم أن في العمل ضررًا كان ذلك صارفًا له عن فعله [أحمد
محمود صبحي في علم الكلام ص ١٥٤].
أما عن موقف بعض المتكلمين من اللطف
الإلهي فنجد أن الجبائيَّيْن قد اتفقا، كما يقول الشهرستاني: على أن الله - تعالى - لم يدخر عن عباده شيئًا مما علم أنه إن فعل بهم
أتوا بالطاعة والتوبة من الصلاح والأصلح واللطف؛ لأنه قادر، عالم، جواد حكيم، لا يضره
الإعطاء ولا ينقص من خزائنه المدح ولا يزيد في ملكه الادخار وليس الأصلح هو الألذ،
بل هو الأعود في العاقبة والأصوب في العاجلة، وإن كان ذلك مؤلمًا مكروهًا وذلك
كالحجامة والفصد، وشرب الأدوية، ولا يقال: إنه تعالى يقدر على كل شيء هو أصلح مما
فعله بعبده والتكاليف كلها ألطاف، وبعثة الأنبياء، وشرع الشرائع، وتمهيد الأحكام
والتنبيه على الطريق الأصوب كلها ألطاف [الشهرستاني: الملل والنحل ص ۸۰].
أما بشر بن المعتمر، وبعض البغداديين، فقالوا: إن اللطف ليس واجبًا على الله؛ لأنه لو وجب
عليه سبحانه لكان لا يوجد في العالم عاصٍ؛ لأنه ما من مكلف إلا وفي مقدور الله - تعالى
- من الألطاف ما لو فعل به لاختار الواجب وتجنب القبيح [شرح الأصول
الخمسة ص ٥٢٠، وراجع مقالات الإسلاميين ج ۱ ص ۲۸۷،
وكذلك الملل والنحل الشهرستاني ص ٦٨ وراجع كذلك د. سميرة فرحات معجم الباقلاني ص
٤٠٣ المؤسسة الجامعية، للدراسات والنشر ط ا بيروت ١٤١١هـ / ١٩٩١م].
أما جماعة المجبرة فإنهم لا يقولون باللطف، وهذا مفهوم من حيث إن
الإنسان عندهم مُجْبَرُ وليس حرًا في اختيار أفعاله... بينما اللطف الإلهي
يقتضي أن يكون الإنسان حرًا مختارًا، حتى يأتي اللطف لترجيح عمل الخير واجتناب عمل
الشر.
أما أهل السنة والجماعة ومعهم الأشاعرة فإنهم يؤكدون اللطف
الإلهي لكنهم لا يقولون بوجوبه على الله كما زعمت المعتزلة: إن العقل عند
أهل السنة والأشاعرة ليس مشرعًا في مملكة الله، لكنه منفذ لما يملي عليه من
أوامر ونواهي.
لكن يبقى أن اللطف الإلهي موجود وقائم وأنه، وإن كان لازمًا عن الذات
الإلهية إلا أنه - فيما نرى - ليس واجبًا على الله وفي المقابل إن وجود اللطف
الإلهي لا يعني البتة أن يُلجئ الله الإنسان على فعل الخير وتجنب عمل الشر،
وإلا لارتفع التكليف الذي يقوم في الأساس على التسليم بأن الإنسان كائن حر مريد،
إن عمل صالحًا فلنفسه وإن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد... قال - تعالى: {قَدۡ
أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا* وَقَدۡ خَابَ مَن
دَسَّىٰهَا} [الشمس: ٩-١٠].
إن الله - سبحانه - بعث رسوله لُطفًا بنا
ليذكرنا بما ينبغي علينا أن نعمله وما لا ينبغي علينا أن نعمله، بل نتجنبه وصدق
الله العظيم إذ يقول: {فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ
مُذَكِّرٞ * لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ} [الغاشية:٢١-٢٢].