Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

علم التوحيد

الكاتب

أ. د/ محمد عبد الستار نصار

علم التوحيد

علم التوحيد هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية، ويعد من أشرف العلوم وأعلاها مقامًا؛ لأنه يتعلق بأعظم حقيقة في الوجود: وحدانية الله - عزّ وجل - وهو علم يجمع بين النقل والعقل لبيان أصول الإيمان الراسخة.

مفهوم علم التوحيد

هذا هو الاسم الظاهر من الأسماء التي تطلق على العلم الذي يدرس أصول الدين – العقائد - ومن أثره على غيره من الأسماء لاحظ أن غاية العلم إثبات وحدانية الله – تعالى - وذلك بإقامة الأدلة على ذلك بالطريق المباشر أو بطريق الخلف - نفى النقيض - فأما الطريق المباشر فكما جاء في قوله - تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمۡ یَلِدۡ وَلَمۡ یُولَدۡ * وَلَمۡ یَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ [الإخلاص ١-٤].

وهذه السورة وإن كانت تشتمل على نفي النقيض – أيضًا - مع كونها دليلًا مباشرًا على الوحدانية إلا أنها لم تعلل لماذا انتفى هذا النقيض، لذا رأينا القرآن الكريم يسوق هذا الدليل في قوله تعالى: ﴿لَوۡ كَانَ فِیهِمَاۤ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا یَصِفُونَ﴾ [الأنبياء ٢٢]، ففي هذه الآية نلاحظ أن الفساد سبب التعدد، ولما كان الوجود كله يحكمه نظام متناسق، لا عوج فيه ولا أمتًا، فقد دل ذلك على أن التعدد ممتنع لامتناع الفساد.

وإذا كان إثبات الوحدانية لله تعالى هو الذي حمل من أثره على غيره من الأسماء الأخرى؛ لأن يجعله علمًا على هذا العلم فإن هذه القضية هي أحد مباحث علم التوحيد، وكان هؤلاء قد جعلوا أهم المباحث عنوانًا على العلم كله من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، ولا شك في أنهم يقصدون – أيضًا - إبراز ما لهذا المبحث من أهمية قصوى مضافًا إلى غيره من المباحث الأخرى، غير أن هذه الطريقة - طريقة إطلاق الجزء وإرادة الكل - لا يمكن أن ترقى إلى مستوى ما يراد من إيثار اسم (العقيدة) على الوجه الذي ذكرناه آنفًا، لا سيما إذا كانت أصول العقيدة واضحة كما بينها حديث جبريل - عليه السلام - وتبقى غاية العلم دائرة حول تأثير العقيدة في قلب المعتقد، صونًا له من أعاصير الضلال والشك، وقوة له في الدفاع عنها.

مصطلح التوحيد وتطوره وظهوره التاريخي

وأما مصطلح التوحيد أو مشتقاته، فقد ظهر أولًا - فيما نعلم - على يد الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان [ينسب للإمام الأعظم كتاب الفقه الأكبر وفيه وضع منهج البحث في هذا العلم على منهج أهل السنة والجماعة وقد شرحه أكثر من واحد، ونسبوا إليه بعض الآراء التي لم يكن عصره - القرن الثاني الهجري - يتحملها، كما بينا في صلب البحث ط. القاهرة سنة ١٣٢٣هـ] وقد كان معاصرًا لواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وجهم بن صفوان، وهذا يعني أن المباحث المتصلة بالعقيدة قد أخذت طريقها نحو التحرير للمذاهب والاتجاهات، وينقل عنه أنه صور (التوحيد ) على هذا النحو: إن الله تعالى واحد لا من طريق العدد، ولكن من طريق أنه لا شريك له [انظر د/ علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج ا صـ ٢٣٥ ط دار المعارف - القاهرة سنة۱۹۷۷م] وهذا الفهم لمعنى (التوحيد) يدل على أن هذه القضية كانت مثارة في البيئة العلمية آنذاك ذلكم؛ لأن مفهوم الواحد بالمعنى المطلق أوسع من مفهوم (التوحيد) لأن الواحد قد يطلق ويراد به أول العدد في مقابلة المثنى أو الجمع، وقصر (الواحد) على بعض ما يدل عليه إنما هو فهم لمعنى (التوحيد) عند المسلمين الذي يقصد منه نفي الشبيه والشريك والمثيل إلخ.

وإذا كان من الطبيعي أن يتطور المصطلح في دلالته على المراد بحسب اتساع الثقافات وتأويلات المخالفين فليس بدعًا أن نرى بعض شراح الفقه الأكبر، المنسوب لأبي حنيفة يدخلون في شرحهم لمعنى (التوحيد) معاني جديدة لا نظن أنها دارت بخاطر الإمام الأعظم، مثل تفسيرهم لقوله تعالى: {لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ} [الإخلاص: ٣ ] بأنه ليس محلاً للحوادث، وتفسيرهم للأحدية بأنه ليس جسمًا فيقدر ويتصور وينقسم، ولا جوهرًا من الجواهر التي تحلها الأعراض، ولا عرضًا حتى يحل بالجواهر .. إلخ فكل هذه التفسيرات إنما عُرِفت في وقت متأخر عن الوقت الذي ظهر فيه أبو حنيفة يُضاف إلى ما تقدم ما نسب إليه أنه قال: "إن الله لا يُشبه شيئًا من خلقه ولا يُشبهه شيء منها، وهو شيء لا كالأشياء، ويظهر أن قضية نفي التشبيه قد ظهرت في عصر الإمام الأعظم ودافع عنها بهذا الشكل القوي الواضح، كرد فعل لظهور شخصية مقاتل بن سليمان صاحب الاتجاه المشبه الذي ظهر في خراسان، وتناقلت آراؤه بواسطة من أخذ باتجاهه من أهل البلدان الأخرى.

ومن المعروف أن قضية (التوحيد) في كل عصر كانت تستلزم قضية (التنزيه) حسب مفهوم كل فرقة لهاتين القضيتين، وقد رأينا في هذا الزمن المبكر أن أبا حنيفة يقرر أن الله - تعالى - شيء لا كالأشياء، وهو في هذا يستند إلى قوله تعالى: {قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ} [الأنعام: ١٩]، وإثارتها وتفسيرها يدلان على أنها كانت معروفة في الحوار والجدال بين الفرق آنذاك، ولما كان الحق - سبحانه وتعالى - واحدًا من كل الوجوه، فإن الشراكة اللفظية بينه وبين غيره من المخلوقات ينبغي أن تكون من مدارك العقول؛ لذا نراه يقرر أنه شيء لا كالأشياء ويؤيده في هذا قوله تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١].

الصفات الإلهية

وينسب إلى أبي حنيفة - أيضًا - أنه تناول الحديث عن الصفات الإلهية بطريقة لا تفترق كثيرًا عن الطريقة التي تناولتها بها أهل السنة عمومًا  -الأشعرية والماتريدية - بل يكاد يقترب كثيرًا من طريقة السلف، إنه يقول: "إن الله لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته الذاتية والفعلية" فأما القول بأزلية صفاته الذاتية فأمر طبيعي؛ لأن أزلية الذات تقتضي - كذلك - أزلية صفاتها اللازمة لهذه الذات، والتي لا تفارقها أبدًا؛ لأن طبيعتها كذلك وأما القول بأزلية صفات الفعل، فهو قول يتوقف فيه العقل، ليسأل: هل ظهر تقسيم الصفات إلى صفات ذاتية وصفات فعلية في عصر أبي حنيفة أو قبله حتى تثار على لسانه هذه المسألة؟ وهل التسوية بينهما من حيث الأزلية كانت من مقتضيات عصره؟ الحقيقة أن هذه المسائل لم تظهر إلا بعد، لا سيما إذا أضفنا إلى ما تقدم أن الرجل نسب إليه - أيضًا - القول بصفات المعاني وعددها سبع صفات ومن المؤكد أنها لم تظهر إلا في فترة زمنية لاحقة.

ويتصل بالمسألة التي معنا مشكلة خلق القرآن؛ حيث اتهم أبو حنيفة بأنه كان من القائلين بذلك، ونحن نبرئه من هذه التهمة؛ لأنها أثيرت في وقت لاحق على حياته، الأمر الذي جعل الخطيب البغدادي يدافع بشدة في هذه القضية كما دافع عن أصحابه كذلك - أبي يوسف وزفر ومحمد ابن الحسن الشيباني.

والمهم هنا أن نذكر أنه في هذا الزمن المبكر ظهرت إرهاصات مدرسة أهل السنة والجماعة التي فهمت التوحيد على معنى مخالف لما كانت عليه فرقة المعتزلة التي استلمت إلى حد كبير أنماط الفكر الوارد وبخاصة الفلسفة اليونانية والأفلاطونية المحدثة والتي تبلورت - أيضًا - في وقت لاحق في شكل فرقة ذات أصول اعتقادية هي الأصول الخمسة، وتزعم أنها الفرقة الوحيدة التي تفهم التوحيد بمعناه الصحيح، كما خالفت في توجهها العام الفرقة التي بالغت في الإثبات حتى وقعت في التشبيه والتجسيم.

وتذكر كتب الفرق والتاريخ أن الأئمة: مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، كانت لهم آراء في التوحيد معتمدة على ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وأن دخولهم إلى ميدان الجدال في هذه الآراء إنما جاء كرد فعل لإثارتها داخل المجتمع الإسلامي، وما كان لهم وهم أئمة الدين أن يمنعوا أنفسهم عن الخوض فيها؛ لأن من بين مهامهم الدفاع عن الدين في جانبه الاعتقادي على اعتبار أنه الأساس والأصل والجانب العملي، ويؤثر عن إمام دار الهجرة أنه أنكر الحديث عن الصفات الإلهية، ومنع رواية أحاديثها، وأرسى مبدأ التعامل مع النص المتشابه، وهو الإثبات مع نفي المماثلة؛ لذا نراه يجيب مَنْ سأله عن آية الاستواء بقوله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول والإيمان واجب به والسؤال عنه بدعة ". ومن الثابت من تاريخ هذا الإمام أنه كان يكره الجدال العقيم الذي ليس تحته عمل، فمنهجه عملي واقعي وهذا يعني أن الحوار في الأمور الاعتقادية ينبغي أن تحكمه ضوابط وأنه يتعين حين الدفاع ضد الأفهام السقيمة لأصول العقيدة، كأفهام المشبهة والمجسمة الذين يحملون النصوص الموهمة على ظاهرها دون تصرف فيها لا بتفويض ولا بتأويل تجيزه اللغة بضوابطه المعروفة.

وأما الإمام الشافعي، فإنه - وإن كان يكره الكلام بمعناه التقليدي- فقد خاض في مسائل حمله عليها الواقع آنذاك، وكانت قد انتشرت في عصره قضية الاستغناء بالعقل عن النبوة التي روّج لها (السمنية) من البراهمة وقضية (القدر) التي قال بها معبد الجهني، وكذلك قضية (الجبر) و(الإرجاء) وقد فسرت لدى من آثارها بتفسيرات تخالف الفهم الحقيقي لها من الكتاب والسنة، وقد تصدى الشافعي لهذا الفهم المنحرف، بإعادته إلى جادة الصواب وكان هدفه الانتصار للعقيدة الصحيحة ولم يكتف في منهجه بمجادلة الخصوم بالطريقة الشفاهية، بل ألّف في ذلك كتبًا تبرز الفهم الصحيح لأصول العقيدة، والرد القوي على تلك الأفهام التي تجاوزت هذا الفهم، وقد ذكر البغدادي له كتابين أحدهما في تصحيح النبوة والرد على البراهمة والثاني في الرد على أهل الأهواء [الفرق بين الفرق، ص ۳۲۱].

ثم يأتي الإمام أحمد صاحب محنة القول بأن القرآن الكريم كلام الله – تعالى - الأزلي، وصاحب الوقف تجاه المخالفين لذلك من المعتزلة الذين ناصرهم السلطان، كما نسبت إليه رسائل في الرد على الزنادقة والجهمية، وإذا تجاوزنا مسألة تحقيق نسبة هاتين الرسالتين له إلى التركيز على ما يمكن أن تكون هذه المرحلة - مرحلة ظهور الأئمة الأربعة- قد أنجزته مما يتعلق بالعقيدة، فإننا نقول: إن القضايا التي ظهرت في هذه الفترة هي: القول بالقدر على يد معبد الجهني ومن شايعه - القول بالإرجاء-  القول بالجبر - الأخذ بظاهر النصوص الموهمة للتشبيه والتي أفرزت صراحةً أو ضمنًا - التجسم والتشبيه - القول في النبوة وكفاية العقل عنها - القول في الصفات - القول في حقيقة الإيمان، وهل المعاصي تخرج صاحبها عنه أم لا؟ الأمر الذي ترتب عليه القول بالمنزلة بين المنزلين هذا بالإضافة إلى ما ترتب على ظهور بعض الآراء المنحرفة من الاعوجاج الاجتماعي كالاحتجاج بالقدر ... إلخ، وكل هذه القضايا مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بعقيدة (التوحيد): إذا القول بالقدر إنما يحد من قدرة الله تعالى المطلقة، ويتولد عنه وجود خالق آخر مع الله – تعالى، وكذا القول بالجبر ينافي الحكمة الإلهية من خلق الإنسان، والتكليف لا يكون إلا عند حرية الإنسان في اختيار أفعاله كما أن التشبيه والتجسيم ينافيان التوحيد كذلك؛ لأنهما يوجدان علاقة ما بين الله – تعالى - وبعض مخلوقاته وهكذا في بقية القضايا التي أشرنا إليها.

وكُتب الفرق والتاريخ تقرر أن هذه المرحلة قد تحددت فيها معالم الفرق الكبرى في الإسلام، وأن الجانب العقدي في منهج الأئمة الأربعة الممثلين لأهل السنة والجماعة كان يستند إلى ما كان عليه الخلفاء الأربعة وبخاصة علي بن طالب؛ حيث ينقل عنه أنه ناظر الخوارج في مسألة الوعد والوعيد. كما ناظر القدرية في المشيئة والاستطاعة، كما أن بعض كبار الصحابة كعبد الله بن عمر كان من أهل السنة، فقد تبرأ من معبد الجهني وشيعته، ثم انتقل هذا الإرث من كبار الصحابة إلى كبار التابعين أمثال عمر بن عبد العزيز ثم الحسن البصري، ثم زيد بن علي زين العابدين، ثم الإمام جعفر الصادق، وكل هؤلاء لهم كتب أو رسائل في الرد على المخالفين، وبخاصة القدرية والغلاة من الروافض [د. النشار نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام جـ ا صـ ٢٤٥ ومسألة نسبة الآراء في قضية (التوحيد) إلى كبار الصحابة والتابعين ليست موجودة لدى مدرسة أهل السنة والجماعة وحدهم، بل إن المعتزلة تدعى – أيضًا - نسبتها إلى المصدر الأول، والرسول – صلى الله عليه وسلم - في صدر هذا العصر، فإن المرتضى والقاضي عبد الجبار من كبار كتاب الشيعة والمعتزلة فعلًا ذلك، فيجعلان في الطبقة الأولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفى الطبقة الثانية الخلفاء الراشدين ثم الحسن والحسين، وهكذا حتى آخر طبقاتهم، وهذه المحاولات إن دلت على شيء فإنما تدل على حرص كل فرقة أن تكون على الحق الذي كان عليه السلف ... غير أنها لا تغني شيئًا إلا بعد دراسة منهج كل فرقة، والأساس الذي بني عليه، ومدى ملاءمته المنهج الحقيقي لمذهب أهل السنة والجماعة المنبثق من الفهم الصحيح لقضايا العقيدة كما جاء بها القرآن الكريم والسنة المطهرة، مع مراعاة التطور الاجتماعي واختلاط ثقافة المسلمين الموروثة بالثقافة الواردة].

وأما عقيدة التوحيد بمعناها الديني والعقلي، والتي جُعلت عنوانًا على هذا العلم والتي اختلفت تصورات أرباب الفرق الظاهرة فيها، فهذا ما سنتحدث عنه الآن بشيء من التركيز الذي يبرز أهم المعالم التي تأسست عليها أفهام كل فرقة، والتي من أجلها آثرت أن يكون (التوحيد) كمصطلح علمًا على المباحث التي تتناول الجانب العقدي في الإسلام.

مفهوم التوحيد عند المعتزلة

مما ذكرناه سابقًا يظهر لنا أن التوحيد بمعناه الحقيقي عند سلف الأمة، هو الإثبات التام الجميع النصوص قرآنًا كانت أم سنة صحيحة، التي تتصل بالألوهية مع نفي المماثلة بين الله تعالى وبعض مخلوقاته

مما يمكن أن يفهم من بعض تلك النصوص، وقد تركز منهج هذه الفرقة في قول بعضهم "نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تشبيه وتمثيل أو تأويل وتعطيل"، وهم في منهجهم هكذا يصدرون عن قوله تعالى: ﴿لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾ [الشورى: ١١].

وظل هذا المنهج ساريًا منذ الصدر الأول حتى يومنا هذا، وسيظل كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، ولعل هذا ما أشار إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي قَائمَة عَلى الحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، حتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ»، وعلى جانبي هذا الطريق ظهرت فرق أخرى تقترب أو تبتعد عنه بقدر دقة فهمها أو عدم دقته لأصول العقيدة، وهذه مسألة يُعين عليها نوع الثقافة التي كونتها كل فرقة لنفسها من الثقافات الواردة بجانب الثقافة الموروثة، وهذه قضية على قدر كبير من الأهمية، فالذين غلب عليهم الموروث الثقافي الأصيل يجعلون من العُكوف عليه أولاً فهمًا وتدقيقًا وتمحيصًا هو ما يشكل منهجهم وأما أولئك الذين يعظمون الوارد الثقافي، بكل إغراءاته ويقدمونه على الموروث فقد جعلوا طبيعة منهجهم تتحاكم إلى منهج أطلقوا عليه اسم المنهج المشترك العام وهو المنهج الفعلي ومن ثم جعلوه أصلًا وجعلوا النص فرعًا، وبين هؤلاء وأولئك تتفاوت المناهج على الوجه المعروف في تاريخ الفرق الإسلامية.

والمعتزلة كانوا من أوائل من طالع الثقافة الواردة في شكلها الفلسفي، وقد قال (الشهرستاني) عن واصل بن عطاء: إنه ممن طالع كتب الفلاسفة [الملل والنحل، ص ١٢٥].

وسيكون مرجعنا في تصوير رأي المعتزلة لمعنى (التوحيد) ما كتبه القاضي عبد الجبار في كتابيه المعروفين: شرح الأصول الخمسة، وكتاب المغني والتوحيد والعدل إنهم يفهمونه على معنى: أنه لا شريك له ينازعه الإيجاد والخلق، ثم المبالغة في التنزيه إلى درجة القول بعدم زيادة الصفات على الذات حتى تتفرد بالأزلية، ولا تزاحمها في ذلك الصفات حتى ولو كانت من طبيعة تلك الذات يقول القاضي عبد الجبار: "أعلم أن أول ما يعرف استدلالًا من صفات القديم - جل وعز، إنما هو كونه قادرًا، وما عداه من الصفات يترتب عليه، لأن الدلالة التي دلت على أنه تعالى هو المحدث للعالم، دلت على هذه الصفة التي هو كونه تعالى قادرًا من غير واسطة، وليست كذلك باقي الصفات لأنا نحتاج فيها إلى واسطة أو واسطتين أو وسائط، فلهذا قدمنا الكلام فيه وتحرير الدلالة على ذلك، هو أنه – تعالى - قد صح منه الفعل وصحة الفعل تدل على كونه قادرًا، أما الذي يدل على أنه قد صح منه الفعل، فهو أنه قد وقع منه الفعل، وهو أجسام العالم وكثير من الأعراض، ولو لم يصح لم يقع؛ إذ الوقوع أمر زائد على الصحة وأما الذي يدل على أن صحة الفعل دلالة على كونه قادرًا فهو أنا نرى في الشاهدين، أحدهما: صح منه الفعل كالواحد منا والآخر: تعذر عليه الفعل كالمريض، فمن صح منه الفعل فارق من تعذر عليه بأمر من الأمور، وليس ذلك إلا صفة ترجع إلى الحيلة، وهي كونه – تعالى - قادرًا، وهذا الحكم ثابت في الحكيم تعالى، فوجب أن يكون قادرًا؛ لأن طرق الأدلة لا تختلف شاهدًا وغائبًا [شرح الأصول الخمسة ص ١٥١ - ١٥٢].

هذا النص يشير إلى أن المعتزلة -كما صور رأيهم القاضي عبد الجبار- يثبتون لله – تعالى - الصفات المعنوية، وأن اسم الفاعل (قادر) –(عالم) – (مريد) إلخ يرجع إلى نفس الذات، وليس مشتقًا من صفة زائدة عليها؛ لأن التسليم بوجود أصل الاشتقاق (القدرة )(العلم)(الإرادة) يعني في نظرهم أزلية هذه الصفات، وهذا يُعكر صفو (التوحيد) بالمعنى الذي فهموه ولم يكترثوا بما يمكن أن يُقال هنا في الرد عليهم: وقد وقع هذا الرد من بعض الفرق الأخرى إن المخالفة بين الذات والصفة - في حق من يثبتها - ليست مخالفة في الحقيقة والواقع حتى تؤدي إلى القول بتعدد القدماء، وإنما هي مخالفة في المفهوم، كما أن القول بنفي زيادة الصفات على الذات يخالف صريح القرآن الكريم والسنة الصحيحة، كما يخالف المنطق كذلك؛ لأن القول بعدم المغايرة بين الصفة والموصوف من حيث المفهوم يعني جواز حمل الشيء على نفسه وهذا لم يقل به العقلاء .. ويظهر الأشعري في المقالات أن أبا الهذيل العلاف من المعتزلة هو أول من قال بذلك، وأن مقالته هذه كان فيها متأثرًا بأرسطو؛ حيث نقل عنه القول بأن الباري علم كله، قدرة كله، بصر كله، علمه هو هو [مقالات الإسلاميين ج ا، ص ۱۷۱ ط. القاهرة سنة ١٩٥٠م تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد].

وقد ذكر القاضي عبد الجبار – هنا - بما أفصح عن منهج المعتزلة بكل وضوح، وقد جاء هذا في رده على من احتج على منهجه بصريح السمع من الآيات والأحاديث؛ حيث قال: "إن الاستدلال بالسمع على هذه المسألة مما لا يمكن، لأن صحة السمع تنبني عليها [شرح الأصول الخمسة ص ١٩٤، وهذه المسألة استغلتها المعتزلة إلى حد بعيد وهي أن صحة السمع بينة على الإقرار العقلي ولذا سلمنا حقيقة بهذه المسألة في جانب إثبات وجود الحق - سبحانه وتعالى - حتى لا يلزم الدور المنطقي فكيف يصح هذا بعد أن يثبت العقل ذلك في القضايا المتفرقة على قضايا إثبات وجوده تعالى؛ لأنه من المعقول أنه متى ثبت أن القائل للنص موجود وثبتت صحة نسبة النص إليه، فإن المعول عليه بعد ذلك هو النص وحده اضطرادًا مع منهجهم وهنا يظهر أن تعميمهم القول بأن العقل هو أساس النص قد أدى إلى مشاكل تلزمهم، وما استطاعوا أن يتخلصوا منها] وترتب على منهجهم هذا – أيضًا - أن اتسعت دائرة المتشابه عندهم حتى شملت بعض النصوص المحكمة، وأما النصوص الحديثية فمن السهل عندهم رفضها، حتى ولو كانت صحيحة سندًا ومتنًا وقد بالغ بعضهم في هذا المقام - كالنظام - حتى كاد يُدخل السنة كلها في جملة المتشابه - وقد تصدى له (ابن قتيبة) في كتابه (تأويل مختلف الحديث) بل وللمعتزلة عمومًا.

ولعل من المواقف المستغربة لدى رموز المعتزلة من القضية التي معنا (التوحيد) موقف أبي علي الجبائي؛ حيث يرى أن القول بإثبات الصفات المعنوية، على الوجه السابق ليس صحيحًا، وإنما الصحيح هو القول بعدمها مطلقًا، وأن الحق سبحانه يعلم بذاته ويقدر بذاته ويريد بذاته ... إلخ لا بصفات معنوية.

والأكثر غرابة من موقفه هذا موقف ابنه أبي هاشم الجبائي، الذي قرر أن الصفات الإلهية ليست إلا أحوالًا للذات لا هي موجودة وثابتة لها، ولا هي منفية عنها، ولكنها حال وراء هذا وذاك [عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين جـ ا صـ ٣٤٧ ط بيروت سنة ۱۹۸۳] فإذا أردنا - مثلاً - معرفة أثر الذات الإلهية في الممكنات، فإن تصورنا للذات تصور حال لتلك الذات، تكون بها قادرة على التأثير في الممكنات.

ويمكن أن يقال هذا في بقية الصفات التي يطلق عليها اسم صفات المعاني عند القائلين بها، وهذا كلام وإن سمي بدقيق الكلام إلا أنه ينحو بالقضية (قضية التوحيد) المعبر عن إيمان عميق يعمر القلب نحو المعرفة؛ لأن الإيمان ليس كذلك؛ بل إدراك لا شعوري مباشر يغمر القلب ويعمره، نعم إنه في حاجة إلى مدد من الأدلة العقلية حتى يصل بصاحبه إلى درجة اليقين، ولكن سلوك أبي هاشم وغيره من مفكري المعتزلة قد حول ساحة الإيمان إلى ساحة فكرية معرفية، وبذلك تجاوزوا حدود الإيمان وضوابطه؛ حيث استخدموا العقل استخدامًا مسرفًا كاد يفسد على معنى (التوحيد) رونقه وبهاءه، فكانت النتيجة هي ظلمة العقل من طرف والنص الشرعي من طرف آخر.

والمعتزلة حين يقررون أصولهم الخمسة على الوجه المعروف، فإنهم يجعلون الأصول الأربعة - بعد أصل التوحيد مؤكدة له، فأصل العدل يؤكد أصل التوحيد ويقرره؛ لأن القول بخلاف ذلك نقص لا يليق بالحكيم، والمنزلة بين المنزلتين كذلك لأن القول بتكفير صاحب الكبيرة دون الشرك - كما هو رأي الخوارج - ظلم لا يليق بالعدل الإلهي كما أن القول بإيمانه كذلك؛ لأنه يسوى بين الطائع والعاصي وهكذا.

ومهما تعددت تفسيرات الباحثين في الأسباب التي حملت المعتزلة على هذا الفهم لمعنى (التوحيد) فإن التفسير الصحيح يقرر أنهم لو لم يكونوا على استعداد لقبول مؤثر خارجي في هذه القضية وما سواها لما ذهبوا هذا المذهب، ومن ثم لا يصح ما علل به الشيخ محمد زاهد الكوثري لموقفهم هذا من أنه كان رد فعل لظهور اتجاه المجسمة والمشبه الذي حمل لواءه مقاتل بن سليمان [انظر: مقدمة تبيين كذب المفتري ص ۱۰ حل دمشق سنة ١٣٤٧هـ]، كما لا يصح- أيضًا - ما قرره بعض الباحثين الغربيين أمثال (بيكر) و(فون كريمر) (ومكدونالد) (وشاخت) من أن الذي حمل المعتزلة على مذهبهم في فهم التوحيد ونفي زيادة الصفات على الذات، المناقشات التي ظهرت على يد القديس (يوحنا) الدمشقي وتلميذه (تيودور أبو قرة) عن طبيعة المسيح، فإذا كان القول بالأقانيم الثلاثة في طبيعة المسيح؛ مما يخدش التوحيد بل يهدمه، فإنه من باب أولى أن يكون تعدد الصفات مع الذات في العقيدة الإسلامية، لا يقل شناعة عما لاحظوه على المسيحية [انظر: د/ عرفان عبد الحميد دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية، ص ۲۲۸، ط بيروت، سنة ١٩٨٤م].

ولا يغيب عن الذهن أن التثليث في المسيحية ليس هو عن القول بالصفات الإلهية وعلاقتها بالذات في العقيدة الإسلامية؛ لأن الصفات وإن تعددت فهي ليست أغيارًا للذات، بل هي من طبيعتها وكمالاتها وحقيقة الذات والصفات وإن تغايرتا من حيث المفهوم، فإنهما شيء واحد من حيث الواقع، ولا تزال هذه التفرقة قائمة، حتى يستقيم الفهم لتلك العلاقة على وجهه الصحيح.

التوحيد عند الأشعرية

الذي يقرأ كتاب (الإبانة) للأشعري يراه يقرر التوحيد كما قرره سلف الأمة قبله، التسليم بكل ما صح من النصوص مع حمل المتشابه على المحكم، والتفويض فيما أشكل فهمه، وأما في كتاب (اللمع) فنراه يقيم الأدلة العقلية كسند للنصوص الشرعية بحسب المناسبة التي ترد فيها، وفي قضية (التوحيد) يقرر ثلاث مسائل على الوجه الآتي:

المسألة الأولى: وفيها يقول: "فإن سأل سائل: ما الدليل على أن للخلق صانعًا صنعه ومدبرًا دبره؟ قيل له: الدليل على ذلك أن الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام كان نطفة ثم علقة ثم دمًا ولحمًا وعظمًا... إلخ. ويمضي في هذا الدليل ليثبت أن التغير والتطور من حال إلى أخرى لا بد له من علة تحدثه، ويستحيل أن يكون الشيء علة نفسه أو يكون قد حدث بغير علة، وهذه المسألة تحتوي دليل وجوده - سبحانه وتعالى -الذي يسبق (التوحيد).

المسألة الثانية: قال: فإن قال قائل: لم زعمتم أن الباري سبحانه لا يشبه المخلوقات؟ قيل له: لأنه لو أشبهها لكان حكمه في الحدث حكمها، ولو أشبهها لم يخل من أن يشبهها من كل الجهات أو من بعضها، فإن أشبهها من جميع الجهات كان حادثًا مثلها، وإن أشبهها من بعض الجهات كان محدثًا من حيث أشبهها فيتبعض فيكون بعضه أزليًا وبعضه محدثًا وهذا مستحيل.

المسألة الثالثة: فإن سأل سائل: لم قلتم إن صانع الأشياء واحد؟ قيل له: لأن الاثنين لا يجرى تدبيرهما على نظام لا يتسق وعلى إحكام ولا بد أن يلحقها العجز أو أحدهما [اللمع ص ۳۹ تحقيق د/ حمودة غرابة ط. القاهرة سنة ١٩٧٥م]. ويسترسل إلى آخر الدليل الذي يقرر أن تعدد الآلهة يترتب عليه محال، وأظهره فساد الكون، وذلك كما أظهرته الآية الكريمة: ﴿لَوۡ كَانَ فِیهِمَاۤ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وفي مقام (التوحيد) ذكر الأشعري الصفات الإلهية - صفات المعاني - السبع وهي أصل الاشتقاق للصفات المعنوية، كما ذكر صفات الفعل وأنها حادثة وحدد الفرق بينها وبين صفات المعاني وأقام الأدلة العقلية عليها وهذه الأدلة ترتكز أساسًا على النصوص الشرعية، وحين قرر الوحدانية أراد بذلك الرد على:

١-الدهريين، الذين يقولون بالتعطيل، أي خلو الكون عن إله.

٢-الفلاسفة، الذين يرون أن الله كعلة فاعلة لا بد أن يصدر عنه معلوله (العالم) بناءً على الترابط الفعلي بين العلة والمعلول.

٣-المعتزلة، الذين أنكروا زيادة الصفات على الذات.

وكان الهدف من وراء ذلك أن تسلم قضية (التوحيد) مما شابهها من علائق الفلسفات والأفكار الأخرى التي تناولتها تحت تأثير أفهام خاطئة وكأن الرجل كان يضمر الرد الأشد على المعتزلة؛ لأنه كان الأولى بهم ألا يتجاوزوا بأفهامهم حدود الفهم الصحيح لمعنى (التوحيد) ولكنهم تحت تأثير الفكر الوارد وقعوا في خطأ ما كان أغناهم عن الوقوع فيه.

وأما عن المدرسة الأشعرية بعد إمامها أبي الحسن، فقد دارت كل مباحثها في الفلك الذي رسمه إلا ما جاء تعميقًا لبعض المسائل، مثل ما جاء على لسان الباقلاني في الرد على المعتزلة الذين ذهبوا إلى أن الصفة: هي قول الواصف، لا أنها معنى حقيقي قائم بالموصوف، ولما كانت قضية علاقة الصفات بالذات الإلهية من الأهمية بمكان، ولما كان (التوحيد) عند الأشعرية لا يصح إلا بها فقد أقام تلاميذ الأشعري الأدلة العقلية على ذلك، ومنها:

١-أن الدليل قد قام على أن الله – تعالى - ملك، والملك من له الأمر والنهي، فهو آمرُ ناهٍ، فلا يخلو إما أن يكون أمرًا بأمر قديم أو بأمر محدث، وإن كان محدثًا فلا يخلو أن يحدثه في ذاته أو في محل أو لا في محل، ويستحيل أن يحدثه في ذاته، لأنه يؤدي إلى أن يكون محلًا للحوادث وذلك محال، ويستحيل أن يحدثه في محل؛ لأنه يوجب أن يكون المحل موصوفًا به، ويستحيل أن يحدثه لا في محل؛ لأن الإرادة صفة، وهي عرض لا بد لها من محل تقوم فيه، فتعين أنه قديم قائم به صفة له.

٢-كون الشخص منا عالمًا معلل بقيام العلم به، فالعالم من كانت به صفة العلموكذا في الغائب،  فالله عالم بمعنى أن له صفة زائدة على ذاته، قالوا: فالدليل على كونه عالمًا قادرًا لا يخلو إما ان يكون المفهوم من الصفتين واحدًا أو زائدًا، فإن كان واحدًا، فيجب أن يعلم بقادريته ويقدر عالميته، ويكون من علم الذات مطلقًا، علم كونه عالمًا قادرًا وليس الأمر كذلك.

نعلم أن الاعتبارين مختلفان، فلا يخلو إما أن يرجع الاختلاف إلى مجرد اللفظ أو إلى الحال أو إلى الصفة وبطل رجوعه إلى اللفظ المجرد، فإن العقل يقضي باختلاف مفهومين معقولين ولو قدر عدم الألفاظ رأسًا ما ارتاب العقل فيما تصوره، وبطل رجوعه إلى الحال، فإن إثبات صفة لا توصف بالوجود ولا بالعدم، إثبات واسطة بين الوجود والعدم والإثبات والنفي، وذلك محال فتعين الرجوع إلى صفة قائمة بالذات، وذلك مذهبنا [الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد ص ٦٢، الباقلاني التمهيد ص ۱۵۳، شرح الدوائي على العقائد العضدية ص ٣٠٥ من كتاب محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين للدكتور سليمان دنيا]

وهنا مسألتان لابد من ذكرهما:

الأولى: لم كانت صفات المعاني سبع صفات مع أن القرآن الكريم ذكر صفات أخرى كثيرة، كما جاءت بعض الأحاديث لتقرر أن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، وجاء في بعضها أنه سبحانه استأثر ببعضها في علم الغيب عنده؟

الثانية: موقف الأشعرية من صفات الفعل مع إبراز أساس التقسيم.

فأما عن المسألة الأولى، فقد جاء في شرح السنوسية الكبرى أن الشيخ الأشعري قد أقر صفات المعاني السبع في معرض نفيه للأحوال، وقد ذكرنا من قبل أن أبا حنيفة قد قال بصفات المعاني وكونها سبع صفات، والذي يعنينا - هنا - هو لماذا وقف العدد بها عند هذا الرقم؟ ولماذا كانت هذه الصفات دون غيرها؟ ولقد وقفت أمام هذه المسألة لأستبين التعليل لها، فلم أظفر بشيء ذي بال إلا أنه التحكم الذي لا مبرر له،  وأما عن صفات الفعل، فقد وقعوا في الخطأ الذي وقع فيه من سبقهم إلى هذا التقسيم - وهو أبو الهذيل العلاف - ذلك لأنهم نظروا إليها من خلال متعلقاتها وآثارها، ولما كانت متعلقاتها وآثارها حادثة، فقد قالوا بحدوثها كذلك، وقد نسوا أو تناسوا أنه يلزمهم -والحالة هذه - قيام الحوادث بذاته تعالى، وهو مناف للتوحيد والتنزيه معًا.

ومن المعلوم أن مورد التقسيم – هنا - يدور حول متعلقات الصفة وآثارها، وهذا يمكن أن يطرد في صفات

المعاني باستثناء صفة الوجود لأن صفة القدرة مثلًا آثارها حادثة، وهو المقدورات، وكذا العلم والإرادة ...إلخ، من ثم تظل مسألة تقسيم الصفات على الوجه الذي رأينا في حاجة إلى إعادة نظر.

ومن المعلوم أنه لم يكن بين الأشعرية والماتريدية كبير فرق في قضية (التوحيد) إن لم يكن معدومًا أصلًا، اللهم إلا في مسألة قضية صفات الفعل، فقد رجع بها الماتريدية إلى صفة واحدة هي صفة (التكوين) [انظر: الماتريدي: كتاب التوحيد ص ٤٩ تحقيق د/ فتح الله خليف نشر دار الجامعات المصرية].

وقالوا بأزليتها، وهذا قول فيه نظر؛ لأن احتواء صفة (التكوين) لمعاني الخلق والرزق والوهب ... إلخ، فليتوقف العقل في هذا بقوله.

التوحيد عند الصوفية

للتوحيد عند الصوفية أركان سبعة، ذكرها (الكلاباذي) في كتابه المعروف التعرف لمذهب أهل التصوف، وإذا اعتبرناه ممثلًا لمعتدليهم، فإنا نبين هذه الأركان كما ذكرها، وهي:

١-إقرار القدم عن الحدوث: أي أنه تعالى قديم وليس حادثًا.

٢-تنزيه القديم عن إدراك المحدث له.

٣-ترك التساوي بين النعوت أي: ليس كمثله شيء في صفاته، فكما غايرت ذاته ذوات خلقه فكذلك صفاته.

٤-إزالة العلة عن الربوبية أي أن وجوده لذاته ولا يحتاج إلى علة خارجة عنها.

٥-إجلال الحق عن أن تجري عليه قدرة الحدث فتلونه؛ أي: أنه منزه عن أن يجرى عليه ما يجري على البشر من الجواهر والأعراض.

٦-تنزيهه عن التمييز والتأمل.

٧-تبرئته عن القياس؛ بحيث لا يشبه أحدًا من مخلوقاته [ص ١٣٤ ط. القاهرة سنة ١٩٦٠م]

ومن المعلوم أن الصوفية أصحاب أذواق ومواجيد، وأحوال ومقامات، وتجارب روحية خاصة تستعصي غالبًا - على أن توضع في قوالب من الألفاظ الجامدة؛ لذا نراهم يتكلمون عن (التوحيد) بكلام غير مألوف لدى غيرهم، وربما أفصحت تجربتهم النفسية عن آثار الوحدانية على بعض تعبيراتهم وقد كان موقفهم من الصفات الإلهية وعلاقتها بالذات هو المعبر الحقيقي عن مفهوم (التوحيد) عندهم.

إن الاتجاه الصوفي المرتكز على الكتاب والسنة، المستلهم لما فيهما من معان روحية والمسمى بالتصوف السني لا يكاد يختلف في قضية (التوحيد)، عما عليه مذهب أهل السنة والجماعة من حيث أصوله، غير أن التعبير عنه يأخذ منحى آخر بحسب طبيعة الحياة الروحية - كما أشرنا - ولنا أن نسترشد ببعض مقولات الصوفية في معنى التوحيد، حتى يتبين لنا ذلك الفرق بين تذوق الصوفية له، وتذوق أصحاب المذاهب الكلامية وبخاصة المفرطة في العقلانية. قال بعضهم: التوحيد هو الخروج عن جميعك بشرط استيفاء ما عليك، وألا يعود عليك ما يقطعك عنه، ومعناه: أن تبذل مجهودك في أداء حق الله تعالى، ثم تتبرأ من رؤية أداء حقه، ويستوفيك التوحيد عن أوصاف فلا يعود عليك منها شيء فإنه قاطع لك عنه [ص ١٣٤ ط. القاهرة سنة ١٩٦٠م]، وقال الشبلي: إن حقيقة التوحيد: لا يتحقق العبد بالتوحيد حتى يستوحش من سره وحشة لظهور الحق عليه [ص ١٣٤ ط. القاهرة سنة ١٩٦٠م] وقال بعضهم: الموحد من حال الله بينه وبين الدارين جميعًا، لأن الحق يحمي حريمه، قال عز وجل: ﴿نَحۡنُ أَوۡلِیَاۤؤُكُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِۖ﴾ [فصلت ٣١]؛ أي فلا نردكم إلى معنى سوانا في الدنيا والآخرة، وعلامة الموحد ألا يجري عليه ذكر، وإخطار ما لا حقيقة له عند الحق، فالشواهد عن سره مصروفة والأعراء، عن قلبه مطرودة، فلا شاهد يشهده، ولا عوض يعبده، ولا سر يطالعه، ولا بر يلاحظه، هو في حقه عن حقه محجوب، وفي حظه عن حظه مسلوب، فلا تصيب له في نصيب، وهو مأسور في أوفر النصيب، والحق أوفر نصيب، فمن فاته الحق فليس له شيء، وإن ملك الكون، ومن وجد الحق فله كل شيء وإن لم يملك ذرة [ص ١٣٤ ط. القاهرة سنة ١٩٦٠م].

والجديد في موقف الصوفية وفهمهم القضية (التوحيد) أنهم يرون أن جميع الصفات التي جاء بها النص الصحيح هي ثابتة للذات، وهي من كمالاتها، وهي أغيار لها من حيث مفهومها، وأما من حيث الواقع، فهي نفس الذات ونلاحظ – هنا - أنهم وإن شاركوا الأشعرية في قضية علاقة الصفات بالذات إلا أنهم تجاوزوا موقفهم المتحكم في عددها وتقسيمها إلى صفات ذات وصفات فعل، وهنا تبين أن هذا الاتجاه المتميز يستلهم النصوص الصحيحة بطريقة طبيعية، وقد تخطوا الموقف الشكلي الذي يتعامل مع مثل هذه القضايا إلى معنى أعمق وقد تجلى هذا في حقيقة الفناء في التوحيد كما تصوروه، وقد كان (الجنيد) أكثر الصوفية الذين تكلموا في هذه المسألة، ودواوين الصوفية وأمهات مراجعهم حافلة بالكثير من أقواله في معنى (التوحيد).

من ذلك ما أجاب به حين سئل عن معناه: (إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته بأنه الواحد، الذي لم يلد ولم يولد بنفي الأضداد والأنداد والأشباه وما عبد من دونه، بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل: ﴿لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾ [الشورى: ١١]  [انظر: الرسالة القشيرية ح ا ص ۱۳٥ ط القاهرة ۱۳۳۰ هـ، واللمع للطوسي جـ ا. ص ٤٩ ط. القاهرة سنة١٩٦٠م]

وقد ذكر الجنيد - أيضًا - أن (التوحيد) الصحيح، هو الذي ينبغي أن يرجع العبد فيه إلى أوله، فيكون كما كان يقصد به في العالم السابق الذي شهد فيه بربوبية الله ووحدانية كما هو ظاهر الآية الكريمة، قبل أن يكون إلى هذا العالم [أما الآية الكريمة فهي آية الميثاق المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِیۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ شَهِدۡنَاۤۚ﴾ (الأعراف: ۱۷۲)].

ذلكم هو معنى التوحيد عند الاتجاه السني لدى الصوفية، وأما الاتجاه الذي يشتمل على دعاوى ظاهرها مناقض للشريعة وهو المسمى بالاتجاه الفلسفي في التصوف، والذي يمثله أصحاب القول بالحلول أو الاتحاد أو وحدة الوجود، أو وحدة الشهود فله مقام آخر في الدراسة لا يحتمله هذا البحث.

مفهوم التوحيد عند فلاسفة الإسلام

للتوحيد عند فلاسفة الإسلام مفهوم آخر غير الذي رأيناه لدى الفرق الإسلامية المعتدلة، مفهوم مشبع بالروح الفلسفية العقلانية الجامدة، التي تحولت بالعقيدة من القلب والروح إلى العقل والفكر وإذا كان القصد من وراء منهجهم في مفهوم الوحدانية هو التنزيه، فإنه دعوى مشتركة بين جميع الفرق، حتى لدى أكثرهم تفريطًا من المشبهة والمجسمة ومع وحدة الاتجاه العام لفلاسفة الإسلام في هذه القضية إلا أن كل واحد منهم تناولها بطريقة تضع بعض الفوارق بين كل منهم حتى لا يقال: إن لاحقهم قد قلد سابقهم.

فالكندي تناول هذه القضية في رسالتين من رسائله، إحداهما في الوحدانية، والثانية في الفلسفة، ولهما دلالتان الأولى: وفيهما معًا يفهم الوحدانية بمعنى: وحدانية العدد، وهي ترادف معنى (التفرد) ووحدانية الذات وتعني: البساطة وعدم التركيب، وقد أقام على كل منهما دليلًا قويًّا -في نظره طبعًا - وإن كان من الممكن أن نجد بعض عناصره في فكر من سبقه بل في القرآن نفسه يقول في دليل (التفرد): لو كان هناك أكثر من إله اشتركوا في إبداع الكون وإخراجه من العدم إلى الوجود لكانوا جميعًا مشتركين في شيء يعمهم وهو كونهم جميعًا فاعلين مبدعين، وكانوا - في نفس الوقت - مختلفين، من حيث أن لكل منهم ذاتًا تخصه ويترتب على هذا مستحيل لا يستطيع العقل دفعه، وهو كون الإله مركبًا من شيء يعمه وغيره من الآلهة وآخر يخصه، وهذا بالضرورة يعني احتياج المركب إلى من يركبه والأمر يتسلسل إلى ما لا نهاية، وهذا مستحيل؛ ولأن الاحتياج – أيضًا - نقص لا يليق بالإله، فدلت هذه الاستحالة على أن افتراض آلهة متكثرة أمر يرفضه العقل، وينتهي الأمر إلى وجود واحد  غير متكثر: لأن الكثرة فيهم لا فيه ولأنه مبدع وهم غير مبدعين، ولأنه دائم وهم غير دائمين؛ لأن ما تبدل تبدلت أحواله وما تبدل فهو غير دائم [انظر: رسائل الكندي الفلسفية، تحقيق د/ محمد عبد الهادي أبو ريدة، ص ۲۰۷ ط. القاهرة سنة ١٩٥٠م].

وإذا كان المعنى الثاني لمفهوم (التوحيد) - عنده وهو: البساطة وعدم التركيب - يربط بينه وبين الفكر الوارد وبخاصة لدى الأفلاطونية المحدثة، وإذا كان هذا الاتجاه لا يقرر أكثر من اعتبار الصفات الإلهية تعني سلب النقيض، ولا تثبت معنى إيجابيًا حتى لا يكون الإله مركبًا، فإن بعض رسائله أظهرت أن فيلسوف العرب كان إلى الروح القرآنية أقرب، لأنه أثبت لله سبحانه وتعالى صفات إيجابية كالحكمة والاتقان، وأنه حصن العز الذي لا يرام، وعز القوة الغالبة وولى الخيرات، وقابل الحسنات وذو القدرة التامة والقوة الكاملة والجود الفائض، والأول المبدع الممسك لكل ما أبدع، الذي لا يخلو شيء من إبداعه الموفق للصالحات والمسدد بالتوفيق والحارس من الزلل [انظر: رسائل الكندي الفلسفية تحقيق د/ محمد عبد الهادي أبو ريدة، ص١٠٥ ط. القاهرة سنة ١٩٥٠م].

والمدقق هنا يلاحظ أن (الكندي) أقر الصفات الإيجابية بطريقة تباعد بينه وبين الفلاسفة، بل والمعتزلة أيضًا ولولا أنه استخرجها وعبر عنها بطريقة الفيلسوف لقلنا: إنه لا يفترق من حيث المعنى عن منهج أهل السنة في هذا المقام.

وأما الفارابي فقد كان في نظرته إلى قضية (التوحيد) شيئًا آخر غير الكندي؛ حيث خرّج النصوص الدينية التي جاءت في هذا السبيل تخريجًا فلسفيًّا بحثا في الوقت الذي يدعى فيه أنه لا يعطل نصًّا عن معناه الحقيقي وحجة الفارابي ومن على شاكلته أن الفيلسوف له نظرة إلى النصوص تخالف نظرة الجمهور لها، ويجعلون هذا مبررًا لكل تأويلاتهم، متجاوزين دلالة الألفاظ على معانيها بحسب وضعها، وأن تخريجها على غير هذه المعاني، يحتاج إلى ضوابط معروفة وإلا كانت النظرات المتجاوزة لذلك تأويلًا يكاد يطيح بالنص الديني وما جاء من أجله.

وعلى أية حال فإن الفارابي في قضية (التوحيد) لم يقرر أكثر مما قررته الأفلاطونية المحدثة قبله من القول بالوحدة المطلقة من كل الوجوه في الواقع ونفس الأمر والبساطة وعدم التركيب، يقول في ذلك "واجب الوجود لا ينقسم بالحمل على كثيرين مختلفين بالعدد، وإلا لكان معلومًا له [نصوص الحكم، ص ۱۳۲ ضمن كتاب المجموع ط. القاهرة ۱۹۲۷م]. وهذا النص واضح الدلالة على ما ذهب إليه الفارابي، إذ وحدة الواجب ذاتية لذات الواجب، وليست مستفادة من الغير، لهذا لا تقال إلا على ذات واحدة، وهي بهذا المعنى علة لما سواها، ولو توزعت على كثيرين لكانت معلومة، لما انقسمت إليه وهذا مخالف لطبيعتها، وتنقلب في هذه الحالة من كونها علة إلى كونها معلولة، والواقع خلاف ذلك.

وإذا كان هذا النص قد صور لنا حقيقة (الوحدة) أي التفرد ونفي الشركاء، كما قرر الفارابي، فإنه قدم لنا نصوصًا أخرى تعالج المعنى الثاني للوحدة، وأعني بها: البساطة وعدم التركيب، وهو هذا مشبع بالروح الفلسفية بالنظر إلى الحقيقة الدينية، وبخاصة نظرة الأفلاطونية المحدثة -كما أسلفنا - فقد قال في هذا المعنى: وجوب الوجود لا ينقسم بأجزاء القوام مقداريًّا كان أو معنويًّا، وإلا لكان كل جزء من أجزائه إما واجب الوجود فيكثر واجب الوجود، وإما غير واجب الوجود فيكون أقدم بالذات من الجملة، فتكون بعد الجزء في الوجود [نصوص الحكم ص ۱۳۲ ضمن كتاب المجموع ط. القاهرة ۱۹۲۷م].

وهذا النص واضح الدلالة على نفي الكمية اللازمة للجسمية عن الله تعالى؛ لأن الجسم إنما يتركب من أجزاء تقومه، والمقوم لا بد أن يكون في وجوده أسبق من الشيء الذي يقوم به، ولما كانت الجسمية منفية عن الحق – سبحانه - فإن تركبه من أجزاء مادية يكون أمرًا مستحيلًا، وتثبت له الوحدانية بهذا المعنى.

ولو كان الإيغال في النظر إلى (التوحيد) قد صح لدى (الفارابي) ومن على شاكلته من طول النظر والتأمل في النص الديني لكان للرجل عذره في هذا الإيغال، فكم رأينا من منكرين لهم نظرات ذاتية ثاقبة في النصوص الدينية، وصور التأمل الذاتي متوفرة لدى كثير من صوفية الإسلام وغيرهم، أما أن يكون هذا التخريج لهذه القضية أو ما ماثلها، قد أتي في ضوء أفكار غريبة أخرى، بعيدة عن البيئة الإسلامية، فهذا هو محل الاستغراب، ولعل الفارابي لم يلتفت بطريقة أدق إلى خصوصيات ثقافة الأمم والشعوب فهل كان كل سعيه أن يظهر لنا أنه ليس ضمن الجمهور الذي يتناول القضايا الدينية بطريقة سهلة بسيطة؟ وهل كان الغرام بالفلسفة وجعلها النموذج الذي في ضوئه ينظر إلى قضايا الدين، أولى من أن يفهم تلك القضايا في وضعها الطبيعي الذي يمليه العقل المتحرر من قيود التبعية لنماذج فكرية واردة؟ وهل كانت هذه المحاولات ذات ثمار بائعة في إيجاد الانسجام بين الدين والفلسفة حتى لا يتهم الدين بأنه يعادي العقل وبالتالي الفلسفة؟ هذه كلها استفهامات أملتها مواقف المشائية الإسلامية من الدين والفلسفة على السواء تلك التي ظهر منها التقدير الكافي للفلسفة، حتى ينظر إلى الدين من خلالها.

مفهوم التوحيد عند ابن سينا

إذا كان الفارابي قد نهض لإيجاد فلسفة إسلامية أخذت على عاتقها إبراز التوائم والانسجام بين الفلسفة ممثلة في الأفلاطونية وبين الدين الإسلامي، فإن ابن سينا قد سار على نفس النهج، وجهوده ظهرت في بيان ما اجمله الفارابي أو عبر عنه بأسلوب مكثف وقد ساعده على ذلك شاعرية أوتيها الشيخ الرئيس وقدرة فائقة على الإيضاح والإطناب، وأما الأفكار الأساسية فلم يزد فيها عن الفارابي شيئًا يذكر.

والقضية التي معنا (التوحيد) ذكرها في أكثر من كتاب: في الإشارات والتنبيهات، وفي النجاة، وفي جامع البدائع، وظهر في هذا الكتاب الأخير منهجه في تناول الصفات الإلهية، وذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، فقد قرر أن وجود الحق سبحانه هو عين ماهيته، وأن وجوده ذاتي، ولما كانت هويته عين ما هيته، فإنه يكون بسيطًا وليست اللوازم - الصفات - إلا أمورًا إضافية؛ بحيث لا تتكثر الذات بتكثرها، ولو كان ذلك في التصور الذهني فقط، وبوساطة وجوب وجوده يلزمه أنه مبدأ لكل ما عداه، والهوية المحضة لا يمكن أن يعبر عنها بشيء سوى أنه هو هو [جامع البدائع ص ١٦ ط. القاهرة سنة ١٩١٦م].

وقد قدم لنا بعض الأدلة العقلية القوية التي تقرر أن العقل لا يتصور ماهية الواحد في الذهن إلا بسيطة وأنه واحد من كل الوجوه، وهو نفس الكلام الذي قاله الفارابي من قبل، بل إن شئت فقل: الذي قالت به الأفلاطونية المحدثة، ومما هو معروف أن مبدأ البساطة للذات الإلهية واقع تصوره يعني بالضرورة إلغاء أي وصف إيجابي لتلك الذات درءًا للتكثر، ومن ثم ينبغي أن تفهم الصفات الثبوتية التي جاءت بها النصوص الدينية على أنها لا تعني أكثر من سلب نقائضها حفاظًا على تلك البساطة.

ولو ذهبنا مع ابن سينا إلى رسم صورة (التوحيد) كاملة كما تصورها، تطال بنا الحديث، وحسبنا أننا قدمنا صورة مركزة لفهمه لهذه القضية.

غير أنه ينبغي أن نشير إلى مسألة عامة في هذا المقام هي: أن قضية التنزيه على الوجه الذي ذكرناه كانت قدرًا مشتركًا عامًا بين الفلاسفة أصحاب الديانات الكبرى إرضاء لمنازعهم الدينية والفلسفية على السواء وقد كان (فيلون) السكندري الفيلسوف اليهودي صاحب السبق في هذا المقام؛ لهذا عمد إلى تأويل التوراة تأويلًا رمزيًّا، يليق بأصحاب العقول الطلعة، ولينقذ اليهودية من الأفكار الشعبية التي تسربت إليها، كما رأينا قريبًا من هذه الفكرة لدى (أفلوطين) بالنسبة للمسيحية تم لدى القديس (أوريجين) والقديس (جيروم) والقديس (أوغسطين).

ويظهر أن غاية هؤلاء قد وقفت بهم عند هذه الفكرة، غير أنه ينبغي أن تذكر أن التوراة والإنجيل لهما ظروفهما الخاصة، من حيث وثاقة ما بهما من قضايا بعد أن أثبت التاريخ التصرف فيهما على نحو أفقدهما في بعض النواحي كثيرًا من التقديس والاحترام، وهذا أمر قد سلم منه تمامًا القرآن الكريم، فهو محفوظ في الصدور والسطور، وفي الملأ الأعلى كذلك، وصدق الله العظيم الذي قال: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر ٩]. وهذه قضية يستحيل المِراءُ فيها، فهل بعد ذلك يوجد مبرر معقول يربط بين التفلسف لدى السابقين - من يهود ومسيحيين - وبين أديانهم من ناحية، وبين فلاسفة الإسلام ومنهجهم في تخريج القضايا في ضوء الفلسفة من ناحية أخرى؟ اعتقد أن التسوية هنا غير عادلة.

مفهوم التوحيد عند ابن رشد

الذي يقرأ ما كتبه أبو الوليد في قضية (التوحيد) يلاحظ أن الرجل كان متسقًا فيها مع ظاهر ما جاء به النص الديني، وهو إثبات التفرد لله تعالى (الوحدانية) التي تنفي عنه الند والضد، وقد جاء في القرآن الكريم ما يثبت التنزيه وينفي المماثلة، وهنا يقرر ابن رشد ان الصفات الإلهية بالنسبة للذات ليست أغيارًا حقيقية حتى يلزم من إثباتها التعدد، بل هي من لوازم تلك الذات، وكمالات لها.

ويستشهد على الوحدانية بمعناها الفطري بالآية الكريمة: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدࣲ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذࣰا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١]، وقوله: ﴿لَوۡ كَانَ فِیهِمَاۤ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ﴾ [الأنبياء ٢٢]، وقوله: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥۤ ءَالِهَةࣱ كَمَا یَقُولُونَ إِذࣰا لَّٱبۡتَغَوۡا۟ إِلَىٰ ذِی ٱلۡعَرۡشِ سَبِیلࣰا﴾ [الإسراء ٤٢]، والآيات الثلاث في نظر ابن رشد تفيد المطلوب بطريق برهاني؛ لأن وحدة الفعل أو الأثر تدل على وحدة الفاعل وتستلزمه، وحيث إن العالم واحد، والآثار فيه تامة الانسجام والتلاؤم، فإنه لا يتأتى هذا إلا مع الوحدانية للفاعل، لأن تعدد الفاعلين يقتضي بالضرورة تعدد الأفعال، وإلا كان التعدد لا معنى له، ولا تكون له حقيقة إلا إذا كان لكل من المتعددين، منزعه الخاص في الفعل، وهذا بدوره يقتضي تعدد الأفعال - وحيث إن ذلك كله واقع، فقد دل على نفي التعدد وإثبات الوحدانية.

ويلاحظ ابن رشد على الأشعرية من المتكلمين تكلفهم في فهم الآية الكريمة الثانية من الآيات السابقة؛ حيث خرجوها على أنها صورة لقياس شرطي منفصل، فجاء المحال المترتب على التعدد المقترض غير المحال الذي تدل عليه بظاهرها، والأولى أن تكون من قبيل القياس الشرطي المتصل الذي إذا رفع تاليه رفع مقدمه ضرورة [الكشف عن مناهج الأدلة ص ١٥٦ تقديم وتحقيق د/ محمود قاسم ط. القاهرة سنة ١٩٦٥م] وقد ترتب على هذا الخطأ أن الجمهور لم يكن باستطاعته أن يفهم الدليل على هذا الشكل بينما نرى أن تخريج الآية على أنها من قبيل القياس الشرطي المتصل، يمكن أن يدرك مغزاها الجمهور والعلماء على السواء.

وقد عقب المرحوم الدكتور محمود قاسم على الطريقة التي انتهجها ابن رشد في الاستدلال على الوحدانية أخذًا من ظاهر الآيات بقوله: والحق أن من يخلط بين الدليلين: الشرطي المنفصل والشرطي المتصل يكون كمن يخلط بين الجدل وبين المنهج العلمي الصحيح والمناهج الفاسدة أو الواهية تؤدي عادة إلى نتائج فاسدة أو واهية [الكشف عن مناهج الأدلة ص ١٥٨ تقديم وتحقيق د/ محمود قاسم ط. القاهرة سنة ١٩٦٥م].

ولو تكلمنا بشيء من التفصيل عن علاقة الصفات بالذات لديه - على اعتبار أنها متصلة اتصالًا مباشرًا بقضية (التوحيد) لقلنا: إن ابن رشد في هذا المقام يكاد يكون سلفيًا صرفًا، وهو منهج الأخذ بالنصوص الشرعية بما يليق بالحق سبحانه، وكأنه يتشبث – هنا - بما قال به السلف: الإثبات مع نفى المماثلة يقول في ذلك: أما معرفة هذا الجنس، الذي هو التنزيه والتقديس فقد صرح به القرآن الكريم في غير ما آية، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَمَن یَخۡلُقُ كَمَن لَّا یَخۡلُقُۚ﴾ [النحل ١٧] فهذه الآية برهان على مماثلته المخلوقات أو مماثلة المخلوقات له ذلك لأن المغروز في فطر الجميع أن الخالق يجب أن يكون إما على غير صفة الذي لا يخلق شيئًا أو على صفة غير شبيهة بصفة الذي لا يخلق، وإلا كان من يخلق ليس بخالق، فإذا أضيف إلى هذا الأصل أن المخلوق ليس بخالق، لزم عن ذلك أن تكون صفات المخلوق إما منتفية عن الخالق وإما أن تكون موجودة في الخالق على غير الجهة التي هي عليها في المخلوق [الكشف عن مناهج الأدلة، ص ١٥٨، تقديم وتحقيق د/ محمود قاسم ط. القاهرة سنة ١٩٦٥م].

وينتهي إلى مسألة غاية في الأهمية في هذا المقام، وهي أن اللغة التي تعبر عن المعاني الإلهية، هي نفس اللغة التي تعبر عن المعاني في عالم الخلق، ولما كان العالمان مختلفين من حيث طبيعتهما، ضرورة اختلاف طبيعة الخالق عن طبيعة المخلوق، فقد لزم أن يكون التشابه الذي تحمله اللغة في بعض مفرداتها تشابهًا ظاهريًّا فقط؛ أي أن تكون اللغة - حينئذ - من قبيل المشترك الذي تختلف أفراده من ثم تكون الصفات التي تحملها الفاظ مشتركة في دلالتها متفاوتة، ضرورة التفاوت بين المطلق - وهو صفاته تعالى - وبين النسبي وهو صفات المخلوقات، ومن هنا يظل التنزيه الإلهي قائمًا من غير تأويل مسرف كما كان عليه الحال لدى المشائين في المشرق - الفارابي وابن سينا - ومن قاربهم في منهجهم هذا من المعتزلة وغيره.

وفي النهاية يظهر أن التوحيد لديه هو ما جاء به الشرع فيما صرح به، وأما ما لم يصرح به فينبغي السكوت عنه حتى لا يكون ذلك مدعاة لزعزعة عقيدة الجمهور.

ولا نستطيع أن نُفَصِّل في الموضوع أكثر من هذا غير أنا نشير إلى أن مفهوم (التوحيد) عند الشيعة الإمامية، يكاد يكون هو نفسه لدى المعتزلة [انظر: الشيخ المفيد: أوائل المقالات، ص ٥٨ ط. طهران سنة ١٣٦٣هـ، وتصحيح الاعتقاد ص ١٤٩، والشيخ الصدوق: التوحيد ط بیروت بدون تاريخ].

وأما الإسماعيلية فقد فهموا التوحيد فهمًا غريبًا وادعوا أنهم وحدهم الفاهمون له وأظهر ما في منهجهم في هذه القضية هو ما قرره فيلسوفهم حميد الدين الكرماني في كتابه راحة العقل؛ حيث ذهب إلى أنه تعالى لا يطلق عليه وصف الوجود، لأنه لو كان كذلك لكان إما جوهرًا وإما عرضًا وينفي عنه هذين الأمرين، وبالضرورة فهو لا يطلق عليه هذا الوصف، ثم يستحيل - كذلك أن يطلق عليه أي وصف ثبوتي، حتى يظل متفردًا لا يتعدد، ولا سلبي كذلك؛ لأن مفهوم الصفات السلبية يدل على الصفات الإيجابية، ولا يطلق إلا وصفًا واحدًا هو وصف المبدع [انظر: حميد الدين الكرماني راحة العقل ص ۱۲۹ وما بعدها ط. بيروت ١٩٦٧م]، ولا نملك من الوقت ما به نرد على الكرماني في هذا المقام؛ لأن الرجل يظهر من كلامه أنه كان مولعًا بالآراء الغريبة وهي لا تستحق أن يوقف معها وحسبها أنها كذلك.

إن (التوحيد) هو أساس العقيدة، كما أن التنزيه غايتها، ومن ثم نرى أن من آثر جعله عنوانًا على هذا العلم، قد لاحظ هذا المعنى، وما كان التطويل إلا لإبراز المبررات العقلية التي جعلت كل فريق يفهم التوحيد والتنزيه بالمعنى الذي ارتآه فيهما، وهذا المعنى لم نجد فيه اختلافًا في دراستنا للأسماء الأخرى من أسماء هذا العلم.

الخلاصة

علم التوحيد ليس مجرد بحث نظري في صفات الله، بل هو حماية للعقيدة، ودرع منيع ضد موجات الشك والانحراف، وسلاح فكري يبني يقين المؤمن ويحصنه من التأويلات المضللة، هذا العلم تطور عبر التاريخ، لكنه بقي أمينًا على غايته الأسمى: إثبات الوحدانية وتنزيه الله عن كل نقص أو مشابهة لخلقه.

موضوعات ذات صلة

ورد لفظ «الإيمان» ومشتقاته فى القرآن الكريم والسنة المطهرة مئات المرات

العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين

علم أصول الدين يعبر عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قاعدة الإيمان في الدين الإسلامي

موضوعات مختارة