أولًا: غلاة
الشيعة: غلاة الشيعة
الذين غلوا في الإمام علي - رضي الله عنه - وفي أئمتهم، وقالوا فيهم
قولًا عظيمًا يجمعهم
تشبيه الباري تعالى بخلقه، وتشبيه
أئمتهم بالباري تعالى، كما يجمعهم
التجسيم الحقيقي للباري تعالى
ولوازمه، نذكر بعض هؤلاء، ونذكر تجسيمهم
مقترنًا بما صدر عنهم من
افتراءات كثيرة، ومخاريق ساذجة أخرجتهم
عن الإسلام:
أ-البيانية: اتباع بيان بن سمعان التميمي (١١٩هـ) يقولون: إن الله عز وجل إنسان من نور، وإنه على صورة الإنسان في أعضائه عضوًا فعضوًا وجزءًا فجزءًا، وإنه - تعالى عن قولهم - يهلك كله إلا وجهه.
وقد قرن بيان
وأتباعه تجسيم الباري تعالى بعقائد
فاسدة باطلة، منها: قوله بإلهية الإمام
علي - رضي الله عنه - وزعمه أنه حل في الإمام علي، واتحد بجسده، وأنه ربما يظهر في بعض الأزمان، وقال في تفسير قوله تعالى: {هَلۡ يَنظُرُونَ
إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ} [البقرة: ٢١]: أراد به عليًا، فهو الذي يأتي في الظلل، والرعد صوته، والبرق تبسمه.
وحكى عنه أنه
ادعى النبوة، وزعم أنه جاء بنسخ
بعض شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -
وأنه هو المذكور في القرآن الكريم في قوله تعالى: {هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ} [آل عمران: ١٣٨]. وقال: أنا
البيان، وأنا الهدى والموعظة، وقد كتب إلى محمد
بن علي بن الحسين الباقر (ت:١١٤هـ)
يدعوه إلى نفسه، وفي
كتابه: "أسلم تسلم، ويرتقي من
سلم، فإنك لا تدري حيث يجعل الله
النبوة"، فأمر الباقر أن يأكل الرسول
قرطاسه الذي جاء به، فأكله فمات في
الحال.
وقد زعم بيان
أنه انتقل إليه الجزء الإلهي بنوع
من التناسخ ولذلك استحق أن يكون خليفة
وإمامًا، وقد حكى أن من أصحابه
من زعم أنه كان إله، وأنه ذكر لهم
أن روح الإله تناسخت في الأنبياء والأئمة
حتى صارت إلى أبي هاشم: عبد
الله بن محمد بن الحنفية (ت:٩٨هـ) ثم
انتقلت إليه منه - يعني نفسه.
وقد اجتمعت
طائفة على بيان بن سمعان ودانوا به
وبمذهبه، فصلبه خالد بن عبد
الله القسري (ت:١٢٦هـ) على ذلك، وقيل أحرقه بالنار [مقالات
الإسلاميين للأشعري ٥-٦ تصحيح هلموت ويتر، ط٣/ ٠ ٨ ٩ ١م، الفرق بين الفرق للبغدادي
٢٢٥،٢٣٦-٢٣٧ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث، القاهرة، الملل
والنحل ١٥٢/١-١٥٣].
وقد كفرت هذه
الطائفة وخرجت عن الإسلام،
قال البغدادي (ت:٤٢٩هـ):
وهذه الفرقة خارجة عن جميع فرق
الإسلام لدعواها إلهية زعيمها بيان،
كما خرج عابدوا الأصنام عن
فرق الإسلام، ومن زعم منهم أن بيانًا
كان نبيًا فهو كمن زعم أن مسيلمة
كان نبيًا، وكلا الفريقين خارجان عن فرق
الإسلام [الفرق بين الفرق ٢٣٨].
ب -المغيرية: أتباع المغيرة بن سعيد العجلي (ت:١١٩هـ) ، مولى خالد بن عبد الله القسري، زعم أن الله
تعالى صورة وجسم ذو أعضاء
، وأن له من الأعضاء والخلق مثل ما
للرجل، وأعضاؤه على صور الحروف الأبجدية،
وقد قرن المغيرة بدعته في
التجسيم بكفريات كثيرة، وأظهر مخاريق
وتمويهات متعددة، ومن
ذلك: أنه ادعى النبوة
لنفسه، واستحل المحارم، وغلا
في حق الإمام علي - رضي الله عنه - وفي حق أبي جعفر محمد بن علي - رضي الله عنه - (ت:١١٧هـ) غلوًا لا يعتقده عاقل، وزعم أنه يحيي الموتى بالاسم الأعظم، وتكلم في بدء
الخلق فزعم أن الله تعالى لما أراد أن
يخلق العالم تكلم باسمه الأعظم، فطار
ذلك الاسم ووقع تاجًا على رأسه، وأنه ـ
تعالى عن قوله ـ كتب بأصبعه
على كفه أعمال عباده، ثم نظر
فيها فغضب من معاصيهم ففرق، فاجتمع
من عرقه بحران أحدهما
مالح والآخر عذب، المالح مظلم،
والعذب نير، ثم اطلع في البحر النير فأبصر
ظله، فانتزع عيني ظله فخلق منهما الشمس
والقمر، وأفنى باقي ظله.
قتله خالد
بن عبد الله القسري (١٢٦هـ) حرقًا
بالنار [مقالات الإسلاميين ٦-٨، الفرق بين الفرق
٢٢٦، ٢٣٨، ٢٤٠، الملل والنحل ١٧٦/١-١٧٧].
وهذه الطائفة
خارجة عن الإسلام، وأقوالها كفر
وضلال، قال البغدادي (ت: ٤٢٩هـ):
كيف يعد في فرق الإسلام قوم
شبهوا معبودهم بحروف الهجاء،
وادعوا نبوة زعيمهم [الفَرق بين الفِرق ٣٤٢].
ج-المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي، الذي شبه نفسه بربه، وزعم أنه عرج به إلى السماء، فمسح معبوده رأسه بيده، وقال له: يا بني بلغ عني، ثم أنزله إلى الأرض.
وقد قرن
تجسيمه للباري تعالى بكفريات كثيرة
وسخافات عديدة، منها: كفره
بالجنة والنار، وتأويله الجنة برجل
يجب موالاته، وهو إمام الوقت، والنار
برجل يجب معاداته، وهو خصم الإمام،
ومنها: استحلال المحرمات من
الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر
والميسر، وتأويلها بأنها أسماء رجال حرم الله
ولايتهم، وأسقط
الفرائض، وأولها بأنها أسماء رجال
أوجب الله موالاتهم، واستحل هو
وأتباعه خنق مخالفيهم وأخذ أموالهم
واستحلال النساء والمحارم وقد زعم أبو منصور أن عيسى عليه
السلام أول من خلق من
خلقه، ثم علي ـ رضي الله
عنه ـ وزعم أن رسل الله لا تنقطع أبدًا، وأن الرسالات لا تنقطع.
وكان يمين
أصحابه إذا حلفوا أن يقولوا ألا
والكلمة، وزعم أنه الكِسف
الساقط من السماء،
المذكور في قوله تعالى: {وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ
سَحَابٌ مَّرۡكُومٞ} [الطور:٤٤]
وأن آل محمد هم السماء،
والشيعة هم الأرض، فأخذه يوسف
بن عمر الثقفي (ت:١٢٧هـ) والي
العراق في أيام هشام بن عبد الملك
(ت: ١٢٥هـ) وقتله صلبًا [مقالات الإسلاميين ٩-١٠، الفرق
بين الفرق ٢٢٦، ٢٤٣-٢٤٥، الملل والنحل ١٧٨/١-١٧٩].
·
يقول عنهم
البغدادي (ت:٤٢٩هـ): وهذه الفرقة
أيضًا غير معدودة في فرق الإسلام،
لكفرها بالقيامة والجنة والنار [الفرق
بين الفرق سه٢٤].
ثانيًا: الهشامية: أتباع هشام بن الحكم
الرافض (ت: ١٩٠هـ) وهشام
بن سالم الجواليقي (ت:١٥٠هـ).
هشام بن الحكم
(ت: ١٩٠هـ): كان من متكلمي
الشيعة وجرت بينه وبين أبي
الهذيل العلاف (ت: ٢٣٥ هـ) مناظرات في
علم الكلام، منها في التشبيه، عَدَّه
الإمام الأشعري (ت: ٣٢٤هـ) من
رجال الرافضة ومؤلفي كتبهم [مقالات
الإسلاميين ص٦٣].
شبه هشام
بن الحكم وأتباعه معبودهم
بالإنسان، وزعموا أنه تعالى جسم له نهاية
وحدُّ، وأنه سبعة أشبار بشبر نفسه،
وأنه طويل عريض عميق، طوله مثل
عرضه، وعرضه مثل عمقه، لا يوفى بعضه
على بعض، ولم يعينوا طولًا، وإنما
قالوا طوله مثل عرضه على المجاز
دون التحقيق، وأنه تعالى عن قولهم - ذو
لون وطعم ورائحة، ومجسة، لونه
هو طعمه، وطعمه هو رائحته،
ورائحته هي مجسته، وهو نفسه لون، ولم
يعينوا لونًا ولا طعمًا هو غيره، وزعموا
أن الله هو اللون، وهو الطعم.
وقد زعم هشام
(ت: ١٩٠هـ) أن معبوده كسبيكة
الفضة الصافية، وكاللؤلؤة
المستديرة من جميع جوانبها، وزعم
أن معبوده له قدر من الأقدار، وأنه
متناه بالذات، غير متناه بالقدرة، وأنه
في مكان مخصوص وجهة مخصوصة،
وأنه يتحرك، وحركته فعله،
وليست حركته من مكان إلى
مكان، وأنه تعالى كان لا في مكان، ثم
حدث المكان بحركته فكان فيه،
وزعم أن المكان هو العرش.
وذكر أبو
الهذيل العلاف (ت: ٢٣٥هـ) في
بعض كتبه أنه قال: إن ربه جسم ذاهب
جاء، يتحرك تارة ويسكن أخرى،
ويقعد مرة ويقوم أخرى، وأنه
طويل عريض عميق؛ لأن ما لم يكن
كذلك دخل في حد التلاشي، قال:
فقلت له: فأيما أعظم؟ إلهك أو
هذا الجبل، وأومأت إلى أبي
قبيس، قال: فقال هذا الجبل يوفى عليه - أي-
هو أعظم منه.
وحكى
الجاحظ (ت:٢٥٦هـ) عنه في بعض كتبه
أنه كان يزعم أن الله سبحانه وتعالى إنما يعلم ما
تحت الثرى بالشعاع المتصل منه
الذاهب في عمق الأرض، ولولا مماسه
شعاعه لما وراء الأجسام الساترة، لما
رأى ما وراءها ولا علمها، وزعم أن بعضه
يشوب وهو شعاعه، وأن
الشوب محال على بعضه، وذكر عنه أنه
قال في ربه في عام واحد خمسة
أقاويل: زعم مرة أنه كالبلورة،
وزعم مرة أنه كالسبيكة،
وزعم مرة أنه غير صورة، وزعم
مرة أنه سبعة أشبار بشبر
نفسه ، ثم رجع عن ذلك، وقال هو جسم لا
كالأجسام [المصدر
السابق ٣١-٣٣، الفرق بين الفرق ٦٥-٦٧، ٢٢٧، الملل والنحل ١/ ١٨٤].
وقد جعله الإمام
الأشعري (ت:٣٢٤هـ) من
فرق الروافض أصحاب الإمامة، وعده
من أوائل الروافض القائلين
بالتشبيه [مقالات الإسلاميين ٣١، ٣٥].
وقال الملطي
(٣٧٧هـ) عن الهشامية: وهم أيضًا
ملحدون؛ لأن هشامًا (ت: ١٩٩هـ)
كان ملحدًا دهريًا، ثم انتقل إلى الثنوية
المانية، ثم غلبه الإسلام فدخل
في الإسلام كارهًا، فكان قوله في
الإسلام بالتشبيه والرفض... وما
قصد هشام بقوله في الإمامة
التشيع، ولا محبة أهل البيت، ولكن طلب بذلك
هدَّ أركان الإسلام والتوحيد
والنبوة، فأراد هدمه، وانتحل في التوحيد
التشبيه، فهدم ركن التوحيد،
وساوى بين الخالق والمخلوق [التنبيه
والرد على أهل الأهواء والبدع للملطي ٢٤-٢٥ تقديم وتعليق محمد زاهد الكوثري،
القاهرة ١٩٩١ م].
وذكر
الشهرستاني: (ت:٥٤٨هـ) أنه غلا في حق
علي ـ رضي الله عنه ـ حتى قال: إنه إله واجب الطاعة، وعد جماعته ضمن غلاة الشيعة [الملل
والنحل ١٨٤/١-١٨٥].
وذكر عنه عبد
القاهر البغدادي (ت:٤٢٩هـ) وعن
أتباعه أنهم ضموا إلى حيرتهم في الإمامة
ضلالتهم في التجسيم وبدعتهم في
التشبيه، وذكر أن هشامًا مع ضلالته في التوحيد ضل في صفات الله
أيضًا، فأحال القول بأن الله لم يزل عالمًا بالأشياء، وأنه كان على مذهب الإمامية في الإمامة، وأكفره سائر الإمامية بإجازته المعصية على الأنبياء، إلا أنه ذكره وفرقته ضمن فرق المشبهة الذين عدهم المتكلمون في
فرق الأمة لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن، وإقرارهم
بوجوب أركان شريعة
الإسلام من الصلاة والزكاة
والصيام والحج عليهم، وإقرارهم بتحريم
المحرمات عليهم، وإن ضلوا وكفروا في
بعض الأصول العقلية [الفَرق
بين الفِرق ٦٥، ٦٧، ٦٨، ٢٢٧].
(ب) هشام بن
سالم الجواليقي (ت:٠ه١هـ). قال البغدادي: هذا الجواليقي
مع رفضه على مذهب
الإمامية مفرط في التشبيه
والتجسيم؛ لأنه زعم أن معبوده على
صورة الإنسان، ولكنه ليس بلحم ولا
دم، بل هو نور ساطع بياضًا، وزعم
أنه ذو حواس خمس كحواس
الإنسان، وله يد ورجل وعين وأذن وأنف
وفم، وأنه يسمع بغير ما يبصر به،
وكذلك سائر حواسه متغايرة، وأن
نصفه الأعلى مجوف، ونصفه الأسفل
مصمت، وحكى أبو عيسى
الوراق (ت:٤٧ ٢هـ) أنه زعم أن لمعبوده وفرة سوداء [المصدر
السابق ٦٩].
ثالثًا: الحشوية: حكى الأشعري
(ت:٣٢٤هـ) عن محمد بن عيسى أنه حكى عن مضر وكهمس (ت: ١٤٩هـ) وأحمد
الهجيمي أنهم أجازوا
على ربهم الملامسة والمصافحة [الملل
والنحل ١٠٥/١].
وحكى عن داود
الجواربي ومقاتل بن سليمان (ت :١٥٠هـ) أن
الله تعالى جسم، وأنه جثة
على صورة الإنسان لحم ودم وشعر
وعظم، له جوارح وأعضاء من يدِّ
ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو
مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره.
وحكى عن داود الجواربي أنه كان يقول:
أجوف من فيه إلى صدره،
ومصمت ما سوى ذلك [مقالات الإسلاميين ١٥٢ -١٥٣، ٢٠٩].
قال الشهرستاني
(ت:٥٤٨هـ): وحكى الكعبي (٣١٩هـ) عن
بعضهم أنه كان يجوز
الرؤية في دار الدنيا وأنه يزوره
ويزورهم، وحكى عن داود الجواربي أنه قال: اعفوني
عن الفرج واللحية واسألوني
عما وراء ذلك [الملل والنحل ١٠٥/١].
وذكر
الشهرستاني (ت:٥٤٨هـ) عنهم أن ما
ورد في التنزيل من الاستواء والوجه
واليدين والجنب، والمجيئ والإتيان
والفوقية وغير ذلك أجروها على ظاهرها
الذي يفهم عند الإطلاق على الأجسام،
وعلى ما يتعارف من صفات الأجسام [المصدر
السابق ٠٥/١ ١-٠٦ ١].
وخلف من بعدهم
طائفة من أهل الحديث حملوا
صفات الباري على مقتضى الحسِّ،
تمسكًا بظواهر النصوص التي
يوهم ظاهر اللفظ فيها - من بين
معانيه الجائزة لغة - معنى لا يليق بالباري
تعالى، واستنادًا إليها، دون أن
يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر
المتعارف عليها من صفات الأجسام إلى
المعاني الواجبة لله تعالى، مع إنكارهم
التشبيه والتجسيم.
وقد ذكر أبو
الفرج بن الجوزي (ت:٥٩٧هـ) في دفع
شبه التشبيه بأكف التنزيه: نماذج من
هؤلاء، وقال: ورأيتهم
قد نزلوا إلى مرتبة العوام،
فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا
أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا
له صورةً ووجهًا زائدًا على
الذات، وعينين، وفمًا ولهوات وأضراسًا،
وأضواءً لوجههِ هي السُبحات،
ويدين وأصابع وكفًا وخنصرًا
وإبهامًا، وصدرًا وفخذًا وساقين
ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس،
وقالوا: يجوز أن يَمس ويُمس، ويُدني
العبدَ من ذاته، وقال بعضهم: ويتنفس، ثم يرضون العوام بقولهم لا كما يعقل، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى .... ثم لما أثبتوا أنها صفات زائدة قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة؛ مثل (يد) على نعمة، وقدرة ... بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة - والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين - والشيء يحمل على حقيقته إذا أمكن، ثم يتحرجون من التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام [دفع
شبه التشبيه بأكف التنزيه لأبي الفرج بن الجوزي ٩٧-١ ٠ ١ حققه وقدم له حسن السقاف،
دار الإمام النووي،
عمان، الأردن، ط ٣/ ١٩٩٢ م].
رابعًا:
الكرامية: على لسان
الباحثين يقترن التجسيم بالكرامية، فإذا ذُكر
أحدهما يُتذكر الآخر.
والكرامية أصحاب عبد
الله محمد بن كرام (ت: ٢٥٥هـ) وأتباعه،
وقد ولد ابن كرام بسجستان، ثم انتقل حين شب عوده إلى خراسان حيث نشأ وتعلم بها - وقد كانت خراسان في عصره موطن الحشوية والمشبهة [نشأة الفكر الفلسفي في
الإسلام، د. علي سامي النشار ١/ ٢٩٧ -٢٩٨/ دار المعارف، القاهرة، ط١٩٧٧/٧م] عده بعض أصحاب
المقالات من طوائف المرجئة، وعده بعضهم
من الصفاتية، ويقال: إنه
كان زاهدا ومن عباد المرجئة، لكنه جمع
أرزل ما في المذاهب.
قال عنه الشهرستاني
في الملل والنحل: ونبغ رجل
متنمس بالزهد من سجستان يقال له أبو عبد
الله محمد بن كرام قليل العلم،
قد قمش من كل مذهب ضغثًا
وأثبته في كتابه، وروجه على اغتام
غرجة، وغور وسواد بلاد خراسان،
فانتظم ناموسه، وصار ذلك مذهبًا،
وقد نصره محمود بن سبكتكين
السلطان، وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم ٠٠” وهم مجسمة، غير محمد بن الهيصم، فإنه مقارب،
[الملل والنحل ٣١/١، ١٠٨].
مذهب الكرامية
في التجسيم: تعددت مقالات
الكرامية في التجسيم والتشبيه،
حتى كادت تخرج عن الحصر، مما
اضطر أصحاب المقالات
وعلماء الكلام إلى الاقتصار على ذكر أقوال
رئيسهم ومؤسس فرقتهم، وعلى
المشهور من مقالاتهم، وإهدار ما
عداها لكثرتها وسفاهة أصحابها، يقول
عبد القاهر البغدادي (ت:٤٢٩هـ):
وضلالات أتباعه اليوم متنوعة أنواعًا
لا نعدها أرباعًا ولا أسباعًا،
لكنها تزيد على الآلاف آلافًا، ونذكر
منها المشهور الذي هو بالقبح مذكور [الفرق بين الفرق ٢١٦].
ويقول
الشهرستاني: ولكل واحدة منهم رأي، إلا
أنه لما لم يصدر ذلك عن علماء
معتبرين، بل عن سفهاء أغتام جاهلين لم
نفردها مذهبًا، وأوردنا مذهب صاحبه
والمقالة أشرنا إلى ما يتفرع منه [الملل
والنحل :١٠٨/١].
وقد اتفقوا
على أن الله تعالى مستقر على العرش
مماس له من الصفحة العليا، وأنه
بجهة فوق بذاته، وأنه مما تجوز عليه
الحركة والانتقال والنزول، إلا أنهم لم
يؤثر عنهم القول بالأعضاء وقد نص زعيمهم
على ذلك، وأطلق عليه تعالى
اسم الجوهر، ونقل عنه أنه قال في كتابه
المسمى: (عذاب القبر) إنه أحدي الذات أحدي
الجوهر، وأنه مماس للعرش من
الصفحة العليا، وزعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته والجهة التي منها يلاقي عرشه.
واختلف أصحابه
في معنى الاستواء على العرش
المذكور في قوله تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه:٥] فمنهم من قال:
إنه على بعض العرش، ومنهم من زعم
أن كل العرش مكان له وأنه لو
خلق بإزاء العرش عروشًا موازية لعرشه
لصارت العروش كلها مكانًا له؛
لأنه أكبر منها كلها، ومنهم من قال:
إنه لا يزيد على عرشه في جهة
المماسة، ولا يفضل منه شيء على العرش [الفَرق
بين الفِرق ٢١٦، والملل والنحل ١ /٨ ١٠-١٠٩، أساس التقديس للفخر الرازي ١٦/ مصطفى
الحلبي، القاهرة،
١٩٣٥م، أبكار الأفكار ٩٤/٥]. قال البغدادي: وكان من الكرامية بنيسابور رجل يعرف بإبراهيم بن
مهاجر ينصر هذا القول ويناظر عليه
[الفَرق بين الفِرق ٢١٦].
وأطلق أكثرهم
لفظ الجسم عليه تعالى،
والمقاربون منهم قالوا: نعني بكونه جسمًا
أنه قائم بذاته، وبنوا على هذا أن من
حكم القائمين بأنفسهما أن
يكونا متجاورين، أو متباينين،
فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش، وحكم
بعضهم بالتباين، ثم لهم اختلافات
في النهاية، فمنهم من زعم كونه
تعالى متناهيًا من الجهات الست، ومنهم
من أثبت له تعالى النهاية من جهة تحت،
دون غيرها، ومنهم من نفى عنه تعالى
النهاية مطلقًا، وقال: هو عظيم [الملل
والنحل ٩/١ ١٠، أبكار الأفكار ٤/٩٥].
واتفقوا على
جواز حلول الحوادث بذاته تعالى،
وأن معبودهم محل للحوادث،
وزعموا أن أقواله تعالى وإراداته،
وإدراكه للمرئيات وإدراكه للمسموعات،
وملاقاته للصفحة العليا من العرش
أعراض حادثة فيه، وهو محل لتلك
الحوادث الحادثة فيه، وزعموا أنه لا
يحدث في العالم جسم ولا عرض إلا
بعد حدوث أعراض كثيرة في ذات
معبودهم منها:
إرادته لحدوث ذلك الحادث، ومنها قوله لذلك الحادث "كن" على الوجه الذي علم حدوثه عليه، وذلك القول في نفسه حروف كثيرة كل منها عرض حادث فيه، ومنها رؤية تحدث فيه يرى بها ذلك الحادث، ولو لم تحدث فيه الرؤية لم ير ذلك الحادث، ومنها استماعه لذلك الحادث إن كان مسموعًا، وزعموا أنه لا يعدم من العالم شيء من الأعراض إلا بعد حدوث أعراض كثيرة في معبودهم، فصارت الحوادث الحادثة في ذات معبودهم أضعاف الحوادث من أجسام العالم وأعراضها - وذلك محال وشنيع - واختلفت الكرامية في جواز العدم على تلك الحوادث الحادثة في ذات الإله بزعمهم، فأجاز بعضهم عدمها، وأحاله أكثرهم: وأجمع الفريقان على أن ذات الإله لا يخلو في المستقبل عن حلول الحوادث فيه، وإن كان قد خلا منها في الأزل [الفرق
بين الفرق ٢١٧-٢١٨].
وزعم بعضهم أن
أسماء الله تعالى كلها أعراض
فيه قال البغدادي ت ٤٢٩هـ: وكان
في عصرنا شيخ للكرامية يعرف
بإبراهيم بن مهاجر اخترع ضلالة
لم يسبق إليها فزعم أن أسماء الله عز
وجل كلها أعراض فيه، وكذلك اسم كل
مسمى عرض فيه، فزعم أن الله
تعالى عرض حال في جسم قديم،
و"الرحمن" عرض آخر، و"الرحيم"
عرض ثالث و"الخالق" عرض رابع، وكذلك
كل اسم لله تعالى عرض غير
الآخر....
وقال البغدادي
ت ٤٢٩ هـ: ناظرت ابن مهاجر هذا في مجلس
ناصر الدولة أبي
الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجمور صاحب جيش
السامانية في سنة سبعين وثلاثمائة
في هذه المسألة، .... فألزمته
أن يكون معبوده عرضا؛ لأن المعبود
عنده اسم، وأسماء الله تعالى عنده
أعراض حالة في جسم قديم، فقال:
المعبود عرض في جسم القديم، وأنا
أعبد الجسم دون العرض، فقلت له: أنت
إذن لا تعبد الله - جل وعلا؛ لأن الله تعالى
عندك عرض، وقد زعمت أنك تعبد
الجسم دون العرض [المصدر السابق ٢٢٤-٢٢٥]. وقد وصف ابن
كرام (ت: ٢٥٥هـ) معبوده
بالثقل، فقد نقل عنه البغدادي ت ٤٢٩هـ: أنه
قال في كتابه (عذاب القبر) في تفسير قوله
تعالى: [إِذَا ٱلسَّمَآءُ
ٱنفَطَرَتۡ] [الانفطار:١] إنها انفطرت
من ثقل الرحمن عليها [المصدر السابق ٢١٨].
والعجيب أنه
يترجم لأبواب كتبه بالكيفوفية والحيثوثية
لله تعالى، فقد نقل البغدادي
(٤٢٩ هـ) أنه ذكر في كتابه عذاب
القبر بابًا له ترجمة عجيبة، فقال باب:
(في كيفوفية الله عز وجل) وكذا
عبر عن مكان معبوده في بعض كتبه
بالحيثوثية.
وعلق على ذلك
بقوله: ولا يدري العاقل من
ماذا يتعجب، أَمِن جسارته على إطلاق لفظ
الكيفية في صفات الله تعالى،
أم من قبح عبارته عن الكيفية
بالكيفوفية، وقوله: وهذه
العبارات السخيفة لائقة بمذهب السخيف
في جهود العلماء في التصدي
للتجسيم، كان صحابة
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في زمن النبي صلى
الله عليه وسلم على عقيدة واحدة؛ لأنهم عاشوا زمن الوحي وشرف صحبة الرسول ـ صلى
الله عليه وسلم ـ وقد أزال عنهم الوحي وصحبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الشكوك والأوهام، وظل الأمر هكذا إلى زمن انقراض
الصحابة - رضي الله عنهم - ثم انفجرت
الفتن وظهر بين الناس الجدال والهوى،
وتشويش عقائد المسلمين، وكان قد صحب
ذلك اتساع رقعة الدولة الإسلامية
وامتداد سلطانها إلى كثير من
البلدان والأجناس إثر الفتوحات
الإسلامية الكثيرة التي نتج عنها دخول
أجناس متنوعة في الإسلام كالفرس والروم واليهود
والنصارى، وكان من هؤلاء
من تظاهر بالإسلام وأراد الكيد
له، فعمد إلى إفساد عقيدة
المسلمين الصافية بخلطها بما يفسدها، وقد
استمال هؤلاء غلاة الشيعة،
وسلكوا بهم مسالك شتى، حتى أخرجوهم
من طريق الهدى.
وكان عدة من
أحبار اليهود ورهبان النصارى ومُوَابَذة
المجوس، أظهروا الإسلام في
عهد الراشدين، ثم أخذوا بعدهم في بث
ما عندهم من الأساطير بين من تروج
عليهم ممن لم يتهذب بالعلم من
الأعراب وبسطاء مواليهم، فاحتملوها
ورووها لآخرين بسلامة باطن، أو جهلًا
بما يجب في حق الله تعالى وما
يجوز وما يستحيل، وتبعهم من شذ من
المبتدعة الذين اتبعوا ما تشابه من
الآيات، وتوغلوا في التشبيه والتجسيم.
وبقيت الجماعة
الإسلامية على الحق، وبرز
منهم جماعة لم يتعرضوا لتأويل النصوص
التي يوهم ظاهرها ما لا يليق بالله تعالى،
احتياطًا واحترازًا من تعيين معنى
لم يقم دليل شرعي على تعيينه، ولا تهدفوا
للتشبيه مثل الإمام مالك ـ رضي الله
عنه، (ت:٩ ٧ ١هـ) حتى انتهى الزمان إلى عبد
الله بن سعيد الكلَابي (ت: ٢٤٠هـ) وأبي
العباس القلانسي ت ق٣هـ والحارث
المحاسبي (ت:٢٤٣هـ)، وهؤلاء كانوا من جملة
السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام
وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية
وبراهين أصولية، وصنف
بعضهم ودرس، ثم ظهر الإمام الأشعري
(ت:٣٢٤هـ)، فانحاز إلى هذه
الطائفة وأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار
ذلك مذهبًا لأهل السنة
والجماعة [الملل والنحل ٩٣/١].