الجدل ظاهرة فكرية واجتماعية تعكس سعي العقل الإنساني نحو الحقيقة، وقد استخدمه الفلاسفة وعلماء الإسلام كأداة للمعرفة حين يُضبط بآدابه، وفهم الجدل يعزز الحوار البنّاء ويُسهم في ترسيخ ثقافة التسامح وتقبل الخلاف الفكري.
الجدل ظاهرة فكرية واجتماعية تعكس سعي العقل الإنساني نحو الحقيقة، وقد استخدمه الفلاسفة وعلماء الإسلام كأداة للمعرفة حين يُضبط بآدابه، وفهم الجدل يعزز الحوار البنّاء ويُسهم في ترسيخ ثقافة التسامح وتقبل الخلاف الفكري.
الجَدْلُ في اللغة بسكون الدال - شدة الفتل، وجدلت الحبل أجدله جدلًا، إذا شددت فتله، وفتلته فتلًا محكمًا، ومنه قيل لزمام الناقة: الجديل؛ أي: المحكم الفتيل.
والجَدَل - بفتح الدال: اللدد في الخصومة، والقدرة عليها، يقال: جادلت الرجل، فجدلته جدلًا؛ أي: غلبته. ورجل جدل إذا كان أقوى في الخصام، وجادله؛ أي خاصمه مجادلة وجدالًا، والاسم الجدل وهو شدة الخصومة [ابن منظور: لسان العرب ١/ ٥٦٩].
والمعنى اللغوي يشير إلى شدة الفتل، الحرص الشديد، اللدد في الخصومة، الانتصار للنفس، الإصرار على قهر الآخر، إن بالحق وإن بالباطل.
وهذه الأمور كلها ملاحظة في الأعمال الفكرية، وبخاصة في الفلسفة وعلم الكلام وآداب البحث والمناظرة.
فالمجادل مخاصم لمجادله، شديد الحرص على جمع ما يؤيد رأيه، ويرد رأي الآخر أيًّا كان هذا الآخر.
ويؤكد المعاني السابقة التعريف الاصطلاحي للجدل والمجادلة.
فالجدل في الاصطلاح: هو دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة أو بقصد تصحيح كلامه، وهو الخصومة في الحقيقة.
والجدل في اصطلاح المنطقيين: قياس مؤلف من مقدمات مشهورة ومسلمة ... والغرض منه إلزام الخصم، وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان. [الجرجاني: التعريفات، ص٧٤]
والمجادلة من باب المفاعلة، وهي التنازع بين الخصمين في مسألة علمية بهدف الانتصار على الخصم، إن بالحق وإن بالباطل.
وواضح أنها لا تكون إلا بين اثنين أو جماعتين تشتد كل جماعة في عداوتها للأخرى، وتعمل على الإيقاع بها، وإثبات رأيها هي إن بالحق وإن بالباطل، وبطلان موقف غيرها.
والمجادل في جدله يعد نفسه للانقضاض على الآخر.
والمجادل إن كان يعلم فساد كلامه وصحة كلام خصمه، وأصر على المجادلة يسمى ما يفعله مكابرة.
وإن كان يجادل لمجرد المجادلة، ولا يعلم صحة كلامه أو صحة كلام خصمه يسمى ما يفعله معاندة [راجع: جميل صليبا: المعجم الفلسفي ٢/ ٣٤١].
ويذكر إمام الحرمين الجويني: أن من العلماء من يرفض أصل الاشتقاق، ويرجع معرفة الأسامي إلى السماع.
ومنهم من يقول: إن الجدل في اللغة من الإحكام. يقال: درع مجدول، وزمام جديل: إذا كان مستحكم النسج والفتل. وقصر مجدل: إذا كان حصينًا محكمًا بناؤه.
ثم يذكر بعض التعريفات لحقيقة الجدل ويبطلها.
ثم يقول: إن الصحيح في عرف العلماء أن يقال: إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنامي في العبارة أوما يقوم مقامها من الإشارة
والدلالة. [الجويني: الكافية في الجدل، ص ١٩].
وينقسم الجدل إلى مذموم ومحمود وبخاصة في البيئة الإسلامية وبين علماء المسلمين.
فهو مذموم إذ كان لمجرد الجدل أو لجعل الباطل حقًّا والحق باطلًا أو لمجرد الرغبة في إسكات الخصم، أو التشويش والتمويه وخلط الأوراق.
الجدل المذموم: ما يكون لدفع الحق أو تحقيق العناد أو لتلبيس الحق بالباطل أو لما لا يطلب به هدف ولا تقرب أو للمماراة وطلب الجاه والتقدم [الجويني: الكافية في الجدل، ص ٢٢]، وهي أمور مرفوضة من وجهة النظر الإسلامية.
وإن كانت مقبولة في الفلسفات وبخاصة الفلسفة اليونانية، والبراجماتية الأمريكية، يقول سبحانه وتعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢا} [الزخرف: ٥٨]، ويقول سبحانه: {وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا} [الكهف: ٥٤].
ويقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم: «دَعِ المِرَاءَ وَإِنْ كُنْتَ مُحِقًّا».
والجدل المذموم خروجٌ عن آداب البحث والمناظرة؛ لأن المجادل بهذه الصورة معاند مخاصم مصارع لا هدف له إلا التمويه والتشكيك وإسكات الخصم.
وأما الجدل المحمود، فهو الذي يبتعد عما سبق، ويتوخى الصدق في حركته، وهدفه هو الانتصار للحق، وإزهاق الباطل، والوصول للحقيقة.
يقول سبحانه وتعالى: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ } [النحل: ١٢٥].
وعن نشأة الجدل نستطيع أن نجزم بأن الإنسان دون غيره من المخلوقات - على الأقل حتى الآن بداية القرن الحادي والعشرين الميلادي - توافرت فيه الكثير من العوامل التي تؤدي إلى الجدل الممدوح والمذموم.
والتي من أهمها:
العقل، أساس حركته في الوجود، وتعامله مع الأشياء، وتعرفه على الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والحق والباطل، والنور والظلام.
وهو – أيضًا - أساس حسابه لنفسه وللآخرين، وحساب الآخرين له.
وهذا العقل يوجد بدرجات متفاوتة في البشر، ويؤدي التفاوت بدوره إلى الكثير من التناقضات، وبخاصة في الإرسال والاستقبال، فما أرسله ربما لا أحسن إرساله أو أحسن الإرسال إلا أن الآخر يستقبل بنسب متفاوتة بين الوعي واللاوعي.
ومع تفاوت العقول تختلف الطبائع أو الجبلات البشرية، والقول المأثور عن الآباء يشير إلى هذا، فهم في ماضيهم قالوا:
العبد يقرع بالعصا * * * والحر تكفيه الإشارة
وللبيئة تأثيرها على الإنسان، فالإنسان ابن بيئته، وتعدد البيئات بكل مكوناتها الجغرافية، والمناخية، والدينية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية ... إلخ يؤدي حتمًا إلى الاختلاف.
وبالإضافة لهذه الأمور، فهناك التعدد في الآمال والتطلعات للأفراد والجماعات، والرغبة في تأكيد الذات والانتصار على الآخر، والقبول لما يوافق الغرض، والرفض لما يخالفه، وربما الرغبة في معرفة الحقيقة.
هذه العوامل وغيرها كثيرًا ما أدت وتؤدي منذ وجود الإنسان إلى التدافع والتصارع والتخاصم، وربما التعامل مع الآخر وكأنه الجحيم، وترديد العبارة الممقوتة (أنا وليكن الطوفان).
الجدل إذًا نشأ مع نشأة الإنسان، ويكفينا لتأكيد هذا الأمر، ما حدث بين الأخوين قابيل وهابيل؛ فأساسه الحسد والغيرة والحرص على إلغاء الآخر وتأكيد الذات، وهي من أهم العوامل الدافعة بعنف إلى الجدل الظاهر أو الباطن.
وما حدث بين الأنبياء وأقوامهم.
وما حدث ويحدث بين الأفذاذ من العلماء وبعض الرافضين لفكرهم.
ومع أن الجدل نشأ مع نشأة الانسان، وتطور مع تطوره إلا أن معالمه كعلم له قواعده وموضوعاته ومنهجه، ظهر في البيئة اليونانية على يد سقراط (٤٦٩ ق.م – ٣٩٩ ق.م) وأفلاطون (٤٢٧ ق.م – ٣٤٧ ق.م) وأرسطو (٣٨٤ ق.م -٣٢٢ ق.م)، والأخير كان له دور كبير في تقعيد القواعد المنطقية، ووضع الأسس العلمية للجدل؛ للرد على السوفسطائيين الذين عملوا على التمويه، والتلبيس، والتشكيك، وقلب الحقائق في الفكر اليوناني.
ويذهب حاجي خليفة إلى القول بأن علم الجدل يستمد معالمه من علمي المنطق، وآداب البحث والمناظرة: "وهو علم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إبرام ونقض، وهو من فروع علم النظر، ومبنى لعلم الخلاف، مأخوذ من الجدل الذي هو أحد أجزاء مباحث المنطق، لكنه خص بالعلوم الدينية، ومبادؤه بعضها مبينة في علم النظر، وبعضها خطابية، وبعضها أمور عادية، وله استمداد من علم المناظرة المشهور بآداب البحث ... والغرض منه تحصيل ملكة النقض والإبرام ... ولا يبعد أن يقال: إن علم الجدل هو علم المناظرة؛ لأن المآل منهما واحد إلا أن الجدل أخص منه" [حاجي خليفة: كشف الظنون، ١/ ٥٨٠].
وقد تضافرت عوامل كثيرة أدت إلى انتشار الجدل وعلمه في البيئة الإسلامية، منها - بالإضافة إلى العوامل السابقة - عوامل داخلية وأخرى خارجية.
ومن أهم هذه العوامل؛ كثرة الآيات القرآنية التي يذكر فيها الجدل الممدوح والمذموم، وكذا الأحاديث النبوية.
وفى نفس المصدرين وجود الآيات والأحاديث التي يوحي ظاهرها التشابه بين الخالق والمخلوق.
والتي انبرى للتعامل معها، ومحاولة فهمها العقل الإسلامي: إن الأخذ بالظاهر، حتى ولو أدى هذا الآخذ إلى التشابه بين الخالق والمخلوق، ومن أمثال من فعل هذا المشبهة والمجسمة.
وإن الأخذ بالظاهر مع الإيمان المسبق بقوله تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١] أو التأويل بطريقة هادئة مع عدم الحكم على الله - سبحانه وتعالى، بل التعرف على المعاني المختلفة التي يحتملها اللفظ ثم الوقوف عند معنى ما، والقول ربما يريد - سبحانه وتعالى - بالآية كذا، وهذا اتجاه عرف فيما بعد بأنه اتجاه الأشاعرة والماتريدية.
أو التأويل مع المبالغة فيه، والحكم على مراد الله – تعالى - وهذا هو الغالب على المعتزلة، والإمامية، الاثنى عشرية من الشيعة.
وانبرى كل فريق للدفاع عن ما يذهب إليه.
ومن هنا انتشرت وتطورت المناظرات والمجادلات والبحث عن كل ما يسكت الآخر.
ثم هناك عوامل أخرى، منها:
١ - دخول كثير من الأمم ذات العقائد المختلفة، والملل والنحل المتعددة، والأفكار المتضاربة في الإسلام بعد انتشار الإسلام في كثير من أرجاء المعمورة، ولا شك أن الداخلين محملون بعقائدهم وثقافات البيئات التي يعيشون فيها.
وقد تسربت الأفكار والعقائد بإرادتهم وبغير إرادتهم واختلطت بالأفكار الإسلامية، ونشأ عن ذلك الاختلاط صراع فكري متعدد الجوانب.
٢ - أدى اتساع رقعة الدولة الإسلامية، وتضارب الأفكار فيها إلى نوع من الترف العقلي، الذي راح يجادل في كل شيء وفي أي شيء.
٣ - تحامل بعض اليهود والنصارى والدهريين وغيرهم على الدين الإسلامي، واستخدامهم لكل الوسائل الفكرية للتشكيك في عقائده وعبادته ومعاملاته وقيمه، والحط من قدر القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وشخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الأطهار، والدفع بكل الشبه لتحقيق ما يريدون.
ومنها: شبه تشكك في الخالق، وفي وحدانيته، وفي الآخرة وما أعد فيها للعصاة والطائعين، وفي القدر خيره وشره إلى آخره.
٤ - طرق باب البحث في بعض الموضوعات العويصة، كالغيبيات التي كانت ولا تزال مزالق للباحثين، وميدانًا يتسابق فيه المتجادلون ... ولا يبعد عن الذهن أن مجالس المناظرة كان يكتنفها - في أكثر الأحيان - اللدد واللجاج، وتحزب كل فريق لرأيه، وبذل الجهد في تأييده وتدعيمه؛ مما دعا إلى توسيع دائرة الخلاف وتشعب طرق النقاش [د. زاهر الألمعي: مناهج الجدل في القرآن، ص٣١].
ونستطيع أن نضيف إلى ما سبق من أمور أدت إلى وجود الجدل بكل أنواعه في الأمة الإسلامية أن مادة (ج . د . ل) ومشتقاتها المتعددة وردت في القرآن الكريم في تسعة وعشرين موضعًا، يشير كل موضوع إلى جدل ما مرغوب فيه أو مكروه، مطلوب من الإنسان أن يفعله للضرورة أو أن يجتنبه للمخاطر المترتبة عليه.
ونذكر على سبيل التوضيح بعض الآيات القرآنية: يقول سبحانه وتعالى: {ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ} [البقرة: ١٩٧]، والرفث هو معاشرة الأزواج في الحج، والفسوق هو الخروج عن حد الشرع؛ أي: لا معاشرة للأزواج ولا عصيان مع ترك الجدال كلية.
ويقول سبحانه: {وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا} [النساء: ١٠٧]، ويختانون؛ أي يبالغون في خيانة أنفسهم بارتكاب المعاصي، ويقول عز وجل في نفس السورة: {هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا} [النساء: ١٠٩]، {وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} [الأنعام: ٢٥]، ونفس السورة يقول عز وجل: {وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ} [الأنعام: ١٢١]، ويقول سبحانه: {قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسٞ وَغَضَبٌۖ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ} [الأعراف: ٧١]، والرجس والغضب؛ أي العقاب الشديد والطرد من رحمة الله – تعالى، ويقول سبحانه وتعالى: {يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ} [الأنفال: ٦]، ويقول سبحانه وتعالى: {قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ} [هود: ٣٢]، وفي نفس السورة يقول عز وجل: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ} [هود: ٧٤]، ويقول سبحانه وتعالى: {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ} [الرعد: ١٣]، ويقول سبحانه وتعالى: {يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} [النحل: ١١١]، وفي نفس السورة يقول عز وجل: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} [النحل: ١٢٥] .
والحكمة هي وضع الشيء في نصابه واستخدام العقل استخدامًا جادًّا، والموعظة الحسنة؛ أي الكلمة الهادئة الطيبة التي تصل إلى العقل والقلب، والجدال الحسن هو المسموح به الذي يهدف إلى الوصول للحقيقة، ويتوخى الصدق ولا يفرق وإنما يجمع بالحب والتسامح كل الآخرين.
ويقول سبحانه: {وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا} [الكهف: ٥٤]، وفي نفس السورة يقول سبحانه وتعالى: {وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا} [الكهف: ٥٦]؛ أي أنهم يلجأون إلى الجدل الفاسد الذي أساسه المخاصمة والمعاندة والعداوة ليكذبوا الحق ويسخروا من الآيات الدالة على عظمة الله، ويستهزؤا بالرسل وبكل ما جاءوا به، يقول سبحانه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ} [الحج: ٣]، وفي نفس السورة: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ} [الحج: ٨]، وفيها – أيضًا - يقول سبحانه: {وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ} [الحج: ٦٨]، ويقول سبحانه وقوم كل أمة برسولهم وتعالى: {وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ } [العنكبوت: ٤٦]، ويقول سبحانه: {مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ} [غافر: ٤]، وفي نفس السورة: {لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ} [غافر: ٥]، وفيها أيضًا: {ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ} [غافر: ٣٥]، ويقول - أيضًا: {أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ} [غافر: ٦٩]، ويقول سبحانه: {وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: ٥٨].
وفي القرآن الكريم سورة سميت بالمُجَادِلةِ (بالكسر)، تلك المرأة التي جادلت الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمر زوجها، و(بالفتح) ما دار بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين تلك المرأة، يقول سبحانه وتعالى: {قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ} [المجادلة: ١]، والمرأة التي جادلت الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي خولة بنت ثعلبة التي قال لها زوجها: أنت عليّ كظهر أمي، فنزلت الآيات الكريمات لتبين حكم الظهار، والذي يتلخص في أن من ظاهر زوجته فهي لا تصير أمًّا له، وعليه قبل أن يمسها أن يعتق رقبة، وإن لم يستطع فعليه أن يصوم شهرين متتاليين، فإن لم يستطع فعليه أن يطعم ستين مسكينًا، وما ذكر هو عقوبة الظهار على المؤمن المظاهر أن يقوم به [الفخر الرازي: التفسير الكبير ومفاتيح الغيب، م ١٥، ٢٩/٢٥٠].
مراجع الاستزادة
يقصد بالجدل دفع الخصم بحجة أو شبهة لتأييد الرأي أو إفحام الآخر، وينقسم إلى محمود يهدف للحقيقة ومذموم يسعى للمغالطة أو إسكات الخصم، وقد نشأ مع الإنسان بسبب العقل، واختلاف الطباع، وتعدد البيئات والتطلعات، وقد ذم الإسلام الجدل الباطل الذي يهدف إلى التشكيك أو العناد، وقد ذكرت مادة (جدل) ومشتقاتها في القرآن الكريم في تسعة وعشرين موضعًا.
هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية.
من المفاهيم الأساسية التي تحظى بأهمية بالغة في الفكر الإسلامي والفلسفي.
أطبق أئمة السلف على تنزيه الله عن الجسمية داحضين زعم ابن تيمية من المتأخرين القائل بأن نفيها بدعة.