لفظ (العقيدة) يشير في معناه اللغوي
إلى الربط والإحكام أخذًا من ربط الدابة حتى لا تضل والخيمة لا تأخذها الرياح.
وهذا المعنى لا يتصور إلا في الأمور المادية على سبيل الحقيقة غير أنه
يتخطى الربط والإحكام بين الماديات إلى الربط والإحكام في الأمور المعنوية، وهذه
المادة العقيدة تستخدم في العقود والمواثيق للدلالة على تمكنها وكونها غير قابلة
للنقض، وقد جاءت بعض آيات القرآن الكريم لتؤكده في مثل قوله تعالي: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ}، [المائدة: ١] كما جاء – أيضًا - في هذا السياق ولكن
في موضوع الأيمان قوله: {وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ} [المائدة:
٨٩].
وهذا اللفظ إذا قطع عن الإضافة صار عامًّا
في كل ما يرى بين موضوعه وعقل الإنسان وقلبه، والرابط -هنا - يكون هو الدليل أو ما
يحمله على الوقوف عنده دون تجاوزه، حتى ولو لم يكن دليله
واضحًا، وقد يستعمل اللفظ في غير المعنى الديني، ومنه أن يقال: هذه عقيدة سياسية،
وعقيدة اقتصادية إلخ.
وأما إذا أضيف إليه موضوعه فإن كان هذا
الموضوع دينًا عامًّا كالإسلام وغيره من حيث الأصول الاعتقادية فإن هذا يخصصه ما
يضاف إليه، ويصبح الأمر - هنا - مقصورًا على هذا الدين – أو ذاك، والرابط - هنا - يكون
الدليل الصحيح الذي يخرج المؤمن به من مجال التقليد إلى مجال الاعتقاد الجازم
القائم على الدليل، وهو في نفس الوقت ما يجعل القلب مطمئنًا إلى موضوعه، ويؤكد هذا
تلاقي العقل الصحيح، الذي قدم الدليل للقلب مع رصيد الفطرة ومخزونها، وقد أشار
التفتازاني - صاحب المقاصد - إلى ذلك بقوله تحلية الإيمان بالإيقان [سعد الدين التفتازاني: المقاصد ج١ ص ١٠ ط الأستانة سنة
١٣٧٧هـ]، ولعل التفاوت بين الأدلة التي تساق لبناء العقيدة مع تفاوت رصيد
الفطرة هو الذي يبرر زيادة الإيمان ونقصانه عند من يرى ذلك.
وأما الذين يذهبون إلى أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ففي
كلامهم نظر ينبغي أن نقف عنده؛ ذلكم لأن العقيدة بوصفها مرادفة للإيمان هي أصل
الدين وأساسه، وهي الجانب النظري لهذا الدين، وهي لا تبنى إلا على اليقين، وأما
الأعمال فهي الجانب التطبيقي العملي للدين، ولا يشترط فيها أن تبنى على اليقين بل
يكفي فيها الظن الغالب، وإذا كان الأمر كذلك فهي فروع الدين وليست أصوله، ولما كان
الفرع لا يؤثر في الأصل زيادة ونقصانًا كان القول المشهور ينبغي أن يصحح وهو: أن
الأعمال لا تؤثر في الإيمان أو العقيدة بل إن الوضع الصحيح هو عكس ذلك - تمامًا - عند
هؤلاء؛ إذ الأعمال الصالحة تأتي ثمرة للعقيدة الصحيحة الراسخة.
من ثم رأينا القرآن الكريم يسوق الأدلة المتنوعة في خطابه إلى الإنسان من
عقلية ووجدانية وحسية ... إلخ، حتى ترسخ العقيدة في قلب المؤمن، ولم يكن منهج هذا
الكتاب العزيز كذلك إلا لبيان أن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الأعمال،
والقرآن المكي في أغلبه يؤكد هذا المعنى، حتى يبين فساد كل الوثنيات الضالة بالدليل
الواضح القاطع الدلالة على صدق ما جاء به الدين الجديد، وتهافت ما كان عليه القوم
من عقائد فاسدة، وقد رأينا كيف أطال الوقوف مع المقلدين ليكسر قاعدة التقليد حتى
ينطلق العقل من عقاله فيدرك العقيدة الصحيحة بطريقة مستقلة، وحسبنا - هنا - أن
نسوق شواهد من القرآن تؤكد ضلال المقلدين، وهدي أصحاب العقول الصريحة في قضية
الاعتقاد، قال تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا
فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم
بِهِۦ كَٰفِرُونَ} [الزخرف:
٢٣-٢٤].
ومن الطبيعي - هنا - أن يقرر المحققون من جميع الفرق الإسلامية المعتبرة أن
يكون أول الواجبات على المكلف هو النظر، قال بذلك إمام الحرمين الجويني كتعبير عن الاتجاه الأشعري، بل جعل القصد
إلى النظر سابقًا على النظر نفسه، وعبارته: "أول ما يجب على العاقل البالغ
باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا، القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث
العالم [الإرشاد إلى قواطع الأدلة ص٣ ط. القاهرة سنة .١٩٥م ولا
شك في أن الجويني لا يسعى إلى مجرد إثبات]، كما قال بذلك - أيضًا - القاضي
عبد الجبار من المعتزلة كتصوير لمذهب جمهورهم وعبارته في ذلك: "النظر
المؤدي إلى معرفة الله – تعالى - لأنه – تعالى - لا يُعرف بالضرورة ولا بالمشاهدة،
فيجب أن نعرفه بالتفكر والنظر [شرح
الأصول الخمسة ص٣٩ ط ٠ القاهرة سنة ١٩٦٥م، ولا شك في أن المعرفة اليقينية في نظر
مدخل إلى ترسيخ العقيدة في نفس المعتقد].
وقد ذهب كل من النظام
والجاحظ من المعتزلة إلى أن الشك هو أول الواجبات على المكلف، ولعل مقصودهما
من ذلك أن اليقين الذي هو أساس العقائد الصحيحة لا يتأتى للمعتقد دفعة واحدة، بل
يكون مسبوقًا بعمليات نفسية إدراكية، منها مرحلة الشك، الذي تتساوى فيه الأدلة وتتكافأ،
وهو في نظر النظام بصفة خاصة أولى من مرحلة الجحود؛ لأن معناه إنكار
الحقيقة مع ظهور أدلتها؛ لذا نراه يقول كما نقل عنه الجاحظ:
نازعت من الملحدين الشاك والجاحد، فوجدت أن الشاك أبصر بجوهر الكلام من أصحاب
الجحود، والشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى كان قبله شك، ولم ينتقل
أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك [انظر: الجاحظ: الحيوان ج٦ صه ٣ ط. القاهرة سنة ١٩٦٦م،
تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون، وأعتقد أن حالة (الشك) هذه التي تسبق العقيدة
القائمة على اليقين الجازم، لا يبقى عليها السائر طلب الحق إلا بالقدر الذي تتكافأ
فيه الأدلة لديه، وهي لا تمكث طويلًا، فقد يراجع الشاك تلك الأدلة فيرى أن أدلة
اليقين تترجح على أدلة الجحود، فينتقل من هذا الموقف – الشك - إلى موقف اليقن،
وهذا ما يحدث في العقائد والمقابل له أن يقذف إله نور اليقين في قلب طالب الحق
فيظهر له بطريقة فورية. وقد عبر (الغزالي) عن ذلك بالنور الإلهي الذي يقذفه الإله
في القلب، وقرر أن الكشف (معاينة الحقيقة) ليس مقصورًا على الأدلة المحررة ومن ظن
غير ذلك فقد ضيق رحمة الله الواسعة. (انظر: المنقذ من الضلال، تحقيق د. عبد الحليم
محمود). نقل شارح "الطحاوية" هذا القول عن مجموعة من علماء السلف،
وبخاصة المتأخرين منهم أمثال: ابن تيمية وابن قيم الجوزية (انظر: العقيدة الطحاوية
ص٧٢)].
وأما أولئك الذين يذهبون إلى أن النطق
بالشهادتين هو أول الواجبات على المكلف، [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، وكذا مسلم في
صحيحه عن ابن عباس - رضى الله عنهما- رواية عمارة ابن النعناع]. ويستدلون على ذلك ببعض الآيات القرآنية
التي تبين أن دعوة جميع الرسل كانت إلى التوحيد بمعنى إفراده - تعالى -بالعبودية،
وكونه - تعالى - هو المعبود وحده دون سواه، كما أنه هو المقصود والمطلوب وحده،
ويسمون هذا توحيد العبودية، وتوحيد القصد والطلب، وذلك كقوله تعالى: {وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا ٱلطَّـٰغُوتَ} [النحل:٣٦]،
وما في معناها
من الآيات التي جاءت على لسان بعض الرسل لأقوامهم.
أقول: إن هؤلاء الذين ذهبوا إلى ذلك كان عليهم أن يبينوا أن الرسل جميعًا
قد ساقوا إلى أقوامهم الأدلة على وجوده تعالى، ليلتقي دليل العقل مع رصيد الفطرة
على الوجه الذي بيناه سابقًا والقول بخلاف ذلك يعني أن رصيد الفطرة وحده كاف في
الإيمان بوجوده - جل وعلا - وهذا ليس صحيحًا؛ لأنه لوكان الأمر كذلك لما ساق
القرآن الكريم الأدلة المتنوعة المتسقة مع مدارك الإنسان وتعدد ملكاته على وجوده
تعالى.
ثم إن من جانب آخر: الدعوة إلى التوحيد بالمعنى الذي ساقه هؤلاء فرع عن
الإيمان بوجود الحق – سبحانه - كما أن توحيد الألوهية يقتضي توحيد الربوبية الذي
يدعون إليه.
والعقيدة بالمعنى الذي أسلفناه هي مرادفة
للإيمان - وهي أيضًا - مستغرقة لموضوعه وأركانه الستة المعروفة، وهي: الإيمان
بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، تلك التي
قررها حديث جبريل - عليه السلام - الذي رواه عمر بن الخطاب حين سأل رسول الله جبريل
عن الإسلام
والإيمان والإحسان، فأجابه عن الإيمان قائلًا: "أن
تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
[أخرجه البخاري في
صحيحه، كتاب الإيمان، وكذا مسلم في صحيحه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - رواية
عمارة بن النعناع].
ومما يتصل بهذه القضية التي معنا مسألة عقيدة المقلد، وما نشأت هذه المسألة
إلا على أساس الأدلة وقوتها في حق المعتقد اعتقادًا صحيحًا جازمًا، وضعفها بل
وعدمها في حق المقلد.
ولعل أظهر الآراء فيها أن المقلد الذي مات وكان قادرًا على إدراك الأدلة
وفهمها، ولكنه تباطأ أو تكاسل أو لم يوجه نظره إلى ذلك فإنه يكون عاصيًا بتركه
النظر.
وأشد الآراء فيها، ذلك الذي يقرر أنه يكون كافرًا. [فيض الخاطر: ط ص ١٢٠ ط. القاهرة سنة ١٩٥٦م]
وقد أستند أصحاب الرأي الأول على كثير من الآيات القرآنية التي تطلب من
المؤمن أن يتخذ العلم سبيلًا إلى هذا الإيمان، مثل ما جاء في قوله تعالي: {فَاعْلَمْ
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد:١٩]، وقوله سبحانه: {قُلْ
هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:١٠٨].