Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإمام القرطبي ومعنى قوله باستواء الله تعالى على العرش حقيقة

الكاتب

د/ إبراهيم المرشدي مدير عام الإرشاد الديني بوزارة الأوقاف

الإمام القرطبي ومعنى قوله باستواء الله تعالى على العرش حقيقة

إن الادعاء بتحليل الإمام القرطبيّ للاستواء "حقيقة" بالمعنى التجسيمي ثم مخالفته للسلف متعمدًا هو فهم قاصر ومجتزأ، يغفل عن السياق الكامل لنصوصه التي تؤكد تنزيه الله تعالى عن الجهة والتحيز.

ادعاء أن الإمام القرطبي ذكر اتفاق السلف على أن استواء الله تعالى على العرش حقيقي على فهم المجسمة

رأيت بعض المعاصرين يحلل تحليلًا صبيانيًّا لكلام الإمام القرطبي -رحمه الله-، حين يدَّعي أن الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى- يذكر اتفاق السلف على أن الله تعالى استوى على العرش حقيقة (بالفهم الذي يفهمه المجسم)، ثم يدعي أن الإمام القرطبي يخالف السلف كافة عن عمد وقصدٍ لأشعريته ويزعم أن علوَّه على العرش علو مجد وملك وليس علوًّا حقيقيًّا، فيأخذ المجسم عبارته الأولى التي ظاهرها توافق مذهبه، ويترك الثانية التي تخرق مذهبه.

بيان معنى استواء الله على العرش عند الإمام القرطبي

وإليك كلام الإمام القرطبي في (تفسيره): "والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث، هذا قول المتكلمين. (هكذا يقرر أنه قول أكثر المتقدمين والمتأخرين).

ثم يقول: "وقد كان السلف الأول -رضي الله عنهم- لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك؛ لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته ....

ثم يقول: قلت: فعلوّ الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته، أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه، لكنه العلي بالإطلاق سبحانه". [٧/ ٢١٩، ٢٢٠] انتهى كلامه.

بيان غلط دعوى أن الإمام القرطبي ذكر اتفاق السلف على أن استواء الله تعالى على العرش حقيقي على فهم المجسمة

ولبيان الغلط في هذه الدعوى الفاسدة، لا بد من إدراك معنى الجهة والحقيقة التي قصدها الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في نصه السابق، ولا بد من إدراك عدة أمور:

الأول: حاشا للإمام القرطبي رحمه الله أن يصرح بمخالفة مذهب السلف كما فهم هذا البليد، فإن ذلك طعن في ديانته والتي يجب أن يتنزه عنها العاقل.

الثاني: معنى قوله: (السلف لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بها، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها كما نطق كتابه وأخبرت رسله) أن السلف الصالح كانوا يقولون: الله مستو على عرشه في السماء، ولم يثبت أن أحدًا منهم قال: ليس في السماء إله؛ لأنهم وقفوا عند ما نطق به الكتاب كقوله: {ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ} [الملك: ١٦]، ولم ينفوا ذلك. (وهذا القول لا يخالف مذهب الأشاعرة في التفويض فهم يقولون كذلك: الله تعالى مستو على عرشه كما قال: {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه: ٥]، وفي السماء على حد قوله: {ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ} [الملك: ١٦]، لكن لا يقصدون الحس ولا المكان كما يتوهم المجسمة وعبارات السلف كذلك، والإمام القرطبي يفصل ذلك أكثر فيقول: وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته"، فكأن هذه بينت أن حقيقة معنى الاستواء ليست معروفة، لأن الكيفية منفية أصلًا، ولا يصح أن تقول: إننا نجهل الكيفية إذ لا كيف على حد عبارة السلف الصالح، فالكيف منفي لا مفوض.

ثم ختم كلامه الذي يشير إلى هذه المعاني السابقة، فقرر أن علو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته، وليس هو العلو الحسي الذي يفهمه المجسم ويزعم أن الله تعالى جالس على العرش أو مستقر عليه، فهذا لا يعده القرطبي قولًا له ولا للسلف بل ينسبه إلى المجسمة.

الثالث: من طريقة أهل العلم أنهم لا يقفون عند حد عبارة موهمة في وسط سياق دون النظر إلى القرائن، وإلا كان الناقل يستوي في الكذب مع من يقف عند قوله: "فويل للمصلين" دون جمع النظير والقرين، وهذا بالضبط ما يفعله المجسمة في اقتطاع النصوص وكلام العلماء وهو بالضبط ما فعلوه مع الإمام القرطبي.

نصوص أخرى للإمام القرطبي مؤكدة للتنزيه ونفي الجهة

ولنتأمل بعض نصوص الإمام القرطبي الواضحة في نفس المسألة على نفس المعنى الذي بيَّنَّا به النص السابق، ولكن في مواضع متعددة نذكر منها: قوله عند تفسير قول الله تعالى: {ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ} [الملك: ١٦]، فإنه قال: "والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة، مشيرة إلى العلو، لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند (لاحظ نفس معنى العلو الذي قرره سابقًا عن السلف) والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود؛ لأنها صفات الأجسام.

وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان". [تفسير القرطبي ١٨/ ٢١٦].

ثم يقول بوضوح أوضح من الشمس مبينًا أن الحمل على الظاهر ليس من فعل السلف بل من فعل المجسمة، ونصه أثناء حديثه عن متبعي المتشابه: "أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك ...".

ويقرر القاعدة الذهبية للمجسمة الذين لا يعون كلامه، ونصه: "وقد عُرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، فيقولون أمروها كما جاءت. وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها". [تفسير القرطبي ٤/ ١٤].

فتأمل أنه يحكي عن السلف بوضوح "مع قطعهم باستحالة ظواهرها" فلعلك عرفت أن حكاية ما جاء عن السلف سابقا ليس هو المعنى الذي فهمه المخالف.

فهل فهمت معنى عبارته السابقة وأنه لا يقصد بها الحمل على الظاهر والحقيقة التي تفهمها أيها المجسم البليد؟!! ثم يذكر أن بعض السلف تأولها، وهذا النقل فيه بيان مذهب التفويض والتأويل الذي قرره السادة الأشاعرة والماتريدية في كتبهم.

وفي موضع آخر عند تأويل النور يقول عن المجسمة: "والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها منها هذه الآية". [تفسير القرطبي ١٢/ ٢٥٦].

ويذكر في كتاب (الأسنى شرح أسماء الله الحسنى) معنى العلو فيقول: القهر والغلبة، وقالت طائفة: هو عالي بمعنى منزه عن صفات الحدوث والتشبيه والتحيز وهو قول حسن.

وقالت المجسمة: فعلو المسافة وبعد المقدار ومحاذاة الأجرام، تعالى الله عن قولهم. [صـ ١٤٦، ١٤٧].

فالعلو الحسي لم ينسبه إلى السلف، بل نسبه إلى المجسمة وقال: تعالى الله عن قولهم.

وهذه الأقوال عن الإمام القرطبي واضحة في بيان الفهم الأعوج لكلامه وتحريف معاني كلامه عن مقصوده، والله أعلم.

الخلاصة

يقرر الإمام القرطبي مذهب التنزيه ونفي الجهة والتحيز كقول أكثر العلماء، ويفسر إثبات السلف للاستواء "حقيقة" بأنه إقرار بأصل الصفة مع القطع باستحالة ظاهرها الحسي وبجهل الكيفية، وهو يؤكد بنفسه أن علو الله هو علو مجده وصفاته وملكوته، وليس علو المسافة الحسي الذي نسبه صراحة إلى المجسمة، مؤكدًا أن مذهب السلف يقوم على التنزيه عن صفات الأجسام.

موضوعات ذات صلة

صفات لله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة، واختلفت الفرق في فهمها بين الإثبات الظاهري والتأويل.

مفهوم التنزيه لله تعالى يُعرض من خلال بيان أصوله اللغوية، ومكانته العقدية في الإسلام، مع توضيح الكيفية التي أقرها أهل السنة والجماعة.

يناقش هذا البحث مفهوم "الجسم" لغويًا وفلسفيًا وكلاميًا، بهدف تأسيس عقيدة التنزيه ونفي الجسمية وخواصها عن الله تعالى.

موضوعات مختارة