كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -
أن يقول: «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي» [البيهقي في شعب الإيمان (٨١٨٤) من
حديث عائشة، رضي الله عنها]، كما كان يدعو ربه قائلًا: «اللَّهُمَّ
اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ،
وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» [مسند أحمد (٨٠٣) عن علي بن أبي طالب،
رضي الله عنه].
ويكشف دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -
عن عظيم مكانة الأخلاق في الإسلام، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان
يسأل ربه دائمًا أن يرزقه أكملها وأحسنها؛ ذلك أن انتشار الأخلاق الفاضلة في المجتمع
يثمر المحبة والألفة والتعاون بين أفراده، ويشيع بينهم الأمن والطمأنينة والاستقرار،
فتقوى الروابط الاجتماعية، وتترسخ قيم الرحمة والتسامح، وينعم المجتمع بالوئام والتكافل.
وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - فضل
الرفق واللين وأثرهما في حياة الناس، فقال: «وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا
يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» [صحيح مسلم (٢٥٩٣) من حديث عائشة، رضي الله عنها]، مما يدل على أن
اللين وحسن المعاملة من أسباب انتشار الخير واستقرار المجتمعات.
ولم يقتصر الأمر على بيان أثر الأخلاق في الدنيا،
بل ربط النبي - صلى الله عليه وسلم - بينها وبين عظيم المنزلة في الآخرة، فقال:
«أَقْرَبُكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا»
[سنن الترمذي (٢٠١٨)
من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما]، وفي هذا حثٌّ للمسلمين
على التحلي بمكارم الأخلاق، وجعلها منهجًا دائمًا في تعاملهم مع الناس، لما لها من
أثر في صلاح الفرد ورقي المجتمع ونيل رضا الله تعالى.
فالأخلاق الفاضلة تهيئ المناخ الملائم لسعادة
المجتمع، ونهضة الأمة، وتقدمها في مختلف المجالات، كما تسهم في توطيد أواصر المحبة
والتعاون بين أفرادها، وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار فيها، ومن ثم تكتسب الأمة قوتها
ومكانتها بين الأمم، وتحظى بالاحترام والتقدير، ويصعب على أعدائها النيل منها أو التعدي
على مصالحها.
أما إذا فسدت الأخلاق، وانتشرت الأحقاد والضغائن،
ودبَّ الخلاف بين أفراد المجتمع، فإن ذلك يؤدي إلى الضعف والتفكك، ويقوض أسباب التقدم
والازدهار، فيصبح الفشل مصيرًا محتومًا، والوهن رفيقًا ملازمًا.
ولأهمية الأخلاق في قيام الأمم وبقائها، عبَّر
أمير الشعراء أحمد شوقي عن هذه الحقيقة تعبيرًا بليغًا، في أبياته المشهورة التي جرت
مجرى الأمثال، فقال رحمه الله:
وإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلَاقُ مَا
بَقِيَتْ * * * فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا
ولقد ارتبطت خيرية الأمة الإسلامية على سائر
الأمم بما تتحلى به من أخلاق حميدة، حملتها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي
في نشر الخير والفضيلة بين الناس، فقال تعالى: ﴿كُنتُمۡ
خَیۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ
عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل
عمران: ١١٠].