قبل أن نتحدث عن مفهوم
التكوين عند المتكلمين نرى أنه من الضـرورة بمكان أن نلقى الضوء على هذا المصطلح
سواءً من حيث اللغة، أم من حيث المفهوم الاصطلاحي لهذه الكلمة قبل الإسلام.
جاء في (المنجد في
اللغة) ما يلي: كَوَنَ... كان يكون، كونًا وكيانًا وكينونة الشيء، حدث ووجد وصار.
كان... تأتي ناقصة
فتدخل على المبتدأ والخبر؛ فترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وتفيد وقوع الخبر من
المبتدأ وهو اسمها نحو: (كان زيد قائمًا)، وتأتي تامة نحو: (فقال الله: ليكن نور
فكان نورًا)، فنور فاعل كان، وتأتي بمعنى ثبت نحو: (كان الله ولا شيء معه).
وبمعنى حضر نحو: {وَإِن
كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ} [البقرة:
٢٨٠]،
وبمعنى وقع نحو: ما شاء الله كان، وبمعنى ينبغي نحو: {مَّا
كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآ} [النمل:
٦٠]،
وبمعنى الاستقبال نحو: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ
مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: ٧]، وبمعنى المضي المتقطع
نحو: {وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ}[النمل: ٤٨]
وبمعنى الحال نحو: {كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل
عمران: ١١٠]،
وقد تفيد معنى الدوام والاستمرار نحو: {وَكَانَ
ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا} [النساء: ٩٦]
، ويقال (صار إلى كان)
أي: مات، وفي المثنى: (صار إلى كانا) وفي الجمع: (صاروا إلى كانوا) و(كنت الكوفة)
أي: كنت بها.
(ومنازل أقفرت كأن لم
يكنها أحد) أي: لم يكن بها... وجاء كذلك: كون تكوينًا الشـيء.. أحدثه وأوجده تكون:
مطاوع كون، الكائن: الحادث، الكائنة جمعها: كائنات وكوائن، الكائنات الموجودات،
ويكون: عالم الوجود... والكيان: الطبيعة والخليقة.
التكوين: إخراج
المعدوم من العدم إلى الوجود، الجمع: تكاوين الصورة والهيئة [المنجد
في اللغة، المكتبة الشرقية، ص٧٠٤، بيروت، لبنان، سنة ١٩٨٦م].
وفي المعجم الوسيط
نطالع: كان الشـيء كونًا وكيانًا وكينونةً: حدث فهو كائن، والمفعول: مكون، وكان
لها ثلاث حالات:
الأولى: أن تكون
من الأفعال التي ترفع الاسم وتنصب الخبر وتسمى حينئذ ناقصة.
الثانية: أن تكتفي
بالاسم، وتسمى حينئذ تامة، وتكون بمعنى ثبت (كان الله ولا شيء معه).
الثالثة: أن تكون
زائدة للتوكيد في وسط الكلام وآخره.
كوَّن الشيء: ركبه بالتأليف
بين أجزائه.
وكوَّن الله الشيء:
أخرجه من العدم تكفل.
تكون الشيء: حدث.
الكون: الوجود المطلق
العام، والكون اسم لما يحدث دفعة واحدة كحدوث النور عقب الظلام مباشرة. [المعجم
الوسيط، مجمع اللغة العربية، ص٨٠٥، ٨٠٦، دار المعارف، سنة ١٩٧٣م].
وفي المعجم الفلسفي
نقرأ: تكوين الشيء: نشأته ونموه.
وعند أرسطو: تعاقب
الصور على شي حتى يصل إلى مرحلة معينة من مراحل نموه.
والتكويني: نسبة إلى
التكوين، وهو ما يتعلق بتكوين كائن، أو ظاهرة، أو نظام. [المعجم
الفلسفي، مجمع اللغة العربية، ص٥٣- ٥٤، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية،
١٣٩٩ه- ١٩٧٩ م].
التكوين عند المتكلمين:
جاء في شرح الطحاوية ما يلي: افترق الناس في مسألة الكلام الإلهي
على تسعة أقوال:
١- إن كلام الله هو ما
يفيض على النفوس من المعاني: إما من العقل الفعَّال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا
قول الصابئة والمتفلسفة.
٢- إن كلام الله مخلوق،
خلقه منفصلًا عنه (المعتزلة).
٣- إن كلام الله معنى
واحد قائم بذات الله، هو الأمر والنهي، والخبر والاستخبار، وإن عبر عنه بالعربية
كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة (ابن كلاب، والأشعري).
٤- إن كلام الله حروف
وأصوات أزلية مجتمعة من الأزل (بعض أهل الحديث وأهل الكلام).
٥- كلام الله حروف
وأصوات تكلم بها بعد أن لم يكن متكلمًا، أي أن كلام الله حادث (في ذاته) (وهذا قول
الكرَّامية).
٦- إن كلام الله يرجع
إلى ما يحدثه سبحانه من علمه وإرادته القائم بذاته (أبو بركات البغدادي، والرازي في
المطالب العالية).
٧- إن كلام الله يتضمن
معنى قائمًا بذاته هو ما خلقه في غيره (الماتريدي).
٨- إن كلام الله مشترك
بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات (الجويني).
٩- إن الله سبحانه
متكلم من الأزل إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم بكلامه بصوت يسمع، وأن نوع
الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا (رأى أئمة الدين والسُنَّة) [راجع:
علي بن علي بن محمد بن أبي العز (٧٣١-٧٩٢هـ): شرح العقيدة الطحاوية التي ألفها:
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة المصري الحنفي (٢٣٧- ٣٢١ه)، نشرة زكريا علي يوسف،
ص٩٠، مطبعة العاصمة، الفلكي، القاهرة (د.ت)].
وبمعزل عن هذا الحصر
لوجهة نظر المتكلمين والفقهاء والمحدثين والفلاسفة في مسألة (الكلام) فإن الذي لا
شك فيه أن هذه الآراء متداخلة فيما بينها، كما أن هذه الآراء انتهت إلى أن الكلام
هو في النهاية صفة رئيسية من الصفات الإلهية... لكن الاختلاف كان بشأن فهم هذه
الصفة، ومن ثم فهم (التكوين) الذي ارتيط بالأبعاد الفكرية للمذهب وللمفكرين على حد
سواء، وهذا ما سوف نلقي عليه الضوء في الصفحات التالية.
ولا شك أن رأي الفرق
الكلامية في مشكلة (التكوين) هو امتداد لرأيها في علاقة الذات الإلهية بصفاتها،
وما يرتبط بذلك من تمييز بعض الفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال، على أننا قبل
الحديث عن ذلك نشير إلى مسألة (الكليات) وهي المسألة التي أثيرت على
نطاق واسع في العصر الوسيط - الإسلامي والمسيحي - على حد سواء، مرتبطة بالوجود
وبالخلق والحديث عن أزلية الكلي، أو حدوثه هو الوجه الآخر للحديث عن قدم العالم،
أو حدوثه، كما أن الحديث عن الممكن والواجب والممتنع هو - أيضًا، وبمعنى ما، حديث
عن جواز أزلية الممكن، أو عدم أزليته... وهكذا يتبين لنا أن الحديث عن صفة التكوين
حديث شائك لما لهذه الصفة من أبعاد متعددة ومتباينة...
إن التمييز بين
الماهية والوجود عند فلاسفة الإسلام تحدث عنه – أيضًا - بعض المتكلمين والصوفية.
فصاحب العقيدة الطحاوية
يقول: الحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي، ولكن الأعيان تعلم، ثم تذكر، ثم
تكتب فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة.
وأما الكلام فإنه ليس
بينه وبين المصحف واسطة؛ بل هو الذي يكتب بلا واسطة ذهن ولا لسان [شرح
العقيدة الطحاوية، ص١٠].
أما (ابن عربي) فذكر أن
للأشياء وجودين: وجود ذهني ووجود عيني، وللأشياء وجود أزلي في العلم الإلهي، ووجود
حادث في العالم الخارجي، ففي فصوص الحكم: يستخدم ابن عربي كلمة "نفثية"،
ولا يستخدم كلمة خلقية، أو خالقية، أو إبداعية؛ لكي يعبر عن العلاقة بين الذات
الإلية وبين الموجودات.
وابن عريي باستخدامه
كلمة (نفثية) إنما كان يعبر تعبيرًا دقيقًا عن رأيه في أن كلمة (نفثيه) تشير إلى خروج الموجودات القائمة من الأزل في العلم الإلهي إلى حيز الوجود الفعلي.
إنها (نفثية)
تعنى خروج موجود عن موجود... فلا شي في عالم ابن عربي يُخلق من العدم، وإنما الخلق
إخراج ما له وجود بالفعل في حضـرة أخرى من حضـرات الوجود إلى حضـرة الوجود
الخارجي، أو هو إظهار الشيء في صورة غير الصورة التي كان عليها من قبل.
فالعالم عنده حقيقة
أزلية تفنى ولا تتغير إلا في صورها... إذا أراد الله خلق شي من الأشياء أمره أن
يكون فيكون، والكون، أو التكون من فعل الشيء نفسه لا من فعل الله!! بل ليس لله في
إيجاد الشيء - كما يزعم ابن عريي - إلا قوله "كن"، كالسيد الذي لا تُعصـى
أوامره، يقول لعبده: قم، فيقوم فليس للسيد في قيام العبد سوى أمره له بالقيام،
والقيام من فعل العبد لا من فعل السيد.
إن ابن عربي يرى أن الأشياء
قبل وجودها الظاهر ليست أمورًا عدمية صرفه، بل لها وجود ثابت في العالم المعقول،
وهو وجود بالقوة، والأمر الإلهي (كُنْ) يخرجها من القوة إلى الفعل بمقتضى
طبيعتها[راجع: أبو العلا عفيفي: شرح فصوص الحكم، ص ١٣٤- ١٣٥، دار الكتاب
العربي، بيروت (د.ت) وراجع: إبراهيم مدكور: وحدة الوجود بين ابن عربي واسبينوز، ص٢٧١
(مقال في الكتاب التذكاري عن محي الدين بن عربي، دار الكاتب العربي، القاهرة، ١٣٨١م—
١٩٦٩م وراجع: فيصل عون: التصوف الإسلامي، الطريق والرجال ص٢٠٥ - ٢٩١، مكتبة سعيد رأفت،
القاهرة، سنة ٩٨٣ ١م وينبغي أن نشير إلى إفادة ابن عربي من فكرة "القوة
والفعل" عند أرسطو، وهذا واضح على ضوء النص الذي أفدناه من فصوص الحكم لابن
عربي].