Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التجسيـــــم

الكاتب

أ د / فتحي أحمد عبد الرازق

التجسيـــــم

يناقش هذا البحث مفهوم "الجسم" لغويًا وفلسفيًا وكلاميًا، بهدف تأسيس عقيدة التنزيه ونفي الجسمية وخواصها عن الله تعالى؛ لأنها تتضمن صفات النقص والافتقار، ويستعرض البحث عقيدة "التجسيم" التي زعمت أن الله جسم، متتبعًا جذورها التاريخية في الفرق الغالية (كغلاة الشيعة والكرامية) وتأثرها بمصادر أجنبية كاليهودية، كما يوضح جهود علماء أهل السنة والجماعة في التصدي لهذه المقالات وإبطالها، مؤكدين أن الباري تعالى متعال عن الحدود والأبعاض والمكان.

مفهوم الجسم في اللغة

الجسم في اللغة: جماعة البدن أو الأعضاء من الناس والإبل والدواب وغيرهم من الأنواع العظيمة الخلق، والجسيم: البدين، وما ارتفع من الأرض وعلاه الماء، يقال: جسم الشيء: عظم، فهو جسيم وجمعه جسام، والأجْسم: الأضخم، والجسم: الجسد، تجسم مطاوع جسمه [معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم للراغب الأصفهاني، لسان العرب لابن منظور، القاموس المحيط للفيروز آبادي، مادة جسم].

وفي القرآن الكريم قال تعالى: {وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ} [البقرة :٢٤٧] وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ} [المنافقون :٤] تنبيهًا على أنه ليس وراء الأشباح معنى معتد به [معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم، مادة جسم].

مفهوم الجسم عند جمهور المتكلمين

في الاصطلاح: اختلف الناس في تحديد معناه على مقالات: 

١- الأشاعرة: المتحيز القابل للقسمة في جهة واحدة أو أكثر، وأقل ما يتركب منه: جوهران فردان أي مجموعهما، لا كل واحد منهما، وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني (ت: ٤٠٣هـ) وإمام الحرمين الجويني (ت:٤٧٨هـ): إلى أن الجسم هو: المتآلف، فإذا تألف جوهران كانا جسمين؛ إذ كل واحد مؤتلف مع الثاني، وكل واحد من الجوهرين جسم؛ لأنه قام به التأليف. 

٢- عند المعتزلة: هو الطويل العريض العميق، فهو ما يقبل القسمة في جهات ثلاث، واختلفوا في أقل ما يتركب منه الجسم، فقال بعضهم: ستة أجزاء، بأن يوضع ثلاثة على ثلاثة، وقال بعضهم: ثمانية أجزاء، بأن يوضع جزآن فيحصل الطول، وجزآن آخران على جنبيه فيحصل العرض، وأربعة أخرى فوق تلك الأربعة فيحصل العمق [الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لإمام الحرمين الجويني ١٧ تحقيق محمد يوسف موسى، وعلي عبد المنعم عبد الحميد، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٩٥٠م، المواقف للإيجي ١٨٢، ١٨٥، مكتبة المتنبي، القاهرة، نشر الطوالع، ساجقلي زاده ١٦٧، مكتبة العلوم العصرية ومطبعتها، القاهرة، ط١، ٤ ١٩٢ م، كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ٣٦٨/١ -٣٦٩ المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، وزارة الثقافة المصرية ١٩٦٣م]. 

ولبعض المتكلمين أقوال غير معتبرة في تفسير لفظ الجسم، وبيان معناه، وسيأتي عرضها وبيان انتقاضها. 

مفهوم الجسم عند الفلاسفة

وفي اصطلاح الفلاسفة يطلق على معنيين: 

أحدهما: الجسم التعليمي، وهو كم قابل للأبعاد الثلاثة المتقاطعة على الزوايا القائمة، وسمي بالتعليمي؛ لأنه يبحث عنه في العلوم التعليمية - أي - الرياضية الباحثة عن أحوال الكم المتصل والمنفصل، منسوبة إلى التعليم؛ فإنهم كانوا يبتدئون بها في تعاليمهم؛ لأنها أسهل إدراكًا، ودلائلها يقينية. 

والثاني: الجسم الطبيعي، وهو جوهر يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا قائمة، وسمي بالطبيعي؛ لأنه يبحث عنه في العلم الطبيعي، نسبة إلى الطبيعة،  والفرق بينهما: أن الجسم الطبيعي جوهر معروض مركب، أما التعليمي فهو عرض، والطبيعي متمكن ممانع مقاوم، قائم بالفعل في وقته ذلك، كهذا الحائط، وهذا الجبل، وذلك الإنسان، والتعليمي متوهم يقام في الوهم، ويتصور تصورًا فقط [مفاتيح العلوم للخوارزمي ص٨٣، الكليات الأزهرية، ط٢، ١٩٨١م، المواقف ١٨٣ - ١٨٥، نشر الطوالع ١٧٧-١٧٩، المقولات العشر محمد الحسني البليدي ٩ ٢ تحقيق د. ممدوح حقي، دار النجاح، بيروت١٩٧٤م].  

والجسم الطبيعي عندهم مركب من مادة وصورة، يقول ابن سينا (٤٢٨هـ): الأجسام الطبيعية مركبة من مادة هي محل، وصورة هي حالة فيه، ونسبة المادة إلى الصورة نسبة النحاس إلى التمثال. [النجاة لابن سينا ١٣٥-١٣٦ نقحه وقدم له الدكتور ماجد فخري، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط١، ١٩٨٥م].

 وقد قسموا الجسم الطبيعي تارة إلى: مركب كالحيوان، وبسيط كالماء.

 وقسموا المركب إلى: تام وغير تام، والبسيط إلى: فلكي وعنصري.

 وتارة إلى: مؤلف؛ كالحيوان وكالسرير المركب من قطع خشبية متشابهة في الماهية؛ إلى: مفرد لا يتركب منها [كشاف اصطلاحات الفنون ٣٦٨/١].

  ومن الواضح أنه لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بالجسمية وخواصها على المعنى اللغوي للجسم، ولا على الاصطلاحات المعتبرة فيه عند المتكلمين والفلاسفة؛ وذلك لتضمن معقوليته معنى التجزؤ والانقسام والتركيب والتحديد، وهي صفات الحوادث، وأمارات النقص والاحتياج والافتقار، والباري تعالى يتنزه عن الاتصاف بشيء من صفات الحوادث، ويتعالى ويتنزه عن النقص والافتقار والاحتياج إلى غيره. 

التجسيم في اصطلاح المتكلمين

التجسيم في اصطلاح بعض المتكلمين: الادعاء، أو الزعم بأن الله تعالى جسم حقيقة كالأجسام، وأنه متصف بأحكام الأجسام وصفات الجسمية، أو تشبيه ذات الله تعالى بذوات المخلوقين كإثبات اليد والقدم والأصبع والوجه لله تعالى على ما يتعارف في صفات الأجسام، وعلى ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام، بخلاف التشبيه فإنهم يطلقونه في تشبيه صفات الله تعالى بصفات المخلوقين كإثبات الجهة والمجيء والنزول على ما يتعارف في صفات الحوادث [الملل والنحل للشهرستاني ١/١٠٥-٠٦ ١ تحقيق د. عبد العزيز الوكيل مؤسسة الحلبي، القاهرة ١٩٦٨م، أبكار الأفكار للآمدي ١٢/٢ تحقيق د. أحمد المهدي، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية ٢٠٠٢م، المقدمة لابن خلدون ٤٢٨، دار الشعب، القاهرة].  إلا أنهما متداخلان ومتلازمان.

 فالتشبيه أصل التجسيم وغالبًا ما يؤول إليه؛ فإن للمجيء والنزول بحركة، أو زوال إنما هو من صفات الأجسام، والتجسيم إنما هو تشبيه لذات الله تعالى بذوات المحدثات، ويشتركان في الزعم بأن الله تعالى جسم كالأجسام.

 والمجسمة: من قالوا: إن الله تعالى جسم حقيقة، أو شبهوا ذات الباري تعالى بذوات المخلوقين، وهم ليسوا فرقة واحدة، أو طائفة تختص به، وإنما هو اتجاه خارج عن معتقد تلبست به طوائف غالية خارجة عن الإسلام، ووقعت فيه طوائف وأفراد من الفرق الإسلامية، حيث غالوا في إثبات الصفات حتى انتهى قولهم إلى التشبيه، أو التجسيم، مع نفيهم الجسمية الحقيقية عن الباري تعالى، والتصريح بأن الله تعالى ليس كالأجسام حقيقة. 

أصل القول بالتجسيم ومصادره

قال الشهرستاني (ت:٥٤٨هـ): "وكان التشبيه بالأصل والوضع في الشيعة" [الملل والنحل ١٧٣/١].

ويجمع أصحاب المقالات على أن أول ظهور التشبيه والتجسيم في المسلمين كان في أصناف من الروافض الغلاة.

والغلاة من الشيعة: هم الذين غالوا في حق أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخلقية، وحكموا فيهم بأحكام الإلهية، فربما شبهوا واحدًا من الأئمة بالإله، وربما شبهوا الإله بالخلق [المصدر السابق الصحيفة نفسها]، مثل السبئية والبيانية والمغيرية والمنصورية والجناحية والخطابية، وهؤلاء قرنوا ما ذهبوا إليه من تجسيم  الباري تعالى، أو تشبيهه بخلقه  بكفريات كثيرة ومخاريق وسخافات  أخرجتهم من الإسلام، فنبذتهم جماعة  المسلمين، وكفرهم العلماء، وعاقبهم الولاة بقتل زعمائهم حرقًا أو صلبًا، وقتل أتباعهم وتشريدهم بما يليق بمخازيهم.

ثم ظهر التشبيه والتجسيم في أفراد وطوائف أفرطوا في الإثبات حتى انتهوا إلى التشبيه والتجسيم، مثل مقاتل بن سليمان (ت ١٥٠ هـ)، وحشوية أهل الحديث والكرامية، وأكثر هؤلاء قرنوا ما صدر عنهم من تشبيه الباري تعالى، أو تجسيمه بنفي التشبيه والتجسيم.

 ويكاد يجمع العلماء على أن القول بالتشبيه والتجسيم؛ تسرب إلى الفرق الغالية من مصادر أجنبية، وأنه مقتبس من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع - حسب تعبير الشهرستاني (ت:٤٨ ٥هـ) [المصدر السابق ١٠٦] وإن لم يكونوا أول من اعتقد ذلك من البشر، فقد سبقتهم إلى ذلك ديانات قديمة وتيارات ومذاهب وجاهليات قديمة كثيرة، إلا أنهم أشهر وأظهر من تلبس بالتجسيم والتشبيه، مع إقامة جاليات منهم في ديار الإسلام، ومخالطتهم المسلمين.

 ويرى بعض كتاب المقالات أن التشبيه والتجسيم في المسلمين نشأ من مذاهب متعددة، فيري الشهرستاني (ت:٥٤٨هـ) أن شبهات المشبهة والمجسمة نشأت من مذاهب الحلولية ومذاهب التناسخية ومذاهب اليهود والنصارى [المصدر السابق ١٧٣/١]. 

نماذج من تجسيم اليهود والنصارى

نذكر نماذج مما وقع في مصادر اليهود والنصارى الدينية القانونية من نصوص تقطع بالتجسيم الحقيقي في حق الله تعالى، ولا تقبل إخراجها عن ظاهرها، وتأويلها بحملها على معنى يليق بالباري تعالى؛ من ذلك: 

١- ما جاء في سفر التكوين (١/١٨ -٥) "وظهر له الرب عند بلوطات ممرًا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار، فرفع عينيه ونظر، وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض، وقال: يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك، ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة، فأخذ كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم تجتازون؛ لأنكم قد مررتم على عبدكم، فقالوا هكذا نفعل كما تكلمت". 

٢- وفي السفر نفسه (٢٤/٣٢ -٢٨) "فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال أطلقني؛ لأنه قد طلع الفجر، فقال لا أطلقك إن لم تباركني، فقال له ما اسمك؟ فقال يعقوب، فقال لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت". 

٣- وفي السفر نفسه (٢١/١٣ -٢٢) "وكان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق وليلًا في عمود نار ليضيء لم، لكي يمشوا نهارًا وليلًا، ولم يبرح عمود السحاب نهارًا وعمود النار ليلًا من أمام الشعب". 

٤- وفي الإصحاح (٢١/٢٠) "فوقف الشعب من بعيد، وأما موسى فاقترب إلى الضباب حيث كان الله". 

٥- وفي الإصحاح (٤٥/٢٩-٤٦) "وأسكن في وسط بني إسرائيل وأكون لهم إلهًا، فيعلمون أنى أنا الرب إلههم الذي أخرجهم من أرض مصر لأسكن في وسطهم. أنا الرب إلههم". 

٦- وفي المزمور (١٠ / ١٢ -١٣)" قم يا رب، يا الله ارفع يدك، لا تنس المساكين، لماذا أهان الشرير الله" 

٧- وفي المزمور (١/١١٦ – ٢) "أحببت لأن الرب يسمع صوت تضرعاتي؛ لأنه أمال أذنه إلى"

٨- وفي العهد الجديد: جاء في إنجيل يوحنا (١٤/١) "والكلمة صار جسدًا وحل بيننا". 

٩- وفي الرسالة بولس إلى أهل كُولُوسِي (١ /٤ ١) "الذي لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا، الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة."

  ونظائر ما ذكر مما يكثر في مصادر اليهود والنصارى الدينية المعتمدة عندهم.

أصناف المجسمة ومقالاتهم

أولًا: غلاة الشيعة: غلاة الشيعة الذين غلوا في الإمام علي - رضي الله عنه - وفي أئمتهم، وقالوا فيهم قولًا عظيمًا يجمعهم تشبيه الباري تعالى بخلقه، وتشبيه أئمتهم بالباري تعالى، كما يجمعهم التجسيم الحقيقي للباري تعالى ولوازمه، نذكر بعض هؤلاء، ونذكر تجسيمهم مقترنًا بما صدر عنهم من افتراءات كثيرة، ومخاريق ساذجة أخرجتهم عن الإسلام: 

أ-البيانية: اتباع بيان بن سمعان التميمي (١١٩هـ) يقولون: إن الله عز وجل إنسان من نور، وإنه على صورة الإنسان في أعضائه عضوًا فعضوًا وجزءًا فجزءًا، وإنه - تعالى عن قولهم - يهلك كله إلا وجهه.

 وقد قرن بيان وأتباعه تجسيم الباري تعالى بعقائد فاسدة باطلة، منها: قوله بإلهية الإمام علي - رضي الله عنه - وزعمه أنه حل في الإمام علي، واتحد بجسده، وأنه ربما يظهر في بعض الأزمان، وقال في تفسير قوله تعالى: {هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ} [البقرة: ٢١]: أراد به عليًا، فهو الذي يأتي في الظلل، والرعد صوته، والبرق تبسمه.

 وحكى عنه أنه ادعى النبوة، وزعم أنه جاء بنسخ بعض شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه هو المذكور في القرآن الكريم في قوله تعالى: {هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ} [آل عمران: ١٣٨].  وقال: أنا البيان، وأنا الهدى والموعظة، وقد كتب إلى محمد بن علي بن الحسين الباقر (ت:١١٤هـ) يدعوه إلى نفسه، وفي كتابه: "أسلم تسلم، ويرتقي من سلم، فإنك لا تدري حيث يجعل الله النبوة"، فأمر الباقر أن يأكل الرسول قرطاسه الذي جاء به، فأكله فمات في الحال.

وقد زعم بيان أنه انتقل إليه الجزء الإلهي بنوع من التناسخ ولذلك استحق أن يكون خليفة وإمامًا، وقد حكى أن من أصحابه من زعم أنه كان إله، وأنه ذكر لهم أن روح الإله تناسخت في الأنبياء والأئمة حتى صارت إلى أبي هاشم: عبد الله بن محمد بن الحنفية (ت:٩٨هـ) ثم انتقلت إليه منه - يعني نفسه. 

وقد اجتمعت طائفة على بيان بن سمعان ودانوا به وبمذهبه، فصلبه خالد بن عبد الله القسري (ت:١٢٦هـ) على ذلك، وقيل أحرقه بالنار [مقالات الإسلاميين للأشعري ٥-٦ تصحيح هلموت ويتر، ط٣/ ٠ ٨ ٩ ١م، الفرق بين الفرق للبغدادي ٢٢٥،٢٣٦-٢٣٧ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث، القاهرة، الملل والنحل ١٥٢/١-١٥٣]. 

وقد كفرت هذه الطائفة وخرجت عن الإسلام، قال البغدادي (ت:٤٢٩هـ): وهذه الفرقة خارجة عن جميع فرق الإسلام لدعواها إلهية زعيمها بيان، كما خرج عابدوا الأصنام عن فرق الإسلام، ومن زعم منهم أن بيانًا كان نبيًا فهو كمن زعم أن مسيلمة كان نبيًا، وكلا الفريقين خارجان عن فرق الإسلام [الفرق بين الفرق ٢٣٨]. 

ب -المغيرية: أتباع المغيرة بن سعيد العجلي (ت:١١٩هـ) ، مولى خالد بن عبد الله القسري، زعم أن الله تعالى صورة وجسم ذو أعضاء ، وأن له من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل، وأعضاؤه على  صور الحروف الأبجدية، وقد قرن المغيرة بدعته في التجسيم بكفريات كثيرة، وأظهر مخاريق وتمويهات متعددة، ومن ذلك:  أنه ادعى النبوة لنفسه، واستحل المحارم، وغلا في حق الإمام علي - رضي الله عنه - وفي حق أبي جعفر محمد بن علي - رضي الله عنه - (ت:١١٧هـ) غلوًا لا يعتقده عاقل، وزعم أنه يحيي الموتى بالاسم الأعظم،  وتكلم في بدء الخلق فزعم أن الله  تعالى لما أراد أن يخلق العالم تكلم  باسمه الأعظم، فطار ذلك الاسم ووقع  تاجًا على رأسه، وأنه ـ تعالى عن قوله ـ كتب بأصبعه على كفه أعمال عباده، ثم نظر فيها فغضب من  معاصيهم ففرق، فاجتمع من عرقه بحران أحدهما مالح والآخر عذب، المالح مظلم، والعذب نير، ثم اطلع في  البحر النير فأبصر ظله، فانتزع عيني  ظله فخلق منهما الشمس والقمر، وأفنى  باقي ظله. 

قتله خالد بن عبد الله القسري (١٢٦هـ) حرقًا بالنار [مقالات الإسلاميين ٦-٨، الفرق بين الفرق ٢٢٦، ٢٣٨، ٢٤٠، الملل والنحل ١٧٦/١-١٧٧].

 وهذه الطائفة خارجة عن الإسلام، وأقوالها كفر وضلال، قال البغدادي (ت: ٤٢٩هـ): كيف يعد في فرق الإسلام قوم شبهوا معبودهم بحروف الهجاء، وادعوا نبوة زعيمهم [الفَرق بين الفِرق ٣٤٢]. 

ج-المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي، الذي شبه نفسه بربه، وزعم أنه عرج به إلى السماء، فمسح معبوده رأسه بيده، وقال له: يا بني بلغ عني، ثم أنزله إلى الأرض. 

وقد قرن تجسيمه للباري تعالى بكفريات كثيرة وسخافات عديدة، منها: كفره بالجنة والنار، وتأويله الجنة برجل يجب موالاته، وهو إمام الوقت، والنار برجل يجب معاداته، وهو خصم الإمام، ومنها: استحلال المحرمات من الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والميسر، وتأويلها بأنها أسماء رجال حرم الله ولايتهم، وأسقط الفرائض، وأولها بأنها أسماء رجال أوجب الله موالاتهم، واستحل هو وأتباعه خنق مخالفيهم وأخذ أموالهم واستحلال النساء والمحارم وقد زعم أبو منصور أن عيسى عليه السلام أول من خلق من خلقه، ثم علي ـ رضي الله عنه ـ وزعم أن رسل الله لا تنقطع أبدًا، وأن الرسالات لا تنقطع.

 وكان يمين أصحابه إذا حلفوا أن يقولوا ألا والكلمة، وزعم أنه الكِسف الساقط من السماء، المذكور في قوله تعالى: {وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرۡكُومٞ} [الطور:٤٤] وأن آل محمد هم السماء، والشيعة هم الأرض، فأخذه يوسف بن عمر الثقفي (ت:١٢٧هـ) والي العراق في أيام هشام بن عبد الملك (ت: ١٢٥هـ) وقتله صلبًا [مقالات الإسلاميين ٩-١٠، الفرق بين الفرق ٢٢٦، ٢٤٣-٢٤٥، الملل والنحل ١٧٨/١-١٧٩].

· يقول عنهم البغدادي (ت:٤٢٩هـ): وهذه الفرقة أيضًا غير معدودة في فرق الإسلام، لكفرها بالقيامة والجنة والنار [الفرق بين الفرق سه٢٤]. 

ثانيًا: الهشامية: أتباع هشام بن الحكم الرافض (ت: ١٩٠هـ) وهشام بن سالم الجواليقي (ت:١٥٠هـ). 

هشام بن الحكم (ت: ١٩٠هـ): كان من متكلمي الشيعة وجرت بينه وبين أبي الهذيل العلاف (ت: ٢٣٥ هـ) مناظرات في علم الكلام، منها في التشبيه، عَدَّه الإمام الأشعري (ت: ٣٢٤هـ) من رجال الرافضة ومؤلفي كتبهم [مقالات الإسلاميين ص٦٣]. 

شبه هشام بن الحكم وأتباعه معبودهم بالإنسان، وزعموا أنه تعالى جسم له نهاية وحدُّ، وأنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه طويل عريض عميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، لا يوفى بعضه على بعض، ولم يعينوا طولًا، وإنما قالوا طوله مثل عرضه على المجاز دون التحقيق، وأنه تعالى عن قولهم - ذو لون وطعم ورائحة، ومجسة، لونه هو طعمه، وطعمه هو رائحته، ورائحته هي مجسته، وهو نفسه لون، ولم يعينوا لونًا ولا طعمًا هو غيره، وزعموا أن الله هو اللون، وهو الطعم. 

وقد زعم هشام (ت: ١٩٠هـ) أن معبوده كسبيكة الفضة الصافية، وكاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، وزعم أن معبوده له قدر من الأقدار، وأنه متناه بالذات، غير متناه بالقدرة، وأنه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة، وأنه يتحرك، وحركته فعله، وليست حركته من مكان إلى مكان، وأنه تعالى كان لا في مكان، ثم حدث المكان بحركته فكان فيه، وزعم أن المكان هو العرش.

وذكر أبو الهذيل العلاف (ت: ٢٣٥هـ) في بعض كتبه أنه قال: إن ربه جسم ذاهب جاء، يتحرك تارة ويسكن أخرى، ويقعد مرة ويقوم أخرى، وأنه طويل عريض عميق؛ لأن ما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي، قال: فقلت له: فأيما أعظم؟ إلهك أو هذا الجبل، وأومأت إلى أبي قبيس، قال: فقال هذا الجبل يوفى عليه - أي- هو أعظم منه.

وحكى الجاحظ (ت:٢٥٦هـ) عنه في بعض كتبه أنه كان يزعم أن الله سبحانه وتعالى إنما يعلم ما تحت الثرى بالشعاع المتصل منه الذاهب في عمق الأرض، ولولا مماسه شعاعه لما وراء الأجسام الساترة، لما رأى ما وراءها ولا علمها، وزعم أن بعضه يشوب وهو شعاعه، وأن الشوب محال على بعضه، وذكر عنه أنه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل: زعم مرة أنه كالبلورة، وزعم مرة أنه كالسبيكة، وزعم مرة أنه غير صورة، وزعم مرة أنه سبعة أشبار بشبر نفسه ، ثم رجع عن ذلك، وقال هو جسم لا كالأجسام [المصدر السابق ٣١-٣٣، الفرق بين الفرق ٦٥-٦٧، ٢٢٧، الملل والنحل ١/ ١٨٤]. 

وقد جعله الإمام الأشعري (ت:٣٢٤هـ) من فرق الروافض أصحاب الإمامة، وعده من أوائل الروافض القائلين بالتشبيه [مقالات الإسلاميين ٣١، ٣٥].

 وقال الملطي (٣٧٧هـ) عن الهشامية: وهم أيضًا ملحدون؛ لأن هشامًا (ت: ١٩٩هـ) كان ملحدًا دهريًا، ثم انتقل إلى الثنوية المانية، ثم غلبه الإسلام فدخل في الإسلام كارهًا، فكان قوله في الإسلام بالتشبيه والرفض... وما قصد هشام بقوله في الإمامة التشيع، ولا محبة أهل البيت، ولكن طلب بذلك هدَّ أركان الإسلام والتوحيد والنبوة، فأراد هدمه، وانتحل في التوحيد التشبيه، فهدم ركن التوحيد، وساوى بين الخالق والمخلوق [التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للملطي ٢٤-٢٥ تقديم وتعليق محمد زاهد الكوثري، القاهرة ١٩٩١ م]. 

وذكر الشهرستاني: (ت:٥٤٨هـ) أنه غلا في حق علي ـ رضي الله عنه ـ حتى قال: إنه إله واجب الطاعة، وعد جماعته ضمن غلاة الشيعة [الملل والنحل ١٨٤/١-١٨٥]. 

وذكر عنه عبد القاهر البغدادي (ت:٤٢٩هـ) وعن أتباعه أنهم ضموا إلى  حيرتهم في الإمامة ضلالتهم في  التجسيم وبدعتهم في التشبيه، وذكر أن هشامًا مع ضلالته في التوحيد ضل  في صفات الله أيضًا، فأحال القول بأن الله لم يزل عالمًا بالأشياء، وأنه كان على مذهب الإمامية في الإمامة، وأكفره سائر الإمامية بإجازته المعصية على الأنبياء، إلا أنه ذكره وفرقته ضمن فرق المشبهة الذين عدهم  المتكلمون في فرق الأمة لإقرارهم  بلزوم أحكام القرآن، وإقرارهم بوجوب أركان شريعة الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج عليهم،  وإقرارهم بتحريم المحرمات عليهم، وإن ضلوا وكفروا في بعض الأصول العقلية [الفَرق بين الفِرق ٦٥، ٦٧، ٦٨، ٢٢٧]. 

(ب) هشام بن سالم الجواليقي (ت:٠ه١هـ). قال البغدادي: هذا الجواليقي مع رفضه على مذهب الإمامية مفرط في التشبيه والتجسيم؛ لأنه زعم أن معبوده على صورة الإنسان، ولكنه ليس بلحم ولا دم، بل هو نور ساطع بياضًا، وزعم أنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان، وله يد ورجل وعين وأذن وأنف وفم، وأنه يسمع بغير ما يبصر به، وكذلك سائر حواسه متغايرة، وأن نصفه الأعلى مجوف، ونصفه الأسفل مصمت، وحكى أبو عيسى الوراق (ت:٤٧ ٢هـ) أنه زعم أن لمعبوده وفرة سوداء [المصدر السابق ٦٩]. 

ثالثًا: الحشوية: حكى الأشعري (ت:٣٢٤هـ) عن محمد بن عيسى أنه حكى عن مضر وكهمس (ت: ١٤٩هـ) وأحمد الهجيمي أنهم أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة [الملل والنحل ١٠٥/١].

وحكى عن داود الجواربي ومقاتل بن سليمان (ت :١٥٠هـ) أن الله تعالى جسم، وأنه جثة على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يدِّ ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره.

 وحكى عن داود الجواربي أنه كان يقول: أجوف من فيه إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك [مقالات الإسلاميين ١٥٢ -١٥٣، ٢٠٩]. 

قال الشهرستاني (ت:٥٤٨هـ): وحكى الكعبي (٣١٩هـ) عن بعضهم أنه كان يجوز الرؤية في دار الدنيا وأنه يزوره ويزورهم، وحكى عن داود الجواربي أنه قال: اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك [الملل والنحل ١٠٥/١]. 

وذكر الشهرستاني (ت:٥٤٨هـ) عنهم أن ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب، والمجيئ والإتيان والفوقية وغير ذلك أجروها على ظاهرها الذي يفهم عند الإطلاق على الأجسام، وعلى ما يتعارف من صفات الأجسام [المصدر السابق ٠٥/١ ١-٠٦ ١]. 

وخلف من بعدهم طائفة من أهل الحديث حملوا صفات الباري على مقتضى الحسِّ، تمسكًا بظواهر النصوص التي يوهم ظاهر اللفظ فيها - من بين معانيه الجائزة لغة - معنى لا يليق بالباري تعالى، واستنادًا إليها، دون أن يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر المتعارف عليها من صفات الأجسام إلى المعاني الواجبة لله تعالى، مع إنكارهم التشبيه والتجسيم. 

وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت:٥٩٧هـ) في دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: نماذج من هؤلاء، وقال: ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورةً ووجهًا زائدًا على الذات، وعينين، وفمًا ولهوات وأضراسًا، وأضواءً لوجههِ هي السُبحات، ويدين وأصابع وكفًا وخنصرًا وإبهامًا، وصدرًا وفخذًا وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا: يجوز أن يَمس ويُمس، ويُدني العبدَ من ذاته، وقال بعضهم: ويتنفس، ثم يرضون العوام بقولهم لا كما يعقل، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى .... ثم لما أثبتوا أنها صفات زائدة قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة؛ مثل (يد) على نعمة، وقدرة ... بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة - والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين - والشيء يحمل على حقيقته إذا أمكن، ثم يتحرجون من التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام [دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه لأبي الفرج بن الجوزي ٩٧-١ ٠ ١ حققه وقدم له حسن السقاف، دار الإمام النووي، عمان، الأردن، ط ٣/ ١٩٩٢ م]. 

رابعًا: الكرامية: على لسان الباحثين يقترن التجسيم بالكرامية، فإذا ذُكر أحدهما يُتذكر الآخر.  

والكرامية أصحاب عبد الله محمد بن كرام (ت: ٢٥٥هـ) وأتباعه، وقد ولد ابن كرام بسجستان، ثم انتقل حين شب عوده إلى خراسان حيث نشأ وتعلم بها - وقد كانت خراسان في عصره موطن الحشوية والمشبهة [نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، د. علي سامي النشار ١/ ٢٩٧ -٢٩٨/ دار المعارف، القاهرة، ط١٩٧٧/٧م] عده بعض أصحاب المقالات من طوائف المرجئة، وعده بعضهم من الصفاتية، ويقال: إنه كان زاهدا ومن عباد المرجئة، لكنه جمع أرزل ما في المذاهب. 

قال عنه الشهرستاني في الملل والنحل: ونبغ رجل متنمس بالزهد من سجستان يقال له أبو عبد الله محمد بن كرام قليل العلم، قد قمش من كل مذهب ضغثًا وأثبته في كتابه، وروجه على اغتام غرجة، وغور وسواد بلاد خراسان، فانتظم ناموسه، وصار ذلك مذهبًا، وقد نصره محمود بن سبكتكين السلطان، وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم ٠٠” وهم مجسمة، غير محمد بن الهيصم، فإنه مقارب، [الملل والنحل ٣١/١، ١٠٨]. 

مذهب الكرامية في التجسيم: تعددت مقالات الكرامية في التجسيم والتشبيه، حتى كادت تخرج عن الحصر، مما اضطر أصحاب المقالات وعلماء الكلام إلى الاقتصار على ذكر أقوال رئيسهم ومؤسس فرقتهم، وعلى المشهور من مقالاتهم، وإهدار ما عداها لكثرتها وسفاهة أصحابها، يقول عبد القاهر البغدادي (ت:٤٢٩هـ): وضلالات أتباعه اليوم متنوعة أنواعًا لا نعدها أرباعًا ولا أسباعًا، لكنها تزيد على الآلاف آلافًا، ونذكر منها المشهور الذي هو بالقبح مذكور [الفرق بين الفرق ٢١٦]. 

ويقول الشهرستاني: ولكل واحدة منهم رأي، إلا أنه لما لم يصدر ذلك عن علماء معتبرين، بل عن سفهاء أغتام جاهلين لم نفردها مذهبًا، وأوردنا مذهب صاحبه والمقالة أشرنا إلى ما يتفرع منه [الملل والنحل :١٠٨/١]. 

وقد اتفقوا على أن الله تعالى مستقر على العرش مماس له من الصفحة العليا، وأنه بجهة فوق بذاته، وأنه مما تجوز عليه الحركة والانتقال والنزول، إلا أنهم لم يؤثر عنهم القول بالأعضاء وقد نص زعيمهم على ذلك، وأطلق عليه تعالى اسم الجوهر، ونقل عنه أنه قال في كتابه المسمى: (عذاب القبر) إنه أحدي الذات أحدي الجوهر، وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا، وزعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته والجهة التي منها يلاقي عرشه. 

واختلف أصحابه في معنى الاستواء على العرش المذكور في قوله تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه:٥] فمنهم من قال: إنه على بعض العرش، ومنهم من زعم أن كل العرش مكان له وأنه لو خلق بإزاء العرش عروشًا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانًا له؛ لأنه أكبر منها كلها، ومنهم من قال: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة، ولا يفضل منه شيء على العرش [الفَرق بين الفِرق ٢١٦، والملل والنحل ١ /٨ ١٠-١٠٩، أساس التقديس للفخر الرازي ١٦/ مصطفى الحلبي، القاهرة، ١٩٣٥م، أبكار الأفكار ٩٤/٥]. قال البغدادي: وكان من الكرامية بنيسابور رجل يعرف  بإبراهيم بن مهاجر ينصر هذا القول ويناظر عليه [الفَرق بين الفِرق ٢١٦]. 

وأطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه تعالى، والمقاربون منهم قالوا: نعني بكونه جسمًا أنه قائم بذاته، وبنوا على هذا أن من حكم القائمين بأنفسهما أن يكونا متجاورين، أو متباينين، فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش، وحكم بعضهم بالتباين، ثم لهم اختلافات في النهاية، فمنهم من زعم كونه تعالى متناهيًا من الجهات الست، ومنهم من أثبت له تعالى النهاية من جهة تحت، دون غيرها، ومنهم من نفى عنه تعالى النهاية مطلقًا، وقال: هو عظيم [الملل والنحل ٩/١ ١٠، أبكار الأفكار ٤/٩٥].

واتفقوا على جواز حلول الحوادث بذاته تعالى، وأن معبودهم محل للحوادث، وزعموا أن أقواله تعالى وإراداته، وإدراكه للمرئيات وإدراكه للمسموعات، وملاقاته للصفحة العليا من العرش أعراض حادثة فيه، وهو محل لتلك الحوادث الحادثة فيه، وزعموا أنه لا يحدث في العالم جسم ولا عرض إلا بعد حدوث أعراض كثيرة في ذات معبودهم منها:

إرادته لحدوث ذلك الحادث، ومنها قوله لذلك الحادث "كن" على الوجه الذي علم حدوثه عليه، وذلك القول في نفسه حروف كثيرة كل منها عرض حادث فيه، ومنها رؤية تحدث فيه يرى بها ذلك الحادث، ولو لم تحدث فيه الرؤية لم ير ذلك الحادث، ومنها استماعه لذلك الحادث إن كان مسموعًا، وزعموا أنه لا يعدم من العالم شيء من الأعراض إلا بعد حدوث أعراض كثيرة في معبودهم، فصارت الحوادث الحادثة في ذات معبودهم أضعاف الحوادث من أجسام العالم وأعراضها - وذلك محال وشنيع - واختلفت الكرامية في جواز العدم على تلك الحوادث الحادثة في ذات الإله بزعمهم، فأجاز بعضهم عدمها، وأحاله أكثرهم: وأجمع الفريقان على أن ذات الإله لا يخلو في المستقبل عن حلول الحوادث فيه، وإن كان قد خلا منها في الأزل [الفرق بين الفرق ٢١٧-٢١٨]. 

وزعم بعضهم أن أسماء الله تعالى كلها أعراض فيه قال البغدادي ت ٤٢٩هـ: وكان في عصرنا شيخ للكرامية يعرف بإبراهيم بن مهاجر اخترع ضلالة لم يسبق إليها فزعم أن أسماء الله عز وجل كلها أعراض فيه، وكذلك اسم كل مسمى عرض فيه، فزعم أن الله تعالى عرض حال في جسم قديم، و"الرحمن" عرض آخر، و"الرحيم" عرض ثالث و"الخالق" عرض رابع، وكذلك كل اسم لله تعالى عرض غير الآخر.... 

وقال البغدادي ت ٤٢٩ هـ: ناظرت ابن مهاجر هذا في مجلس ناصر الدولة أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجمور صاحب جيش السامانية في سنة سبعين وثلاثمائة في هذه المسألة، .... فألزمته أن يكون معبوده عرضا؛ لأن المعبود عنده اسم، وأسماء الله تعالى عنده أعراض حالة في جسم قديم، فقال: المعبود عرض في جسم القديم، وأنا أعبد الجسم دون العرض، فقلت له: أنت إذن لا تعبد الله - جل وعلا؛ لأن الله تعالى عندك عرض، وقد زعمت أنك تعبد الجسم دون العرض [المصدر السابق ٢٢٤-٢٢٥].  وقد وصف ابن كرام (ت: ٢٥٥هـ) معبوده بالثقل، فقد نقل عنه البغدادي ت ٤٢٩هـ: أنه قال في كتابه (عذاب القبر) في تفسير قوله تعالى: [إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ] [الانفطار:١]  إنها انفطرت من ثقل الرحمن عليها [المصدر السابق ٢١٨]. 

والعجيب أنه يترجم لأبواب كتبه بالكيفوفية والحيثوثية لله تعالى، فقد نقل البغدادي (٤٢٩ هـ) أنه ذكر في كتابه عذاب القبر بابًا له ترجمة عجيبة، فقال باب: (في كيفوفية الله عز وجل) وكذا عبر عن مكان معبوده في بعض كتبه بالحيثوثية. 

وعلق على ذلك بقوله: ولا يدري العاقل من ماذا يتعجب، أَمِن جسارته على إطلاق لفظ الكيفية في صفات الله تعالى، أم من قبح عبارته عن الكيفية بالكيفوفية، وقوله: وهذه العبارات السخيفة لائقة بمذهب السخيف في  جهود العلماء في التصدي للتجسيم، كان صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في زمن  النبي صلى الله عليه وسلم على عقيدة واحدة؛ لأنهم عاشوا زمن الوحي وشرف صحبة  الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أزال عنهم الوحي وصحبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الشكوك والأوهام، وظل الأمر هكذا إلى زمن  انقراض الصحابة - رضي الله عنهم - ثم انفجرت الفتن وظهر بين الناس الجدال والهوى، وتشويش عقائد  المسلمين، وكان قد صحب ذلك اتساع  رقعة الدولة الإسلامية وامتداد سلطانها إلى كثير من البلدان والأجناس إثر الفتوحات الإسلامية الكثيرة التي نتج عنها دخول أجناس متنوعة في الإسلام  كالفرس والروم واليهود والنصارى، وكان من هؤلاء من تظاهر بالإسلام وأراد الكيد له، فعمد إلى إفساد عقيدة المسلمين الصافية بخلطها بما يفسدها، وقد استمال هؤلاء غلاة الشيعة، وسلكوا بهم مسالك شتى، حتى أخرجوهم من طريق الهدى.

وكان عدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى ومُوَابَذة المجوس، أظهروا الإسلام في عهد الراشدين، ثم أخذوا بعدهم في بث ما عندهم من الأساطير بين من تروج عليهم ممن لم يتهذب بالعلم من الأعراب وبسطاء مواليهم، فاحتملوها ورووها لآخرين بسلامة باطن، أو جهلًا بما يجب في حق الله تعالى وما يجوز وما يستحيل، وتبعهم من شذ من المبتدعة الذين اتبعوا ما تشابه من الآيات، وتوغلوا في التشبيه والتجسيم. 

وبقيت الجماعة الإسلامية على الحق، وبرز منهم جماعة لم يتعرضوا لتأويل النصوص التي يوهم ظاهرها ما  لا يليق بالله تعالى، احتياطًا واحترازًا من تعيين معنى لم يقم دليل شرعي على تعيينه، ولا تهدفوا للتشبيه مثل الإمام  مالك ـ رضي الله عنه، (ت:٩ ٧ ١هـ) حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلَابي (ت: ٢٤٠هـ) وأبي العباس القلانسي ت ق٣هـ والحارث المحاسبي (ت:٢٤٣هـ)،  وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم  باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية، وصنف بعضهم ودرس، ثم ظهر الإمام الأشعري (ت:٣٢٤هـ)،  فانحاز إلى هذه الطائفة وأيد مقالتهم  بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبًا لأهل السنة والجماعة [الملل والنحل ٩٣/١].

نماذج التصدي للمجسمة

قد بذل أهل السنة والجماعة جهودًا عظيمةً في التصدي للمجسمة، وإبطال التجسيم في حق الباري ـ تعالى، ونعرض نماذج لمجهودهم في:

١ - تنزيه الباري ـ تعالى ـ عن التشبيه والتجسيم وخواصه.

٢ - إبطال الحد والنهاية في حق الباري ـ تعالى.

٣ - إحالة الأبعاض على الباري ـ تعالى.

٤ - إحالة كونه ـ تعالى ـ مماسًا لشيء من العالم.

٥ - إحالة كونه ـ تعالى ـ جوهرًا.

٦ - إحالة كونه ـ تعالى ـ جسمًا.      

٧ بيان تهافت القول بجسم لا كالأجسام.

٨ - بيان انتقاض القول بأن الجسم هو القائم بنفسه، أو الموجود، أو الشيء.

٩ - بيان تهافت تعديلات الكرامية.

٠ ١ - مآخذهم على بعض المتأخرين من أهل الحديث.

١١ - نفي دلالة الكتاب والسنة على التشبيه والتجسيم.

تنزيه الباري تعالى عن التشبيه والتجسيم وخواصه

مما ورد على لسان أهل السنة  والجماعة من نفي التشبيه والتجسيم عن الباري ـ تعالى:  قول الإمام الأشعري (ت ٣٢٤هـ) في رسالته لأهل الثغر: وأجمعوا على أنه عز وجل غير مُشبه لشيء من العالم، وقد نبه الله ـ عز وجل ـ على ذلك بقوله: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ} [الشورى:١١]، وبقوله تعالى: {وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ} [الإخلاص: ٤]، وإنما كان ذلك لأنه تعالى لو كان شبيهًا لشيء من خلقه  لاقتضى من الحدث والحاجة إلى  محدث له ما اقتضاه ذلك الذى أشبهه، أو اقتضى ذلك قدم ما أشبهه من خلقه، وقد قامت الدلالة على حدث جميع الخلق، واستحالة قدمه، وقوله: وأجمعوا على أن صفته عز وجل لا تشبه صفات المحدثين، كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين [أصول أهل السنة والجماعة المسماة برسالة أهل الثغر للإمام الأشعري ٦٥-٦٦، ٦٨، مطبعة التقدم، القاهرة ١٩٨٧ م]. 

وقول الإمام الطحاوي (ت:٣٢١هـ) في عقيدته: ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلَ ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية، وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحتويه الجهات الست كسائر المبتدعات [العقيدة الطحاوية للإمام الطحاوي ٦/ مكتبة الإيمان، القاهرة، ٩٨٣ ١م]. 

وقول الإمام الغزالي ت (٥٠٥هـ) في الفصل الأول من قواعد العقائد على لسان أهل السنة: وأنه ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، وأنه لا يماثل الأجسام، لا في التقدير ولا في قبول الانقسام، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعرض ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجودًا ولا يماثله موجود، {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ}  [الشورى:١١]، ولا هو مثل شيء، وأنه لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به  الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات [إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ١٠٨/١ دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، دار الكتب العلمية، بيروت]. 

وقد استدلوا على تنزه الباري ـ تعالى ـ عن التشبيه والتجسيم وخواصه بالدلائل النقلية والعقلية الكثيرة  والقاطعة، ومن دلائلهم النقلية ما ورد  في القرآن الكريم من وصف الله  ـ تعالى ـ بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة هي صريحة في بابها، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ * وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ} [الإخلاص:١-٤]  ويقول الفخر الرازي (ت ٦٠٦ هـ ) في  أساس التقديس في هذه السورة:  اشتهر في التفسير أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن  ماهية ربه، وعن نعته وصفته، فانتظر الجواب من الله تعالى، فأنزل الله تعالى هذه السورة، إذا عرفت ذلك فنقول: هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات؛ لأنه تعالى جعلها جوابًا عن سؤال المتشابه، بل وأنزلها عند الحاجة، وذلك يقتضى كونها من المحكمات لا من المتشابهات، وإذا ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة  يكون باطلًا.

ويقول: إن قوله تعالى: {أَحَدٌ} [الإخلاص:١] يدل على نفي الجسمية، ونفي الحيز والجهة، أما دلالته على أنه تعالى ليس بجسم: فذلك لأن الجسم أقله أن يكون مركبًا من جوهرين، وذلك ينافي الوحدة، وقوله: {أَحَدٌ} [الإخلاص:١] مبالغة في الواحدية، فكان قوله أحد منافيًا للجسمية. 

وقوله تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى:١١] فقد نفت الآية التشبيه غاية النفي، يقول القشيري (ت:٤٦٥هـ): وقيل إن التشبيه يكون بأحد شيئين إما بالكاف وإما بالمثل، فجمع بين حرفي التشبيه، ونفي بهما عن نفسه التشبيه، فكأنه قال ليس مثله شيء وليس كهو شيء، وقد قيل هذا غاية نفي التشبيه [أساس التقديس ١٦-١٧]. 

ودلت على أنه تعالى متعال عن أن يشبه شيئًا من الحادثات، أو يمازجه شيء من الكائنات، بل هو بذاته متفرد عن جميع المخلوقات، وأنه ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم، وأنه لا تحله الكائنات ولا تمازجه الحادثات، ولا له مكان يحويه، ولا زمان هو فيه [شرح أسماء الله الحسنى للإمام القشيري ٤١ مع تحقيقات أحمد عبد المنعم الحلواني، مطبعة الأمانة ط ١٩٦٩/١ م].

وقوله تعالى: {هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا} [مريم:٦٥] فقد روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما ـ (ت٦٨هـ) وغيره: مثلًا أو شبيهًا [الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي ١٨٦ تحقيق الشحات الطحان، مكتبة فياض بالمنصورة]. وقوله تعالى: {ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ} [آل عمران٢].

يقول الفخر الرازي: والقيوم من يكون قائمًا بنفسه، مقومًا لغيره، فكونه قائمًا بنفسه عبارة عن كونه غنيًا عن كل ما سواه، وكونه مقومًا لغيره عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان جسمًا لكان هو مفتقرًا إلى غيره وهو جزؤه، ولكان غيره غنيًا عنه وهو جزؤه، فحينئذ لا يكون قيومًا [تفسير القرآن العظيم لابن كثير، تفسير الآية ٦٥ سورة مريم].  أما دلائلهم العقلية القاطعة فسيأتي عرضها مفصلة. 

إبطال الحد والنهاية في حق الباري تعالى

المثبتون للحد والنهاية في حق الباري ـ تعالى ـ هم: الهشامان وبعض مشبهة الروافض والكرامية، وقد أبطل البغدادي الحد والنهاية عن الباري ـ تعالى ـ بأنه لو كان الباري ـ تعالى ـ مقدرًا بحد ونهاية لم يخل من أن يكون مقداره مثل أقل المقادير، فيكون كالجزء الذي لا يتجزأ، أو يختص ببعض المقادير فتتعارض فيه لمقادير، فلا يكون بعضها أولى من بعض إلا بمخصص خصه ببعضها، وإذا بطل هذان الوجهان صح أنه بلا حد ولا نهاية، وقال: وقول من أثبت له حدًا من جهة السفل وحدها كقول الثنوية بتناهي النور من الجهة التي يلاقي الظلام منها، وكفى بهذا خزيًا (أساس التقديس ٢٤).

إحالة الأبعاض عن الباري تعالى

الخلاف في هذا مع البيانية والمغيرية وداود الجواربي وسالم الجواليقي، (ت:٠ه١هـ). 

فالبيانية: أتباع بيان بن سمعان التميمي (ت: ١١٩هـ)، وهم زعموا أن معبودهم رجل من نوره، وأن أعضاءه  كأعضاء الرجل وزعموا أن أعضاءه كلها تفنى، إلا وجهه.

والمغيرية: أتباع المغيرة بن سعيد العجلي (ت ١١٩هـ)، من غلاة الشيعة، زعم أن للباري تعالى أعضاء على عدد حروف الهجاء، وعلى صورها حرفًا حرفًا، وزعم أن الله تعالى كتب بأصبعه على كفه أعمال عباده من طاعة ومعصية، ونظر فيها فغضب من معاصيهم، فعرق، فاجتمع من عرقه بحران ...، وداود الجواربي الذي أضاف إلى معبوده جميع أعضاء الإنسان، إلا الفرج واللحية، فقد قال: اعفوني عن  الفرج واللحية، واسألوني عما وراء ذلك. 

وسالم الجواليقي (ت ١٥٠هـ) كما سبق القول عند عرض آرائهم وقد استدل البغدادي (ت ٤٢٩هـ) على استحالة الأبعاض على الله تعالى، وأنه تعالى واحد في ذاته ليس بذي أجزاء بأنه: قد صح أن الباري ـ تعالى  ـ حي قادر عالم مريد، فلو كان ذا أجزاء وأبعاض لم يخل من أن يكون في كل جزء منه حياة وقدرة وعلم  وإرادة، أو تكون هذه الصفات في بعض أجزائه، فإن كان في كل جزء منه مثل هذه الصفات، كان كل جزء منه حيًا قادرًا عالمًا مريدًا بانفراده، ولو كان كذلك لصح وقوع الخلاف بين أعضائه حتى يريد بعضه شيئًا، وبعضه يريد ضد ذلك المراد وخلافه، وإن كانت تلك الصفات في بعض أعضائه، وجب قيام أضداد تلك الصفات بالباقية من أعضائه، فيكون بعضه حيًا قادرًا عالمًا مريدًا، وبعضه ميتًا وعاجزًا وجاهلًا ساهيًا، ولم يكن الحي منها بالحياة أولى من غيره إلا بمخصص خصه بها، وهذا يقتضي افتقار الصانع إلى صانع سواه، وهذا محال، فما يؤدي إليه مثله. 

وخص البيانية لقولهم إن معبودهم يفنى كله إلا وجهه بسؤالهم: ما الذي يؤمنهم من فناء وجهه إن جاز الفناء على بعضه [المصدر السابق الصحيفة نفسها]. 

إحالة كونه تعالى مماسًا لشيء من العالم

الخلاف في هذا مع الهشامية، فقد زعموا أن الله تعالى في مكان مخصوص متمكن فيه.

وابن كرام ومن تبعه في زعمهم أن الباري ـ تعالى ـ مماس للصفحة العليا من العرش وبعض المشبهة كمضر وكهمس (ت١٤٩هـ)، وأحمد الهجيمي، حيث قالوا: إن المخلصين من المسلمين يعانقون الرب ـ تعالى ـ في الدنيا والآخرة [المصدر السابق ٧٥]. 

والدليل على استحالة المماسة في حق الباري ـ تعالى ـ قيام الدلالة على أنه تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا ذي حد ونهاية، فالمماسة لا تصح إلا من الأجسام والجواهر التي لها حدود، وقد قامت الدلائل على أنه تعالى غير محدود بحد ونهاية، فلذلك لا تصح المماسة عليه [المصدر السابق ٧٦-٧٧، أبكار الأفكار ٣٤/٢-٣٥]. 

وأيضًا: ما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها كان حادثًا مثلها، إذ سبيل الدليل على حدوث الجواهر قبولًا للمماسة والمباينة، فإن طردوا دليل حدوث الجواهر لزم القضاء بحدوث ما أثبتوه متحيزًا في مكان متمكن فيه مماس له.

وإن نقضوا الدليل فيما ألزموه انسد الطريق إلى إثبات حدوث الجواهر [أصول الدين ٧٧].  

وقد حاول بعض الكرامية التخفف من لفظ المماسة وأبدلوها بلفظ الملاقاة، ولا ينفعهم ذلك؛ فإنهم قالوا: ملاق للعرش على وجه لا يصح أن يكون بينهما واسطة، وهذا معنى المماسة التي امتنعوا من لفظها [الإرشاد ٤٠] 

إحالة كونه تعالى جوهرًا

الجوهر عند المتكلمين هو المتحيز بالذات، وعند الفلاسفة هو الذي له ماهية إذا وجدت في الأعيان كان وجودها لا في موضوع، وذلك لا يكون إلا فيما وجوده يزيد على ماهيته، والباري تعالى عندهم لا يزيد وجوده على ماهيته، فلا يسمى جوهرًا عندهم [أصول الدين ٧٧، الفرق بين الفرق ٢١٦]، كما لا يسمى جوهرًا عند المتكلمين. 

وقد نفى أهل السنة والجماعة كونه تعالى جوهرًا، واستدلوا على ذلك بأنه: لو كان الباري تعالى جوهرًا لكان متحيزًا، والمتحيز لا يخلو عن الحركة في حيزه، أو السكون فيه، وهما حادثان، وما لا يخلو عن الحوادث كون حادثا. 

وإن قيل غير متحيز لزم أن تكون الجواهر كلها غير متحيزة، ضرورة المساواة في المعنى، وهو محال، كيف وأنه لا معنى للجوهر عند المتكلمين إلا أنه غير المتحيز بذاته، فما لا يكون متحيزًا لا يكون جوهرًا. 

وأيضًا: لو كان الباري ـ تعالى ـ جوهرًا: فإما أن ينقسم أو لا ينقسم، فإن انقسم يكون جسمًا مركبًا، والجسمية المركبة تنافي الوجوب الذاتي للباري ـ تعالى ـ وإن لم ينقسم يكون جزءًا لا يتجزأ، وهو الجوهر الفرد أصغر الأشياء وأحقرها تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا [أبكار الأفكار ٧/٢]. 

إحالة كونه تعالى جسمًا

نفى أهل السنة والجماعة كونه تعالى جسمًا، واستدلوا على بطلان ذلك بدلائل عقلية كثيرة، منها:

أنه تعالى لو كان جسمًا لكان متحيزًا، واللازم باطل، فلو كان متحيزًا لكان جوهرًا، وقد قام الدليل على استحالة كونه تعالى جوهرًا، وإذا استحال كونه تعالى جوهرًا بطل كونه تعالى جسمًا؛ لأن الجسم مركب من الجواهر ومفتقر إليها ونفي الجواهر التي لا بد منها للجسم نفي للجسمية.

 وأيضًا: لو كان الباري ـ تعالى ـ جسمًا لكان مركبًا من أجزاء، فالجسم هو المركب، ولزم أن يكون مفتقرًا إلى كل واحد من أجزائه ضرورة استحالة وجود المركب دون أجزائه، والمحتاج إلى غيره لا يكون غنيًا، فيكون ممكنًا. 

وأيضًا: لو كان الباري ـ تعالى ـ جسمًا لكان منقسمًا، وحينئذ إما أن يقوم بجميع الأجزاء علم واحد وقدرة واحدة، وهذا محال؛ لامتناع حلول الصفة الواحدة في المحال المتعددة، وإما أن يقوم بكل واحد من تلك الأجزاء علم على حدة، وقدرة على حدة، فيكون كل واحد من تلك الأجزاء موصوفًا بجميع صفات الإلهية، والقول بذلك قول بآلهة كثيرة، وهو محال. 

وأيضًا: لو كان الباري ـ تعالى ـ جسمًا لكان مقدرًا بمقدار مخصوص، فيجوز أن يكون أصغر منه أو أكبر، ولا يترجح أحد الجائزين على الآخر إلا بمخصص ومرجح، فيحتاج الباري ـ تعالى ـ إلى مخصص يتصرف فيه، فيقدره بمقدار مخصوص، فيكون مصنوعًا لا صانعًا، ومخلوقًا لا خالقًا [الاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي ٤١/مكتبة الجندي، القاهر ة ١٩٧٢ م، أبكار الأفكار ٩/٥]. 

بيان تهافت القول بجسم لا كالأجسام

ذهب الهشامية وبعض الكرامية إلى القول بأن الباري ـ تعالى ـ جسم لا كالأجسام، كما سبق. 

ولا يصح القول بجسم لا كالأجسام من حيثيات عديدة، منها أن من قال بالجسم قال بالكيفية، وهي مستحيلة في حق الباري ـ تعالى ـ قال أبو المعين النسفي (ت ٥٠٨ هـ) في بحر الكلام: إذا قلتم بالجسم فقد قلتم بالكيفية، لما ذكرنا من حد الجسم، ولا يمكن إثباته في ذاته تعالى. 

وقال في التمهيد لقواعد التوحيد: فمن أطلق اسم الجسم بمعنى التركب فقد أمال الاسم عن موجبه لغة إلى غير موجبه، وهو معنى الإلحاد [الاقتصاد في الاعتقاد ٤٢-٤٣، أساس التقديس ١٩ الأربعين في أصول الدين للفخر الدين الرازي ١٥٠/١، الكليات الأزهرية، القاهرة، ط١، ٩٨٦ ١ م، أبكار الأفكار ١٣/٢، ١٥-٦ ١ شرح المواقف للجرجاني - الموقف الخامس- ٣٤، ٤٢ تحقيق د. أحمد المهدي، مكتبة الأزهر، القاهرة]. 

أيضًا: من يقول إنه جسم ثم يقول لا كالأجسام ينقض كلامه، قال ابن الجوزي (ت:٥٩٧هـ): من يقول جسم لا كالأجسام؛ فإن الجسم ما كان مؤلفًا، فإذا قال لا كالأجسام ينقض ما قال [بحر الكلام لأبي المعين النسفي ١٩/ القاهرة ١٩٢٢ م، التمهيد لقواعد التوحيد له ١٤٢ تحقيق جيب الله حسن أحمد، دار الطباعة المحمدية، القاهرة ١٩٨٦ م].

وأيضًا: يتنافى مع حق اللغة، فإذا ادعى قائل ذلك أنه موافق لوضع اللسان فيبحث عنه، فإن ادعى واضعه له أنه اسمه على الحقيقة فهو كاذب على اللسان؛ فإن وضع لفظ الجسم في اللسان ينبئ عن التركيب والتأليف، وإن ادعى أنه استعارة نظرنا إلى المعنى الذي شارك المستعار منه، فإنه لا يصلح للاستعارة، ويقال له أخطأت على اللغة [دفع شبه التشبيه ١٤٧]. 

وأيضًا: الشرع يمنع من إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى؛ لأنه لم يرد به نص من كتاب أو سنة أو إجماع، وينبي عما يستحيل في وصفه تعالى، قال الإمام الأشعري (ت٣٢٤ هـ) في اللمع: لا يجوز أن نسمي الله تعالى باسم لم يسم به نفسه، ولا سماه به رسوله، ولا أجمع المسلمون عليه ولا على معناه [الاقتصاد في الاعتقاد ٤١]. 

وقال لهم الإمام الجويني (ت:٤٧٨هـ): لم تحكمتم بتسمية ربكم باسم ينبئ عما يستحيل في صفته، من غير أن يرد به شرع أو يستقر فيه سمع؟ وما الفصل بينكم وبين من يسميه جسدًا، ثم يحمل الجسد على الوجود [اللمع للإمام الأشعري ٢٤ تصحيح وتعليق د. حمودة غرابة، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة١٩٧٥م].

فإن قاسوا الجسم على النفس، قلنا: الجسم عبارة عن ذات مركبة قابلة للعرض، والنفس عبارة عن الذات، فلا يلزم من إطلاق لفظ النفس على الباري ـ تعالى ـ إطلاق لفظ الجسم، والأصل اتباع الشرع [الإرشاد ٤٣-٤٤]. 

بيان تهافت تعديلات الكرامية

أدخل بعض الكرامية تعديلات على بعض أقوال زعيمهم، لكن لم ينفعهم ذلك؛ قال البغدادي (ت٤٢٩هـ) وقد ذكر ابن كرام (ت ٢٥٥هـ) في كتابه: أن الله تعالى مماس لعرشه، وأن العرش مكان له، وأبدل أصحابه لفظ المماسة بلفظ الملاقاة منه للعرش، وقالوا لا يصح وجود جسم بينه وبين العرش إلا بأن يحيط بالعرش إلى أسفل، وهذا معنى المماسة التي امتنعوا من لفظها [المصدر السابق ٤٤، بحر الكلام ١٨-١٩]. 

وادعى ابن الهيصم نفي التكييف والتشبيه؛ ولذلك اعتبره بعض العلماء مقاربًا لأهل السنة، لكنه لم ينفعه ذلك.  قال الشهرستاني (ت:٥٤٨هـ) في الملل والنحل: وزعم ابن الهيصم أن الذي أطلقه المشبهة على الله ـ عزوجل ـ من الهيئة والصورة والجوف والاستدارة  والوفرة، والمصافحة والمعانقة ونحو ذلك، لا يشبه سائر ما أطلقه  الكرامية من أن الله خلق آدم بيده، وأنه استوى على عرشه، وأنه يجيء يوم القيامة لمحاسبة الخلق، وذلك أنا لا نعتقد من ذلك شيئًا على معنى فاسد، من جارحتين وعضوين تفسيرا لليدين، ولا مطابقة للمكان، واستقلال العرش بالرحمن تفسيرًا للاستواء، ولا ترددًا في الأماكن التي تحيط به تفسيرًا  للمجيئ، وإنما ذهبنا في ذلك إلى إطلاق ما أطلقه القرآن فقط من غير تكييف وتشبيه، وما لم يرد به القرآن والخبر فلا نطلقه كما أطلقه سائر المشبهة والمجسمة. 

وقال: وقد اجتهد ابن الهيصم في إرمام مقالة أبي عبد الله (ت:٢٥٥هـ) في كل مسأله حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يفهم فيما بين العقلاء، مثل التجسيم؛ فإنه قال: أراد بالجسم القائم بالذات، ومثل الفوقية؛ فإنه حملها على العلو، وأثبت البينونة غير المتناهية - وذلك مثل الخلاء الذي أثبته بعض الفلاسفة - ومثل الاستواء، فإنه نفى المجاورة والمحاسة والتمكن بالذات، غير مسألة محل الحوادث، فإنها لم تقبل المرمة، فالتزمها كما ذكرنا، وهي من أشنع المحالات عقلًا [الفرق بين الفرق ٢١٦]. 

والإمام الشهرستاني (ت:٥٤٨هـ) في نهاية الإقدام اعتبر ترميمات ابن الهيصم تزويرات للتلبيس على العقلاء،  فقد قال عن تعديل الجسمية بالقيام بالنفس: وذلك تلبيس على العقلاء، وإلا  فمذهب أستاذهم مع اعتقاد كونه محلًا للحوادث قائلًا بالأصوات،  مستويًا على العرش استقرارًا مختصًا بجهة فوق مكانًا واستعلاء فليس  ينجيه من هذه المخازي تزويرات ابن هيصم، فليس يريد بالجسمية القائم بالنفس، ولا بالجهة الفوقية علاء، ولا بالاستواء استيلاء، وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح، وإبرام معتقد لا يقبل الإبرام والإحكام، وكيف استوى الظل والعود أعوج! وكيف استوى المذهب وصاحب المقالة أهوج [الملل والنحل ١١٢/١].

مآخذ العلماء على بعض المتأخرين من أهل الحديث

استنكر العلماء على بعض المتأخرين من أهل الحديث ما صاروا إليه من تشبيه الباري تعالى بخلقه، أو  تجسيمه تعالى بحملهم ظواهر نصوص الكتاب والسنة على مقتضى الحس، مع أنهم أصحاب نقل وآخذوهم بأخطاء ومناقضات ومغالطات كثيرة، ومن ذلك: أنهم تمسكوا بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير تفصيل بين ما يستحيل ظاهره منها وما لا يستحيل، ولم يفرقوا فيما تمسكوا به من ظواهر نصوص الكتاب والسنة بين ما يحتمل ظاهر اللفظ المضاف إلى الله ـ تعالى ـ فيها معنى لا يليق بالباري ـ تعالى ـ وبين ما لا يحتمل إذا أخذ في سياقه أو سببه، أو أخذ بقرائنه، وذلك في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: {أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ} [الزمر٥٦]؛ فإن قرينة التفريط في الآية الكريمة تمنع من فهم الجارحة.

  قال إمام الحرمين الجويني (ت٤٧٨هـ): ولا يلتبس معنى هذه الآية إلا على غر غبي؛ إذ لا يتجه في انتظام الكلام حمل الجنب على تقدير الجارحة مع ذكر التفريط، فلا وجه إلا حمل الجنب على جهات أمر الله تعالى.... وليس ما ذكرنا من مضارب التأويل، بل على القطع، نعلم بطلان حمل الجنب الذي أضيف إليه التفريط على الجارحة [نهاية الإقدام ١٢٢]. 

وقال محمد بن يوسف السنوسي (ت:٨٩٥هـ): ومن عرف اللغة العربية، ومارس استعمالات العرب فهم أن الجنب والجانب يستعملان كثيرًا بمعنى جهة الحقوق، إذ كثيرًا ما يقول الإنسان فرطت في جنب فلان أو جانبه، ومراده التفريط في جهة حقه، وليس مراده قطعًا البدن ولا أجزاءه وعليه أن يخرج قوله تعالى: {عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ} [الزمر ٥٦]. أي في جهة حقوقه وأوامره ونواهيه [الإرشاد ١٥٨-١٥٩] وقد استند بعضهم إلى هذه الآية وقال: نؤمن بأن لله جنبًا [شرح المقدمات في العقائد للإمام السنوسي ٢٦/٢ ١-٧ ٢ ١ تحقيق ودراسة فتحي أحمد عبد الرازق رسالة ماجستير في كلية أصول الدين].

وعلق عليه ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) فقال: واعجبًا من عدم العقول! إذا لم يتهيأ التفريط في جنب مخلوق كيف يتهيأ في صفة الخالق [دفع شبه التشبية بأكف التنزية ١٤٠] وفي صحيح السنة مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» [المصدر السابق الصحيفة نفسها].

فإن للحديث سببًا أغفله الحشوية، فقد جاء في رواية مسلم المذكورة للحديث «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، وعلى ذلك فلا إشكال في الحديث؛ فإنه لا يوهم تشبيهًا ولا تجسيمًا، قال الآمدي (ت:٦٣١هـ) في أبكار الأفكار: ومن عرف سبب ورود الحديث هان عليه التقصي عنه [رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة، وابن حاتم في كتاب البر والصلة، الحديث رقم ٢٦١٢/٢] وقد قال بعضهم في هذا الحديث: لله صورة لا كالصور، فخلق آدم عليها [أبكار الأفكار ٤٦٦/١]. 

قال ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ): وهذا تخليط وتهافت؛ لأن معنى كلامه: أن صورة آدم كصورة الحق (دفع التشبيه ١٤٧).

وآخذوهم بأنهم لم يفرقوا فيما تمسكوا به من خواطر الأحاديث بين خبر مشهور كحديث النزول وبين حديث لا يصح، بل أثبتوا بهذا صفة، وبهذا صفة فقد استندوا إلى حديث «رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ»، وهو لا يصح؛ قال ابن الجوزي: قد ذكرنا أنه لا يصح، وقال أبو بكر البيهقي: فقد روى من أوجه كلها ضعيفة، وأحسن طرقه تدل على أن ذلك كان في النوم [المصدر السابق الصحيفة نفسها]. 

وإلى ما روى أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى ربه ـ عز وجل ـ في المنام في أحسن صورة شابًا موفرًا، رجلًا في خضرة، عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب، ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رَأَيْتُ رَبِّي أَجْعَدَ أَمْرَدَ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ خَضْرَاءُ». 

قال ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ): ومثل هذه الأحاديث لا ثبوت لها، ولا يحسن أي يحتج بمثلها في الوضوء، وقد أثبت بها بعضهم لله ـ تعالى ـ صفات [المصدر السابق ١٤٩].

وآخذوهم بأنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا؛ فقد اعتمد بعضهم ما روى عن مجاهد (ت:١٠٤هـ) أنه قال: إذا كان يوم القيامة يذكر داود عليه السلام ذنبه فيقول الله كن أمام، فيقول يا رب: ذنبي، فيقول: كن خلفي، فيقول: يا رب ذنبي، فيقول: خذ بقدمي. 

وكذلك اعتمد ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت:٦٥هـ) موقوفًا أنه قال: خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر، وأثبت ذراعين وصدرا لله ـ عز وجل. [المصدر السابق ١٥٥]

وهذه الأقوال ليست من حديث رسول ا لله صلى الله عليه وسلم، ولم تصح، ولو صحت فإنما يذكرونها عن أهل الكتاب. 

وآخذوهم بأن بعضهم يقرن ظاهرًا بظاهر، كمن قرن ذكر الساق بذكر القدم فوقع في التشبيه المحض [المصدر السابق ١٧٧، ١٨٤]. 

وبعضهم ألف كتابًا جمع فيه هذه الأخبار خاصة، ورسم في كل عضو بابًا، فقال باب في إثبات اليد، باب في إثبات الرأس، باب إثبات الرجل، إلى غير ذلك، وسماه كتاب الصفات [المصدر السابق ١٢٠]. 

قال الإمام الغزالي (٥٠٥هـ): فإن هذه كلمات متفرقة صدرت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوقات متفرقة متباعدة، اعتمادًا على قرائن مختلفة تفهم السامعين معاني صحيحة، فإذا ذكرت مجموعة على مثال خلق الإنسان صار جمع تلك المتفرقات في السمع دفعة واحدة قرينة عظيمة في تأكيد الظاهر، وإيهام التشبيه [إلجام العوام عن علم الكلام للإمام الغزالي ١٧/ نشره الكتبي، القاهرة ١٩٣٢، دفع شبه التشبيه بأكف التنزية١١/٢-١٧٣]. 

والعجيب أنهم يتحرجون من التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، وكلامهم صريح في التشبيه، وقولهم: لا كما يعقل، ولا كالصور، وتحمل على ظاهرها وليست جوارح، وقولهم بمشيه وانتهائه إلى مجلسه لا عن انتقال يعتبره العلماء إرضاءً للعوام والجهال، ومكابرة للعقول [إلجام العوام ١٧]. 

نفي دلالة الكتاب والسنة على التشبيه أو التجسيم

أولًا: نصوص الكتاب والسنة التي  استندوا إلى ظواهرها:  بعض المجسمة اقتبس تجسيمه  وتشبيهه من اليهود والنصارى، وقرن ما يعتقده بكفريات كثيرة ومخاريق عديدة، وهم غلاة الشيعة الأوائل، وبعضهم أفرط في الإثبات واستند إلى ظواهر الكتاب والسنة التي يوهم ظاهر اللفظ فيها - من بين معانيه اللغوية المحتملة - معنى لا يليق بالباري ـ تعالى ـ وأجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام، فوقعوا في التجسيم الحقيقي مع محاولتهم نفيه وترديدهم عبارات: لا كالأجسام، لا كما يعقل، بغير جارحة، ونحو هذا ومن هذه النصوص التي تمسكوا بها: 

(أ) القرآن الكريم: قوله تعالى: {وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ} [الرحمن:٣٧] وقوله تعالى: {ُكلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ} [القصص: ٨٨] وقوله تعالى: {لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ} [ص: ٧٥] وقوله تعالى: {وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ} [طه٣٩] وقوله تعالى: {يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ} [القلم:٤٢] وقوله تعالى: {يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ} [الزمر:٥٦] 

(ب) السنة النبوية: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» [دفع شبه التشبيه..١، ١ .١، ٤٧ ١، ١٧٨، ٠٢٤٣]. 

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا، فَتَقُولُ قَطْ قَطْ» [سبق تخريجه]. 

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» [رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أنس ـ رضي الله عنه ـ في كتاب التفسير الحديث رقم ٤٨٤٨]. 

ثانيًا: نفي دلالة النصوص المذكورة ونظائرها على التشبيه أو التجسيم: النصوص المذكورة ونظائرها التي وقع فيها اللفظ المضاف إلى الله تعالى محتملًا - من بين محامله اللغوية الجائزة لغة - لا يقطع شيء منها بمعنى لا يليق بالباري ـ تعالى ـ كما وقع في المصادر الدينية لليهود والنصارى، ولا يتصور ذلك. 

يقول تقي الدين المقترح (ت: ٦١٢هـ) في شرح الإرشاد: إن كل لفظ يرد في الذات والصفات فلا يتصور أن يرد منه نص متواتر بحيث لا يقبل التأويل على ما لا يستحيل في العقول، فغايته أن يرد من المتواتر الظاهر في المحال، فيجب اعتقاد أن المحمل الظاهر غير مراد، لقيام الدليل على استحالته ...  وإن قدر ورود خبر واحد وهو نص في المحال قطعنا بكذب راويه [رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص في كتاب القدر، الحديث رقم ٢٦٥٤]. 

بل إنها لا توهم تشبيهًا ولا تجسيمًا، فإن غاية ما فيها أن بعض محامل اللفظ البعيدة الجائزة لغة توهم نقصًا إن قطع اللفظ عن سياقه وأضيف إلى الباري ـ تعالى ـ أولم تراع فيه القرائن الصارفة عن المعنى المستحيل، وأسباب الورود، وما ورد في صحيح السنة إنما هو كلمات متفرقة صدرت من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أوقات متفرقة متباعدة اعتمادًا على قرائن مختلفة تفهم السامعين معاني صحيحة. 

فمن الجهل بالعربية أخذ الجسمية وأعضائها في حقه تعالى من قوله: {يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ} [الزمر:٥٦]، ومن عرف لغة العرب ومارس استعمالات العرب فهم أن الجنب والجانب يستعملان كثيرًا في جهة الحقوق - كما سبق القول - إذ كثيرًا ما يقول الإنسان فرطت في جنب فلان، أو جانبه، ومراده التفريط في جهة حقه، وليس مراده قطعًا البدن ولا أجزاءه، بالإضافة إلى أن لفظ الجنب المضاف لله ـ تعالى ـ في الآية المذكورة مقترن بقرينة واضحة تمنع من تصور الجارحة وهي التفريط، فإنه بملاحظة هذه القرينة لا يتجه في انتظام الكلام ومن الجهل بالعربية أن يؤخذ من النصوص المذكورة ونظائرها كونه تعالى في جهة أو انتقال الباري ـ تعالى ـ بالمجيئ أو النزول، أو الجارحة المخصوصة، أو نحو ذلك، فليست هذه المعاني ظاهر تلك النصوص، وليست  هذه النصوص نصًا فيها ولا يتعين حملها عليها، ولا وجه للتمسك بها وتثبيت دلالات الحدوث، فمن المحتمل في لغة العرب أن يقال جاء أمر ربك العدل، وقضاؤه الفصل، ومن شائع  الكلام التعبير عن الأمر بذي الأمر في  إرادة التعظيم؛ إذ يقال: إذا جاء الأمير بطل من سواه وليس الغرض انتقاله [شرح الإرشاد لتقي الدين المقترح ١٠٨/١٢ -٩ ٠ ١ تحقيق ودراسة د. فتحي أحمد عبد الرازق رسالة دكتوراه في كلية أصول الدين بالقاهرة].

الخلاصة

يهدف البحث إلى تأسيس عقيدة التنزيه ونفي الجسمية وخواصها عن الله تعالى، لكونها صفات نقص وافتقار، وتتتبع الدراسة جذور التجسيم في فرق الغلاة كـالكرامية وغلاة الشيعة، وتأثرها بـاليهودية والنصرانية.

أكدت الدراسة، عبر تحليل مفهوم الجسم لغويًا وفلسفيًا وكلاميًا، على استحالة اتصاف الخالق بالجسمية (الحدود والأبعاض)، كما شددت على أن عقيدة أهل السنة تنزّه الله ـ تعالى ـ عن التشبيه والتجسيم، وتُبطل الأقوال التي أفرطت القول بغير ذلك

موضوعات ذات صلة

الصفات الخبرية صفات لله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة.

الإرهاص من الخوارق التي تظهر لتُنبئ بقدوم نبي من الأنبياء.

ن مجرد التشابه بين الأفكار لا يكفي لإثبات التأثير والتأثر؛ لذلك تكمن أهمية دراسة التأثير والتأثر بين المذاهب والفرق المختلفة.

موضوعات مختارة