Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

العقيدة الإسلامية

الكاتب

أ.د. محمد عبد الستار نصار

العقيدة الإسلامية

العقيدة الإسلامية هي أساس الإيمان وجوهر الدين، تمثل القاعدة التي يبنى عليها فهم الإنسان لربه وعلاقته بالعالم من حوله؛ تتسم العقيدة بالثبات واليقين، وتتفاوت بين المعرفة والرأي في عمقها وتأثيرها. هذا المقال يستعرض مفهوم العقيدة وأهم خصائصها ودورها في مواجهة التطرف الديني.                    

تعريف العقيدة

لفظ (العقيدة) يشير في معناه اللغوي إلى الربط والإحكام أخذًا من ربط الدابة حتى لا تضل والخيمة لا تأخذها الرياح.

وهذا المعنى لا يتصور إلا في الأمور المادية على سبيل الحقيقة غير أنه يتخطى الربط والإحكام بين الماديات إلى الربط والإحكام في الأمور المعنوية، وهذه المادة العقيدة تستخدم في العقود والمواثيق للدلالة على تمكنها وكونها غير قابلة للنقض، وقد جاءت بعض آيات القرآن الكريم لتؤكده في مثل قوله تعالي: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ}، [المائدة: ١] كما جاء – أيضًا - في هذا السياق ولكن في موضوع الأيمان قوله: {وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ} [المائدة: ٨٩].

وهذا اللفظ إذا قطع عن الإضافة صار عامًّا في كل ما يرى بين موضوعه وعقل الإنسان وقلبه، والرابط -هنا - يكون هو الدليل أو ما يحمله على الوقوف عنده دون تجاوزه، حتى ولو لم يكن دليله واضحًا، وقد يستعمل اللفظ في غير المعنى الديني، ومنه أن يقال: هذه عقيدة سياسية، وعقيدة اقتصادية إلخ.

وأما إذا أضيف إليه موضوعه فإن كان هذا الموضوع دينًا عامًّا كالإسلام وغيره من حيث الأصول الاعتقادية فإن هذا يخصصه ما يضاف إليه، ويصبح الأمر - هنا - مقصورًا على هذا الدين – أو ذاك، والرابط - هنا - يكون الدليل الصحيح الذي يخرج المؤمن به من مجال التقليد إلى مجال الاعتقاد الجازم القائم على الدليل، وهو في نفس الوقت ما يجعل القلب مطمئنًا إلى موضوعه، ويؤكد هذا تلاقي العقل الصحيح، الذي قدم الدليل للقلب مع رصيد الفطرة ومخزونها، وقد أشار التفتازاني - صاحب المقاصد - إلى ذلك بقوله تحلية الإيمان بالإيقان [سعد الدين التفتازاني: المقاصد ج١ ص ١٠ ط الأستانة سنة ١٣٧٧هـ]، ولعل التفاوت بين الأدلة التي تساق لبناء العقيدة مع تفاوت رصيد الفطرة هو الذي يبرر زيادة الإيمان ونقصانه عند من يرى ذلك.

وأما الذين يذهبون إلى أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ففي كلامهم نظر ينبغي أن نقف عنده؛ ذلكم لأن العقيدة بوصفها مرادفة للإيمان هي أصل الدين وأساسه، وهي الجانب النظري لهذا الدين، وهي لا تبنى إلا على اليقين، وأما الأعمال فهي الجانب التطبيقي العملي للدين، ولا يشترط فيها أن تبنى على اليقين بل يكفي فيها الظن الغالب، وإذا كان الأمر كذلك فهي فروع الدين وليست أصوله، ولما كان الفرع لا يؤثر في الأصل زيادة ونقصانًا كان القول المشهور ينبغي أن يصحح وهو: أن الأعمال لا تؤثر في الإيمان أو العقيدة بل إن الوضع الصحيح هو عكس ذلك - تمامًا - عند هؤلاء؛ إذ الأعمال الصالحة تأتي ثمرة للعقيدة الصحيحة الراسخة.

من ثم رأينا القرآن الكريم يسوق الأدلة المتنوعة في خطابه إلى الإنسان من عقلية ووجدانية وحسية ... إلخ، حتى ترسخ العقيدة في قلب المؤمن، ولم يكن منهج هذا الكتاب العزيز كذلك إلا لبيان أن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الأعمال، والقرآن المكي في أغلبه يؤكد هذا المعنى، حتى يبين فساد كل الوثنيات الضالة بالدليل الواضح القاطع الدلالة على صدق ما جاء به الدين الجديد، وتهافت ما كان عليه القوم من عقائد فاسدة، وقد رأينا كيف أطال الوقوف مع المقلدين ليكسر قاعدة التقليد حتى ينطلق العقل من عقاله فيدرك العقيدة الصحيحة بطريقة مستقلة، وحسبنا - هنا - أن نسوق شواهد من القرآن تؤكد ضلال المقلدين، وهدي أصحاب العقول الصريحة في قضية الاعتقاد، قال تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ} [الزخرف: ٢٣-٢٤].

ومن الطبيعي - هنا - أن يقرر المحققون من جميع الفرق الإسلامية المعتبرة أن يكون أول الواجبات على المكلف هو النظر، قال بذلك إمام الحرمين الجويني كتعبير عن الاتجاه الأشعري، بل جعل القصد إلى النظر سابقًا على النظر نفسه، وعبارته: "أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا، القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم [الإرشاد إلى قواطع الأدلة ص٣ ط. القاهرة سنة .١٩٥م ولا شك في أن الجويني لا يسعى إلى مجرد إثبات]، كما قال بذلك - أيضًا - القاضي عبد الجبار من المعتزلة كتصوير لمذهب جمهورهم وعبارته في ذلك: "النظر المؤدي إلى معرفة الله – تعالى - لأنه – تعالى - لا يُعرف بالضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكر والنظر [شرح الأصول الخمسة ص٣٩ ط ٠ القاهرة سنة ١٩٦٥م، ولا شك في أن المعرفة اليقينية في نظر مدخل إلى ترسيخ العقيدة في نفس المعتقد].

وقد ذهب كل من النظام والجاحظ من المعتزلة إلى أن الشك هو أول الواجبات على المكلف، ولعل مقصودهما من ذلك أن اليقين الذي هو أساس العقائد الصحيحة لا يتأتى للمعتقد دفعة واحدة، بل يكون مسبوقًا بعمليات نفسية إدراكية، منها مرحلة الشك، الذي تتساوى فيه الأدلة وتتكافأ، وهو في نظر النظام بصفة خاصة أولى من مرحلة الجحود؛ لأن معناه إنكار الحقيقة مع ظهور أدلتها؛ لذا نراه يقول كما نقل عنه الجاحظ: نازعت من الملحدين الشاك والجاحد، فوجدت أن الشاك أبصر بجوهر الكلام من أصحاب الجحود، والشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى كان قبله شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك [انظر: الجاحظ: الحيوان ج٦ صه ٣ ط. القاهرة سنة ١٩٦٦م، تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون، وأعتقد أن حالة (الشك) هذه التي تسبق العقيدة القائمة على اليقين الجازم، لا يبقى عليها السائر طلب الحق إلا بالقدر الذي تتكافأ فيه الأدلة لديه، وهي لا تمكث طويلًا، فقد يراجع الشاك تلك الأدلة فيرى أن أدلة اليقين تترجح على أدلة الجحود، فينتقل من هذا الموقف – الشك - إلى موقف اليقن، وهذا ما يحدث في العقائد والمقابل له أن يقذف إله نور اليقين في قلب طالب الحق فيظهر له بطريقة فورية. وقد عبر (الغزالي) عن ذلك بالنور الإلهي الذي يقذفه الإله في القلب، وقرر أن الكشف (معاينة الحقيقة) ليس مقصورًا على الأدلة المحررة ومن ظن غير ذلك فقد ضيق رحمة الله الواسعة. (انظر: المنقذ من الضلال، تحقيق د. عبد الحليم محمود). نقل شارح "الطحاوية" هذا القول عن مجموعة من علماء السلف، وبخاصة المتأخرين منهم أمثال: ابن تيمية وابن قيم الجوزية (انظر: العقيدة الطحاوية ص٧٢)].

وأما أولئك الذين يذهبون إلى أن النطق بالشهادتين هو أول الواجبات على المكلف، [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، وكذا مسلم في صحيحه عن ابن عباس - رضى الله عنهما- رواية عمارة ابن النعناع]. ويستدلون على ذلك ببعض الآيات القرآنية التي تبين أن دعوة جميع الرسل كانت إلى التوحيد بمعنى إفراده - تعالى -بالعبودية، وكونه - تعالى - هو المعبود وحده دون سواه، كما أنه هو المقصود والمطلوب وحده، ويسمون هذا توحيد العبودية، وتوحيد القصد والطلب، وذلك كقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا ٱلطَّـٰغُوتَ} [النحل:٣٦]، وما في معناها من الآيات التي جاءت على لسان بعض الرسل لأقوامهم.

أقول: إن هؤلاء الذين ذهبوا إلى ذلك كان عليهم أن يبينوا أن الرسل جميعًا قد ساقوا إلى أقوامهم الأدلة على وجوده تعالى، ليلتقي دليل العقل مع رصيد الفطرة على الوجه الذي بيناه سابقًا والقول بخلاف ذلك يعني أن رصيد الفطرة وحده كاف في الإيمان بوجوده - جل وعلا - وهذا ليس صحيحًا؛ لأنه لوكان الأمر كذلك لما ساق القرآن الكريم الأدلة المتنوعة المتسقة مع مدارك الإنسان وتعدد ملكاته على وجوده تعالى.

ثم إن من جانب آخر: الدعوة إلى التوحيد بالمعنى الذي ساقه هؤلاء فرع عن الإيمان بوجود الحق – سبحانه - كما أن توحيد الألوهية يقتضي توحيد الربوبية الذي يدعون إليه.

والعقيدة بالمعنى الذي أسلفناه هي مرادفة للإيمان - وهي أيضًا - مستغرقة لموضوعه وأركانه الستة المعروفة، وهي: الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، تلك التي قررها حديث جبريل - عليه السلام - الذي رواه عمر بن الخطاب حين سأل رسول الله جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأجابه عن الإيمان قائلًا: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، وكذا مسلم في صحيحه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - رواية عمارة بن النعناع].

ومما يتصل بهذه القضية التي معنا مسألة عقيدة المقلد، وما نشأت هذه المسألة إلا على أساس الأدلة وقوتها في حق المعتقد اعتقادًا صحيحًا جازمًا، وضعفها بل وعدمها في حق المقلد.

ولعل أظهر الآراء فيها أن المقلد الذي مات وكان قادرًا على إدراك الأدلة وفهمها، ولكنه تباطأ أو تكاسل أو لم يوجه نظره إلى ذلك فإنه يكون عاصيًا بتركه النظر.

وأشد الآراء فيها، ذلك الذي يقرر أنه يكون كافرًا. [فيض الخاطر: ط ص ١٢٠ ط. القاهرة سنة ١٩٥٦م]

وقد أستند أصحاب الرأي الأول على كثير من الآيات القرآنية التي تطلب من المؤمن أن يتخذ العلم سبيلًا إلى هذا الإيمان، مثل ما جاء في قوله تعالي: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد:١٩]، وقوله سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:١٠٨].

خصائص العقيدة الصحيحة

حتى نبرز خصائص العقيدة الصحيحة  لا بد من بيان الفرق بينها وبين مصطلحات تتشابه معها، كمصطلح المعرفة والرأي لا سيما وأننا في بياننا السابق قررنا أن الدليل الصحيح هو الطريق إلى العقيدة الصحيحة، وإذا تصورنا أنه نوع من المعرفة، وكذا الرأي فما خصائص العقيدة – حينئذ - التي تميزها عما يشاركها ولو في بادي الرأي؟

لعل أهم خصائص العقيدة هي: الثبات أمام الشبهات والأباطيل، وذلك راجع إلى عمقها في القلب والنفس وثقة صاحبها بما يملك ثقة تجعله مسيطرًا على كل ملكاته الفكرية، وتصرفاته السلوكية، فلا يفكر إلا فيما هو حق ولا يسلك إلا ما هو خير بالعقيدة الصحيحة، يعلو لديه الحق بحيث لا يدانيه سواه، وينطلق منها نسق الفضائل العليا فلا ينزل إلى صغائر الأمور وسفسافها، تستوي لديه المنح والمحن، فلا يفرح بما يدركه، ولا يأسى على ما فاته، يضع نصب عينيه قوله: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ حديد} [الحديد:٢٤].

يقول أحمد أمين في المقارنة بين العقيدة والرأي: "فرق بين أن ترى الرأي وأن تعتقده، فإذا رأيت الرأي فقد أدخلته في دائرة معلوماتك وأما إذا اعتقدته فقد جرى في دمك، وسرى في مخ عظامك، وتغلغل في أعماق قلبك ... ذو الرأي فيلسوف يقول إني أرى صوابًا ما قد يكون في الواقع باطلًا ... وأما ذو العقيدة فجازم بات، لا شك عنده ولا ظن، عقيدته هي الحق لا محالة، هي الحق اليوم وغدًا، خرجت عن أن تكون مجالًا للدليل، وسمت عن معترك الشكوك والأوهام.

وباختصار يمكن أن نقول: إن خصائص العقيدة كثيرة ومتعددة، غير أنها يجمعها معنى واحد هو شعور غامر ينساب في كيان المؤمن، يحدد علاقته تحديدًا دقيقًا بالخالق - سبحانه وتعالى - خالق الوجود، وبالوجود نفسه، يزكي هذا الشعور مركز المؤمن بين مراتب الوجود، إنه يمثل الخلافة الحقيقية عن الله – تعالى - في هذا الكون، تلك الخلافة التي جعلت مبرراتها إيمانًا صادقًا وعملًا صالحًا، كما جاء في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور:٥٦].    

خصائص المعرفة

المعرفة هي إدراك الشي على ما هو عليه وهي مسبوقة بنسيان أو جهل، وبالضرورة فإن أهم خصائصها أنها تقوم على إدراك ما لم يكن مدركًا إنها علم بعد جهل، وهذا أحد نوعي العلم بمعناه العام، ويسمى لدى المحققين بالعلم الحصول، أي: الذي حصل بعد أن لم يكن حاصلًا، وهو علم الإنسان.

وأما النوع الثاني فهو علم الحق - سبحانه وتعالى - ويسمى لدى المحققين بالعلم الحضوري؛ أي الثابت دائمًا وأبدًا، فلا يسبقه جهل ولا يعتريه نسيان، والمعرفة بهذا المعنى تتراكم عناصرها، وتترابط وتتنوع بفضل ذكاء العارف، وقد يكون له منها أو من بعض عناصرها موقف ومواقف، والظاهر فيها أنها لا تتجاوز عقل الإنسان إلى قلبه، فضلًا عن كيانه وشعوره، وكلما ظلت في هذه الدائرة فإنه لا ينفك عنها هذا الوصف (المعرفة) وفرق بينها - حينئذ - وبين العقيدة أو الإيمان.

والواقع يرينا أن هناك أناسًا كثيرين يعرفون عن أمر معين كل أو بعض جوانبه المعرفية، ولكنهم لا يعتقدونه أو يؤمنون به، وأقرب مثال لذلك ما نشاهده من بعض الباحثين من مستشرقين وغير مستشرقين الذين يعرفون كثيرًا عن حقائق الإسلام ولكنهم لا يؤمنون به، وهذه حقيقة لا تتخلف في أي عصر، وقد أشار إليها القرآن الكريم حين قرر أن أهل الكتاب كانوا يعرفون أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مبشَّر به في كتبهم، وأن الكتاب الذي أنزل عليه مذكور في التوراة والإنجيل كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرًا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، وهذا ما صوره قوله تعالي: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة:٨٩].      

إن المعرفة لم تزد صاحبها إلا إدراكًا عقليًّا لما كان مجهولًا من ثم يصبح الفرق واضحًا بين خصائص كل من العقيدة والمعرفة نعم!! إن المعرفة قد تحدث لدى العارف لذة عقلية نظرية، حتى إن بعض الفلاسفة - سقراط - قد جعلها على رأس الفضائل غير أنها تقف بالعارف إلى هذا الحد دون سواه، بخلاف العقيدة على الوجه الذي بيناه سلفًا.

خصائص الفكرة أو الرأي

الفكرة تتكون لدى صاحبها تجاه مسألة أو مسائل يكون له منها موقف موافق أو مخالف، ولكن بمبررات جديدة وقد تكون هذه المبررات واضحة لدى صاحبها، وحينئذ تظل لديه محل تقدير حتى يطرأ لديه ما يغيرها، وذلك بظهور أدلة مخالفة لم تكن ظاهرة لديه من قبل، والواقع يرينا أن الأفكار من التغير وعدم الثبات، فإنها ليست إلا خلجات من نور العقل تظهر ثم تغيب ثم تظهر مرة ثانية ... وهكذا.

وأما من حيث العلاقة بينها وبين العقيدة في التأثير في نفس صاحبها، فقد ذهب كثير من علماء النفس إلى التأكيد على الفرق الواضح بينهما في هذا السبيل، وحسبه أنه عبر عن رأيه أو فكرته.

أول ظهور المصطلح في الفكر الإسلامي

لا يمكن على وجه التحديد معرفة أول ظهور لهذا المصطلح في نطاق الفكر الإسلامي؛ ذلكم لأن دراسة الجانب النظري للإسلام - أصول العقيدة - قد جاء تحت مصطلحات متعددة، وكل ما يمكن أن يقال - هنا - هو أن مصطلح عقيدة ظهر بعد أن تحددت معالم الفرق الكلامية الإسلامية، وذلك في مرحلة تالية لعصر النشأة غير أنه استعمل غالبًا - مضافًا إلى فرقة بعينها أو مكان بعينه، كما ظهر في شكل يدل على عدم الإيغال في هذا العلم حتى لا يكون ذلك مدخلًا للزيغ أو الضلال، ولعل شهرة هذا المصطلح كانت على يد إمام الحرمين الجويني، في كتابه العقيدة النظامية.

وإذا كان المنهج يقرر أن أي علم أو أي مصطلح بمعناه الدقيق لا يظهر إلا في وقت لاحق لاستعماله بطريقة غير علمية، فإن هذا الاسم وما يدل عليه يمكن أن يكون قد استعمل قبل ذلك إما مضافًا إلى فرقة ما - كما أشرنا - كأن يقال: عقيدة أهل السنة والجماعة كما قد يطلق على العقائد المخالفة.

وعلى أية حال فإن العصور المتأخرة قد ظهر فيها هذا المصطلح بشكل واضح، وذلك بعد أن أصبح الفكر المتصل بالعقيدة ساحة تعج بالتيارات المتباينة من جراء اختلاط الفكر الموروث بالفكر الوارد بكل مذاهبه ومدارسه.

وأما في العصر الحديث فقد رأينا لدى بعض الباحثين دراسات للإسلام في جانبيه: العقدي والتشريعي، كما فعل جولدزيهر في كتابه: (العقيدة والشريعة في الإسلام)، وكذا ما كتبه الشيخ شلتوت عن الإسلام عقيدة وشريعة مع الفرق الواضح بين تناول كل منهما للموضوع، من حيث المنطلق والأهداف، كما جاءت كتابات تؤثر استعمال هذا الاسم العقيدة على غيره من أسماء العلم.

وكل هذه الكتابات تلاحظ المعنى الذي أشرنا إليه في مستهل هذا البحث، وهو استقرار القلب واطمئنانه بالعقيدة الصحيحة التي أكدتها الأدلة الواضحة والتقت مع رصيد الفطرة النقية مع بيان أنها الأساس الذي يقام عليه بناء الدين في جانبه العملي التطبيقي - التشريعي - وما يثمره – أيضًا - من الأخلاق الفاضلة التي تسهم في استقرار المجتمع.

كما يشير إيثار هذا الاسم على غيره من الأسماء الأخرى إلى معنى آخر، هو الدفاع عن العقيدة ضد خصومها، يستوي أن يكون هذا الخصم من داخل الملة أو من خارجها، فإن كان من داخل الملة فإن الحكم عليه يكون ببيان ما هو عليه من خطأ، ولعل هذا ما أشار إليه صاحب المواقف حين قال: فإن الخصم وإن خطأناه لا نخرجه من علماء الكلام. [المواقف ص٧.]

وأما إذا كان الخصم خارجيًّا وأقيمت عليه الحجة فلا مناص من التسليم بها، وإلا عددناه مكابرًا [قال الجرجاني صاحب التعريفات ص ٢٣٩، المكابرة هي مدافعة الحق بعد العلم به. تم٦: انظر مصطلحات علم أصول الدين - علم الفقه الأكبر - علم الكلام - علم التوحيد].

الخلاصة

العقيدة الإسلامية هي إيمان جازم مبني على دليل عقلي أو فطري، تمثل أساس الدين ولا تُقبل بالتقليد الأعمى، تختلف عن المعرفة والرأي بثباتها وعمق تأثيرها، وتثمر سلوكًا مستقيمًا، ورغم رسوخها، قد يُسبق اليقين فيها بمرحلة من الشك عند طالبي الحقيقة.

موضوعات ذات صلة

علم أصول الدين يعبر عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قاعدة الإيمان في الدين الإسلامي

العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين،

علم التوحيد هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية

موضوعات مختارة