لقد وصف الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأروع أوصاف الجمال، فجاءت كلماتهم كأنها بيان حيّ لجماله، وجلاله، ففي السُفرة والسيرة يتوارى وجهه كالبدر، وتنساب نورًا يضئُ القلب، ويرتقي به إلى مشاهد القدوة الكامل.
لقد وصف الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأروع أوصاف الجمال، فجاءت كلماتهم كأنها بيان حيّ لجماله، وجلاله، ففي السُفرة والسيرة يتوارى وجهه كالبدر، وتنساب نورًا يضئُ القلب، ويرتقي به إلى مشاهد القدوة الكامل.
أولًا: جمال الخَلْق:
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجمل الناس خَلْقًا، وجهُهُ كالبدر، مشرقٌ مضيءٌ، يسرُّ الناظرين، ويأسر القلوب، جمع الله له كمال الخَلْق، والخُلق، فكان لا يُرى -صلى الله عليه وسلم- إلا وأُعجب به كل من رآه.
واعلم أن من تمام الإيمان به -صلى الله عليه وسلم- الإيمان بأن الله تعالى جعل خَلْق بدنه الشريف على وجهٍ لم يظهر قبله ولا بعده خَلْقَ آدمي مثله، فيكون ما يشاهد من خَلْقِ بدنه آيات على ما يتضح لك من عظيم خلق نفسه الكريمة، وما يتضح من عظيم أخلاق نفسه آيات على ما تحقق له من سر قلبه المقدس، ولله در الإمام البوصيري حيث قال:
فَهُوَ الَّذِي تَمَّ مَعْنَاهُ وَصُورَتُهُ *** ثُمَّ ٱصْطَفَاهُ حَبِيبًا بَارِئُ ٱلنَّسَمِ
مُنَزَّهٌ عَنْ شَرِيكٍ فِي مَحَاسِنِهِ *** فَجَوْهَرُ ٱلْحُسْنِ فِيهِ غَيْرُ مُنْقَسِمِ
[المواهب اللدنية بالمنح المحمدية لشهاب الدين القسطلاني، ٢/ ٥].
فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أحْسَنَ النّاسِ وجْهًا وأَحْسَنَهُ خَلْقًا، ليسَ بالطَّوِيلِ البائِنِ، ولا بالقَصِيرِ". [رواه البخاري برقم ٣٥٤٩].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما رأيتُ شيئًا أحسَنَ مِن رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كانَ كأنَّ الشَّمْسَ تَجري في جَبهتِهِ، وما رأيتُ أحدًا أسرعَ في مِشيتِهِ من رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، كأنَّما الأرضُ تُطوى لَهُ، إنّا لنجهَدُ أنفسَنا، وإنَّهُ لغيرُ مُكْتَرِثٍ". [رواه الترمذي برقم ٣٦٤٨].
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "رأيتُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: ليلةَ إضحيان، وعليه حُلَّةٌ حمراءُ فكنتُ أنظرُ إليه وإلى القمرِ، فلهو في عيني أزيَنُ من القمَرِ". [رواه الترمذي برقم٢٨١١].
وسُئل أبو الطفيل رضي الله عنه: "أَرَأَيْتَ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم؟ قالَ:"نَعَمْ، كانَ أَبْيَضَ مَلِيحَ الوَجْهِ". [رواه مسلم برقم٢٣٤٠].
وعن كعب بن مالك قال:"كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إذا سُرَّ استَنارَ وجهُهُ حتّى كأنَّ وجهَهُ شِقَّةُ قَمَرٍ، فكُنّا نَعرِفُ ذلكَ فيه"؛ [رواه البخاري برقم٣٥٥٦] أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور، وهو جبينه.
وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: قلت للربيع بنت معوذ بن عفراء: صفي لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت: "يَا بُنَيَّ! لَوْ رَأَيْتَهُ، رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً". [رواه الدارمي في "سننه" برقم ٦٠].
وفى حديث ابن أبي هالة: "يتلَأْلَأُ وجْهُه تَلَأْلُؤَ القمرِ ليلةَ البَدرِ" [رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/١٥٥ برقم ٤١٤)] وذلك؛ لأن القمر يملأ الأرض بنوره، ويؤنس كل من شاهده، وهو يجمع النور من غير أذى، ويتمكن من النظر إليه بخلاف الشمس التي تغشى البصر، فتمنع من تمكن الرؤية، والتشبيه بالبدر أبلغ في العُرف من التشبيه بالقمر؛ لأنه وقت كماله، كما قال الفاروق -رضي الله عنه- حين رآه أو كلما رآه:
لو كنت من شيء سوى بشر … كنت المنور ليلة البدر
[المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، ٢/ ١١].
قال الإمام التسولي: «لو لم يكن له -صلى الله تعالى عليه وسلم، سوى ما اشتملت عليه ذاته من المحاسن لكفاه، فإن جميع الواصفين له -صلى الله تعالى عليه وسلم- لم يدركوا من أوصافه إلا اليسير؛ لأن ما حوت ذاته من المحاسن خرق عادة، ولم يوجد لبشر سواه، فقد قالوا: إن الله تعالى أخفى عن الصحابة جل جماله لطفاً بهم؛ لأنه لو أبداه لهم لذهبت عقولهم، فلا يبلغون عنه شيئاً؛ ولذا أسلم أبو ذر رضى الله عنه عند رؤيته». أ.هـ.
وفي "مطالع المسرات" "أن كل واحد منهم ينظر إليه على قدر طاقته بل منهم من لم يكن يملأ عينيه منه، -صلى الله تعالى عليه وسلم" [نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار لعبد القادر بن محمد الأشعري المالكي، ٢/ ٤٤١،٤٤٠].
ويقول الحافظ ابن حجر في "الفتح" في معرض حديثه عن "المعراج": «"فلما خلصت إذا يوسف"، زاد "مسلم" في رواية ثابت عن أنس: "فإذا هو قد أعطي شطر الحُسْن"، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وأبي هريرة عند ابن عائذ، والطبراني: "فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب"، وهذا ظاهره أن يوسف عليه السلام كان أحسن من جميع الناس، لكن روى الترمذي من حديث أنس: "ما بعث الله نبيًا إلا حَسُن الوجه، حَسُن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتاً"، فعلى هذا فيحمل حديث "المعراج" على أن المراد غير النبي -صلى الله عليه وسلم، ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، وأما حديث الباب فقد حمله ابن المنير على أن المراد أن يوسف عليه السلام أعطي شَطْر الحُسْن الذي أوتيه نبينا -صلى الله عليه وسلم». [فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، ٧/ ٢١٠].
وقال الملا علي القاري: "وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِنَا الْمُعْتَبَرِينَ: أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ أَحْسَنَ مِنْ يُوسُفَ عليه السلام؛ إِذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ صُورَتَهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ ضَوْئِهَا عَلَى جُدْرَانِ مَا يَصِيرُ كَالْمِرْآةِ يَحْكِي مَا يُقَابِلُهُ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ صُورَةِ نَبِيِّنَا -صلى الله عليه وسلم- لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَتَرَ عَنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ الْجَمَالِ الْبَاهِرِ، فَإِنَّهُ لَوْ بَرَزَ لَهُمْ لَمْ يُطِيقُوا النَّظَرَ إِلَيْهِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَأَمَّا جَمَالُ يُوسُفَ عليه السلام فَلَمْ يُسْتَرْ مِنْهُ شَيْءٌ". أ.ه.[مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ٩/ ٣٧٦٦].
وهو كما قال أبو طالب:
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَة وفواضل
[السيرة النبوية لابن هشام، ١/ ٢٧٦].
وأما جمال الخُلُق (الأخلاق والسلوك):
فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قمة في الأخلاق، ومثالًا حيًا للرحمة والعدل والصدق، تجسدت في سيرته أسمى معاني التواضع، فكان يجالس الفقراء، ويواسي المحتاجين، ويعفو عند المقدرة، لم يكن فظًا، ولا غليظ القلب، بل كان إذا دخل بيته بسَّامًا، وإذا خاطب الناس صدوقًا أمينًا، أثنى عليه ربه بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ} [القلم: ٤]، فكانت أخلاقه نورًا يهتدي به من حوله، ومن أحبَّه حقًا، اقتدى به في خُلقه قبل قوله، فبأخلاقه ساد القلوب، وبحِلمه أطفأ نار العداوات، فاستحق أن يكون قدوة للعالمين.
فقوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ}، أَي: "وإِنك لمستمسك بمكارم الصِّفات، ومحاسِن الخلال التي طبعك الله عليها وأدَّبك بها، لك خُلق لا يُدرك شَأوه أَحد من الخلق، تحتمل من جهتهم ما لا يحتمل أَمثالك من أُولي العزم، وعن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ} أَي: "وإِنك لعلى دين عظيم هو الإِسلام، وليس أَحبّ إِلى الله تعالى، ولا أَرضى عنده منه"، وقال عطية العوفي: "لَعَلَى أَدب عظيم".
وفي صحيح "مسلم" سُئلت عائشة -رضي الله عنها- عن خُلُق رسول الله؟ قالت: "كان خلقه القرآن"، ومعنى هذا أَنه تأدب بآدابه، وتحلَّى بأَخلاقه وأَحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه، هذا مع ما طبعه الله عليه من الخلق العظيم من الحياءِ والكرم والشجاعة والصفح والحكمة وكل خلق جميل كما ثبت في الصحيحين عن أَنس قال: "خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ إِلَيَّ أُفٍّ قَطُّ، وَلا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَهُ؟، وَلا قَالَ لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ أَلَا أَفْعَلْتَهُ؟، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا".[رواه البخاري رقم ٤٤٦٤]"، [التفسير الوسيط للقرآن الكريم - مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ١٠/ ١٥٢٦].
قال الإمام الصالحي: «"على" في هذه الآية للاستعلاء، فدل اللفظ على أنه كان مستعليًا على هذه الأخلاق، ومستوليًا عليها»، وقال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: «وإنما كان خلقه عظيماً؛ لأنه لم يكن له همّة سوى الله تعالى».
قال الإمام الحليمي: "وإنما وصف خلقه بالعظم مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم؛ لأن كرم الخلق يراد به السَّماحة والدَّماثة، ولم يكن -صلى الله عليه وسلم- مقصوراً على ذلك، بل كان رحيمًا بالمؤمنين، رفيقًا بهم، شديدًا على الكفار، غليظًا عليهم، مهيبًا في صدورهم، منصورًا عليهم بالرعب من مسيرة شهر، وكان وصف خلقه بالعظم؛ ليشمل الإنعام والانتقام، وقيل: إنما وصف بالعظم؛ لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، فإنه -صلى الله عليه وسلم- أُدِّب بالقرآن كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها» [سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للصالحي، ٧/ ١٣].
وصدق الله حيث قال: {فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: ١٥٩].
وفي جمال خُلُقه -صلى الله عليه وسلم- ذكر الصالحي جملة كبيرة من الأحاديث أذكر بعضها مختصرًا
منها: ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» [رواه أحمد، ٢/ ٣٨١]، ورواه الإمام مالك عنه بلفظ: «بعثت لأتمَّ حسن الأخلاق»، ورواه البزَّار بلفظ: «بُعِثْتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ».
وروى ابن سعد عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي» [أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"، ١/ ٢٨٥].
وعن جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللهَ لم يبعثْني مُعنِّتًا، ولا مُتَعنِّتًا، ولكن بعثني مُعلِّمًا مُيَسِّرًا» [رواه مسلم برقم ١٤٧٨].
وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما خُيِّرَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بيْنَ أمْرَيْنِ إلّا أخَذَ أيْسَرَهُما، ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا، فإنْ كانَ إثْمًا كانَ أبْعَدَ النّاسِ منه، وما انْتَقَمَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إلّا أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بها» [رواه البخاري رقم (٣٥٦٠)، ومسلم رقم (٢٣٢٧)].
ومنها أيضاً: عن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- قال: "مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاحِشًا وَلَا مُتَفَاحِشًا؛ وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا» [رواه البخاري رقم (٦٠٣٥)].
وروى البخاري عنه أيضاً قال: «إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، فذكر الحديث، وفيه: «ليسَ بفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ بالأسْواقِ، ولا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بالسَّيِّئَةِ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» [رواه البخاري رقم ٤٨٣٨].
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "خَدَمْتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَشْرَ سِنِينَ، فَما قالَ لِي: أُفٍّ، ولا: لِمَ صَنَعْتَ؟ ولا: ألّا صَنَعْتَ" [رواه البخاري رقم (٦٠٣٨)].
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كامل الصفات في خَلْقهِ وخُلُقه، جمع الله له بين العقل والحكمة، والرحمة والشجاعة، والصدق والأمانة، اكتمل فيه الإيمان والعمل، فكان يعبد ربه حق العبادة، ويعامل الناس بأفضل الأخلاق، ولم يُعرف عنه كذب ولا ظلم، بل كان منصفًا حتى مع أعدائه، رقيق القلب، شديد العدل، فقد كان قدوةً في كل جانب من جوانب الحياة قال الله تعالى: {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} [الأحزاب: ٢١]، فجمع صلى الله عليه وسلم كمال الإنسانية في أبهى صورها.
يقول الإمام القاضي عياض: "إنه -صلى الله عليه وسلم- أعلى الناس قدرًا، وأعظمهم محلًا، وأكملهم محاسن وفضلًا، وقد ذهبت في تفاصيل خصال الكمال مذهبًا جميلًا شوقني إلى أن أقف عليها من أوصافه -صلى الله عليه وسلم- تفصيلًا ، فأعلم نوَّرَّ الله قلبي وقلبك، وضاعف في هذا النبي الكريم حبي وحبك، أنك إذا نظرتَ إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة، وفي جِبلة الخِلقة وجدته -صلى الله عليه وسلم- حائزاً لجميعها، محيطاً بشتات محاسنها دون خلاف بين نقلة الأخبار". [الشفا بتعريف حقوق المصطفى،١/ ٥٨].
ولنأخذ بعض النماذج من كماله -صلى الله عليه وسلم:
كمال العقل والحكمة:
صلح الحديبية: فمن كمال عقل النبي -صلى الله عليه وسلم- وحكمته أنه كان يزن الأمور بميزان العقل والحكمة، وكان يُقدّر العواقب ويتصرف بحكمة بالغة في أشد المواقف، ففي صلح الحديبية، قبِل شروطًا ظاهرها الإجحاف بالمسلمين حتى جاء سيدنا عمر -رضي الله عنه- فَقالَ: "ألَسْنا على الحَقِّ وهُمْ على الباطِلِ؟ أليسَ قَتْلانا في الجَنَّةِ، وقَتْلاهُمْ في النّارِ؟ قالَ: بَلى قالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا ونَرْجِعُ، ولَمّا يَحْكُمِ اللَّهُ بيْنَنا، فَقالَ: «يا ابْنَ الخَطّابِ إنِّي رَسولُ اللَّهِ ولَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أبَدًا» الحديث [رواه البخاري برقم (٤٨٤٤)]؛ لكنه ببُعد نظره وحكمته -صلى الله عليه وآله وسلم- أدرك أن فيها فتحًا، ونصرًا مؤزرًا، فكان كما قال الله: {إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا} [الفتح: ١]، وكان يحسن التعامل مع الناس على اختلاف طباعهم، فيألف ويُؤلَف، ويجعل لكل مقامٍ مقالًا، ولكل شخصٍ قدره، فدلَّت مواقفه كلها على عقل راجح، وحكمة نادرة، واختيار دائم لما فيه الخير للأمة.
ومن كمال عقله وحكمته -صلى الله عليه وسلم- أنه: جمع بين القوة والتسامح في آنٍ واحد، وموقفه يوم "فتح مكة" خير شاهدٍ على ذلك، فقد دخلها منتصرًا على من آذوه، وحاربوه لسنين طويلة، وكان قادرًا على الانتقام منهم، لكنه قال لهم: «.. يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَيا أَهْلَ مَكَّةَ، ما تَرَوْنَ أَنِّي فاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. فقال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» [رواه الطبري في "تاريخه" ١٢/٩٣]، وبهذا الموقف، جمع بين قوة القائد المنتصر، وهيبته، وبين رحمة النبي المتسامح، وعفوه، فأثر ذلك في قلوب الناس، ودخل كثير منهم في الإسلام، لا رهبة من سيفه، بل إعجابًا بعدله، ورحمته.
كمال القيادة والعدل:
فقد أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- العدل على نفسه كما أقامه على غيره، وكان مثالًا في الإنصاف حتى لو كان ذلك على حساب نفسه، أو أقرب الناس إليه، ومن ذلك قضية "المرأة المخزومية" التي سرقت، وشُفِع لها عنده -صلى الله عليه وسلم؛ بسبب مكانتها الاجتماعية، فغضب وقال: «إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كانُوا يُقِيمُونَ الحَدَّ على الوَضِيعِ ويَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ، والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لو أنَّ فاطِمَةَ فَعَلَت ذلكَ لَقَطَعْتُ يَدَها» [رواه البخاري برقم ٦٧٨٧]، وفيه دليل واضح على أنه لا يحابي أحدًا حتى لو كانت ابنته رضي الله عنها، بأبي هو وأمي -صلى الله عليه وسلم.
وأنصف -صلى الله عليه وسلم من نفسه، فقد وقف -صلى الله عليه وسلم- (في غزوة بدر) بين الصفوف يعدلها بقضيب في يده، فمرَّ بسوَّاد بن غزيَّة، حليف بني النجار، وهو خارج عن الصف، فضربه بالقضيب في بطنه وقال: «ٱسْتَقِمْ يَا سَوَّادُ»، فَقَالَ: أَوْجَعْتَنِي يَا رَسُولَ ٱللَّهِ، وَقَدْ بَعَثَكَ ٱللَّهُ بِٱلْحَقِّ وَٱلْعَدْلِ، فَأَقِدْنِي مِنْ نَفْسِكَ، فَكَشَفَ رَسُولُ ٱللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ: «ٱسْتَقِدْ يَا سَوَّادُ»، فَٱعْتَنَقَهُ سَوَّادٌ وَقَبَّلَ بَطْنَهُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : «مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ ٱللَّهِ، قَدْ حَضَرَ مَا تَرَى، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ ٱلْعَهْدِ أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ، فَدَعَا لَهُ صلى الله عليه وسلم بِخَيْرٍ» ، ثم ابتدأ -صلى الله عليه وسلم- يوصي الجيش. [نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، للشيخ الخضري، ص١٠٣].
كمال التوازن:
فقد كان الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- مثالًا رائعًا في كمال التوازن في حياته؛ حيث جمع بين العبادة والعمل، فكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ويقود الأمة بحكمة وهِمَّة في النهار، كان زاهدًا في الدنيا؛ لكنه لا يترك حقًا لأهله أو أمته، يُخصِّص وقتًا لعبادته، وآخر لأهله، وأصحابه، ويهتم بشؤون الناس دون أن يغفل عن ذكر ربه، ويعلم أصحابه هذا التوازن، ويقر سلمان عليه الفارسي لمَّا قال لأبي الدرداء رضي الله عنهما: "إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ"، فأتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ ذلكَ له، فقالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَ سَلْمانُ» [رواه البخاري برقم ٦١٣٩]، وبهذا أقام -صلى الله عليه وسلم- حياة متكاملة تصلح قدوة لكل مسلم في دنياه، وآخرته.
كان -صلى الله عليه وسلم- مثالًا يُحتذى في الإحسان، فقد جمَع بين الرحمة والعدل في تعامله مع جميع الخلق، وكان يُحسن إلى الناس، يُطعم الجائع، ويواسي الحزين، ويزور المرضى، ولا يفرق بين غني وفقير، قريب وبعيد، فقد شمل إحسان النبي -صلى الله عليه وسلم- جميع المخلوقات، فلم يقتصر على البشر فحسب، بل امتد إحسانه -صلى الله عليه وسلم- إلى الإنس والجان، والطير والدواب، فهو نبي الرحمة الذي قال الله عنه: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].
فأما إحسانه إلى الإنس: فكان يُطعم الجائع، ويحنو على اليتيم، ويعفو عن المسيء، ويعامل الناس بالحسنى مهما كانت منزلتهم، أو أحوالهم، وهذا ما ذكرته السيدة خديجة رضي الله عنها لمَّا قال: «لقَدْ خَشِيتُ على نَفْسِي» فقالَتْ خَدِيجَةُ: "كَلّا واللَّهِ ما يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ". [رواه البخاري برقم ٣].
وأما إحسانه إلى الجان: فقد دعاهم إلى الإيمان، وقرأ عليهم القرآن، وبيَّن لهم الحق كما في قوله تعالى: {قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا} [الجن: ١].
يقول الحافظ ابن كثير: "يقول تعالى آمرًا رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن، فآمنوا به، وصدقوه، وانقادوا له". [تفسير القرآن العظيم، (٧/ ٣٩٣].
وأما إحسانه إلى الطير والحيوان: فكان ينهى عن إيذائها، ويرحمها، ويأمر بالإحسان إليها، وقال صلى الله عليه وسلم: «في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ» [رواه البخاري برقم ٢٣٦٣].
وعن عبد الله بن مسعود عن أبيه رضي الله عنه قال: "كُنَّا معَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في سَفَرٍ، ومَرَرْنا بشَجرةٍ فيها فَرْخا حُمَّرَةٍ، فأَخَذْناهما، قالَ: فجاءتِ الحُمَّرةُ إلى النَّبيِّ ﷺ وهي تَصيحُ، فقالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَن فَجَعَ هذه بفَرْخَيْها؟ قالَ: فقُلْنا: نحنُ، قالَ: فرُدُّوهما» [رواه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" برقم ٧٨٠٨].
ولله در القائل:
مَنْ أَخْبَرَ الْوَرْقَاءَ أَنَّ مَقَامَكُمْ *** حَرَمٌ وَأَنَّكَ مَنْزِلٌ لِلْخَائِفِ؟
وهكذا كان -صلى الله عليه وسلم- محسنًا في كل شيء حوله، لا يرضى بالظلم لأي مخلوق، بل جعل الرحمة والإحسان منهج حياة فقالَ -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ على كُلِّ شيءٍ، فَإِذا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [رواه مسلم برقم ١٩٥٥].
النبي -صلى الله عليه وسلم- هو نموذج للكمال، والجمال الروحي، والأخلاقي حيث تجلى جماله ليس فقط في مظهره الخارجي بل في أخلاقه العالية، وسلوكه الكريم، وكان مثالاً للصبر والحكمة والعدل، مما جعله قدوة لكل من حوله، ظهر كماله في توازنه بين القوة واللِّين، وفي قدرته على التعامل مع الناس برحمة واحترام، والإحسان عنده كان منهج حياة، يظهر في عطفه ورحمته بالضعفاء، والمظلومين، وقد جمع -صلى الله عليه وآله وسلم- بين صفات القائد الرحيم، والصديق المُخْلِص، فكان خير مثال للبشرية جميعًا.
فيضٌ من الجمال تجلى في شخص النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكن حبه للجمال مجرد ميل فطري.
لم يعرف التاريخ زهدًا أصفى، ولا أعمق من زهد المصطفى –صلى الله عليه وآله وسلم، الذي ملك مفاتيح الدنيا كلها.
إن شكر النعمة بمولد الجناب الأنور صلى الله عليه وآله وسلم هو استمداد للطاقة الروحية.