نرى آراء أغلب من تسموا بالسلفيين واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم
وأحكامهم على الأشياء باطلة، وهذه هي الأمور الخمسة التي يجب على الدارسين عند
تحليلهم للظاهرة أن يقفوا عندها. كما أنهم يتبنون فكرًا صداميًّا، وهذا الفكر
الصِّدَامي يفترض أمورًا ثلاثة وهي:
أولا: أن العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في
حالة حرب دائمة للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية
(يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في
الخفاء مرة وفي العلن مرات، وأن هناك استنفار للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه
دون فعل مناسب.
ثانيا: وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد
العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجود
الصدام يأخذ صورتين الأولى : قتل الكفار الملاعين، والثانية : قتل المرتدين
الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين.
وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين
وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم، وهذه الصياغات كما نرى فيها شيء كثير من
التلبيس والتدليس والجهالة ولكنها سوف تجذب كثيرًا من الشباب.
ثالثا: أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر
الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما
يعمل باعتباره فكرًا طليقًا من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان ثم يقوم بما
يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد.
وعليه فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر
بصورة أعمق، وهذه النظرية لها ارتباط عضوي بنظرية الفوضى الخلاقة، وهو المصطلح
الذي شاع في الاستعمالات السياسية والأدبية في الآونة الأخيرة وإن كان الكثيرون لا
يدركون أصوله ومعانيه وآثاره والنموذج المعرفي المنتمي إليه.
لقد أصبح توجه هؤلاء المتشددين عائقًا حقيقًا
لتقدم المسلمين ولتجديد خطابهم الديني وللتنمية الشاملة التي يحتاجها العالم
الإسلامي عامَّة، ومصر على صفة الخصوص، وهذا التوجُّه السلفي أصبح تربة صالحة
للفكر المتطرف، وأصلا للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال
الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير
قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس.
ويتميز هذا الفكر المتشدد بعدة خصائص تؤدي إلى
ما ذكرنا وترسم ذلك الموقف الذي يجب على الجميع الآن –خاصة- أن يقاوموه وأن يعملوا
بكل وسيلة على إخراج أولئك من عزلتهم؛ لأنهم لم يعودوا ضارين لأنفسهم فقط، لكن
ضررهم قد تعدَّى إلى من حولهم وإلى شباب الأمة ومستقبلها، وإلى المجتمع بأسره.
هذا الفكر يريد أن يسحب مسائل الماضي في
حاضرنا، ولذلك تراه قد حوَّل هذه المسائل إلى قضايا وإلى حدود فاصلة بينه وبين من
حوله، وهذه القضايا يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات
من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور.
وتؤثر هذه الخصيصة التي تستجلب مسائل الماضي
وتسحبها وتجرها إلى الحاضر من ناحية، وتحول مجرد المسألة التي كانت في نطاق الماضي
لا تعدو مسألة إلى قضية ندافع عنها وننافح من أجلها، وتكون في عقليته معيارًا
للتقويم وللقبول والرد، فمن فعلها فهو معه، ومن لم يفعلها فهو ضده، يشمئز منه
وينفر ويعاديه، ويعيش في هذا الوهم، فيشتد انعزاله ممن حوله.
أقول إن ذلك كله يؤدي إلى انتقاله من هذا الدور
إلى دور يرى فيه وجوب الانتحار وتفجير نفسه في الناس بالمتفجرات الحقيقية
وبالقنابل، ويرى أنه ليس لحياته معنى؛ لأنه يسبح ضد التيار، ويرى أنه لابد عليه أن
يزيد من نسله وأن يملأ الأرض صياحًا بأطفاله محاولا بذلك أن يسد ثغرة اختلال الكم،
حيث إنه يشعر بأنه وحيد وبأنه قِلَّة، وبأن الكثرة الخبيثة من حوله سوف تقضي عليه
وتكتم على أنفاسه، فيحاول أن يَفِرَّ من ذلك بزيادة النسل، بل ويشيع بين أتباعه
وأصحابه هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلف التنموي.
ومن خصائص هذا الفكر الانعزالي التَّشَدُّد،
فهو يرى أن الحياة خطيئة، وأنه يجب علينا أن نتطهر منها، وأن التطهر منها يكون
بالبعد عن مفرداتها، سواء أكانت هذه المفردات هي الفنون أو الآداب أو كانت هذه
المفردات هي المشاركة الاجتماعية أو حتى تعلم أساليب اللياقة، فتراه يتمتع ويتفاخر
بالخروج عن الحياة، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بصورة تامة.
ولذلك نراه في تناقض شديد، فيفعل أشياء، ويمتنع
عن أشياء هي من جنس واحد متبعًا في ذلك هواه، مما يُكَوِّن عنده عقلية الانطباع
والهوى، وهي عقلية تُخَالِف العقلية العلمية، وتُخَالف المنطق المعروف الذي به
قوام الاجتماع البشري، ومن هنا يكون متعبًا في تلقيه التفكير المستقيم، ومن هنا
أيضا نراه متمردًا منعزلا لا يَثِقُ في العلماء، ولا يثق إلا في طائفة قليلة
تُجَارِيه في هواه، وهذا يمنعه من تلقي أي رسالة معرفيَّة اجتماعية.
ويتميز هذا الصنف من الناس بامتلاك عقلية
المؤامرة، ولذلك يرى كل ما حوله وكأنه يحيك ضده مؤامرات ويحاول أن يبيده من على
الأرض، مما يجعله متحفزًا دائمًا بأن يكون ضدًّا ومعاندًا لمن حوله.
ويتميز أيضًا بالكبر والعجب الذي يحتقر معه كل
رأي سواه، فإن الظني قد تحوَّل عنده إلى قطعي، ومحل النظر تحوَّل عنده إلى ضروري
لا نقاش فيه، مما تختل معه قائمة الأولويات وترتيبها، وتقدم سفاسف الأمور على
عظائمها، والمصلحة الخاصة على العامة، والموهومة على المحققة، وهذا كله يؤثر سلبًا
على المجتمع ككل.
من هذه الصفات أنهم يقفون ضدَّ أي إصلاح في
المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في
النار، ويبتعدون دائمًا عن جوهر الموضوع إلى النظر في مجرد الشكليات، ويُعْمِلون
الهوى في فهم النصوص، ويضيِّقون على المسلمين حياتهم بتوسيع دائرة الحرام، ويخرجون
عن النظام المعهود من إجلال المشايخ، إلى نظام غريب عجيب يجتهدون فيه من عند
أنفسهم في الفقهيات، ويقلِّدون في العقائد، ويعظِّمُون غير العلماء، ويحطُّون من
شأن العلماء، ويتصدَّرُون بما لا يزيد عن مائة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم،
والدعوة إلى منابذتهم ومُحَارَبتهم.
لقد آن الأوان وحان الوقت لأن يكون مقاومة هذا
الفكر المنحرف مطلبًا قوميًّا، والطريق إلى ذلك هو العودة إلى منهاج الأزهر الذي
حمل لواء أهل السنة والجماعة عبر القرون، وأهل السنة بالنسبة لباقي التيارات
والمذاهب الإسلامية عدل وسط، يعترفون بكل الصحابة وليس شأنهم كشأن الشيعة الذين
ينكرون الصحابة إلا عليًّا وبعضا قليلا حوله.
فأهل السنة في المذاهب كأهل الإسلام في
الأديان، والمنهج الأزهري يدرس الأشعرية وهي عقيدة أغلب المسلمين في مجال
الاعتقاد، ويدرس المذهبية السنية بمذاهبها الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة) مع عدم إنكاره للاجتهاد الفردي أو الجماعي، ومع عدم إنكاره للأخذ بباقي
المذاهب الثمانية المعمول بها (كالإباضية والظاهرية والإمامية والزيدية) أو
حتى الأخذ من وسيع الفقه الإسلامي من خارج هذه الثمانية في المذاهب المنقولة في
كتب الفقه وهي تربو عن ثمانين مذهبًا أو حتى الأخذ من الكتاب والسنة بما يلائم حاجات
العصر ومصالح المصر وبما يلائم الانطلاق في هذا العالم الذي حولنا.
فالمنهج الأزهري الوسطي يتوخى تحقيق المقاصد
العليا، من حفظ النفس، والعقل، والدين، وكرامة الإنسان، وملكه، وهي التي تمثل
النظام العام، وتُمثل حقوق الإنسان، وتمثل في ذات الوقت أهداف الشريعة العليا، وملامح
الحضارة الإسلامية والإنسانية، ويدرس في جانب الأخلاق مذاهب التصوف الذي يتعلم فيه
الإنسان أن يخلي قلبه من القبيح بما فيه الكبر والعناد، وأن يحلي قلبه بالصحيح بما
فيه الرجوع إلى المرجعية الصحيحة، وإلى العلم النافع، وإلى القيادة الرشيدة، وطاعة
الله ورسوله وأولي الأمر منَّا.
ونؤكد أننا عندما نطلق عليهم هذا الاسم (السلفيين) لا نقصد صحة انتسابهم لمنهج السلف الصالح كما مر؛ وإنما لأنه صار علما
عليهم، كما استقر اسم )(القدرية) على منكري القدر. وحديثا استقر اسم (القرآنيون)
على فرقة مبتدعة ثمرة منهجها مخالفة القرآن والسنة. فهم كذلك يخالفون منهج السلف
الصالح وطريقهم القويم، وإن تسموا بالسلفيين.
ولذا حرصنا على تسميتهم بالمتشددين في هذا البحث،
تنزيها لاسم السلف عن بدعهم، وغيرة على دين الله، وإن عرفوا بهذا الاسم وأصبح
علامة عليهم كما بينت.