ثالثًا: آراء المتكلمين في الإيمان: يلاحظ الدارس لآراء
المتكلمين في بيان معنى الإيمان ومقوماته وعناصره أنهم يختلفون فيه اختلافًا كثيرًا،
حتى لقد نجد للفرقة الواحدة منهم آراء متعددة، قد تزيد على العشرة أحيانًا، وذلك
على حسب اختلاف زعمائهم أو انقسام فرقهم إلى فرق فرعية.
ويطول بنا الأمر إن تتبعنا كل هذه الآراء المختلفة، ولهذا سنقتصر على
إيراد ما يمثل أهم الآراء الممثلة لها، وبخاصة الفرق الرئيسية منها:
أ - يذكر الأشعري - في المقالات - أن الشيعة
اختلفوا في الإيمان ما هو على ثلاث فرق، أولها وهم جمهور الرافضة يزعمون أن
الإيمان هو الإقرار بالله وبرسوله وبالإمام، فإذا أقر الواحد منهم بذلك وعرف
فهو مؤمن مسلم، وإذا أقر ولم يعرف فهو مسلم وليس بمؤمن، وبعضهم يزعمون أن
الإيمان اسم للمعرفة والإقرار ولسائر الطاعات، فمن جاء بذلك كله كان مستكمل
الإيمان، ومن ترك شيئًا مما افترض الله عليه غير جاحد فليس بمؤمن، ولكن يسمى فاسقًا
وهو من أهل الملة تحل مناكحته وموارثته. [الأشعري: مقالات الإسلاميين، طبعة
الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، النهضة المصرية ط٢/ ١٩٦٩، ج ١/١٢٥، ١٢٦].
وأصحاب الرأي الأول يجعلون الإيمان هو الإقرار بالقلب، ولكنهم يضيفون إلى ما
يجب الإقرار به الإقرار بالإمام الذي هو ركن من أركان الإيمان عندهم؛ لأن الإمامة
عندهم ليست متعلقة بمسألة سياسية، وليست مسألة من مسائل الفروع، بل إنهم نظروا
إليها على أنها قضية أصولية، بل على أنها ركن الدين كما يقول الشهرستاني أو على أنها ركن الدين
وقاعدة الإسلام، كما يقول ابن خلدون. [انظر الشهرستاني:
الملل والنحل، بهامش الفصل، لابن حزم، المطبعة الأدبية ١٣١٧ هـ،١/١٩٥، ومقدمة ابن خلدون طبعة الشعب ص ١٧٥، ١٧٦]، أو كما يقول أبو جعفر الكليني عن
الإمامة إنها
زمام الدين، ونظام المسلمين وهي أس الإسلام النامي وفرعه السامي، وهي نظام الدين
وعز المسلمين. [الكليني: الأصول من الكافي، طبع المكتبة الإسلامية طهران
١٣٨٨ هـ ج ١/ ١٥٥-١٥٥٦] وهو يقول: أما لو أن رجلًا قام ليله
وصام نهاره وتصدق بماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه... ما كان
له على الله – عز وجل - حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان. [السابق ٢ / ١٥، ١٦، ١٧
- ١٩ ومواطن أخرى كثيرة].
أما أصحاب الرأي الثاني فلا يقصرون الإيمان على المعرفة
والإقرار، بل يضيفون إلى ذلك القيام بساتر الطاعات، أي أن الإيمان ليس مجرد معرفة
القلب وإقراره بل يدخل فيه فعل الجوارح أيضًا.
ب - وللزيدية أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
رأيان في المسألة أيضًا: أولهما رأي أوائلهم والمتقدمين منهم، وهم بحسب
تعبير الأشعري: يزعمون أن الإيمان المعرفة والإقرار واجتناب ما جاء فيه الوعيد،
وجعلوا مواقعة ما جاء فيه الوعيد كفرًا، وليس بشرك ولا جحود، بل هو كفر
نعمة...
أما الرأي الثاني فهو رأي قوم من متأخريهم وهم يزعمون أن الإيمان جميع الطاعات، وليس
ارتكاب كل ما جاء فيه الوعيد كفرًا، وقد اجتمعت الزيدية كلها على أن أصحاب الكبائر
كلهم معذبون في النار خالدون فيها، مخلدون أبدًا، لا يخرجون منها، ولا يغيبون عنها [مقالات الإسلاميين ١/ ١٤٩].
ج - أما المرجئة فقد اختلفوا
في الإيمان ما هو اختلافًا بيّنًا، وظهرت لهم فيه آراء على حسب ما انقسمت إليه
فرقتهم، وقد انقسموا على اثنتي عشرة فرقة، وقد ذهبت أكثر هذه الفرق - مع فروق
يسيرة، أو مع إجمال وتفصيل - إلى أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع
ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب،
والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم لهما، والخوف منهما والعمل بالجوارح فليس بإيمان. [انظر: مقالات
الإسلاميين ١/ ٢١٣، وانظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين لفخر الدين الرازي،
مكتبة الكليات الأزهرية١٩٨٧ ص ١٠٨، ٤٨والملل والنحل ١/ ١٩٠].
وذهبت الجهمية منهم وهم أتباع جهم ابن صفوان أن الإنسان إذ أتى
بالمعرفة، ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في
القلب دون غيره من الجوارح [السابق ٢١٧]، وذهب بعض هؤلاء إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان،
وهو التصديق، وعللوا ذلك بأن الإيمان في اللغة هو التصديق [السابق١/ ٢١٧].
وممن
يرى هذا الرأي أصحاب محمد بن كرام الذين يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق
باللسان دون القلب، وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيمانًا،
وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ كانوا
مؤمنين على الحقيقة، وزعموا أن الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان [السابق١/ ٢٢٣]، ولا يحتاج مثل هذا الرأي إلى مزيد تأمل لبيان ما فيه من البطلان
والفساد، بل إن ذلك يظهر بأدنى نظر ويكفي في رده أن نذكر قول الله - عز وجل - في
الكلام عن المنافقين ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِینَ﴾ [البقرة:
٨]، وقد وصفهم القرآن - بعد ذلك - بمرضى القلوب
وفساد الأعمال وسفاهة العقول، وعاقبهم الله - بسبب كفرهم ونفاقهم - بالاستهزاء
بهم، والبقاء على ما هم فيه من الطغيان والضلال وبخسارة صفقتهم وبوار تجارتهم إلى
صفات كثيرة أخرى [راجع الآيات ٩ وما بعدها إلى الآية ٠ ٢ من سورة البقرة]، ثم حكم الله على هؤلاء المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا:
﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِینَ فِی ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِیرًا﴾ [النساء:
١٤٥]، [وانظر الآية ١٣٨وما بعدها] من نفس السورة فكيف يكون
هؤلاء مؤمنين لمجرد نطقهم باللسان، بل أن يكونوا مؤمنين على الحقيقة كما يقول هؤلاء؟!!
وقد أضاف بعضهم إلى ما سبق مقالة أخرى، هي من أشهر ما ينسب إليهم وهي قوله: إنه لا
يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة [انظر: مقالات الإسلاميين
١/٢٨٨، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ١٠٨، والملل والنحل ٠١٩٠/١]، وأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة [المقالات في الموضع
السابق]، وهي مقالة تعارض ما تحدث به القرآن
والسنة عما يستلزمه الإيمان من الطاعة لله وشرعه ورسوله، ووجوب عمل الصالحات
وتفريق الإسلام بين المتقين والفجار: ﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِینَ فِی ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِینَ كَٱلۡفُجَّارِ﴾ [ص:
٢٨]، ويقول تعالى:
﴿أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنࣰا كَمَن كَانَ فَاسِقࣰاۚ لَّا یَسۡتَوُۥنَ﴾ [السجدة:
١٨]، ويقول تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ ٱجۡتَرَحُوا۟ ٱلسَّیِّءَاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَاۤءࣰ مَّحۡیَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ * وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١-٢٢]،
ثم إن أقوال
المرجئة - في هذه المسألة - تهوِّن من شأن الطاعة وتجرئ الناس على معاصي الله
عزوجل، وتسهل لهم سبل الخروج من مقتضيات التكليف، وتصرفهم عن تحمل تبعاته، وبذلك
تتمزق عرى الإيمان، ويتحول الأمر إلى مجرد
المعرفة أو مجرد نطق اللسان، وكلاهما لا يقوم به دين، ولا يتحقق به إيمان.
د - وأما الإيمان عند الأشاعرة فهو- كما يقول أحد كبار أئمتهم وهو أبو بكر الباقلاني- التصديق
بالله تعالى، والعلم به، وهو يوجد بالقلب.
وقد استدل لذلك بإجماع أهل اللغة على أن الإيمان في اللغة هو
التصديق، وأن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يعرفون إيمانًا غير ذلك، وقد دلت
بعض آيات القرآن على ذلك كقوله تعالى:
﴿وَمَاۤ أَنتَ بِمُؤۡمِنࣲ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِینَ﴾ [يوسف: ١٧]، فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو
الإيمان المعروف في اللغة؛ لأن الله - عز وجل - ما غيَّر لسان العرب ولا قَلَبَه،
ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله... وفي علمنا
بأنه لم يفعل ذلك، بل أقر أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان فيها دليل على
أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي، ثم أورد بعض الآيات وعلق عليها بقوله فدل
ما قلناه على أن الإيمان هو ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل
والمفروضات[الباقلاني: تمهيد
الأوائل وتلخيص الدلائل، تحقيق الشيخ عماد الين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية،
ط ١/ ١٩٨٧، ٣٨٩ ، ٣٩٠].
وينسب عبد القاهر البغدادي إلى أبي
الحسن الأشعري إن الإيمان هو التصديق لله ولرسله عليهم السلام في أخبارهم، ولا يكون
هذا التصديق صحيحًا إلا بمعرفته [عبد القاهر بن طاهر البغدادي: أصول الدين، تصوير دار الكتب
العلمية - بيروت].
ويوضح الباقلاني علاقة هذا الشرعية فيقول: واعلم أن محل
التصديق القلب، وهو أن يصدق القلب بأن الله إله واحد، وأن الرسول حق، وأن جميع ما
جاء به الرسول حق، وما يوجد من اللسان - وهو الإقرار- وما يوجد من الجوارح وهو
العمل فإنما ذلك عبارة عما في القلب ودليل عليه، ويجوز أن يسمَّى إيمانًا حقيقة
على وجه، ومجازًا على وجه.
ومعنى ذلك: أن العبد إذا صدَّق قلبه بما قلنا وأقرَّ بلسانه وعملت
جوارحه فهو المؤمن الحقيقي عند الله وعندنا، وأما من كذب بقلبه وأقر بالوحدانية
بلسانه وعمل الطاعات بجوارحه، فهذا ليس بمؤمن حقيقة وإنما هو مؤمن مجازًا؛ لأن ذلك
يمنع دمه وماله في أحكام الدنيا، لأنه مؤمن من حيث الظاهر، وهو عند الله غير مؤمن [الباقلاني:
رسالة الحرة، المسماة بالإنصاف ص ٥٥]، ويكتمل هذا بالحديث عن المقصر في الأعمال أو مرتكب الكبيرة، وفي ذلك
يقول: إن المُصدِّق بجميع ما جاء به الرسول -عليه السلام - إذا ترك صلاة، أو صيامًا،
أو زكاة، أو قراءة في مواضع تجب فيه القراءة، أو غير ذلك من الواجبات لا يوصف
بالكفر بمجرد الترك، مع كمال التصديق وثباته عليه، وبالضد من ذلك لو فعل جميع
الطاعات، أو أقر بجميع الواجبات وصدق بجميع ما جاء به الرسول إلا تحريم الخمر أو
نكاح الأم، ولم يفعل واحدًا منهما، فإنه يوصف بالكفر وانسلخ من الإيمان. [السابق: ٥٧]، وأوضح كذلك أن نطق اللسان بالإيمان لا
ينفع مع إصرار القلب على الكفر، وأن إقرار اللسان بالكفر لا يضر مع تصديق القلب [انظر السابق ٥٦].
ويتضح من كلام الباقلاني،
بل من كلام الأشاعرة عمومًا أن تركيزهم كان مُنصبًّا على اعتقاد القلب، فهو
الذي يصحح نطق اللسان، ويُبرئ صاحبه من النفاق، ثم هو الذي يؤدي إلى قبول الأعمال
عند الله تعالى، ولولاه لكانت هباءً منثورًا.
وكان المقصد من وراء هذا التركيز على صحة يقين القلب وصدق اعتقاده
دون جعل الأعمال ركنًا من أركان الإيمان، بحيث تكون مساوية للتصديق والإقرار هو
المخالفة لرأي الخوارج الذين يكفرون بالمعصية والذنب، ثم المخالفة لرأي المعتزلة
الذين يقولون: إن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وأن مآله - إذا مات من غير
توبة منها - هو الخلود في النار [انظر مقالات الإسلاميين ١/ ١٦٨، ٣٣١]، وهذا يعني أن للأعمال مكانها في تصديق
هذا الإيمان والتعبير عنه، ولكنها لا تبلغ مبلغه ولا مكانته، ويتضح هذا من قول الباقلاني: واعلم أننا
لا ننكر أن نطلق القول بأن الإيمان عقد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان، على
ما جاء في الأثر، لأنه
ﷺ إنما أراد بذلك أن يخبر عن حقيقة
الإيمان الذي ينفع في الدنيا والآخرة، لأن من أقر بلسانه، وصدق بقلبه وعمل بأركانه
حكمنا له بالإيمان وأحكامه في الدنيا من غير توقف ولا شرط، وحكمنا له أيضًا
بالثواب في الآخرة وحسن المنقلب من حيث شاهد الحال، وقطعنا له بذلك في الآخرة،
بشرط أن يكون في معلوم الله تعالى أن يحييه على ذلك ويميته عليه... [ رسالة
الحرة المسماة بالإنصاف ص ٥٦].
والخلاف بين ما يقول به
الباقلاني والأشاعرة، وما يقوله أهل الحديث في المسألة يكاد يكون خلافًا
لفظيًّا، كما سيتضح فيما بعد.
هـ - ويقترب من هذا الرأي الذي قاله الأشاعرة قول الإمام أبي منصور الماتريدي (٣٣٣هـ) وأصحابه،
فالإيمان عنده كما يثبت بأدلة القرآن، وبما جرى عليه اللسان، وبما عليه أهل
الإيمان "هو التصديق، به نؤمن، وبذلك جرت أحكام القرآن في الحلال والحرام،
وما به قيام العبادات والاشتراك في الجماعات" [أبو منصور الماتريدي: كتاب
التوحيد، نشرة د. فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية، د. ت ص ٣٣٢].
وقد استنبط من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِیمَٰنِ﴾ [النحل: ١٠٦]، أن الله - عز وجل - لم يجعل كفرًا
باللسان إذا لم يكن عبارة عما في القلب، ومنع ذلك بإيمان القلب فثبت أن القلب هو
موضع الإيمان [انظر السابق ٣٧٥].
وقد رد على القائلين بأن الإيمان هو الإقرار باللسان ردًا مطولًا [السابق ص ٣٧٣، وما
بعدها]، وبيَّن في ردِّه عليهم أن الإيمان عقد
ودين، وأن موضع ذلك هو القلوب، وكذلك المذاهب، إضافة إلى أن الإيمان في اللغة هو
التصديق، وحقيقته ما لا يحتمل القهر والجبر، وذلك إنما يكون في القلب؛ إذ لا يجري عليه
سلطان أحد من الخلق [السابق
٣٧٧، وفي النص غموض لم يكشفه التحقيق، وقد اجتهدنا في استخلاص هذا المعنى منه]، ثم إن الخطاب بالإيمان يلزم بالعقول، ويعرف حقيقة ما به الإيمان
بالفكر والنظر، وذلك عمل القلوب، فمثله الإيمان [السابق ٣٧٨].
ولم يقتصر في عرضه لرأيه على نقد هذا الرأي، بل إنه قام كذلك بنقد
آراء المعتزلة والخوارج والكرَّامية وغيرهم، وهو يذكرهم بأسمائهم، ويورد من الآيات
ما يتضمن الرد عليهم [انظر السابق ٣٢٦ وما بعدها، ٣٣٢ وما بعدها، ٣٧٣ وما بعدها،
٣٨٠ وما بعدها].
ومما قاله في الرد على المعتزلة والخوارج فيما أطلقوه من أحكام على
مرتكب الكبيرة ما أورده من الآيات التي ثبت بها أنه لا يزول اسم الإيمان بكل
ذنب... وفي ذلك نقض على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان بكل ذنب، ليس بمغفور
لصاحبه حتى يستغفر، ونقض على الخوارج بما ذكرنا [كتاب التوحيد ٣٢٦].
ثم ذكرت آيات أخرى تطالب المؤمنين بالتوبة [النور:
٣١، والتحريم: ٨]، ثم
قال: فألزمهم التوبة مع إثبات الإيمان، وأخبر أنه بالتوبة يغفر لهم، ومن ذلك
وجهان: أحدهما على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان في كل ذنب لا يغفر عندهم إلا
بالتوبة... وعلى الخوارج بتسميتهم [أصحاب المعاصي والذنوب] كفرة وأهل شرك [التوحيد ٣٢٦،
٣٢٧ وما بعدها، ص ٣٥٤، وانظر: المواضع السابقة في الهامش الأسبق].
ويسوقنا الكلام عن الماتريدي
إلى الكلام عن
الإمام أبي حنيفة النعمان، رحمة الله (١٥٠ هـ)، والإمام أبو حنيفة هو شيخ الماتريدي
في المذهب [انظر: شرح العقائد النفسية، للتفتازاني، طبعة القاهرة ١٣٢٦، ص
١٧، ومفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى، حيدر أباد ٣٢٩، هـ ٢/ ٢١، ٢٢]، وقد نسبه الإمام الأشعري إلى الإرجاء، وذكره ضمن فرق المرجئة وقال عنه وعن أصحابه
أنهم يزعمون أن الإيمان: المعرفة بالله والإقرار بالله والمعرفة بالرسول والإقرار
بما جاء به من عند الله في الجملة، دون التفسير] [انظر مقالات الإسلاميين ١/ ٢١٩- ٢٢١]، وقال
من بعده عبد القاهر البغدادي: وروي عن أبي حنيفة أنه قال: الإيمان هو
المعرفة والإقرار"[أصول
الدين ٠٢٤٩].
ولعل
عدم ذكر الأعمال ركنًا من أركان الإيمان أو شرطًا من شروطه هو الذي أدى إلى نسبة
الإمام أبي حنيفة إلى الإرجاء، وأن يذكر ضمن المرجئة، مع أن رأيه لا يختلف - في
هذه المسألة عن رأي كثير من أصحاب الفرق التي تقول بمثل رأيه أو قريب منه دون أن
توصف بالإرجاء. وقد فسر الماتريدي هذه النسبة بأنها جاءته ممن يرون الإيمان جامعًا
للخيرات كلها، وهذا - في رأيه - مما لا يحتمله اللسان ولا العقل [انظر كتاب التوحيد ٣٨١،
٣٨٢].
ثم نقل عن أبي حنيفة ما يدل على مراده بالإرجاء عندما سئل مم أخذت
الإرجاء؟ فقال: من فعل الملائكة، حيث قيل لهم
﴿أَنۢبِءُونِی بِأَسۡمَاۤءِ هَٰۤؤُلَاۤءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِینَ﴾ [البقرة: ٣١]، إنه لما سئلوا عن أمر لم يكن لهم به
علم فوَّضوا الأمر في ذلك إلى الله، وكذلك الحق في أصحاب الكبائر، إذ معهم خيرات،
الواحدة منها لو قوبلت بجميع ما دون الشرك من الشرور لمحتها وأبطلتها فلا يحتمل أن
يحرم صاحبها، ويخلد في النار ولكن يرجأ أمره إلى الله فإن شاء عفا عنه، إذا هو لم
يحرمه عند فعله معرفته، ومعاداة أعدائه له، وتعظيم أوليائه، فعند شدة حاجته إلى
عفوه وإحسانه يرجو ألا يحرمه [كتاب التوحيد ٣٨٢، ٣٨٣].
ويعلق الماتريدي قائلًا: إن هذا النوع
من الإرجاء حقُّ [السابق
٣٨٣]، وهو محق في هذا؛ لأن هذا هو الموافق
لما تضمنته آيات الكتاب الكريم من مثل تعالى: ﴿قُلۡ یَٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
وقوله تعالى: ﴿وَیَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن یَشَاۤءُۚ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿لِّیَجۡزِیَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِینَ بِصِدۡقِهِمۡ وَیُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِینَ إِن شَاۤءَ أَوۡ یَتُوبَ عَلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا﴾ [الأحزاب: ٢٤].
والقائل وهو موافق كذلك لكثير من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن
رحمة الله وعفوه عن عصاة الموحدين حتى لا يتبقى في النار إلا من حبسهم القرآن
الكريم وهم الكافرون والمشركون والجاحدون [انظر مثلًا الأحاديث
الواردة في فتح الباري [طبعة الريان]، الأرقام ٩٩، ٣٤٨، ٦١٤،٤٧١ ومواطن أخرى، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة
وإخراج الموحدين من النار١ / ٤٥٦- ٤٨١]، ومن يقول بهذا الرأي لا يهدر الأعمال بل يدعو إلى
رعايتها والمحافظة عليها، ولكنه لا يجعلها ركنًا حتى لا يقع في مثل قول الخوارج
الذين حكموا بالكفر على مرتكب الكبيرة، أو مثل قول المعتزلة الذين جعلوه في منزلة
بين المنزلتين؛ وقالوا بخلوده في النار، إذا مات من غير توبة، ومن هنا ظهر
القول بتقسيم الإرجاء إلى إرجاء السنة وإرجاء البدعة، وممن أشار إلى ذلك الشهرستاني
في حديثه عن المرجئة من أصحاب غسَّان الكوفي، الذي نسب إلى الإمام أبي حنيفة مثل
قوله هو في الإرجاء.
وقد علق الشهرستاني على ذلك بقوله: "ومن العجب أن غسان كان يحكي
عن أبي حنيفة - رحمه الله - مثل مذهبه ويعده من المرجئة، ولعله كذب، ولعمري كان
يقال لأبي حنيفة وأصحابه: مرجئة السُّنة، وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة
المرجئة، ثم قدَّم تفسيرًا لهذا قائلًا: ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول: الإيمان
هو التصديق بالقلب، وهو لا يزيد ولا ينقص ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان ثم يدافع
عنه قائلًا : والرجل مع تحرجه في العمل كيف يفتي بترك العمل، ثم يقدم تفسيرًا آخر
يذكر فيه أنه كان يخالف القدرية والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول، والمعتزلة
كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئًا، وكذلك الوعيدية من الخوارج، ثم ينتهي إلى
القول بأنه لا يبعد أن اللقب إنما لزمه من
فريقي المعتزلة والخوارج [الشهرستاني: الملل والنحل ١/ ١٨٨،١٨٩].
ز- أما المعتزلة فقد اختلف قولهم في الإيمان على ستة أقوال كما يقول الأشعري، وأكثر
هذه الأقوال يرى أن الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها، وبعضهم يهتم عند
ذكره للإيمان بما يناقضه ويعارضه كإبراهيم النّظّام وآخرين، وهؤلاء ذهبوا إلى أن
الإيمان اجتناب الكبائر، واجتناب ما فيه الوعيد عندهم وعند الله تعالى باجتناب كل كبيرة، وبعضهم كهشام القوطي قسَّم الإيمان
إلى نوعين: إيمان بالله وإيمان لله، فالإيمان بالله ما كان تركه كفرًا بالله
كالتوحيد، والإيمان لله وهو نوعان أيضًا، فمنه ما يكون تركه كفرًا، ومنه ما يكون
تركه فسقًا ليس بكفر نحو الصلاة والزكاة، فمن ترك شيئًا من هذا القسم ينظر في حال
صاحبه فمن تركه على الاستحلال كفر، ومن تركه على التحريم كان تركه فسقًا ليس بكفر،
ثم قد يكون منه - زيادة على ما سبق - ما يكون تركه صغيرًا ليس بفسق، وذهب بعضهم إلى
أن الإيمان لله هو جميع ما افترضه الله - سبحانه - على عباده، وأن النوافل ليست
بإيمان، أي ليست من جوهر الإيمان، وأن كل خصلة من الخصال التي افترضها الله سبحانه
فهي بعض إيمان لله، وهي أيضًا إيمان بالله [انظر لهذه الأقوال:
مقالات الإسلاميين ١/ ٣٢٩ –٣٣٠].
ويمكن القول بأن هذه الأقوال - على اختلافها - تتفق على أن الأعمال
جزء من الإيمان، وركن من أركانه، وأن الإخلال بالفرائض والنوافل أو بالفرائض وحدها
يمس جوهر الإيمان، وهو يُخرج مَن فعله من الإيمان إلى الكفر، أو من الإيمان إلى
الفسق الذي يحكم على صاحبه عند جمهورهم بأنه ليس بمؤمن ولا كافر، وتجعله في منزلة
بين المنزلتين [انظر مقالات الإسلاميين ١/ ٣٣١، وانظر١/
٣٣٢، ٣٣٥، ١/ ٦٠ -٦١]، وهذا هو المبدأ الذي انفردوا به عن
غيرهم من الفرق الكلامية بل وعامة المسلمين، إلا من أخذ بقول المعتزلة في المسألة،
وقد كان هو السبب الذي أدى إلى نشأة المعتزلة بعد الخلاف الذي تم بين واصل بن عطاء،
أو عمرو بن عبيد مع الحسن البصري - رحمه الله - حول الحكم على مرتكب الكبيرة [انظر الفرق
بين الفرق ، والملل والنحل بتحقيق الشيخ محيي الدين عبد الحميد ، طبعة صبيح ١٠ ،
٢٢ والملل والنحل ١/ ٦٠، وفضل الاعتزال، وطبقات المعتزلة، للقاضي عبد الجبار، تحقيق
الأستاذ فؤاد سيد،
طبع تونس ط ٢/ ١٩٨٦ ص ١٦٦ ، ووفيات الأعيان، لابن خلكان ، تحقيق د/إحسان عباس ، دار صادر ج ٦/٨ وانظر ٤/ ٨٥، من الوفيات أيضًا]
ح - وأما قول أصحاب الحديث وأهل السنة في الإيمان فهو - بحسب تعبير الإمام الأشعري قول وعمل] وقد ذكر الأشعري بعد أن سرد
جملة أقوالهم وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب [السابق ١/ ٣٥٠]، وإن كان يلاحظ أنه - وهو يتحدث عن هذه المسألة في كتاب اللمع - ذهب إلى
أن الإيمان هو التصديق بالله، استنادًا إلى
اللغة التي أنزل الله بها القرآن، ولذا وجب أن يكون الإيمان هو ما كان عند أهل
اللغة إيمانًا وهو التصديق [الأشعري: كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، تصحيح،
وتقديم وتعليق د/حمودة غرابة، مطبعة مصر ١٩٥٥ ص ١٢٣]، ومن قبل ذهب أهل السنة وأئمة المحدثين والفقهاء أن الإيمان نية وقول
وعمل [انظر الإيمان، لأبي عبيد القاسم بن سلام ٥٣، ٥٤، ٦٦، وصحيح البخاري
،١٤٢كتاب الإيمان، باب قول النبي
ﷺ: بني الإسلام على خمس ١/ ٧]، أو أنه: تصديق واعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان [انظر الشريعة، لأبي بكر
الآجري، تحقيق الشيخ محمد
حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية ط ١/ ١٣٦٩ هـ، ص ١١٩ وما بعدها].
ويزيد عبد القاهر البغدادي
الأمر تفصيلًا، فيقول مبينًا رأي أصحاب الحديث: "إن الإيمان جميع
الطاعات: فرضها ونفلها، وهو على ثلاثة أقسام: قسم منه يخرج (صاحبه) به من الكفر،
ويتخلص به من الخلود في النار، إن مات عليه وهو معرفته بالله تعالى وبكتبه ورسله
وبالقدر خيره وشره من الله... واعتقاد سائر ما تواترت به الأخبار الشرعية، وقسم
منه يوجب العدالة وزوال اسم الفسق عن صاحبه ويتخلص به من دخول النار، وهو أداء
الفرائض، واجتناب الكبائر، وقسم منه يوجب كون صاحبه من السابقين الذين يدخلون
الجنة بلا حساب، وهو أداء الفرائض مع النوافل مع اجتناب الذنوب كلها [البغدادي:
أصول الدين، ص ٢٤٩]، وقد ارتضى بعض الأشاعرة هذا الرأي، ومنهم أبو بكر البيهقي
الذي أورد بعض الآيات القرآنية، مستنبطًا منها أن المؤمنين هم الذين جمعوا
ما في هذه الآيات من الأعمال التي يقع بعضها في القلب، وبعضها باللسان، وبعضها
بهما وسائر البدن، وبعضها بهما أو بأحدهما وبالمال [الاعتقاد على مذهب أهل
السنة والجماعة، ص ٩٨، وقد ذكر أنه ذكر بيان هذا الرأي ودليله في كتاب الإيمان وكتاب الجامع، ولعله يقصد به شعب الإيمان انظر:
الاعتقاد ٩٩].
وقد قدَّم تقسيمًا ثلاثيًّا للإيمان يختلف عن هذا الذي قدمه البغدادي، لاختلاف زاوية النظر.
ويوضح هذا بقوله وبهذه الآية [يقصد الآيات من ٢ - ٤ من سورة الأنفال]، وما في معناها من الكتاب والسنة ذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن اسم
الإيمان يجمع الطاعات فرضها ونفلها، وأنها على ثلاثة أقسام، فقسم يكفر بتركه، وهو
اعتقاد ما يجب اعتقاده والإقرار بما اعتقده، وقسم يفسق بتركه أو يعصي، ولا يكفر
به، إذا لم يجحده، وهو فروض الطاعات كالصلاة والزكاة... واجتناب المحارم، وقسم
يكون بتركه مخطئًا تاركًا للأفضل غير فاسق ولا كافر، وهو ما يكون من العبادات تطوعًا [الاعتقاد ص ٩٨].
ويتضح من التعريفات والتقسيمات السابقة أن الإيمان يتضمن ثلاثة عناصر
متكاملة، تمثل الإيمان الكامل الذي يوصل صاحبه إلى مرضاة الله وجنته، وهذه العناصر
هي النطق للشهادتين باللسان، ثم الاعتقاد بالقلب والإقرار به لركن العقائد من هذا
الإيمان ثم العمل بالجوارح والأركان، وهو بمثابة التصديق لنطق اللسان واعتقاد
القلب.
والقسم الأوسط الخاص بالاعتقاد هو أهمها جميعًا، وهو أساس قبولها،
وسبيل النجاة من النفاق الذي يخرج صاحبه من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر، ويجعله
مستحقًا لأشد العذاب.
ولقد يدل النظر المتعجل إلى هذا الرأي على أنه شبيه ببعض ما ذكرناه
عن بعض الفرق الأخرى كالمعتزلة، أو ببعضها الآخر كالخوارج الذين قالوا هم
والمعتزلة برجوع الإيمان إلى جميع الفرائض، مع ترك الكبائر [البغدادي:
أصول الدين ص ٢٤٩، وانظر الإيمان، لأبي عبيد القاسم بن سلام ١٠١، ١٠٢ وهو يذكر بعض
فرقهم]، غير
أن النظر الفاحص يدل على وجود فارق مهم ينصب على قسم أعمال الجوارح التي لا يُكفر
أهل الحديث مَن وقع فيها بالذنب أو لا يكفرون بكل ذنب، بل يعدون المقصر فيها مؤمنًا
عاصيًا، وهم يَدَعونه لمشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، فإذا عذبه
لا يخلده في النار.
أما الخوارج فإنهم يحكمون على مرتكب الكبيرة بالكفر أي: أنهم يجعلون
الأعمال مساوية للاعتقاد، ويقرب من رأيهم رأي المعتزلة الذين يحكمون على مرتكب
الكبيرة بأنه في منزلة بين المنزلتين، وأنه يخلد في النار إذا مات من غير توبة.
وإذا كان رأي السلف وأهل الحديث أبعد في الحكم من قول المعتزلة
والخوارج، فإن رأي الأشاعرة والماتريدية يقترب منه قربًا كبيًرا؛ لأن جانب العمل
غير مهمل عندهم، ولكنه عندهم أقرب إلى أن يكون شرطًا أو ثمرة ونتيجة لا ركنًا،
ولهذا لا يستغرب عندهم أن يتفق حكمهم جميعًا على مرتكب الكبيرة، ثم لا يستغرب عند بعض أئمتهم كالباقلاني أن يقال:
إن الإيمان عقد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان [انظر: رسالة الحرة
المسماة بالإنصاف ٥٦، وقد سبقت الإشارة إلى هذا تفصيلًا].
والأولى بنا إيثار ما يؤدي إلى الوفاق، واجتماع الكلمة بدلًا من
الجنوح إلى التعصب والتحزب والخلاف.
وقد انتهى الأمر ببعض الناظرين في المسألة إلى أن الاختلاف الواقع
فيها هو اختلاف صوري أو لفظي، كما سبق القول فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان
القلب، أو جزءًا من الإيمان مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان،
بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد
هذا
والله أعلم.