خصائصُ فريدةٌ ومزايا عظيمةٌ اختصَّ الله بها خيرةَ خلقه وخاتمَ رسله سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وتكريمٌ إلهيٌّ له في الدنيا والآخرة، ودفاعٌ من الله عنه ضد افتراءات قومه، مما يدعو الأمة إلى معرفة قدر نبيها والاهتداء بهديه وسنته.
خصائصُ فريدةٌ ومزايا عظيمةٌ اختصَّ الله بها خيرةَ خلقه وخاتمَ رسله سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وتكريمٌ إلهيٌّ له في الدنيا والآخرة، ودفاعٌ من الله عنه ضد افتراءات قومه، مما يدعو الأمة إلى معرفة قدر نبيها والاهتداء بهديه وسنته.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ فقد اختار الله تعالى أنبياءه من خيرة خلقه، واصطفاهم بعراقة الأصل، ورجاحة العقل، وأيَّدهم بالمعجزات الباهرات، وعصمهم من الدنايا، وحفظ ظاهرهم وباطنهم من الزلات والهفوات، وزيَّنهم بكريم الخصال؛ ليكونوا رسلًا بينه تعالى وبين خلقه، يبلغون رسالاته، ويرشدون عباده، ويقيمون في الأرض شرعه وأحكامه.
ولقد أكرم الله كثيرًا من رسله بخصائص ومزايا؛ فاتخذ إبراهيم خليلًا، وكلم موسى تكليمًا، وسخَّر لداود الجبال يسبحن معه والطير، وألان له الحديد، ووهب سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وسخَّر له الجن والريح تجري بأمره، وهذا عيسى عليه السلام يكلم الناس في المهد، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله.
أما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن نصيبه من هذه المزايا أوفر، وحظه من هذه المكرمات أكبر.
لقد أرسل الله سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، بينما كان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة، قال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَاۤفَّةࣰ لِّلنَّاسِ بَشِیرࣰا وَنَذِیرࣰا﴾ [سبأ: ٢٨]، بل إن رسالته صلى الله عليه وسلم شملت الإنس والجن، كما يدل عليه قول الله تعالى عن الجن: ﴿قُلۡ أُوحِیَ إِلَیَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرࣱ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوۤا۟ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبࣰا * یَهۡدِیۤ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَءَامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَاۤ أَحَدࣰا﴾ [الجن: ١-٢].
وقد أيَّده الله تعالى بالنصر والرعب الذي يقذفه في قلوب أعدائه، مع بُعد المسافة بينه وبينهم، وأعطاه جوامع الكلم، وأحَلَّ له الغنائم، وهي خصائص لم تُعطَ لأحد من الأنبياء قبله، وقد روى البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحُلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» [صحيح البخاري ( ٣٣٥ )].
لقد شرح الله صدر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ورفع له ذكره، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، وقد فُسِّرت هذه الآية بأن الله تعالى لا يُذكر إلا ويُذكر معه النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الشهادتين والأذان والإقامة والتشهد والخطب، وهو من أعظم مظاهر تكريمه وعلو منزلته، قال الشافعي عن مجاهد في تفسير هذه الآية: لا أذكر إلا ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، قال الشافعي: يعني: ذكره - صلى الله عليه وسلم - عند الإيمان بالله تعالى والأذان.
وقد قرن الله تعالى اسمه باسم نبيه صلى الله عليه وسلم في مواضع متعددة من العبادات والشعائر، فلا يصح إسلام العبد إلا بالشهادة لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ويُذكر اسمه الشريف في الأذان والتشهد وسائر العبادات، مما يدل على عظيم قدره ورفيع منزلته، ولله در حسان بن ثابت رضي الله عنه إذ يقول:
أغرّ عليه للنبوة خاتمٌ * * * من الله مشهود يلوح ويشهد
وضمَّ الإله اسم النبي إلى اسمه * * * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشقَّ له من اسمه ليجله * * * فذو العرش محمودٌ وهذا محمد
وفي الطاعة والاستجابة يقول تعالى: ﴿قُلۡ أَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِینَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، ويقول: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱسۡتَجِیبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وفي الفرائض والأحكام: ﴿قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِ وَلَا یُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾ [التوبة: ٢٩]، وفي التفضل والإنعام: ﴿وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِیۤ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَیۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، كما قرن اسمه باسمه تعالى في الوعد والوعيد: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن یُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ یُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِینَ فِیهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ * وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَیَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ یُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدࣰا فِیهَا وَلَهُۥ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ﴾ [النساء: ١٣-١٤].
وعند البيهقي في شعب الإيمان بسنده إلى أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «اتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَمُوسَى نَجِيًّا، وَاتَّخَذَنِي حَبِيبًا، ثُمَّ قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلَى خَلِيلِي، وَنَجِيِّي» [البيهقي، شعب الإيمان: ١٤١٣].
ومما اختصَّ الله تعالى به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، وميّزه به على سائر الأنبياء، أنه لم يُنادِه باسمه مجردًا كما نادى غيره من الأنبياء، بل كان يخاطبه بأوصاف التشريف والتكريم، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، بخلاف ما ورد في خطاب غيره من الأنبياء بأسمائهم الصريحة في القرآن الكريم، قال تعالى ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿یَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمࣲ مِّنَّا﴾ [هود: ٤٨]، ﴿وَنَٰدَیۡنَٰهُ أَن یَٰۤإِبۡرَٰهِیمُ * قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤ﴾ [الصافات: ١٠٤-١٠٥]، ﴿قَالَ یَٰمُوسَىٰۤ إِنِّی ٱصۡطَفَیۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِی وَبِكَلَٰمِی﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ﴿یَٰزَكَرِیَّاۤ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ یَحۡیَىٰ﴾ [مريم: ٧]، ﴿یَٰیَحۡیَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةࣲ﴾ [مريم: ١٢]، ﴿یَٰعِیسَىٰۤ إِنِّی مُتَوَفِّیكَ وَرَافِعُكَ إِلَیَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
أما خاتمهم صلى الله عليه وسلم، فلم يكن الخطاب الإلهي له باسمه مجردًا، وإنما كان يأتي مقرونًا بأوصاف التشريف وعز الرسالة، فيقول تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا یَحۡزُنكَ ٱلَّذِینَ یُسَٰرِعُونَ فِی ٱلۡكُفۡرِ﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِنَّاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدࣰا وَمُبَشِّرࣰا وَنَذِیرࣰا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وذلك تكريمًا له ورفعًا لذكره ومنزلته عند الله سبحانه وتعالى.
أيها المسلم الكريم:
مما اختصَّ الله تعالى به نبيَّ هذه الأمة، وخاتم الأنبياء سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه تولّى الدفاع عنه وكفايته من أذى قومه، بخلاف ما جرى مع كثير من الأنبياء السابقين، الذين واجهوا اتهامات باطلة من أقوامهم، واضطروا إلى بيان الحق والدفاع عن أنفسهم؛ فهذا نوح عليه السلام اتهمه قومه بالضلال، كما حكى القرآن الكريم عنهم قولهم: ﴿إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِی ضَلَٰلࣲ مُّبِینࣲ﴾ [الأعراف: ٦٠]، فدافع نوح عن نفسه قائلًا: ﴿قَالَ یَٰقَوۡمِ لَیۡسَ بِی ضَلَٰلَةࣱ وَلَٰكِنِّی رَسُولࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأعراف: ٦١]، وهذا هود - عليه السلام -، اتهمه قومه بالسفاهة والجنون والكذب؛ إذ قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِی سَفَاهَةࣲ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِینَ﴾ [الأعراف: ٦٦]، فدافع عن نفسه قائلًا: ﴿قَالَ یَٰقَوۡمِ لَیۡسَ بِی سَفَاهَةࣱ وَلَٰكِنِّی رَسُولࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأعراف: ٦٧]، وهذا فرعون يقول لموسى: ﴿إِنِّی لَأَظُنُّكَ یَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورࣰا﴾ [الإسراء: ١٠١]، فيرد عليه موسى قائلًا: ﴿وَإِنِّی لَأَظُنُّكَ یَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورࣰا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
أما خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - فكان كلما رماه قومه بالأباطيل، وافتروا عليه الأكاذيب، تولى الله الدفاع عنه، اتهمه قومه بأنه شاعر أو كاهن فدافع عنه ربه قائلًا: ﴿وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا یَنۢبَغِی لَهُۥۤۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرࣱ وَقُرۡءَانࣱ مُّبِینࣱ﴾ [يس: ٦٩]، وقال: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولࣲ كَرِیمࣲ * وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرࣲۚ قَلِیلࣰا مَّا تُؤۡمِنُونَ * وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنࣲۚ قَلِیلࣰا مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِیلࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الحاقة: ٤٠-٤٣]، واتهموه بالضلال والانحراف فدافع عنه ربه قائلًا: ﴿وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ﴾ [النجم: ١-٢]، ورموه بالجنون فقال ربه - عز وجل -: ﴿نۤ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا یَسۡطُرُونَ * مَاۤ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونࣲ﴾ [القلم: ١-٢]، بل لقد تآمر عليه بعض زوجاته بدافع الحب والغيرة فدافع عنه ربه بقوله: ﴿إِن تَتُوبَاۤ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَیۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِیلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۖ وَٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِیرٌ﴾ [التحريم: ٤]، ثم يبلغ التهديد أقصاه فيقول تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥۤ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن یُبۡدِلَهُۥۤ أَزۡوَٰجًا خَیۡرࣰا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتࣲ مُّؤۡمِنَٰتࣲ قَٰنِتَٰتࣲ تَٰۤئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتࣲ سَٰۤئِحَٰتࣲ ثَیِّبَٰتࣲ وَأَبۡكَارࣰا﴾ [التحريم: ٥].
ولقد رفع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم منزلةً عظيمة، إذ أخذ الميثاق على جميع النبيين بأنهم إذا بُعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به ولينصرنه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَٰقَ ٱلنَّبِیِّۦنَ لَمَاۤ ءَاتَیۡتُكُم مِّن كِتَٰبࣲ وَحِكۡمَةࣲ ثُمَّ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مُّصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِیۖ قَالُوۤا۟ أَقۡرَرۡنَاۚ﴾ [آل عمران: ٨١]، فزاد العهد شرفًا والميثاق قوة فقال: ﴿قَالَ فَٱشۡهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِینَ﴾ [آل عمران: ٨١].
ولقد عصمه الله من كيد الناس فقال له: ﴿وَٱللَّهُ یَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ﴾ [المائدة: ٦٧]، ويكفيه شرفًا وفخرًا وتكريمًا وتفضيلًا أن وصفه ربه بالنور: ﴿قَدۡ جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورࣱ وَكِتَٰبࣱ مُّبِینࣱ﴾ [المائدة: ١٥]، وقال: ﴿وَدَاعِیًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجࣰا مُّنِیرࣰا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، أقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِی سَكۡرَتِهِمۡ یَعۡمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، وصلى هو وملائكته على ذاته فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰۤئِكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیۡهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
ثم هو يوم القيامة أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفَّع، وصاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، والحوض المورود.
ومما اختصَّ الله تعالى به نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنه أكرم أمته، ووعده بحفظها، وعدم إهلاكها بعذابٍ عامٍّ كما وقع للأمم السابقة، ويروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قول إبراهيم عليه السلام: ﴿فَمَن تَبِعَنِی فَإِنَّهُۥ مِنِّیۖ وَمَنۡ عَصَانِی فَإِنَّكَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقول عيسى ابن مريم: ﴿إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، ثم رفع يديه وقال: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي» وبكى فقال الله - عز وجل -: «يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟»، فجاءه جبريل يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له خوفه على أمته وعلى مستقبلها - لا سيما إذا ما ارتكبت ما هلكت به الأمم السابقة - فقال الله - عز وجل -: «يَا جِبْرِيلُ، قُلْ لِمُحَمَّدٍ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ» [صحيح مسلم، ٣٤٦]، هذا فضلًا عن المعجزات الباهرات والعطاء غير المحدود في قوله تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَیۡرࣱ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ * وَلَسَوۡفَ یُعۡطِیكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰۤ﴾ [الضحى: ٤-٥]، وفي ذلك يقول القائل:
وكم لك معجزات باهرات * * * كضوء الشمس ليس لها خفاء
وأخلاق تطيب بها القوافي * * * ويحلو المدح فيها والثناء
خلقت مبرءًا من كل عيب * * * كأنك قد خلقت كما تشاء
قرأنا في الضحى ولسوف ترضى * * * فسر قلوبنا ذاك العطاء
ومما اختصَّ الله تعالى به رسوله ومصطفاه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه وهبه قلبًا رقيقًا، وجعله بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، قال تعالى: ﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ١٢٨].
لما أراد الله تعالى أن يختم رسالاته إلى الناس، ويكمل دينه لهم، ويتم عليهم نعمته، بعث خاتم النبيين وإمام المرسلين صلى الله عليه وسلم، هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فكان رحمةً لأمته، بل رحمةً للعالمين، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وصدق رسوله الكريم إذ يقول: «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» [المستدرك على الصحيحين، للحاكم، ( ١٠٠٠) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، وصححه على شرط الشيخين ]، ولقد ميزه ربه بصفتي الرحمة والرأفة فقال: ﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ١٢٨].
لقد امتاز صلى الله عليه وسلم بقلبٍ يفيض بالرحمة، وينبض بالحنان وحب الخير للعالمين، فكان يعامل الكبير والصغير، والمؤمن وغير المؤمن، بل الإنسان والحيوان، برفقٍ ورحمة، وتكشف سيرته العطرة عن جانب عظيم من حسن خلقه، وسموِّ عاطفته، وكرم شمائله.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم يرحم الصغار، ويحنو عليهم، ويُجلسهم في حجره ويداعبهم، كما أخبر بذلك يوسف بن عبد الله بن سلام [مسند أحمد، ٢٣٨٣٦]، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، وهو يحب إطالة الصلاة، فإذا سمع بكاء طفل خفف صلاته رحمةً به وبأمه [مسند أحمد، ١٣٥٢٣].
وكانت رحمته صلى الله عليه وسلم شاملة حتى في وعظه وتوجيهه، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "كان صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة" [صحيح مسلم، ٢٨٢١].
ولله در القائل:
ومكارم الأخلاق أنت ملاكها * * * وأتمها أخلاقك الحسناء
خلق أرق من النسيم ورحمة * * * عمت يشيد بذكرها الرحماء
وعليك من شرف الأمانة حلة * * * ومن السكينة والوقار رداء
من لي بوصف شمائل قدسية * * * سقراط فيها عاجز خطاء
كملت فضائلك التي في وصفها * * * يحلو الحديث ويعذب الإصغاء
أحببت خير النبيين فحبه * * * دين وقمة مدحه العلياء
أرجو به عز الشفاعة يوم لا * * * يغني الفتى مال ولا أبناء
فليعرف المسلمون لرسولهم صلى الله عليه وسلم قدره، وليهتدوا بهديه، وليحيوا سنته، عسى أن يكونوا من المفلحين.
وفقنا الله لما يحبه ويرضاه
إن الخصائص التي اختصَّ الله بها نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، من عموم رسالته، وتشريف خطابه، وتكفُّل المولى بالدفاع عنه وعصمته، جعلت من سيرته مرجعية أخلاقية خالدة للبشرية جمعاء، كما يتضح أن فضله امتدَّ بما خصَّه الله به من الرحمة الشاملة، التي وسعت الإنس والجن، بل وشملت الحيوان أيضًا، وتختتم هذه الرؤية بضرورة استشعار المسلمين لهذه المنزلة العظيمة، من خلال إحياء سنته القولية والعملية، والاقتداء بهديه، رجاء نيل شفاعته يوم القيامة والظفر برضا الله تعالى.
أهمية ذكرى المولد النبوي الشريف باعتبارها من أعظم الذكريات في تاريخ الأمة الإسلامية
جاء ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- رحمةً من الله لإنقاذ البشرية من هذا الانحطاط، وإخراجها من الظلمات إلى النور
بشّرت بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم الكتبُ السماوية
اللهَ تعالى قد جعلَ خلقَ بدنِهِ الشريفِ على وجهٍ لمْ يظهرْ قبلَهُ ولا بعْدَه خلقُ آدميّ مثله فهو أصل الجمال وقد جمعت كل الكمالات فيه صلى الله عليه وسلّم
إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمثل التطبيق العملي الحي لقيم القرآن الكريم ومبادئه السامية في واقع الحياة الإنسانية