Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التكوين

التكوين

مفهوم التكوين متعدد بين اللغة والفلسفة والكلام، وهو صفة إلهية تحمل في طياتها نقاشات طويلة حول أزلية الصفات وحداثة المخلوقات، وتتباين آراء المعتزلة التي ترى التكوين حادثًا مع أهل السنة (الأشاعرة والماتريدية) الذين يرونه أزليًا قائمًا بذات الله تعالى مع اختلاف في فهم علاقة التكوين بالمكونات.  

مفهوم التكوين عند المتكلمين

قبل أن نتحدث عن مفهوم التكوين عند المتكلمين نرى أنه من الضـرورة بمكان أن نلقى الضوء على هذا المصطلح سواءً من حيث اللغة، أم من حيث المفهوم الاصطلاحي لهذه الكلمة قبل الإسلام.

جاء في (المنجد في اللغة) ما يلي: كَوَنَ... كان يكون، كونًا وكيانًا وكينونة الشيء، حدث ووجد وصار.

كان... تأتي ناقصة فتدخل على المبتدأ والخبر؛ فترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وتفيد وقوع الخبر من المبتدأ وهو اسمها نحو: (كان زيد قائمًا)، وتأتي تامة نحو: (فقال الله: ليكن نور فكان نورًا)، فنور فاعل كان، وتأتي بمعنى ثبت نحو: (كان الله ولا شيء معه).

وبمعنى حضر نحو: {وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ} [البقرة: ٢٨٠]، وبمعنى وقع نحو: ما شاء الله كان، وبمعنى ينبغي نحو: {مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآ} [النمل: ٦٠]، وبمعنى الاستقبال نحو: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: ٧]، وبمعنى المضي المتقطع نحو: {وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ}[النمل: ٤٨]  وبمعنى الحال نحو: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: ١١٠]، وقد تفيد معنى الدوام والاستمرار نحو: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا} [النساء: ٩٦]  ، ويقال (صار إلى كان) أي: مات، وفي المثنى: (صار إلى كانا) وفي الجمع: (صاروا إلى كانوا) و(كنت الكوفة) أي: كنت بها.

(ومنازل أقفرت كأن لم يكنها أحد) أي: لم يكن بها... وجاء كذلك: كون تكوينًا الشـيء.. أحدثه وأوجده تكون: مطاوع كون، الكائن: الحادث، الكائنة جمعها: كائنات وكوائن، الكائنات الموجودات، ويكون: عالم الوجود... والكيان: الطبيعة والخليقة.

التكوين: إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود، الجمع: تكاوين الصورة والهيئة [المنجد في اللغة، المكتبة الشرقية، ص٧٠٤، بيروت، لبنان، سنة ١٩٨٦م].

وفي المعجم الوسيط نطالع: كان الشـيء كونًا وكيانًا وكينونةً: حدث فهو كائن، والمفعول: مكون، وكان لها ثلاث حالات:

الأولى: أن تكون من الأفعال التي ترفع الاسم وتنصب الخبر وتسمى حينئذ ناقصة.

الثانية: أن تكتفي بالاسم، وتسمى حينئذ تامة، وتكون بمعنى ثبت (كان الله ولا شيء معه).

الثالثة: أن تكون زائدة للتوكيد في وسط الكلام وآخره.

كوَّن الشيء: ركبه بالتأليف بين أجزائه.

وكوَّن الله الشيء: أخرجه من العدم تكفل.

تكون الشيء: حدث.

الكون: الوجود المطلق العام، والكون اسم لما يحدث دفعة واحدة كحدوث النور عقب الظلام مباشرة. [المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ص٨٠٥، ٨٠٦، دار المعارف، سنة ١٩٧٣م].

وفي المعجم الفلسفي نقرأ: تكوين الشيء: نشأته ونموه.

وعند أرسطو: تعاقب الصور على شي حتى يصل إلى مرحلة معينة من مراحل نموه.

والتكويني: نسبة إلى التكوين، وهو ما يتعلق بتكوين كائن، أو ظاهرة، أو نظام. [المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، ص٥٣- ٥٤، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، ١٣٩٩ه- ١٩٧٩ م].

التكوين عند المتكلمين:

جاء في شرح الطحاوية ما يلي: افترق الناس في مسألة الكلام الإلهي على تسعة أقوال:

١- إن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من المعاني: إما من العقل الفعَّال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة.

٢- إن كلام الله مخلوق، خلقه منفصلًا عنه (المعتزلة).

٣- إن كلام الله معنى واحد قائم بذات الله، هو الأمر والنهي، والخبر والاستخبار، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة (ابن كلاب، والأشعري).

٤- إن كلام الله حروف وأصوات أزلية مجتمعة من الأزل (بعض أهل الحديث وأهل الكلام).

٥- كلام الله حروف وأصوات تكلم بها بعد أن لم يكن متكلمًا، أي أن كلام الله حادث (في ذاته) (وهذا قول الكرَّامية).

٦- إن كلام الله يرجع إلى ما يحدثه سبحانه من علمه وإرادته القائم بذاته (أبو بركات البغدادي، والرازي في المطالب العالية).

٧- إن كلام الله يتضمن معنى قائمًا بذاته هو ما خلقه في غيره (الماتريدي).

٨- إن كلام الله مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات (الجويني).

٩- إن الله سبحانه متكلم من الأزل إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم بكلامه بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا (رأى أئمة الدين والسُنَّة) [راجع: علي بن علي بن محمد بن أبي العز (٧٣١-٧٩٢هـ): شرح العقيدة الطحاوية التي ألفها: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة المصري الحنفي (٢٣٧- ٣٢١ه)، نشرة زكريا علي يوسف، ص٩٠، مطبعة العاصمة، الفلكي، القاهرة (د.ت)].

وبمعزل عن هذا الحصر لوجهة نظر المتكلمين والفقهاء والمحدثين والفلاسفة في مسألة (الكلام) فإن الذي لا شك فيه أن هذه الآراء متداخلة فيما بينها، كما أن هذه الآراء انتهت إلى أن الكلام هو في النهاية صفة رئيسية من الصفات الإلهية... لكن الاختلاف كان بشأن فهم هذه الصفة، ومن ثم فهم (التكوين) الذي ارتيط بالأبعاد الفكرية للمذهب وللمفكرين على حد سواء، وهذا ما سوف نلقي عليه الضوء في الصفحات التالية.

ولا شك أن رأي الفرق الكلامية في مشكلة (التكوين) هو امتداد لرأيها في علاقة الذات الإلهية بصفاتها، وما يرتبط بذلك من تمييز بعض الفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال، على أننا قبل الحديث عن ذلك نشير إلى مسألة (الكليات) وهي المسألة التي أثيرت على نطاق واسع في العصر الوسيط - الإسلامي والمسيحي - على حد سواء، مرتبطة بالوجود وبالخلق والحديث عن أزلية الكلي، أو حدوثه هو الوجه الآخر للحديث عن قدم العالم، أو حدوثه، كما أن الحديث عن الممكن والواجب والممتنع هو - أيضًا، وبمعنى ما، حديث عن جواز أزلية الممكن، أو عدم أزليته... وهكذا يتبين لنا أن الحديث عن صفة التكوين حديث شائك لما لهذه الصفة من أبعاد متعددة ومتباينة...

إن التمييز بين الماهية والوجود عند فلاسفة الإسلام تحدث عنه – أيضًا - بعض المتكلمين والصوفية.

فصاحب العقيدة الطحاوية يقول: الحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي، ولكن الأعيان تعلم، ثم تذكر، ثم تكتب فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة.

وأما الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة؛ بل هو الذي يكتب بلا واسطة ذهن ولا لسان [شرح العقيدة الطحاوية، ص١٠].

أما (ابن عربي) فذكر أن للأشياء وجودين: وجود ذهني ووجود عيني، وللأشياء وجود أزلي في العلم الإلهي، ووجود حادث في العالم الخارجي، ففي فصوص الحكم: يستخدم ابن عربي كلمة "نفثية"، ولا يستخدم كلمة خلقية، أو خالقية، أو إبداعية؛ لكي يعبر عن العلاقة بين الذات الإلية وبين الموجودات.

وابن عريي باستخدامه كلمة (نفثية) إنما كان يعبر تعبيرًا دقيقًا عن رأيه في أن كلمة (نفثيه) تشير إلى خروج الموجودات القائمة من الأزل في العلم الإلهي إلى حيز الوجود الفعلي.

إنها (نفثية) تعنى خروج موجود عن موجود... فلا شي في عالم ابن عربي يُخلق من العدم، وإنما الخلق إخراج ما له وجود بالفعل في حضـرة أخرى من حضـرات الوجود إلى حضـرة الوجود الخارجي، أو هو إظهار الشيء في صورة غير الصورة التي كان عليها من قبل.

فالعالم عنده حقيقة أزلية تفنى ولا تتغير إلا في صورها... إذا أراد الله خلق شي من الأشياء أمره أن يكون فيكون، والكون، أو التكون من فعل الشيء نفسه لا من فعل الله!! بل ليس لله في إيجاد الشيء - كما يزعم ابن عريي - إلا قوله "كن"، كالسيد الذي لا تُعصـى أوامره، يقول لعبده: قم، فيقوم فليس للسيد في قيام العبد سوى أمره له بالقيام، والقيام من فعل العبد لا من فعل السيد.

إن ابن عربي يرى أن الأشياء قبل وجودها الظاهر ليست أمورًا عدمية صرفه، بل لها وجود ثابت في العالم المعقول، وهو وجود بالقوة، والأمر الإلهي (كُنْ) يخرجها من القوة إلى الفعل بمقتضى طبيعتها[راجع: أبو العلا عفيفي: شرح فصوص الحكم، ص ١٣٤- ١٣٥، دار الكتاب العربي، بيروت (د.ت) وراجع: إبراهيم مدكور: وحدة الوجود بين ابن عربي واسبينوز، ص٢٧١ (مقال في الكتاب التذكاري عن محي الدين بن عربي، دار الكاتب العربي، القاهرة، ١٣٨١م— ١٩٦٩م وراجع: فيصل عون: التصوف الإسلامي، الطريق والرجال ص٢٠٥ - ٢٩١، مكتبة سعيد رأفت، القاهرة، سنة ٩٨٣ ١م وينبغي أن نشير إلى إفادة ابن عربي من فكرة "القوة والفعل" عند أرسطو، وهذا واضح على ضوء النص الذي أفدناه من فصوص الحكم لابن عربي].

مفهوم التكوين عند المعتزلة

المعتزلة:

أفادت المعتزلة من تمييز الفلاسفة بين الماهية والوجود، قال العلاف والكعبي، وبعض البغداديين من المعتزلة: إن المعدوم الممكن (الماهية) شيء ثابت متقرر في الخارج، منفك عن صفة الوجود؛ لأن الماهية كما ترى المعتزلة غير الوجود الذي قد تخلو عنه الماهية، مع كونها متحققة، متقررة في الخارج، ولقد قيد المعتزلة المعدوم بالممكن؛ لأن الممتنع منه منفي لا وجود له أصلًا [راجع شرح المواقف للإيجي جـ ١ / ص ٢٢٠، طبع حجر مع شرح السيالكونني، وحسن جلبي].

وفي حديثها عن الصفات الإلهية مَيَّزت المعتزلة بين صفات الذات وصفات الأفعال من حيث أن صفات الأفعال - كما ترى - حادثة، أما صفات الذات فهي أزلية قديمة... وفي كل الأحوال فإن الصفات الإلهية عند المعتزلة عين الذات الإلهية، إن صفات الذات لا يمكن أن تنفك الذات عنها: كالوجود والحياة والقدرة والعلم والإرادة... أما صفات الأفعال فليست شرطًا في تصور الذات يدل على ذلك أن صفات الأفعال يوصف الله بها وبنقيضها: أحيا وأمات، الرحيم المنتقم، الرازق والمانع، وقيل في الفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال كل ما يقع عليه القدرة فهو صفة فعل نحو الرحمة والكلام... وما لا يقع عليه فهو صفة ذات نحو أن لا يقال: أيقدر أن يعلم أو لا [الماتريدي: التوحيد ص٥٠، نشـره، د/ فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية (د.ت)].

ويقول النسفي على لسان المعتزلة: "إن ما كان من صفات الذات فهو أزلي، وما كان من صفات الفعل، فهو حادث، فعلى هذا العقد بالإجماع بين المعتزلة، وبين متكلمي أهل الحديث أنه تعالى كان في الأزل حيًّا باقيًا. قادرًا عالمًا، سميعًا، بصيرًا، وأنه لم يكن خالقًا ولا رازقًا ولا مصورًا ولا محييًّا ولا مميتًا؛ لأن القسم الأول من صفات الذات والقسم الثاني من صفات الفعل" [أبو المعين النسفي: تبصرة الأدلة، جـ ١/ص ٣٠٨ - ٣٠٩، تحقيق/ كلود سلامة، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، دمشق سنة١٩٩٠م].

ثم إن ما يُمَيّز صفات الذات من صفات الفعل هو أن ما يثبت ولا يجوز نفيه فهو من صفات الذات، فإنه يقال: يعلم كذا ولا يقال لا يعلم كذا.

بعبارة أخرى: إن ما يوصف به سبحانه ولا يوصف بضده فهو من صفات الذات، فإنه يوصف بالحياة ولا يوصف بالموت... ويوصف بالإحياء والإماتة والتحريك والتسكين... ثم هو يوصف بالأمر والنهي والحظر والإيجاب، دلَّ أنه من صفات الفعل [أبو المعين النسفي: تبصرة الأدلة، جـ١/ص ٣٠٩، تحقيق/ كلود سلامة، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، دمشق سنة١٩٩٠م].

على أن متكلمي أهل الحديث - فيما يذكر النسفي يفرقون بين صفات الذات وبين صفات الأفعال بفرق يبقى الكلام في جملة صفات الذات دون صفات الفعل فيقولون: ما يلزم بنفيه نقص فهو من صفات الذات فإنك لو نفيت الحياة تلزم نقيصة الموت، ولو نفيت القدرة تلزم نقيصة العجز... وما لا يلزم بنفيه نقص فهو من صفات الفعل فإنك لو نفيت عنه الإحياء أو الإماتة... لم تلزم نقيصة [النسفي: تبصرة الأدلة، ص٣١٠].

ثمة مسألة أخرى مهمة هامة مرتبطة بصفة التكوين عند المعتزلة، وأقصد من ذلك المعدوم هل هو شيء، أم ليس بشيء، وهل المعدومات لها درجات الوجود أم لا؟

إن القارئ لرجالات المعتزلة وبعض الصوفية يدرك أنهما يقولان: إن كل ما خرج إلى الوجود كان موجودًا في العلم الإلهي... فلا شيء جديد بالنسبة له سبحانه، وإن كان الوجود في العلم الإلهي معدومًا عندنا... لكن هذا المعدوم ليس ممتنعًا أن يخرج، أو يُخْرَج إلى الوجود في حد ذاته وإلا لاستحال وجوده تمامًا.

والقصد من ذلك كله أن المعدوم إما أن يكون جائز الوجود أو ممتنع الوجود، وهذا الأخير هو ما قلنا باستحالة تحققه أو وجوده، مثل استحالة أن يُوجِد الله إلهًا آخر يشاركه الوحدانية والخلود... لهذا فإن الحديث هنا يتعلق بالمعدوم الممكن، والذي من المحال أن يخرج إلى الوجود الخارجي إلا بواسطة فاعل له هو الله سبحانه.

بهذا المعنى نستطيع القول إن الأشياء جميعها قديمة وحادثة، غير مخلوقة وهي في عين الوقت مخلوقة، أي أن للأشياء - كما أشرنا - وجودين وجود في العلم الإلهي (وجود في الأذهان) ووجود في الأعيان، والأشياء بهذا المعنى الأخير هي حادثة: الأشياء قديمة بوجودها في العلم الإلهي لكنها حادثة، بتحققها الفعلي الخارجي (في زمانها ومكانها).

على ضوء ذلك ترى المعتزلة أن القرآن كلام الله، وهذا الكلام من جملة صفات الفعل، ومن ثم فإنه حادث لما يذكره من وقائع وأحداث حدثت قبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي حياته، هذا فضلًا عن أن آيات الذكر الحكيم نزلت كلها على الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستشهدت في هذا الصدد بجملة من الآيات القرآنية التي تفهم منها نزول (حدوث) القرآن على مراحل... {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ} {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ}، {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ}، {فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ}، {ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا}، {وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ}، {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا}.. إلخ.

أن محنة خلق القرآن التي آثارتها المعتزلة ليست خافية على أحد من المشتغلين بعلم العقيدة... لهذا آمنت المعتزلة أن (التكوين) كصفة، وأن (المكونات) كأشياء وموجودات كلها حادثة، وقد أشرنا إلى أن صفات الفعل حادثة، ومن ثم فإن الكلام كصفة من صفات الفعل حادث.

لقد تصورت المعتزلة أن القول بقدم (التكوين) يؤدي إلى القول بقدم العالم، وهذا يتناقض مع قول الحق إنه خالق كل شيء، وأنه سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما.

إن الحديث عن التكوين، والتخليق، والخلق، والإيجاد، والإحداث، والاختراع... كلها أسماء مترادفة تدل - عند المعتزلة - على الخلق والإيجاد من العدم.

كذلك ترى المعتزلة أن الصفات ليست قائمة بالذات، ومن ثم فإن صفة التكوين حادثة؛ لأن الكلام حادث سواء كان في محل، أو في غير محل كما زعم بعض المعتزلة، ذهب العلاف وبشـر بن المعتمر ومعمر وهشام بن الحكم والكرَّامية، ذهبوا جميعًا إلى أن التكوين معنى وراء المكون، غير أن هؤلاء جميعًا يقولون: هو غير المكون، وهشام بن الحكم يقول: لا هو المكون، ولا غيره، وإنما نشأ الاختلاف بينهم؛ لأن هشامًا يقول: إن التكوين صفة، والصفة عنده لا توصف، فلم يصف التكوين بأنه غير المكون، وغيره من المتكلمين يجوزون وصف الصفة، فوصفوا التكوين بأنه غير المكون وما روى عن أبي الهذيل أن التكوين يوجد مع المكون لاستحالة قيامه بنفسه يوجب أن يقوم بالمكون، وقد روى بعض أهل المقالات أنه كان يقول: إن جميع كلام الله تعالى حادث في محل إلا خطاب (كن) فإنه حادث لا في محل، يوجب أن يكون التكوين عنده - أيضًا - حادث لا في محل، إذ التكوين عنده ليس إلا خطاب (كن). [راجع: أبو المعين النسفي، تبصرة الأدلة، ص ٣٠٦ - ٣٠٧].

مفهوم التكوين عند الماتريدية

الماتريدية:

في البداية نود أن نشير إلى أن أهل السنة والجماعة على أن الخلق والتكوين والإيجاد... كلها أزلية وليست حادثة... وأن المكون والمخلوق محدث، والتكوين قبل المكون، والله تعالى قديم بتكوينه وايجاده كما هو قديم بجميع صفاته [أبو اليسر البزدوي: أصول الدين، ص ٧٦-٧٧].

إن كلام الله عند أهل السنَّة ليس كالأشياء.. إنه غير الأشياء وإنه خارج عن الأشياء، وإنه إنما تكون الأشياء بقوله وأمره: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: ٤٠]، وقوله سبحانه: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة:١١٧]، لقد ذكر الله خلق الأشياء كلها فلم يدع شيئًا إلا ذكره وأخرج كلامه سبحانه وقوله وأمره من جملة الخلق ليدل على أن كلامه غير الأشياء، وخارج عن الأشياء المخلوقة: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: ٥٤]، لقد جمع سبحانه في قوله هذا الخلق كله، ثم قال والأمر، يعني الأمر الذي كان به الخلق، ففرق – عز وجل - بين خلقه وبين أمره، فجعل الخلق خلقًا والأمر أمرًا: وقال – عز وجل: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم:٤]، أي: من قبل الخلق ومن بعد الخلق.

لقد أخبر الله عن خلقه (العالم)، وأنه إنما خلقه بالحق، وأن الحق قوله، وكلامه الذي به خلق الخلق كله، وأنه غير الخلق وخارج عن الخلق، فهذا نص التنزيل على أن كلام الله غير الأشياء المخلوقة، وليس هو كالأشياء وإنما تكون به الأشياء [راجع: عبد العزيز بن يحيي الكناني (٢٤٠هـ)، كتاب الحيدة، ص٣٧-٣٩، تحقيق/ جميل صليبا، دار صادر، بيروت ط٢، ١٤١٢ هـ -١٩٩٢م وراجع شرح العقيدة الطحاوية، ص٩٢].

هذا الاتجاه السلفي أكده صاحب شرح العقيدة الطحاوية بالقول: إنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم، وهذا ما أكده - أيضًا - أبو حنيفة في الفقه الأكبر: القرآن في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي- صلى الله عليه وسلم- منزل ولفظنا بالقرآن مخلوق، والقرآن غير مخلوق، وما ذكر الله في القرآن عن موسى- عليه السلام- وغيره وعن فرعون وإبليس، فإن ذلك كلام الله إخبارًا عنهم، وكلام موسى - عليه السلام - كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين... يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا [راجع شرح العقيدة الطحاوية، ص ٩٧، نشـره: زكريا يوسف علي، وراجع أصول الدين للبغدادي، ص١١٨، ط١، إستانبول ١٣٤٦هـ - ١٩٢٨م].

أما عن الماتريدية فإنها ترى أن من الخطأ القول بوجود صفات ذات وصفات أفعال لله، فلا يصح البتة أن ننظر إلى الذات الإلهية هنا من وجهة نظر إنسانية (تشبيهية)؛ لأن الله سبحانه له في حد ذاته كل صفات الكمال، وإذا كان البعض قد ميَّز بين صفة ذات وصفة فعل فإن هذا تمييز اعتباري وليس تمييزًا حقيقيًّا؛ لأن الصفات والأسماء كلها توقيفية من جهة، وأنها كلها قديمة أزلية من جهة أخرى، الصفات الإلهية كلها قائمة بذات الله سبحانه لا هي هو ولا هي غيره... إن الله كامل بذاته من الأزل، ونفي أي صفة عنه من الأزل يتنافى مع مفهوم الكمال المطلق لله.

ولما كان القرآن- كلام الله- أزليًّا، فإن التكوين بالتبعية صفة أزلية قائمة بذات الله سبحانه شأنها شأن العلم والقدرة والسمع والبصـر... إلخ، ويضيف الماتريدي: إن الأصل في صفات الذات كالكلام والعلم والقدرة والإرادة... أن الله سبحانه برئ عن الآفات وتعالى عن العيوب من الأزل.

إن أزلية هذه الصفات تؤكد في الأساس أن الكمال لله ذاتي أزلي، وهذه الصفة (التكوين) لله من الأزل وبمعزل عن حدوث العالم [الماتريدي: التوحيد، ص ٥٥، نشره فتح الله خليف].

تؤمن الماتريدية أن (التكوين) أزلي والمكون حادث، أن القدرة أزلية، ومع أنها أزلية إلا أن المقدور المتعلق بها حادث، وهكذا الحال بالنسبة للإرادة والمراد (فيكون التكوين لكل مكون تكوينًا له لوقت وجوده، كإرادة وجود كل موجود يكون إرادة لوجوده لوقت وجوده).

وفي تأويلات أهل السنَّة يقول الماتريدي في تفسيره لقول الحق {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: ١١٧]، قال: ذكر قضى وذكر أمرًا وذكر كن فيكون، ولو كان التكوين والمكون واحدًا لم يحتج إلى ذكر (كن) في موضع العبارة عن التكوين، قال: (كن) (تكوينه) (فيكون) المكون فيدل أنه غيره.

ثم لا يخلو التكوين: إما أنه لم يكن فحدث، وإما أنه كان في الأزل، فإن لم يكن فحدث، فإما أن يحدث بنفسه، ولو جاز ذلك في شيء لجاز في كل شيء، وإما أن يحدث بإحداث آخر فيكون إحداثًا بإحداث إلى ما لا نهاية له، وذلك فاسد، ثبت أن الإحداث والتكوين ليس بحادث وأن الله تعالى موصوف في الأزل أنه مُحْدِث مكون، فيكون كل شيء في الوقت الذي أراد كونه فيه [الماتريدي: تأويلات أهل السنة، جـ ١/ص٨٦، تحقيق/ فاطمة يوسف الخيمي، مؤسسة الرسالة، ناشرون، بيروت، لبنان، ط١، ١٤٢٥هـ/ ٢٠٠٤م].

ويشـرح أبو المعين النسفي هذه الفكرة بالقول: إن الله كان خالقًا من الأزل لقيام صفة الخلق به وهو التكوين، وهو سبحانه عالم، ومريد، وحي، قادر، وسميع، وبصير من الأزل، مع عدم وجود مرادات، ومقدورات، ومسموعات، ومبصرات أزلية.

إن كل ما لله من صفات قائمة به من الأزل لا تنفك عنه، ولا يمكن تصور أن يفيدها سبحانه من غيره، فالمبصرات حادثة، لكن الله البصير موجود من الأزل، ولا يمكن تصور حدوث السمع كصفة لله من خلال الأصوات.

يقول الماتريدي: فإن قيل إذا وصف الله بالتكوين في الأزل لم كان المكوّن؟ قيل: لما كان ليكون الأشياء على ما تكون، وذلك نحو القول بالقدرة على الأشياء، والإرادة لها، والعلم بها، ليكون كل شي في وقته، والحدث على الذي يكون لا على العلم به، وإن كان الذي يكون - من بعد - في حد الكائن من غير تغير العلم به والقدرة عليه.

والأصل أن الله تعالى إذا أطلق الوصف له، وصف بما يوصف من الفعل والعلم ونحوه، يلزم الوصف به في الأزل، وإذ ذكر معه الذي هو تحت وصفه به من المعلوم والمقدور عليه والمراد والمكون يذكر فيه أوقات تلك الأشياء لئلا يتوهم قدم تلك الأشياء [الماتريدي: التوحيد، ص٤٧].

وفي رد منها على المعتزلة ترفض الماتريدية الحديث عن معدومات ممتنعة الوجود ومعدومات ممكنة الوجود.

إن المعدوم الممكن عندهم ليس بشـيء كالمعدوم الممتنع؛ لأن الوجود عندهم واحد، ومن ثم فإن انتفاء الوجود يعني عدم الشيء، ولا يصح هنا أن نقول: عدم ممكن وعدم ممتنع؛ لأن العدم واحد فحسب.

ويرتبط بذلك أن الماتريدية ترفض الحديث عن ماهية منفصلة عن الوجود (الهوية)؛ لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى القول بأن الماهية موجودة ومعدومة في آن واحد، وهذا تناقض لا يمكن فهمه أو الإقرار به [راجع شرح المواقف للإيجي، جـ١/ص٢٢١- ٢٢٢].

وفي رده على من زعم وتوهم أن وجود التكوين دون مكونات يدل على العجز، قال الماتريدي: إنما يكون ذلك لو كان التكوين معلوم الوقت ولم يحدث، وكذلك الأمر في الإرادة والعلم... وعلى ذلك السمع والبصر والكرم والجود، إنه ـ سبحانه ـ موصوف بها في الأزل، وإن كان ما يسمع ويبصـر وما ذكر حادث، وعلى ذلك جرى الحدوث، ولا بد من ذكر الوقت للمسموع عند ذكر الأمرين، فمثله في الأول [الماتريدي: التوحيد، ص ٤٧].

ويذكر الماتريدي هنا المعتزلة بأن الأفعال (المتولدة) عندهم تحدث بعد فراغ الفاعل من فعله بأوقات كالرمي والجنايات...؛ حيث يستحق الفاعل اسم القاتل والجاني مع أن القتل حدث بعد فترة من انقضاء الفعل [الماتريدي: التوحيد، ص٤٨].

وفي استنكار صارخ لزعم المعتزلة أن القول بقدم التكوين يؤدي إلى القول بقدم المكون، ومن ثم قدم العالم، يقول البزدوي: العجب كل العجب أن قومًا يدعون الفراهة في علم الكلام والتبحر في معرفة الدلائل، يزعمون أن القول بقدم التكوين يؤدي إلى القول بقدم المكونات، مع علمهم أن ما تعلق وجوده بسبب من الأسباب فهو المحدث لا القديم؛ لأن القديم هو المستغني في وجوده عن غيره، فما لم يستغن عن غيره وتعلق وجوده به كان محدثًا ضرورة، والمكون وجوده بالتكوين، فكيف يكون قديما؟ [أبو المعين النسفي: تبصرة الأدلة، ص٣٦١].

ويضيف أبو المعين النسفي في كتابه التبصـرة: القول بقدم العالم ينفي أن يكون له صانع، والقول بوجود صانع للعالم ينفي أن يكون قديمًا... ونحن بقولنا العالم له صانع أبينا قدمه، وبقولنا إنه محدث وأنه غير مستغن في وجوده عن غيره، بل تعلق وجوده بغيره ادعينا حدوثه [أبو المعين النسفي: تبصرة الأدلة، ص٣٦١-٣٦٢].

من المسائل الكبرى التي رفضت فيها الماتريدية الزعم بأن التكوين عين المكون هذا قول باطل عند الماتريدية التي استشهدت بقول الحق: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: ٤٠] لقد عبر الله تعالى عن التكوين بـ (كن)..، وعن المكون بقوله(فيكون)، إن كلام الله عند الماتريدية صفة أزلية قائمة بذات الله - تعالى، والمكونات جواهر وأعراض حادثة غير قائمة بذات الله تعالى.

ولا شك في ثبوت التغاير بين الأزلي والحادث، وبين ما هو صفة قائمة بذات الله تعالى، وبين ما ليس بصفة قائمة بذات الله، والتكوين ما يتعلق به التكون، والايجاد ما يتعلق به الوجود، وقد تعلق وجود العالم بخطاب (كن) فكان هو ايجادًا وتكوينًا وخلقًا، وهو غير المكون الموجود المخلوق. [ابو المعين النسفي: تبصرة الأدلة، جـ ١/ص٣١٦-٣١٧].

ثم إن الحق سبحانه يقول: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان:١١] المعنى: هذا مخلوق الله، ومن ثم فلا وجه إلى إنكار جواز إقامة المصدر مقام المفعول في اللغة، كما في العلم والقدرة إذ هما يُذكران ويُراد بهما ما يتعلقان به من المعلوم والمقدور [أبو المعين النسفي: تبصرة الأدلة، جـ١/ص٣١٧-٣١٨].

وقد اختتم الماتريدي هنا الحديث عن التكوين بالقول: "... على أن معنى التكوين وإن كان لا يبلغه فهم البشر لأمكن الآداء بأيسر قول يحتمله من القول بـ (كن) كل شيء على ما علم أنه يكون فيكون به مكونًا كل شيء على ما عليه كونه في وقت كونه من غير تكرار، وفيه يدخل الأمر كله والنهي، والوعد والوعيد، ويصير إخبارًا عن كائن وعما يكون، على اختلاف أحوال الكائنات بأوقاتها وأمكنتها أبدًا، لكن وسع الخلق لا يحتمل درك التكوين، الذي لا يشغل ولا يتعب" [الماتريدي: التوحيد، ص ٤٩].

وهذا ما أكده أبو المعين النسفي بعبارات أخرى: إن الله تعالى إذا أطلق الوصف له ووصف بما يوصف به من الفعل والعلم ونحوه، يلزم الوصف به في الأزل وإذا ذكر معه الذي هو تحت وصفه به من المعلوم والمقدور عليه والمراد والمكون يذكر فيه أوقات تلك الأشياء لئلا يتوهم قدم تلك الأشياء، وهذا راجع إلى محافظة الأدب في العبارة والتمسك بما هذا سبيله عند وقوع الخلاف في الحقائق دون الألفاظ والعبارات مما يدفع إليه الحيرة والعجز [أبو المعين النسفي: الأدلة، ص٣٦٥-٣٦٦].

إن الماتريدية ترى أن الله علم من الأزل أنه سوف يخلق العالم بأمر التكوين، في الوقت الذي خلقه الله فيه بقدرته وإراداته وأمره طبقًا لصفاته الأزلية ومنها صفة التكوين، والله هنا ليس علة طبيعية حتى يُقال إن العلة ملازمة للمعلول. لا، الله كائن حر مريد للعالم، وبهذه الصفة نقول إن الله علة العالم، ومن شأن الكائن الحر المريد – كعلة - أن يتراخى مرادها (معلولها) عنها طبقًا لعلم صاحبها وحكمته، وهذا ما عبَّر عنه الغزالي بعبارات رائعة حينما قال: إن العالم حدث بإرادة قديمة اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه، وأن يستمر العدم إلى الغاية التي استمر إليها، وأن يبتدأ الوجود من حيث ابتدئ، وأن الوجود قبله لم يكن مرادًا فلم يحدث لذلك وأنه في وقته الذي حدث فيه مراد بالإرادة القديمة فحدث لذلك، فما المانع لهذا الاعتقاد وما المحيل له [الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص ٧، مصطفى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، سنة ١٣١٩هـ].

التكوين بين الأشاعرة والماتريدية

مع أن الأشاعرة والماتريدية متفقتان فيما بينهما اتفاقًا يكاد يصل إلى حد التطابق إلا أننا نجد بعض الاختلافات بينهما... من هذه الاختلافات موقف كل منهما من صفة (التكوين) نحن نعلم أن الأشاعرة ترى أن الصفات الإلهية كلها أزلية، وأنها ليست عين الذات، وإنما هي قائمة بالذات، كذلك فإن الأشاعرة لم تفرق بين صفات ذات وصفات أفعال بوجه عام، لكنها بالنسبة لمسألة التكوين قالت: إن الكلام الإلهي أزلي... أما الخطاب الإلهي الموجَّه إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم - والمكون من ألفاظ وعبارات فهو حادث.

وفي هذا الصدد - وردًا على المعتزلة - ميزت الأشاعرة بين الكلام النفسـي وبين الكلام المنطوق مؤكدة حدوث هذا الأخير: وقد عرَّف الجويني الكلام النفسـي بقوله: هو الفكر الذي يدور في الخلد، وتدل عليه العبارات تارة وما يصطلح عليه من الإشارات ونحوها [الجويني: الإرشاد، ص ١٠٠ تحقيق د/ محمد يوسف موسى، مكتبة الخانجي، سنة١٩٥٠م وعلي عبد المنعم عبد الحميد].

ودليل وجود الكلام عنده أن العاقل إذا أمر عبده بأمر وجد في نفسه اقتضاء الطاعة منه وجدانًا ضروريًا [الجويني: الإرشاد، ص١٠٥، تحقيق د/ محمد يوسف موسى، مكتبة الخانجي، سنة١٩٥٠م وعلي عبد المنعم عبد الحميد].

وإذا كانت المعتزلة ترى أن كلام الله حادث؛ لأنه حال في المصاحف، وهي حادثة، فإن الأشاعرة توضح أن المعنى الحال في المصاحف قديم أما الألفاظ المعبرة عن معاني القرآن فهي بلا شك حادثة.

ولقد عبًّر الغزالي عن ذلك بالقول: إذا قلنا إنه مكتوب في المصحف، أعنى صفة القديم سبحانه لم يلزم منه أن يكون القديم في المصحف، كما أنا إذا قلنا النار مكتوبة في الكتاب لم يلزم منه أن تكون ذات النار حالة فيه إذ لو حلت فيه لاحترق المصحف ومن تكلم بالنار، فلو كانت ذات النار حالة بلسانه لاحترق [الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص٢٤، مطبعة البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، سنة ١٩٦٦م].

وإذا كانت المعتزلة ترى أن الكلام الإلهي حادث لحدوث متعلقاته، فإن الأشاعرة يذهبون إلى أن الكلام الأزلي لا يتصف بكونه أمرًا، نهيًا، خبرًا، إلا عند وجود المخاطبين واستجمعاهم شرائط المأمورين المنهيين [الجويني: الإرشاد، ص ١١٩].

بمعنى أن الأمر والنهي يتعلق بالبشـر فحسب، أما في الأزل فلا يوجد أمر، أو نهي، أو خبر، بل كلام الأزلي فحسب إن الكلام الإلهي معنى قائم بالنفس، ليس بحرف ولا صوت، والكلام الأزلي يتعلق بجميع متعلقات الكلام على اتحاده، وهو أمر بالمأمورات، نهي عن المنهيات، خبر عن المخبرات، ثم يتعلق بالمتعلقات المتجددات ولا يتجدد في نفسه [الجويني: الإرشاد، ص١٢٧، وراجع كتابتنا: علم الكلام ومدارسه، ص ٣٢٨-٣٣٥، مكتبة الحرية الحديثة، القاهرة، سنة ١٩٨٢م].

على ضوء ما سبق ترى الأشاعرة أن التكوين عين المكون وهما حادثان، وفي هذا يقول الأشعري: إن قول الحق: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:٤٠]، معناه عند الأشاعرة، أن إرادة الله يتعلق بها المكون في الحال، ومن ثم يخرج المكون إلى حيز الوجود لذلك كان التكوين الحادث عين المكون الحادث بدوره.

إن الله عند الأشاعرة صار خالقًا حين خلق لكن لا لمعنى قائم به، فلم يكن به بأس، كما صار معبودًا بعد ما خلق الخلق وعبدوه؛ لأنه لم يصر معبودًا بمعنى قائم به، بل صار معبودًا بمعنى قائم بغيره. [راجع: أبو اليسر البزدوي: أصول الدين، ص٧٧ – ٧٨].

ويبدو أن الأشعري وجد نفسه ملزمًا، أو إن شئت مضطرًا إلى القول إن صفة التكوين ليست صفة قديمة، بل هي حادثة حدوث متعلقها.

وهنا نؤكد على أن الأشاعرة يقولون: إن الأفعال كلها خلق لله بما في ذلك صفة الكسب الإنساني، ومن ثم لا تأثير للقدرة الإنسانية الحادثة في إيجاد الفعل عند الأشاعرة، بينما نجد أن الماتريدية أعطت للقدرة الإنسانية دورا في الفعل الإنساني.

وبعد: فإن الأشاعرة - في مسألة التكوين والمكون- قد خالفوا الظاهر اللغوي حينما قالت إن التكوين عين المكون؛ لأن الأشاعرة ترى أن كلام الله أزلي.

وبهذه الصفة الأزلية تحدث الموجودات أو المخلوقات، إن المكون المخلوق حاصل بكلام الله الأزلي، وقدم الكلام الأزلي لا يوجب أبدًا قدم ما يحصل أو يحدث عنه.

لهذا فإن الأشاعرة حينما قالوا: إن التكوين نفس المكون ونفسه لا تحصل بنفسه، فامتنع (الأشاعرة) عن تسمية ما يحصل به التكوين والوجود إيجادًا وتكوينًا [راجع: أبو المعين النسفي، تبصرة الأدلة، جـ١/ص٣٦٣، وراجع المواقف لعضد الدين الإيجي مع شرح السيالكوتي وحسن جلبي، جـ ٢/ص٣٦٠- ٣٦٤].

إن الأشاعرة ترى أن إرادة الله قديمة، وأنها غير المراد، فلماذا لا يكون التكوين قديمًا والمكوّن الذي ليس عين التكوين حادثًا؟!! إن الزعم بقدم التكوين، مع عدم وجود المكون عجز.. هذا كلام باطل وسبق أن فندناه.

إن المكونات توجد في أوقاتها حسب المشيئة الإلهية، ومن غير الممكن تصور خروج الموجودات كلها بالفعل في وقت واحد.

إن قدم الإرادة لا يعني قدم المراد، ولكن يعني حدوث الموجودات في أوقاتها التي حددتها لها الإرادة.. وهذا هو حال التكوين (القديم) والمكون (الحادث) عندنا.

الخلاصة

(التكوين) عند المتكلمين: يقدم ابن عربي رؤية مفادها أن التكوين ليس خلقًا من العدم المحض، بل عملية (نفثية) تبرز بها الموجودات من حيز العلم الإلهي إلى الوجود الفعلي بأمر (كن)، أما الفرق الكلامية، فقد اعتبرت المعتزلة التكوين صفة فعل حادثة، وليست أزلية، مؤكدة أن المعدوم الممكن شيء ثابت قبل إيجاده، وأن التكوين غير المكوَّن، وكلاهما حادث، وعلى النقيض من ذلك، رأت الماتريدية أن التكوين صفة أزلية قائمة بذات الله، حالها كحال العلم والقدرة، مع تمييز واضح بين التكوين الأزلي والمكوَّن الحادث، فقدم الصفة لا يستلزم قدم أثرها، وبالرغم من اتفاق الأشاعرة مع الماتريدية على أزلية صفات الذات الإلهية عمومًا، إلا أنهم اختلفوا جذريًا في التكوين، فذهبوا إلى أن التكوين حادث، بل هو عين المكوَّن ذاته، مما يعني أن الله لا يوصف بالخالق إلا عند وقوع فعل الخلق، وهذا وغيره يمثل لب النزاع في فهم الصفات الإلهية وعلاقتها بالمخلوقات.

موضوعات ذات صلة

يُعد الخاطر صوتًا داخليًا يَرِدُ على النفس، ويُمثل منبهًا يثير كوامن الفطرة ويحفز الإنسان على التفكير والعمل.

يُعد التأويل أحد أبرز المفاتيح لفهم النصوص الدينية والفلسفية.

من عقائد الشيعة المعروفة عند الاثنى عشرية الأساسية والرجعة مرتبطة بقضية الإمامة.

موضوعات مختارة