Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإسلام والإيمان

الكاتب

أ . د/ عبد الحميد عبد المنعم مدكور

الإسلام والإيمان

التعريف بالإسلام والإيمان، ومعاني الإسلام في القرآن والسنة، والتوضيح أن جميع الأنبياء دعوا إلى الإسلام بمعنى الاستسلام لله وتوحيده، كما سنتناول مفهوم الإيمان في اللغة والشريعة، وكذا اختلاف المتكلمين والفرق الإسلامية في تعريفه، ثم نوضح العلاقة والمتكاملة بين الإسلام والإيمان، ومسألة زيادة الإيمان ونقصانه، ومسألة الاستثناء في الإيمان.

الإسلام في اللغة والشريعة

تمهيد: الْإِسْلَامُ وَالسَّلَامُ وَالسِّلْمُ وَالسَّلَامَةُ تَرْجِعُ فِي اللُّغَةِ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ هو السين واللام والميم، وهي تشترك في معانٍ، منها البراءة من العيوب، والسلامة من الآفات، والنجاة من الأدواء.

وقد تتداخل معاني هذه الكلمات بسبب اتحادها في الأصل، فالسلام علامة المسالمة، ويجوز أن يكونا لغتين كاللذاذ واللذاذة كما يقول ابن قتيبة.

ثم إنَّ السلام هو الاسم من التسليم، ومعنى السلام الذي هو مصدر سلمت: أنه دعاء للإنسان بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه، ويقال: رجل سليم: سالم، قال تعالى:{إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ } [الشعراء: ٨٩] أي: سليم من الكفر، والسلم: الصلح، والسلم: الاستسلام والإذعان، وبها يفسر: قوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِینَ یَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَهُم مِّیثَٰقٌ أَوۡ جَاۤءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن یُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ یُقَٰتِلُوا۟ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَیۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ یُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡا۟ إِلَیۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَیۡهِمۡ سَبِیلࣰا﴾ [النساء: ٩٠]. 

والإسلام والاستسلام: الانقياد، وتجتمع هذه المعاني كلها - على نحو ما- فيمن يوصف بالإسلام، فهو بالإسلام يسلم نفسه وقلبه ووجهه لله، ويخضع جوارحه لأمره وقدره، فإذا كان كذلك فارق الكفر، وتباعد من الذنوب، وخرج من الحرب إلى السلم ومن المعاصي إلى الطاعة، وضمن السلامة بهذا من عذاب الله تعالى، وأدخله الله دار السلام التي سميت بذلك؛ لأنها دار السلامة الدائمة التي لا تنقطع ولا تفنى، وهي دار السلامة من الموت والهرم والأسقام، كما يقول الزجاج [ابن منظور: لسان العرب، طبع دار المعارف، مادة سلم].

والإسلام - في الشريعة - إظهار الخضوع، وإظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم، وبذلك يحقن الدم، ويستدفع المكروه [نفس المرجع السابق]، أو هو كما يقول الكفوي: "الخضوع وقبول قول الرسول - صلى الله عليه وسلم" [أبو البقاء الكفوي: الكليات، تحقيق د/عدنان درويش، والأستاذ محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت ط ١٩٩٣/٢، مادة الإيمان ص ٢١٧].

الإسلام في القرآن والسنة

جاءت كلمة الإسلام في القرآن والسنة بمعانٍ كثيرة منها:

أ - أنه الدين الذي جاء به الأنبياء والرسل عليهم السلام، وقد وصف كثير منهم به أو بما هو مشتق منه، ومن ذلك قول الله تعالى على لسان نوح - عليه السلام - في خطابه لقومه: ﴿فَإِن تَوَلَّیۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِیَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِینَ﴾ [يونس: ٧٢]، وقول الله لإبراهيم - عليه السلام: ﴿إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥۤ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [البقرة: ١٣١]، ثم ذكرت الآيات بعد ذلك أن إبراهيم قد وصى بنيه بأن يؤمنوا بهذا الإسلام، وكذلك وصى بها حفيده يعقوب: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَاۤ إِبۡرَٰهِۦمُ بَنِیهِ وَیَعۡقُوبُ یَٰبَنِیَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّینَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وكذلك وصَّى بها يعقوب بنيه عندما حضرته الوفاة، وقد استجاب بنوه لهذه الوصية فقالوا: ﴿ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَاۤئِكَ إِبۡرَٰهِۦمَ وَإِسۡمَٰعِیلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهࣰا وَٰحِدࣰا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]،  وقد كان من دعاء يوسف -عليه السلام- لربه ﴿أَنتَ وَلِیِّۦ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡءَاخِرَةِۖ تَوَفَّنِی مُسۡلِمࣰا وَأَلۡحِقۡنِی بِٱلصَّٰلِحِینَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وكان من خطاب موسى - عليه السلام - لقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ یَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَیۡهِ تَوَكَّلُوۤا۟ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِینَ﴾ [يونس: ٨٤]، وتضمن خطاب سليمان -عليه السلام- إلى ملكة سبأ ما حكاه القرآن من قوله: ﴿إِنَّهُۥ مِن سُلَیۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِیمِ * أَلَّا تَعۡلُوا۟ عَلَیَّ وَأۡتُونِی مُسۡلِمِینَ﴾ [النمل: ٣٠-٣١]، وقد استجابت لدعوته بعد ظهور حجته: ﴿قَالَتۡ رَبِّ إِنِّی ظَلَمۡتُ نَفۡسِی وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَیۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [النمل: ٤٤]، وكذلك قال الله تعالى في الحديث عن عيسى -عليه السلام- وحواريه: ﴿وَإِذۡ أَوۡحَیۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِیِّۦنَ أَنۡ ءَامِنُوا۟ بِی وَبِرَسُولِی قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، وقد أمر الله الذين آمنوا بمحمد ﷺ نبيًّا رسولًا أن يؤمنوا بجميع الأنبياء والرسل الذين جاءوا بهذا الإسلام وبالوحي الذي أنزل عليهم من الله تعالى، وبألَّا يفرقوا بين أحد منهم، لأنهم جميعًا رسل الله وجملة هديه والمبشرون بدينه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وانظر الآية ٨٥ من سورة آل عمران وليس غريبًا - إذن - أن يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّ ٱلدِّینَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [آل عمران: ١٩]،  أو أن يقول: ﴿أَفَغَیۡرَ دِینِ ٱللَّهِ یَبۡغُونَ وَلَهُۥۤ أَسۡلَمَ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَإِلَیۡهِ یُرۡجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، والإسلام بهذا المعنى، وكما دلَّت على ذلك الآيات الكثيرة في الحديث عن عدد كبير من الأنبياء: هو الدين الذي أرسل الله به أنبياءه لهداية خلقه.

وقد تواتر مجيئهم به منذ آدم -عليه السلام- إلى محمد ﷺ، وهم متفقون في أصوله الكبرى من العقائد والأخلاق والأمر بعبادة الله والخضوع لهديه، والاستعداد للقائه، ولكنهم قد يختلفون في بعض الشرائع والأحكام، تبعًا لاختلاف الزمان والمكان والأحوال وتفاوت ما يقع في بعض المجتمعات من أمراض وفساد، ولذلك جاءت الشرائع متضمنة مع الأصول المتفق عليها - ما يتحقق به صلاح هذه المجتمعات مما تعانيه من الأدواء: ﴿لِكُلࣲّ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةࣰ وَمِنۡهَاجࣰاۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةࣰ وَٰحِدَةࣰ وَلَٰكِن لِّیَبۡلُوَكُمۡ فِی مَاۤ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُوا۟ ٱلۡخَیۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِیعࣰا فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨]،  ولا يقدح هذا الاختلاف في بعض التشريعات في وحدة هذا الدين الذي جاء به الرسل والأنبياء جميعًا وهو الإسلام، ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّینِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحࣰا وَٱلَّذِیۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ وَمَا وَصَّیۡنَا بِهِۦۤ إِبۡرَٰهِیمَ وَمُوسَىٰ وَعِیسَىٰۤۖ أَنۡ أَقِیمُوا۟ ٱلدِّینَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِیهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِینَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَیۡهِۚ ٱللَّهُ یَجۡتَبِیۤ إِلَیۡهِ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِیۤ إِلَیۡهِ مَن یُنِیبُ﴾ [الشورى: ١٣].

ب - أنه الدين الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله الذي أرسله بتلك الرسالة العامة التي تميزت - بكمالها وشمولها - عمَّا سبقها من رسالات الأنبياء.

ويدل على هذا المعنى من القرآن الكريم آيات كثيرة منها: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿فَإِنۡ حَاۤجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِیَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّیِّۦنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهۡتَدَوا۟ۖ وَّإِن تَوَلَّوۡا۟ فَإِنَّمَا عَلَیۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِیرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، ﴿قُلۡ یَٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ كَلِمَةࣲ سَوَاۤءِۭ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَیۡءࣰا وَلَا یَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابࣰا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَقُولُوا۟ ٱشۡهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]،  ﴿أَفَغَیۡرَ دِینِ ٱللَّهِ یَبۡغُونَ وَلَهُۥۤ أَسۡلَمَ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَإِلَیۡهِ یُرۡجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، ﴿وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَیۡمِنًا عَلَیۡهِۖ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡ عَمَّا جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ﴾ [المائدة: ٤٨]. 

ويدل على هذا المعنى من الحديث الشريف: قوله ﷺ عن سيدنا موسى - عليه السلام: «.... وَلَوْ كَانَ حَيًّا ‌وَأَدْرَكَ ‌نُبُوَّتِي ‌لَاتَّبَعَنِي» [سنن الدارمي، باب ما يتقى من تفسير حديث النبي - ﷺ، وقول غيره عند قوله: ١/ ١١٥، ١١٦، ورواه الإمام أحمد بلفظ: «‌وَلَوْ ‌كَانَ ‌مُوسَى ‌حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلا اتِّبَاعِي» [مسند أحمد ٢/ ٣٨٧].

وقوله ﷺ: «وَالَّذِي نفسي مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» [صحيح مسلم بشرح النووي، طبعة الشعب، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ ٦/ ٣١، وارجع إلى تفسير ابن كثير في تفسير الآية ٨٢ من سورة آل عمران، طبعة الشعب ٢/ ٥٦].

وليس الإسلام الذي يراد به معنى الدين الذي جاء به محمد ﷺ منحصرًا في العبادات أو فيما هو ظاهر من أحكام هذا الإسلام، وإنما هو دين عام يشمل العقائد والشرائع والأحكام والأخلاق، ونحوها مما أمره الله بتبليغه للخلق، وهو ما يؤدي إليه النظر في آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي الأمين، كما يؤدي إليه النظر في كتب الفقه ونظم التشريع التي تضمنتها شريعته.

وقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - أول الناس معرفة بهذا الشمول، وإدراكًا له، وافتخارًا به، وها هو عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - يقول للناس - بالمدينة - بعد عودته من الحج: "أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ، وَفُرِضَتْ لَكُمُ الْفَرَائِضُ، وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ". [موطأ الإمام مالك بن انس، تصحيح وتخريج الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة الشعب، كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم ص ٥١٥]، وقال أبو ذر الغفاري – رضي الله عنه: "ولقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا"، وقال سلمان الفارسي – رضي الله عنه - مثل ذلك [سنن الترمذي: أبواب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة ١/ ١٣، ومسند أحمد ٤/ ١٢٦، ٥/ ١٥٣ ،١٦٢، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٤٩، وانظر حديث العرباض بن سارية في سنن ابن ماجه، المقدمة١/ ١٦]، والإسلام بهذا المعنى العام يبدأ بالنطق باللسان للشهادة التي هي أول أركان هذا الاسم، ولكنه يتطلب مقتضيات أخرى وعناصر كثيرة كي يتم بناؤه وتكتمل أركانه، وينبغي أن تكون جميعها مقرونة بالتسليم لله، والإذعان لأمره ولشرعه.

ويوضح الراغب الأصفهاني ذلك، فيقول:

 الإسلام في الشرع على ضربين: أحدهما دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يحقن الدم... والثاني فوق الإيمان، وهو أن يكون - مع الاعتراف اعتقادًا بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر [الراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، إعداد وإشراف د/محمد أحمد خلف الله، مكتبة الأنجلو المصرية ط ١٩٧٠، ص ٣٥١].

ويدل على مثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا یُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ یُحَكِّمُوكَ فِیمَا شَجَرَ بَیۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا یَجِدُوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَرَجࣰا مِّمَّا قَضَیۡتَ وَیُسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمࣰا﴾ [النساء: ٦٥]، وقد ظل هذا الإسلام يتنزل على الرسول ﷺ منذ مبعثه إلى قرب انتهاء أجله، فلما اكتمل نزوله أنزل الله عليه قوله تعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ یَئِسَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِن دِینِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣]. 

ج - وقد يكون المراد بالإسلام في بعض الآيات والأحاديث الأعمال الظاهرة التي هي من ضمن أعمال الإسلام بالمعنى العام الذي سبق الحديث عنه، والذي يتضمن الأعمال الظاهرة والباطنة جميعًا.

ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُوا۟ وَلَٰكِن قُولُوۤا۟ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا یَدۡخُلِ ٱلۡإِیمَٰنُ فِی قُلُوبِكُمۡۖ﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله ﷺ في حديث جبريل - عليه السلام - عندما سأله جبريل عن الإسلام، فقال: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» [صحيح مسلم، بشرح النووي، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان... (١/ ١٢٨ - ١٣٥)]، وقد رواه عن عمر، وأبي هريرة، والمشهور تقديم الإسلام، ومنها رواية عند مسلم في الباب نفسه ١/ ١٢٩ - ١٣٧، ورواية عند البخاري، طبع إستانبول، باب الإيمان، باب سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة... ١/ ١٨، وهي عن أبي هريرة]، وقوله ﷺ: «الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ...» [مسند أحمد ٣/ ١٣٤، ١٣٥، والإيمان للحافظ أبي بكر بن أبي شيبة، نشر ضمن أربع رسائل دار الأرقم الكويت، ص ٥] إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تجري هذا المجرى، ويتفق معها الآيات والأحاديث التي تجمع في سياق واحد بين الإسلام والإيمان، أو تتحدث عن الإيمان وما يترتب عليه من أعمال الإسلام، ويقصد بالإسلام - عندئذٍ تلك الأعمال الظاهرة كالصلاة، والصيام، والصدقة ونحوها من الأعمال.

أما الإيمان: فيقصد به اعتقاد القلب وعباداته المختصة به كالخوف من الله، والرجاء له والتوكل عليه والرضا بأمره والتسليم لحكمه والمحبة له، ونحو ذلك من العبادات، فهذه معان ثلاثة للإسلام، في بعضها عموم، وفي بعضها خصوص، وينبغي استحضارها عند بيان العلاقة بين الإسلام والإيمان، ولاسيما بالنسبة للمعنى الثاني والثالث من معاني الإسلام.

الإيمان في اللغة والشريعة

تمهيد: الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ وَالْأَمَانَةُ وَالْإِيمَانُ تَرْجِعُ فِي اللُّغَةِ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ هو الهمزة والميم والنون، ويتصل بعضها ببعض ويتقارب بعضها مع بعض في المعنى، فالأمان والأمانة بمعنى، والأمن ضد الخوف، والإيمان: الثقة وإظهار الخضوع، فإذا كان ذلك متوجهًا به إلى الله تعالى فإنه يؤدي إلى  المهابة له والثقة فيه، والركون إليه، فإذا كان كذلك فإن صاحبه يأمن من عذاب الله تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یَلۡبِسُوۤا۟ إِیمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُو۟لَٰۤئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، ومثل هذا يوصف بالأمانة والبراءة من الخيانة؛ لأن ما فيه من خصال الإيمان يجعله مأمون الجانب بحيث يأمنه الناس ولا يخافون غائلته، وفي الحديث: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُؤْمِن مَنْ أمِنَه الناسَ عَلَى دِمَائِهِم وِأَمْوَالِهِم»، والأمانة كما يقول ابن منظور: تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان، وقد جاء في كل منها حديث [ابن منظور: لسان العرب، طبعه دار المعارف، مادة أمن ج ١ ص ١٤، وما بعدها].

والإيمان في الأصل الثقة وإظهار الخضوع، وقبول الشريعة إفعال من الأمن ضد الخوف، كما يقول الكفوي [أبو البقاء الكفوي: الكليات، تحقيق د/عدنان درويش، ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت ط ٢/ ١٩٩٣ مادة الإيمان ص ٢١٢]، ثم استعملت الكلمة في الدلالة على التصديق على سبيل المجاز اللغوي لاستلزامه ما هو معناه فإنك إذا صدقت أحدًا آمنته من التكذيب في ذلك التصديق [السابق ٢١٢]، وقد يكون ذلك حقيقة لغوية، يقال آمن بالشيء صدق، وأمَّن كذب من أخبره، وعلى هذا فالإيمان التصديق، وهو مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن.

وفي التنزيل العزيز قول إخوة يوسف لأبيهم يعقوب، بعد ادعائهم أن الذئب أكله: ﴿قَالُوا۟ یَٰۤأَبَانَاۤ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا یُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَاۤ أَنتَ بِمُؤۡمِنࣲ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِینَ﴾ [يوسف: ١٧] أي: وما أنت بمصدق لنا في هذه الدعوى.

وينقل ابن منظور عن بعض اللغويين؛ أنه قد اتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق، قال تعالى: ﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُوا۟ وَلَٰكِن قُولُوۤا۟ أَسۡلَمۡنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، ثم أضاف إلى ذلك أن الإيمان لا بد أن يكون صاحبه صديقًا؛ لأن قولك آمنت بالله، أو قال قائل: آمنت بكذا وكذا فمعناه فصدقت [ابن منظور: لسان العرب، مادة أَمِنَ] وليس التصديق هو مجرد المعرفة أو التقبل للأمر بل إنه أمر زائد أو الخبر على ذلك، يقول الكفوي نقلًا عن فخر الدين الرازي: والتصديق وانقياد الباطن متلازمان [الكليات مادة الإيمان ص٢١٣].

الإيمان في القرآن والسنة

وقد جاء الإيمان ومشتقاته في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بمعان [وردت كلمة الإيمان بمعنى الصلاة في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ} [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم كما جاء في كتب التفسير، كذلك جاء في بعض إضافة الفرائض كالصلاة، والزكاة، وأداء الخمس من المغنم إلى الإيمان، وكأن الإيمان عندئذٍ بمعنى الإسلام، ومن ذلك ما جاء في حديث الرسول لوفد عبد القيس [راجع مثلًا إلى الترمذي أبواب الإيمان، باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان ٣/ ١٢١، ١٢٢، وجامع الأصول ١/ ٢٢٤- ٢٢٦]، منها:

 أ - أنه أتى اسمًا للشريعة التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم - للمؤمنين بها تمييزًا لهم عن أهل الرسالات السابقة، وأصحاب النحل الأخرى ممن ينتسبون إلى بعض الأنبياء كالصابئة، وعلى ذلك قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} [البقرة: ٦٢]، وانظر الآية ٦٩ من المائدة- والآية ١٧ من سورة الحج [انظر الراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، بعناية د/محمد أحمد خلف الله، الأنجلو المصرية ١٩٧٠ مادة أمن ص ٣١، وانظر مادة صبأ ص٤٠٥].

ب - ورد لفظ الإيمان - في الكتاب والسنة - للدلالة على اعتقاد القلب وتصديقه بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أصول الدين، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر.

ومما يدل على ذلك من القرآن الكريم: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا } [النساء: ١٣٦]، {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ} [النحل: ١٠٦]، {وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ} [الحجرات: ٧]، {قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ } [الحجرات: ١٤]، {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ} [المجادلة: ٢٢]، إلى آيات أخرى.

ومما يدل على ذلك من السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل لما سأله عن الإيمان «أَنْ ‌تُؤْمِنَ ‌باللهِ ‌وَمَلَائِكَتِهِ ‌وَكتُبِهِ ‌وَرُسُلِهِ ‌وَالْيَوْمِ ‌الآخِرِ، ‌وَتُؤْمِنَ ‌بِالْقَدَرِ ‌خَيْرِهِ ‌وَشَرِّهِ» [الحديث بتمامه في صحيح مسلم، وفي صحيح البخاري، وقد سبق تخريجه].

وقوله صلى الله عليه وسلم: «أربعٌ لن يجدَ رجلٌ طعمَ الإيمانِ حتى يُؤمنَ بهنَّ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه، وأنِّي رسولُ اللهِ بعثني بالحقِّ، وبأنَّهُ ميتٌ ثم مبعوثٌ من بعدِ الموتِ، ويُؤمنُ بالقدرِ كلَّهُ» [أخرجه الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه: الإيمان، دار الأرقم، الكويت ص، وهامش ١ بها، وأخرجه الترمذي بنحوه في كتاب أبواب القدر، باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره ٣/ ٣٠٦، ٣٠٧، وجامع الأصول، لابن الأثير١/ ٢٢٨].

ويتضح من النظر في هذه الآيات والأحاديث، وأمثالًا أن المراد بالإيمان هو اعتقاد القلب، وتصديقه وتسليمه بما تضمنته من أصول الدين وأعمال القلوب.

ج - ثم جاء الإيمان - في نصوص شرعية أخرى - اسمًا جامعًا لكل ما أمر الله تعالى به أو حثَّ عليه من القول باللسان، والاعتقاد بالقلب والعمل بالجوارح وأعمال الإسلام، وليس الإيمان بهذا المعنى العام مقصورًا على اعتقاد القلب، كما هو الحال في المعنى السابق، بل إنه يشمل سائر المطالب التي يتضمنها الدين.

ومن الآيات التي تدل على هذا المعنى: قوله تعالى: - {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ * ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ} [الأنفال: ٢-٤]، {قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُون* ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ *وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} [المؤمنون: ١-١١]، وعلى هذا المعنى جاءت بعض الآيات التي ذكرت أوصاف المتقين [انظر مثلًا البقرة، ٣، ٤، وآل عمران ١٣٣ - ١٣٥، ومادة وقى في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث].

ومن الأحاديث الدالة على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم: «الإِيمَانُ ‌بِضْعٌ ‌وَسِتُّونَ ‌شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، ‌وَالْحَيَاءُ ‌شُعْبَةٌ ‌مِنَ ‌الْإِيمَانِ» [ صحيح البخاري ، كتاب الإيمان ، باب أمور الإيمان ، ٨/١]، وجاء في إحدى روايات مسلم بلفظ: «بضع وسبعون أو بضع وستون» [صحيح مسلم بشرح النووي: كتاب الإيمان ، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء ١ /٨ ٢٠ - ٢١٠، ومسند أحمد ٢/ ٤٤٥، وقد خصصت كتب كاملة لبيان هذه الشعب، منها كتاب المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي، وشعب الإيمان، للبيهقي].

وعلى هذا النحو من التحديد لمعنى الإيمان كان قول الخليفة العادل: عمر بن عبد العزيز - رحمه الله – "إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان" [صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان ١/ ٨].

وكذلك جرى الإمام البخاري - رحمه الله - على هذا المعنى في كتاب الإيمان، حيث أورد الأحاديث التي تتحدد بها علامات الإيمان وأموره ومقوماته، ومنها حب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحب الأنصار وحب المؤمنين بعضهم بعضًا، ومنها ما يتعلق بخلق الحياء، والجهاد في سبيل الله، والحج والإنصاف وبذل السلام، والإنفاق، وغيرها من شعب الإيمان وعلاماته [السابق ١/ ٧، وما بعدها].

وتدل الآيات والأحاديث السابقة وما يجري مجراها على عموم معنى الإيمان، وإن كان ذلك لا يعني أن الشعب التي يتضمنها هذا الإيمان على درجة واحدة من الأهمية، فبعضها أصل وأساس، وبعضها فروع وثمرات، وبعضها أخلاق ومعاملات، وبعضها فضائل ومكارم، وبعضها من عبادات القلب، وبعضها من عبادات الجوارح، وبعضها يكفر جاحده أو تاركه، وبعضها يعصى إذا تركه وهكذا، وأصل هذا كله هو الاعتقاد بالأصول، وهي التي يتأسس عليها الدين، وبدونها لا يقوم للدين بناء، وفي هذا المعنى قيل: "والدين القائم بالقلب من الإيمان: علمًا وحالًا هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع، فالدين أول ما يُبنى من أصوله، ويكمل بفروعه، كما أنزل بمكة أصوله من التوحيد والأمثال، التي هي المقاييس العقلية، والقصص والوعد والوعيد، ثم أنزل بالمدينة - لما صار له قوة - فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة ونحوها".

ويتفق هذا مع المنهج النبوي الذي كان يعلمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - للرسل الذي كان يرسلهم إلى البلاد التي تدخل في الإسلام، وقد كان النبي يوصيهم بالدعوة إلى أصول الدين والإيمان أولًا، فإذا استجاب الناس لها انتقلوا إلى دعوتهم التي ما ينبني عليها من أحكام الإسلام، ومن هذا ما قاله لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن: «‌إِنَّكَ ‌تَقْدَمُ ‌عَلَى ‌قَوْمٍ ‌مِنْ ‌أَهْلِ ‌الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ» [صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى توحيد الله تبارك وتعالى٤/ ١٦٨، وقد أخرجه مسلم بروايات متعددة في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ١/ ١٦٦ - ١٦٩، ومسند أحمد ١/ ٢٣٣].

وتوضح السيدة عائشة بنت أبي بكر - رضي الله عنها - أم المؤمنين، سر هذا الترتيب في قولها عن تنزل القرآن الكريم:" إنما نزل - أول ما نزل منه - سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا"[صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن ٦/ ١٠١،١٠٠].

وهكذا تنوعت - في النصوص الشرعية - معاني الإسلام والإيمان، وهي معانٍ تتحد في مضمونها العام أحيانًا، وربما تكاملت في معانيها الخاصة أحيانًا أخرى، كما سيتبين - إن شاء الله - بعد الفقرة التالية.

اختلاف المتكلمين في معنى الإيمان

ثالثًا: آراء المتكلمين في الإيمان: يلاحظ الدارس لآراء المتكلمين في بيان معنى الإيمان ومقوماته وعناصره أنهم يختلفون فيه اختلافًا كثيرًا، حتى لقد نجد للفرقة الواحدة منهم آراء متعددة، قد تزيد على العشرة أحيانًا، وذلك على حسب اختلاف زعمائهم أو انقسام فرقهم إلى فرق فرعية.

ويطول بنا الأمر إن تتبعنا كل هذه الآراء المختلفة، ولهذا سنقتصر على إيراد ما يمثل أهم الآراء الممثلة لها، وبخاصة الفرق الرئيسية منها:

أ - يذكر الأشعري - في المقالات - أن الشيعة اختلفوا في الإيمان ما هو على ثلاث فرق، أولها وهم جمهور الرافضة يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسوله وبالإمام، فإذا أقر الواحد منهم بذلك وعرف فهو مؤمن مسلم، وإذا أقر ولم يعرف فهو مسلم وليس بمؤمن، وبعضهم يزعمون أن الإيمان اسم للمعرفة والإقرار ولسائر الطاعات، فمن جاء بذلك كله كان مستكمل الإيمان، ومن ترك شيئًا مما افترض الله عليه غير جاحد فليس بمؤمن، ولكن يسمى فاسقًا وهو من أهل الملة تحل مناكحته وموارثته. [الأشعري: مقالات الإسلاميين، طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، النهضة المصرية ط٢/ ١٩٦٩، ج ١/١٢٥، ١٢٦].

وأصحاب الرأي الأول يجعلون الإيمان هو الإقرار بالقلب، ولكنهم يضيفون إلى ما يجب الإقرار به الإقرار بالإمام الذي هو ركن من أركان الإيمان عندهم؛ لأن الإمامة عندهم ليست متعلقة بمسألة سياسية، وليست مسألة من مسائل الفروع، بل إنهم نظروا إليها على أنها قضية أصولية، بل على أنها ركن الدين كما يقول الشهرستاني أو على أنها ركن الدين وقاعدة الإسلام، كما يقول ابن خلدون. [انظر الشهرستاني: الملل والنحل، بهامش الفصل، لابن حزم، المطبعة الأدبية ١٣١٧ هـ،١/١٩٥، ومقدمة ابن خلدون طبعة الشعب ص ١٧٥، ١٧٦]، أو كما يقول أبو جعفر الكليني عن الإمامة إنها زمام الدين، ونظام المسلمين وهي أس الإسلام النامي وفرعه السامي، وهي نظام الدين وعز المسلمين. [الكليني: الأصول من الكافي، طبع المكتبة الإسلامية طهران ١٣٨٨ هـ ج ١/ ١٥٥-١٥٥٦] وهو يقول: أما لو أن رجلًا قام ليله وصام نهاره وتصدق بماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه... ما كان له على الله – عز وجل - حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان. [السابق ٢ / ١٥، ١٦، ١٧ - ١٩ ومواطن أخرى كثيرة].

أما أصحاب الرأي الثاني فلا يقصرون الإيمان على المعرفة والإقرار، بل يضيفون إلى ذلك القيام بساتر الطاعات، أي أن الإيمان ليس مجرد معرفة القلب وإقراره بل يدخل فيه فعل الجوارح أيضًا. 

 ب - وللزيدية أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رأيان في المسألة أيضًا: أولهما رأي أوائلهم والمتقدمين منهم، وهم بحسب تعبير الأشعري: يزعمون أن الإيمان المعرفة والإقرار واجتناب ما جاء فيه الوعيد، وجعلوا مواقعة ما جاء فيه الوعيد كفرًا، وليس بشرك ولا جحود، بل هو كفر نعمة...

أما الرأي الثاني فهو رأي قوم من متأخريهم وهم يزعمون أن الإيمان جميع الطاعات، وليس ارتكاب كل ما جاء فيه الوعيد كفرًا، وقد اجتمعت الزيدية كلها على أن أصحاب الكبائر كلهم معذبون في النار خالدون فيها، مخلدون أبدًا، لا يخرجون منها، ولا يغيبون عنها [مقالات الإسلاميين ١/ ١٤٩].

 ج - أما المرجئة فقد اختلفوا في الإيمان ما هو اختلافًا بيّنًا، وظهرت لهم فيه آراء على حسب ما انقسمت إليه فرقتهم، وقد انقسموا على اثنتي عشرة فرقة، وقد ذهبت أكثر هذه الفرق - مع فروق يسيرة، أو مع إجمال وتفصيل - إلى أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم لهما، والخوف منهما والعمل بالجوارح فليس بإيمان.  [انظر: مقالات الإسلاميين ١/ ٢١٣، وانظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين لفخر الدين الرازي، مكتبة الكليات الأزهرية١٩٨٧ ص ١٠٨، ٤٨والملل والنحل ١/ ١٩٠].

وذهبت الجهمية منهم وهم أتباع جهم ابن صفوان أن الإنسان إذ أتى بالمعرفة، ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح [السابق ٢١٧]، وذهب بعض هؤلاء إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان، وهو التصديق، وعللوا ذلك بأن الإيمان في اللغة هو التصديق [السابق١/ ٢١٧].

وممن يرى هذا الرأي أصحاب محمد بن كرام الذين يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب، وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيمانًا، وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ كانوا مؤمنين على الحقيقة، وزعموا أن الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان [السابق١/ ٢٢٣]، ولا يحتاج مثل هذا الرأي إلى مزيد تأمل لبيان ما فيه من البطلان والفساد، بل إن ذلك يظهر بأدنى نظر ويكفي في رده أن نذكر قول الله - عز وجل - في الكلام عن المنافقين ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِینَ﴾ [البقرة: ٨]،  وقد وصفهم القرآن - بعد ذلك - بمرضى القلوب وفساد الأعمال وسفاهة العقول، وعاقبهم الله - بسبب كفرهم ونفاقهم - بالاستهزاء بهم، والبقاء على ما هم فيه من الطغيان والضلال وبخسارة صفقتهم وبوار تجارتهم إلى صفات كثيرة أخرى [راجع الآيات ٩ وما بعدها إلى الآية ٠ ٢ من سورة البقرة]، ثم حكم الله على هؤلاء المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِینَ فِی ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِیرًا﴾ [النساء: ١٤٥]، [وانظر الآية ١٣٨وما بعدها] من نفس السورة فكيف يكون هؤلاء مؤمنين لمجرد نطقهم باللسان، بل أن يكونوا مؤمنين على الحقيقة كما يقول هؤلاء؟!! وقد أضاف بعضهم إلى ما سبق مقالة أخرى، هي من أشهر ما ينسب إليهم وهي قوله: إنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة [انظر: مقالات الإسلاميين ١/٢٨٨، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ١٠٨، والملل والنحل ٠١٩٠/١]، وأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة [المقالات في الموضع السابق]، وهي مقالة تعارض ما تحدث به القرآن والسنة عما يستلزمه الإيمان من الطاعة لله وشرعه ورسوله، ووجوب عمل الصالحات وتفريق الإسلام بين المتقين والفجار: ﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِینَ فِی ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِینَ كَٱلۡفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، ويقول تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنࣰا كَمَن كَانَ فَاسِقࣰاۚ لَّا یَسۡتَوُۥنَ﴾ [السجدة: ١٨]، ويقول تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ ٱجۡتَرَحُوا۟ ٱلسَّیِّءَاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَاۤءࣰ مَّحۡیَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ * وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١-٢٢]،  ثم إن أقوال المرجئة - في هذه المسألة - تهوِّن من شأن الطاعة وتجرئ الناس على معاصي الله عزوجل، وتسهل لهم سبل الخروج من مقتضيات التكليف، وتصرفهم عن تحمل تبعاته، وبذلك تتمزق عرى الإيمان، ويتحول الأمر إلى  مجرد المعرفة أو مجرد نطق اللسان، وكلاهما لا يقوم به دين، ولا يتحقق به إيمان.

د - وأما الإيمان عند الأشاعرة فهو- كما يقول أحد كبار أئمتهم وهو أبو بكر الباقلاني- التصديق بالله تعالى، والعلم به، وهو يوجد بالقلب.

وقد استدل لذلك بإجماع أهل اللغة على أن الإيمان في اللغة هو التصديق، وأن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يعرفون إيمانًا غير ذلك، وقد دلت بعض آيات القرآن على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَنتَ بِمُؤۡمِنࣲ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِینَ﴾ [يوسف: ١٧]، فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة؛ لأن الله - عز وجل - ما غيَّر لسان العرب ولا قَلَبَه، ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله... وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك، بل أقر أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان فيها دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي، ثم أورد بعض الآيات وعلق عليها بقوله فدل ما قلناه على أن الإيمان هو ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات[الباقلاني: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، تحقيق الشيخ عماد الين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١/ ١٩٨٧، ٣٨٩ ، ٣٩٠].

وينسب عبد القاهر البغدادي إلى أبي الحسن الأشعري إن الإيمان هو التصديق لله ولرسله عليهم السلام في أخبارهم، ولا يكون هذا التصديق صحيحًا إلا بمعرفته [عبد القاهر بن طاهر البغدادي: أصول الدين، تصوير دار الكتب العلمية - بيروت].

ويوضح الباقلاني علاقة هذا الشرعية فيقول: واعلم أن محل التصديق القلب، وهو أن يصدق القلب بأن الله إله واحد، وأن الرسول حق، وأن جميع ما جاء به الرسول حق، وما يوجد من اللسان - وهو الإقرار- وما يوجد من الجوارح وهو العمل فإنما ذلك عبارة عما في القلب ودليل عليه، ويجوز أن يسمَّى إيمانًا حقيقة على وجه، ومجازًا على وجه.

ومعنى ذلك: أن العبد إذا صدَّق قلبه بما قلنا وأقرَّ بلسانه وعملت جوارحه فهو المؤمن الحقيقي عند الله وعندنا، وأما من كذب بقلبه وأقر بالوحدانية بلسانه وعمل الطاعات بجوارحه، فهذا ليس بمؤمن حقيقة وإنما هو مؤمن مجازًا؛ لأن ذلك يمنع دمه وماله في أحكام الدنيا، لأنه مؤمن من حيث الظاهر، وهو عند الله غير مؤمن [الباقلاني: رسالة الحرة، المسماة بالإنصاف ص ٥٥]، ويكتمل هذا بالحديث عن المقصر في الأعمال أو مرتكب الكبيرة، وفي ذلك يقول: إن المُصدِّق بجميع ما جاء به الرسول -عليه السلام - إذا ترك صلاة، أو صيامًا، أو زكاة، أو قراءة في مواضع تجب فيه القراءة، أو غير ذلك من الواجبات لا يوصف بالكفر بمجرد الترك، مع كمال التصديق وثباته عليه، وبالضد من ذلك لو فعل جميع الطاعات، أو أقر بجميع الواجبات وصدق بجميع ما جاء به الرسول إلا تحريم الخمر أو نكاح الأم، ولم يفعل واحدًا منهما، فإنه يوصف بالكفر وانسلخ من الإيمان. [السابق: ٥٧]، وأوضح كذلك أن نطق اللسان بالإيمان لا ينفع مع إصرار القلب على الكفر، وأن إقرار اللسان بالكفر لا يضر مع تصديق القلب [انظر السابق ٥٦].

ويتضح من كلام الباقلاني، بل من كلام الأشاعرة عمومًا أن تركيزهم كان مُنصبًّا على اعتقاد القلب، فهو الذي يصحح نطق اللسان، ويُبرئ صاحبه من النفاق، ثم هو الذي يؤدي إلى قبول الأعمال عند الله تعالى، ولولاه لكانت هباءً منثورًا.

وكان المقصد من وراء هذا التركيز على صحة يقين القلب وصدق اعتقاده دون جعل الأعمال ركنًا من أركان الإيمان، بحيث تكون مساوية للتصديق والإقرار هو المخالفة لرأي الخوارج الذين يكفرون بالمعصية والذنب، ثم المخالفة لرأي المعتزلة الذين يقولون: إن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وأن مآله - إذا مات من غير توبة منها - هو الخلود في النار [انظر مقالات الإسلاميين ١/ ١٦٨، ٣٣١]، وهذا يعني أن للأعمال مكانها في تصديق هذا الإيمان والتعبير عنه، ولكنها لا تبلغ مبلغه ولا مكانته، ويتضح هذا من قول الباقلاني: واعلم أننا لا ننكر أن نطلق القول بأن الإيمان عقد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان، على ما جاء في الأثر، لأنه ﷺ إنما أراد بذلك أن يخبر عن حقيقة الإيمان الذي ينفع في الدنيا والآخرة، لأن من أقر بلسانه، وصدق بقلبه وعمل بأركانه حكمنا له بالإيمان وأحكامه في الدنيا من غير توقف ولا شرط، وحكمنا له أيضًا بالثواب في الآخرة وحسن المنقلب من حيث شاهد الحال، وقطعنا له بذلك في الآخرة، بشرط أن يكون في معلوم الله تعالى أن يحييه على ذلك ويميته عليه... [ رسالة الحرة المسماة بالإنصاف ص ٥٦].

والخلاف بين ما يقول به الباقلاني والأشاعرة، وما يقوله أهل الحديث في المسألة يكاد يكون خلافًا لفظيًّا، كما سيتضح فيما بعد.

هـ - ويقترب من هذا الرأي الذي قاله الأشاعرة قول الإمام أبي منصور الماتريدي (٣٣٣هـ) وأصحابه، فالإيمان عنده كما يثبت بأدلة القرآن، وبما جرى عليه اللسان، وبما عليه أهل الإيمان "هو التصديق، به نؤمن، وبذلك جرت أحكام القرآن في الحلال والحرام، وما به قيام العبادات والاشتراك في الجماعات" [أبو منصور الماتريدي: كتاب التوحيد، نشرة د. فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية، د. ت ص ٣٣٢].

وقد استنبط من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِیمَٰنِ﴾ [النحل: ١٠٦]، أن الله - عز وجل - لم يجعل كفرًا باللسان إذا لم يكن عبارة عما في القلب، ومنع ذلك بإيمان القلب فثبت أن القلب هو موضع الإيمان [انظر السابق ٣٧٥].

وقد رد على القائلين بأن الإيمان هو الإقرار باللسان ردًا مطولًا [السابق ص ٣٧٣، وما بعدها]، وبيَّن في ردِّه عليهم أن الإيمان عقد ودين، وأن موضع ذلك هو القلوب، وكذلك المذاهب، إضافة إلى أن الإيمان في اللغة هو التصديق، وحقيقته ما لا يحتمل القهر والجبر، وذلك إنما يكون في القلب؛ إذ لا يجري عليه سلطان أحد من الخلق [السابق ٣٧٧، وفي النص غموض لم يكشفه التحقيق، وقد اجتهدنا في استخلاص هذا المعنى منه]، ثم إن الخطاب بالإيمان يلزم بالعقول، ويعرف حقيقة ما به الإيمان بالفكر والنظر، وذلك عمل القلوب، فمثله الإيمان [السابق ٣٧٨].

ولم يقتصر في عرضه لرأيه على نقد هذا الرأي، بل إنه قام كذلك بنقد آراء المعتزلة والخوارج والكرَّامية وغيرهم، وهو يذكرهم بأسمائهم، ويورد من الآيات ما يتضمن الرد عليهم [انظر السابق ٣٢٦ وما بعدها، ٣٣٢ وما بعدها، ٣٧٣ وما بعدها، ٣٨٠ وما بعدها].

ومما قاله في الرد على المعتزلة والخوارج فيما أطلقوه من أحكام على مرتكب الكبيرة ما أورده من الآيات التي ثبت بها أنه لا يزول اسم الإيمان بكل ذنب... وفي ذلك نقض على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان بكل ذنب، ليس بمغفور لصاحبه حتى يستغفر، ونقض على الخوارج بما ذكرنا [كتاب التوحيد ٣٢٦].

ثم ذكرت آيات أخرى تطالب المؤمنين بالتوبة [النور: ٣١، والتحريم: ٨]، ثم قال: فألزمهم التوبة مع إثبات الإيمان، وأخبر أنه بالتوبة يغفر لهم، ومن ذلك وجهان: أحدهما على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان في كل ذنب لا يغفر عندهم إلا بالتوبة... وعلى الخوارج بتسميتهم [أصحاب المعاصي والذنوب] كفرة وأهل شرك [التوحيد ٣٢٦، ٣٢٧ وما بعدها، ص ٣٥٤، وانظر: المواضع السابقة في الهامش الأسبق].

ويسوقنا الكلام عن الماتريدي إلى الكلام عن الإمام أبي حنيفة النعمان، رحمة الله (١٥٠ هـ)، والإمام أبو حنيفة هو شيخ الماتريدي في المذهب [انظر: شرح العقائد النفسية، للتفتازاني، طبعة القاهرة ١٣٢٦، ص ١٧، ومفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى، حيدر أباد ٣٢٩، هـ ٢/ ٢١، ٢٢]، وقد نسبه الإمام الأشعري إلى الإرجاء، وذكره ضمن فرق المرجئة وقال عنه وعن أصحابه أنهم يزعمون أن الإيمان: المعرفة بالله والإقرار بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء به من عند الله في الجملة، دون التفسير] [انظر مقالات الإسلاميين ١/ ٢١٩- ٢٢١]، وقال من بعده عبد القاهر البغدادي: وروي عن أبي حنيفة أنه قال: الإيمان هو المعرفة والإقرار"[أصول الدين ٠٢٤٩].

ولعل عدم ذكر الأعمال ركنًا من أركان الإيمان أو شرطًا من شروطه هو الذي أدى إلى نسبة الإمام أبي حنيفة إلى الإرجاء، وأن يذكر ضمن المرجئة، مع أن رأيه لا يختلف - في هذه المسألة عن رأي كثير من أصحاب الفرق التي تقول بمثل رأيه أو قريب منه دون أن توصف بالإرجاء. وقد فسر الماتريدي هذه النسبة بأنها جاءته ممن يرون الإيمان جامعًا للخيرات كلها، وهذا - في رأيه - مما لا يحتمله اللسان ولا العقل [انظر كتاب التوحيد ٣٨١، ٣٨٢].

ثم نقل عن أبي حنيفة ما يدل على مراده بالإرجاء عندما سئل مم أخذت الإرجاء؟ فقال: من فعل الملائكة، حيث قيل لهم ﴿أَنۢبِءُونِی بِأَسۡمَاۤءِ هَٰۤؤُلَاۤءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِینَ﴾ [البقرة: ٣١]، إنه لما سئلوا عن أمر لم يكن لهم به علم فوَّضوا الأمر في ذلك إلى الله، وكذلك الحق في أصحاب الكبائر، إذ معهم خيرات، الواحدة منها لو قوبلت بجميع ما دون الشرك من الشرور لمحتها وأبطلتها فلا يحتمل أن يحرم صاحبها، ويخلد في النار ولكن يرجأ أمره إلى الله فإن شاء عفا عنه، إذا هو لم يحرمه عند فعله معرفته، ومعاداة أعدائه له، وتعظيم أوليائه، فعند شدة حاجته إلى عفوه وإحسانه يرجو ألا يحرمه [كتاب التوحيد ٣٨٢، ٣٨٣].

ويعلق الماتريدي قائلًا: إن هذا النوع من الإرجاء حقُّ [السابق ٣٨٣]، وهو محق في هذا؛ لأن هذا هو الموافق لما تضمنته آيات الكتاب الكريم من مثل تعالى: ﴿قُلۡ یَٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. 

وقوله تعالى: ﴿وَیَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن یَشَاۤءُۚ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿لِّیَجۡزِیَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِینَ بِصِدۡقِهِمۡ وَیُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِینَ إِن شَاۤءَ أَوۡ یَتُوبَ عَلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا﴾ [الأحزاب: ٢٤]. 

والقائل وهو موافق كذلك لكثير من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن رحمة الله وعفوه عن عصاة الموحدين حتى لا يتبقى في النار إلا من حبسهم القرآن الكريم وهم الكافرون والمشركون والجاحدون [انظر مثلًا الأحاديث الواردة في فتح الباري [طبعة الريان]، الأرقام ٩٩، ٣٤٨، ٦١٤،٤٧١ ومواطن أخرى، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار١ / ٤٥٦- ٤٨١]، ومن يقول بهذا الرأي لا يهدر الأعمال بل يدعو إلى رعايتها والمحافظة عليها، ولكنه لا يجعلها ركنًا حتى لا يقع في مثل قول الخوارج الذين حكموا بالكفر على مرتكب الكبيرة، أو مثل قول المعتزلة الذين جعلوه في منزلة بين المنزلتين؛ وقالوا بخلوده في النار، إذا مات من غير توبة، ومن هنا ظهر القول بتقسيم الإرجاء إلى إرجاء السنة وإرجاء البدعة، وممن أشار إلى ذلك الشهرستاني في حديثه عن المرجئة من أصحاب غسَّان الكوفي، الذي نسب إلى الإمام أبي حنيفة مثل قوله هو في الإرجاء.

وقد علق الشهرستاني على ذلك بقوله: "ومن العجب أن غسان كان يحكي عن أبي حنيفة - رحمه الله - مثل مذهبه ويعده من المرجئة، ولعله كذب، ولعمري كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه: مرجئة السُّنة، وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة، ثم قدَّم تفسيرًا لهذا قائلًا: ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول: الإيمان هو التصديق بالقلب، وهو لا يزيد ولا ينقص ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان ثم يدافع عنه قائلًا : والرجل مع تحرجه في العمل كيف يفتي بترك العمل، ثم يقدم تفسيرًا آخر يذكر فيه أنه كان يخالف القدرية والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول، والمعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئًا، وكذلك الوعيدية من الخوارج، ثم ينتهي إلى القول بأنه  لا يبعد أن اللقب إنما لزمه من فريقي المعتزلة والخوارج [الشهرستاني: الملل والنحل ١/ ١٨٨،١٨٩].

ز- أما المعتزلة فقد اختلف قولهم في الإيمان على ستة أقوال كما يقول الأشعري، وأكثر هذه الأقوال يرى أن الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها، وبعضهم يهتم عند ذكره للإيمان بما يناقضه ويعارضه كإبراهيم النّظّام وآخرين، وهؤلاء ذهبوا إلى أن الإيمان اجتناب الكبائر، واجتناب ما فيه الوعيد عندهم وعند الله تعالى باجتناب كل كبيرة، وبعضهم كهشام القوطي قسَّم الإيمان إلى نوعين: إيمان بالله وإيمان لله، فالإيمان بالله ما كان تركه كفرًا بالله كالتوحيد، والإيمان لله وهو نوعان أيضًا، فمنه ما يكون تركه كفرًا، ومنه ما يكون تركه فسقًا ليس بكفر نحو الصلاة والزكاة، فمن ترك شيئًا من هذا القسم ينظر في حال صاحبه فمن تركه على الاستحلال كفر، ومن تركه على التحريم كان تركه فسقًا ليس بكفر، ثم قد يكون منه - زيادة على ما سبق - ما يكون تركه صغيرًا ليس بفسق، وذهب بعضهم إلى أن الإيمان لله هو جميع ما افترضه الله - سبحانه - على عباده، وأن النوافل ليست بإيمان، أي ليست من جوهر الإيمان، وأن كل خصلة من الخصال التي افترضها الله سبحانه فهي بعض إيمان لله، وهي أيضًا إيمان بالله [انظر لهذه الأقوال: مقالات الإسلاميين ١/ ٣٢٩ –٣٣٠].

ويمكن القول بأن هذه الأقوال - على اختلافها - تتفق على أن الأعمال جزء من الإيمان، وركن من أركانه، وأن الإخلال بالفرائض والنوافل أو بالفرائض وحدها يمس جوهر الإيمان، وهو يُخرج مَن فعله من الإيمان إلى الكفر، أو من الإيمان إلى الفسق الذي يحكم على صاحبه عند جمهورهم بأنه ليس بمؤمن ولا كافر، وتجعله في منزلة بين المنزلتين  [انظر مقالات الإسلاميين ١/ ٣٣١، وانظر١/ ٣٣٢، ٣٣٥، ١/ ٦٠ -٦١]، وهذا هو المبدأ الذي انفردوا به عن غيرهم من الفرق الكلامية بل وعامة المسلمين، إلا من أخذ بقول المعتزلة في المسألة، وقد كان هو السبب الذي أدى إلى نشأة المعتزلة بعد الخلاف الذي تم بين واصل بن عطاء، أو عمرو بن عبيد مع الحسن البصري - رحمه الله - حول الحكم على مرتكب الكبيرة [انظر الفرق بين الفرق ، والملل والنحل بتحقيق الشيخ محيي الدين عبد الحميد ، طبعة صبيح ١٠ ، ٢٢ والملل والنحل ١/ ٦٠، وفضل الاعتزال، وطبقات المعتزلة، للقاضي عبد الجبار، تحقيق الأستاذ فؤاد سيد، طبع تونس ط ٢/ ١٩٨٦ ص ١٦٦ ، ووفيات الأعيان، لابن خلكان ، تحقيق د/إحسان عباس ، دار صادر ج ٦/٨ وانظر ٤/ ٨٥، من الوفيات أيضًا]

ح - وأما قول أصحاب الحديث وأهل السنة في الإيمان فهو - بحسب تعبير الإمام الأشعري قول وعمل] وقد ذكر الأشعري بعد أن سرد جملة أقوالهم وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب [السابق ١/ ٣٥٠]، وإن كان يلاحظ أنه - وهو يتحدث عن هذه المسألة في كتاب اللمع - ذهب إلى  أن الإيمان هو التصديق بالله، استنادًا إلى اللغة التي أنزل الله بها القرآن، ولذا وجب أن يكون الإيمان هو ما كان عند أهل اللغة إيمانًا وهو التصديق [الأشعري: كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، تصحيح، وتقديم وتعليق د/حمودة غرابة، مطبعة مصر ١٩٥٥ ص ١٢٣]، ومن قبل ذهب أهل السنة وأئمة المحدثين والفقهاء أن الإيمان نية وقول وعمل [انظر الإيمان، لأبي عبيد القاسم بن سلام ٥٣، ٥٤، ٦٦، وصحيح البخاري ،١٤٢كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: بني الإسلام على خمس ١/ ٧]، أو أنه: تصديق واعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان [انظر الشريعة، لأبي بكر الآجري، تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية ط ١/ ١٣٦٩ هـ، ص ١١٩ وما بعدها].

ويزيد عبد القاهر البغدادي الأمر تفصيلًا، فيقول مبينًا رأي أصحاب الحديث: "إن الإيمان جميع الطاعات: فرضها ونفلها، وهو على ثلاثة أقسام: قسم منه يخرج (صاحبه) به من الكفر، ويتخلص به من الخلود في النار، إن مات عليه وهو معرفته بالله تعالى وبكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره من الله... واعتقاد سائر ما تواترت به الأخبار الشرعية، وقسم منه يوجب العدالة وزوال اسم الفسق عن صاحبه ويتخلص به من دخول النار، وهو أداء الفرائض، واجتناب الكبائر، وقسم منه يوجب كون صاحبه من السابقين الذين يدخلون الجنة بلا حساب، وهو أداء الفرائض مع النوافل مع اجتناب الذنوب كلها [البغدادي: أصول الدين، ص ٢٤٩]، وقد ارتضى بعض الأشاعرة هذا الرأي، ومنهم أبو بكر البيهقي الذي أورد بعض الآيات القرآنية، مستنبطًا منها أن المؤمنين هم الذين جمعوا ما في هذه الآيات من الأعمال التي يقع بعضها في القلب، وبعضها باللسان، وبعضها بهما وسائر البدن، وبعضها بهما أو بأحدهما وبالمال [الاعتقاد على مذهب أهل السنة والجماعة، ص ٩٨، وقد ذكر أنه ذكر بيان هذا الرأي ودليله في كتاب الإيمان وكتاب الجامع، ولعله يقصد به شعب الإيمان انظر: الاعتقاد ٩٩].

وقد قدَّم تقسيمًا ثلاثيًّا للإيمان يختلف عن هذا الذي قدمه البغدادي، لاختلاف زاوية النظر. ويوضح هذا بقوله وبهذه الآية [يقصد الآيات من ٢ - ٤ من سورة الأنفال]، وما في معناها من الكتاب والسنة ذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن اسم الإيمان يجمع الطاعات فرضها ونفلها، وأنها على ثلاثة أقسام، فقسم يكفر بتركه، وهو اعتقاد ما يجب اعتقاده والإقرار بما اعتقده، وقسم يفسق بتركه أو يعصي، ولا يكفر به، إذا لم يجحده، وهو فروض الطاعات كالصلاة والزكاة... واجتناب المحارم، وقسم يكون بتركه مخطئًا تاركًا للأفضل غير فاسق ولا كافر، وهو ما يكون من العبادات تطوعًا [الاعتقاد ص ٩٨].

ويتضح من التعريفات والتقسيمات السابقة أن الإيمان يتضمن ثلاثة عناصر متكاملة، تمثل الإيمان الكامل الذي يوصل صاحبه إلى مرضاة الله وجنته، وهذه العناصر هي النطق للشهادتين باللسان، ثم الاعتقاد بالقلب والإقرار به لركن العقائد من هذا الإيمان ثم العمل بالجوارح والأركان، وهو بمثابة التصديق لنطق اللسان واعتقاد القلب.

والقسم الأوسط الخاص بالاعتقاد هو أهمها جميعًا، وهو أساس قبولها، وسبيل النجاة من النفاق الذي يخرج صاحبه من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر، ويجعله مستحقًا لأشد العذاب.

ولقد يدل النظر المتعجل إلى هذا الرأي على أنه شبيه ببعض ما ذكرناه عن بعض الفرق الأخرى كالمعتزلة، أو ببعضها الآخر كالخوارج الذين قالوا هم والمعتزلة برجوع الإيمان إلى جميع الفرائض، مع ترك الكبائر [البغدادي: أصول الدين ص ٢٤٩، وانظر الإيمان، لأبي عبيد القاسم بن سلام ١٠١، ١٠٢ وهو يذكر بعض فرقهم]، غير أن النظر الفاحص يدل على وجود فارق مهم ينصب على قسم أعمال الجوارح التي لا يُكفر أهل الحديث مَن وقع فيها بالذنب أو لا يكفرون بكل ذنب، بل يعدون المقصر فيها مؤمنًا عاصيًا، وهم يَدَعونه لمشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، فإذا عذبه لا يخلده في النار.

أما الخوارج فإنهم يحكمون على مرتكب الكبيرة بالكفر أي: أنهم يجعلون الأعمال مساوية للاعتقاد، ويقرب من رأيهم رأي المعتزلة الذين يحكمون على مرتكب الكبيرة بأنه في منزلة بين المنزلتين، وأنه يخلد في النار إذا مات من غير توبة.

وإذا كان رأي السلف وأهل الحديث أبعد في الحكم من قول المعتزلة والخوارج، فإن رأي الأشاعرة والماتريدية يقترب منه قربًا كبيًرا؛ لأن جانب العمل غير مهمل عندهم، ولكنه عندهم أقرب إلى أن يكون شرطًا أو ثمرة ونتيجة لا ركنًا، ولهذا لا يستغرب عندهم أن يتفق حكمهم جميعًا على مرتكب الكبيرة، ثم لا يستغرب عند بعض أئمتهم كالباقلاني أن يقال: إن الإيمان عقد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان [انظر: رسالة الحرة المسماة بالإنصاف ٥٦، وقد سبقت الإشارة إلى هذا تفصيلًا].

والأولى بنا إيثار ما يؤدي إلى الوفاق، واجتماع الكلمة بدلًا من الجنوح إلى التعصب والتحزب والخلاف.

وقد انتهى الأمر ببعض الناظرين في المسألة إلى أن الاختلاف الواقع فيها هو اختلاف صوري أو لفظي، كما سبق القول فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءًا من الإيمان مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد هذا والله أعلم.

علاقة الإسلام بالإيمان

رابعًا: علاقة الإسلام بالإيمان: تبين مما سبق أن الإسلام قد يأتي بمعنى عام يقصد به جملة الدين بما فيه من العقائد والأخلاق والأعمال، وقد يأتي بمعنى خاص يقصد به الأعمال الظاهرة كالعبادات ونحوها، وعلى هذا النحو جاء الإيمان في نصوص القرآن والسنة، فهو عام في بعضها وخاص باعتقاد القلب في بعضها الآخر، وبناء على المعنى المراد لكل منهما تتحدد العلاقة بينهما فإذا كانا بالمعنى العام [وإذا كان أحدهما عامًّا والآخر خاصًّا فالعلاقة بينهما علاقة عام بخاص، والخاص - عندئذٍ -يمثل جزءًا ودائرة من دوائر العام. وعلى هذا فقد يكون الإسلام عامًّا والإيمان خاصًّا، وقد يكون الإيمان عامًّا والإسلام خاصًّا. والمراد في العلاقة على المعنى المقصود لكل منهما]، فهما شيء واحد، كما تدل على ذلك بعض آيات القرآن الكريم، من مثل قوله تعالى: {فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ * فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} [الذاريات: ٣٥-٣٦]،  وكالآيات التي وصفت سحرة فرعون لما رأوا الآية التي أظهرها الله على يد موسى عليه السلام بالإسلام أحيانًا وبالإيمان أحيانًا أخرى، فمن الأولى قوله تعالى: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ} [الأعراف: ١٢٦]، والآية تجمع بين الإيمان والإسلام، ومن الثانية التي وصفوا فيها بالإيمان قوله تعالى: {إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} [الشعراء: ٥١]، وكذلك جاء وصف الحواريين أصحاب عيسى - عليه السلام -  بالإسلام والإيمان، وذلك في قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} [آل عمران: ٥٢] [وانظر الآية ١١١من سورة المائدة].

وإذا كانت هذه الآيات تدل على وحدة الدلالة فيهما، إذا كانا بهذا المعنى العام، وكان كل منهما مستكملًا لعناصر الدين؛ فإن كلا منهما يدل على الآخر ويتضمنه إذا جاء منفردًا عن صاحبه [انظر: الإيمان، لابن تيمية ص ٢٤٦].

أما إذا اجتمعا فإن كلًّا منهما يكون دالًّا على معنى خاص به، فالإسلام ينصرف للأعمال الظاهرة، والإيمان ينصرف لعقائد القلوب، ومن أمثلة اجتماعها قوله تعالى: {إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ} [الأحزاب: ٣٥]،  وقوله تعالى: {قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ} [الحجرات: ١٤]،  وإنما كان ذلك كذلك لأن القوم كانوا صدقوا بألسنتهم، ولم يصدقوا قولهم بفعلهم، فقيل لهم: قولوا أسلمنا؛ لأن الإسلام قول، والإيمان قول وعمل.   

ومن أمثلته ما جاء في حديث جبريل - عليه السلام - فيما تحدث به النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام والإيمان"[سبق تخريجه]، ومن ذلك ما رواه الطبري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجالًا، ولم يعط رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تعط فلانًا شيئًا وهو مؤمن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أو مسلم، حتى أعادها سعد ثلاثًا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: أو مسلم. [تفسير الطبري، الموضع نفسه، وانظر تخريجه بهامش ٣ من الصفحة نفسها].

وتبدأ الرابطة الدينية بالشهادة وهي من أعمال الإسلام، ثم تتغلغل في القلب ليتأسس الإيمان، ثم تتوالى الأعمال ليكتمل بناء الإسلام والإيمان ثم يكون الترقي - بعد ذلك - إلى مقام الإحسان الذي قال عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ».

وقد قال مالك بن دينار (١٣٠ هـ): الإيمان يبدأ في القلب ضعيفًا ضئيلًا كالبقلة، فإن تعاهده صاحبه فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة وأماط عنه الدغل [الدغل: الفساد، والموضع الذي يخشى فيه الاغتيال. انظر: لسان العرب مادة: دغل]، وما يضعفه ويوهنه أوشك أن ينمو ويزداد، ويصير له أصل وفروع، وثمرة وظل، إلى ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال، وإن أهمله صاحبه ولم يتعاهده جاءه عنز فالتهمها، أو صبي فذهب بها، أو أكثر عليها الدغل أو أهلكها أو أيبسها، كذلك الإيمان [الإيمان لابن تيمية بتصرف يسير جدًا ص ٣١٢ وقارن الحلية، لأبي نعيم ٣٥٩/٢، ٣٦٠، ثم٣٦٢، وانظر الإيمان، لابن أبي شيبة ص ٥، ٦].

خامسًا: زيادة الإيمان ونقصه: لخص عبد القاهر البغدادي هذه المسألة بقوله: كل من قال إن الطاعات كلها من الإيمان أثبت فيه الزيادة والنقصان، وكل من زعم أن الإيمان هو الإقرار الفرد منع من الزيادة والنقصان فيه، وأما من قال إنه التصديق بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه [أصول الدين ٢٥٢].

ويمكن القول هنا إن المعتزلة والخوارج وأهل الحديث يقولون - مع ما أوضحناه من الفروق بينهم – إن الطاعات والأعمال كلها من الإيمان، ومعنى ذلك أنهم جميعًا يقولون بزيادة الإيمان ونقصه، وهذا إنما يصدق على رأي أهل الحديث ومن قال بقولهم، لكنه لا يصدق على الخوارج والمعتزلة؛ لأن النقص عندهم يخرج صاحبه من الإيمان إلى الكفر أو إلى المنزلة بين المنزلتين.

ثم إن الذين فسَّروا الإيمان بالتصديق منعوا من الزيادة أو النقص فيه؛ وذلك لأن التصديق متى انخرم منه شيء بطل الإيمان.

ويشرح الباقلاني ذلك بأن المُصدِّق بجميع ما جاء به الرسول - عليه السلام - إذا ترك صلاة ونحوها لا يوصف بالكفر بمجرد الترك، مع كمال التصديق وثباته عليه، وبالضد من ذلك لو فعل جميع الطاعات وأقر بجميع الواجبات، وصدق بجميع ما جاء به الرسول إلا تحريم الخمر أو نكاح الأم، ولم يفعل واحدًا منهما فإنه يوصف بالكفر، وانسلخ من الإيمان، ولا ينفع جميع ذلك مع انخرام تصديقه في هذا الحكم الواحد، ومعنى ذلك أنه يجوز نقص الإيمان وزيادته من طريق الأقوال والأفعال، ولا يجوز من طريق التصديق [انظر: رسالة الحرة المسماة بالإنصاف ص ٥٧، وانظر الكليات، لأبي البقاء الكفوي، مرجع سابق ص ٢١٤، ٢١٥، وملا علي قاري: شرح الفقه الأكبر، تصوير دار الكتب العلمية ١٩٨٤ص٢ ٠ ٢- ٢٠٥]، على أن الآيات الواردة في القرآن تدل على زيادة الإيمان، وإذا قبل الزيادة فإنه يقبل النقص، من هذه الآيات قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا} [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ} [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ} [الفتح: ٤] إلى آيات أخرى[انظر: الآية ١٢٤ من سورة التوبة والآية ٢٢ من سورة الأحزاب والآية ١ ٣ من سورة المدثر ،وانظر: أصول الدين البغدادي ٢٥٢ ، ٢٥٣].

وبناء على هذه الآيات جاءت أقوال كثيرة للصحابة والتابعين الذين كثر كلامهم في هذا المعنى، ومن هؤلاء عمر بن الخطاب الذي كان ربما يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: قم بنا نزداد إيمانًا [الإيمان، لابن أبي شيبة ص٣٦]، ومعاذ الذي كان يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا فلنؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه [السابق ٣٥]، وعمير بن حبيب بن خماشة الذي قال: الإيمان يزيد وينقص، قيل فما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا ربنا وخشيناه ذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا ذلك نقصانه [السابق ص ٧، وانظر أقوالًا أخرى لعدد من الصحابة في شرح العقيدة الطحاوية، ص ٣٨٦ ،٣٨٧].

ويمكن القول بأن الإيمان بمعنى التصديق يزيد بزيادة الأدلة كما يزيد بحضور القلب وخشوعه، وقربه من الله، وأنسه به، والهيبة لمقامه، كما يزيد بزيادة لطف الله به، وإغاثته له، وقضاء حوائجه، وترادف نعمه، وصرف البلاء عنه، وهذا كله يوقظ القلب، ويجعل مشاعر الإيمان فيه تزداد قوة، على نحو ما يحدث عند الخشوع في قراءة القرآن، والإلحاح في الدعاء عند نزول البلاء، والمناجاة في الأسحار ونحو ذلك من المواطن الشريفة، والأحوال التي يتجلى فيها الإخلاص واليقين. 

سادسًا: الاستثناء في الإيمان: [المقصود هنا مناقشة قول القائل أنا مؤمن أم أنا مؤمن إن شاء الله، وهل يجوز ذلك أو لا يجوز؟]

ذهب فريق من أهل الكلام إلى أنه لا يصح الاستثناء في الإيمان في الحال، وإنما يصح الاستثناء إذا تعلق الأمر بالمستقبل، وذهب بعضهم إلى عدم جواز مثل هذا الاستثناء؛ لأن الله تعالى لم يأمرنا بإيمان ينقطع، وإنما أمرنا بإيمان يدوم إلى آخر العمر [انظر البغدادي: أصول الدين ٢٥٣، ٢٥٤]، ولهذا لم ير بعض الصحابة والتابعين ممن ظهرت في عهدهم هذه المسألة أن يقول أحدهم: أنا مؤمن، وقد قال ابن مسعود عندما سئل عن إيمانه: اللهم إن كنت مؤمن السريرة مؤمن العلانية أنا مؤمن [الإيمان، لابن أبي شيبة ٢٣].

ولما قيل لأحد التابعين: أن أناسًا من أهل الصلاح يعيبون عليّ أن أقول: أنا مؤمن، قال: لقد خبت وخسرت إن لم تكن مؤمنًا [السابق الصفحة نفسها]، وقد خشي هؤلاء على أنفسهم أن يمكن أن يدل عليه ذلك من تزكية النفس، وهي منهي عنها: {فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ} [النجم: ٣٢]، ثم إنه لا يعلم ما الذي ستنتهي إليه المصائر فلعل أحدهم أن يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وقد يكون الأمر على العكس. [ارجع مثلًا إلى صحيح مسلم كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ٥٠٥/٥، وصحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير باب لا يقول: فلان شهيد ٤/٢٢٦].

ولذلك كان أحدهم يتورع أن يقول عن نفسه إنه مؤمن، ويرى من كمال الأدب مع الله أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ويقول أبو عبيد القاسم بن سلام: وإنما كراهتهم عندنا أن يبتوا الشهادة بالإيمان مخافة ما أعلمتكم... من التزكية والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل الملة جميعًا مؤمنين؛ لأن ولايتهم وذبائحهم وشهاداتهم ومناكحتهم وجميع سننهم إنما هي على الإيمان. ولذا كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه واسعين. [كتاب الإيمان، لأبي عبيد القاسم بن سلام ص ٦٨ وانظر ما بعدها إلى ١ ٧].

وقد اجتهد الحسن البصري في تفصيل المسألة، فقد قيل له: يا أبا سعيد: أمؤمن أنت؟ فقال له: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا به مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ * ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ} [الأنفال: ٢-٤]، فوالله ما أدري أنا منهم أو لا"[تفسير القرطبي طبعة الشعب - مصر ص ٢٨٠٣، وذلك في تفسير الآيات من ٢ - ٥ من سورة الأنفال]. وهو قول يجمع بين الصدق في بيان ما هو عليه في الحال والتواضع والتسليم لله فيما يكون. والحمد لله أولًا وآخرًا.

الخلاصة

الإسلام والإيمان مفهومان متكاملان يختلف معناهما حسب السياق؛ فالإسلام يُراد به الدين العام أو الأعمال الظاهرة، بينما الإيمان يُقصد به الاعتقاد الباطن، وعند اجتماعهما في النصوص يشير الإسلام إلى الجوارح الظاهرة، والإيمان إلى أعمال القلوب، كما في حديث جبريل، وقد اختلفت المذاهب في تحديد حقيقة الإيمان: فالشيعة والزيدية جمعوه بين المعرفة والطاعة، بينما المرجئة قصرته على المعرفة أو الإقرار، وتؤكد النصوص أن الإيمان عمل قلبي وجسدي معًا لا ينفصل أحدهما عن الآخر، كما أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.

موضوعات ذات صلة

يدعو القرآن الكريم إلى إعمال الفكر والنظر في آيات الله الكونية.

هو علم ديني يُعنى بإثبات العقائد الإسلامية والدفاع عنها بالعقل والبرهان مميزًا عن الفلسفة

العصمة في كلام العرب لها معان المنع.

موضوعات مختارة