وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
قال تعالى: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [القصص٧]، على عين القدرة الإلهية وتحت رعايتها تتم المعجزات التي تساند السماء بها أنبياءها ورسلها في جهادهم لدحر الباطل وإحقاق الحق، وإعلان كلمة الله في الأرض، في يوم كان فرعون مُصر يصرخ معلنًا أنه سيذبح الأبناء الذكور لبني إسرائيل ويستبقي نساءهم مطمئنًا إلى أنه لن يفاجأ بذلك الذي حدثته به تنبؤات الكهنة بأن نهاية ملكه ستكون على يد واحد من هؤلاء الأولاد !! حين كان فرعون يعلن هذا وينفذه، ويبث العيون والمراقبين لمتابعة كل امرأة إسرائيلية حامل ليعرفوا متى تضع حملها لينفذوا أوامر فرعون بقتل الذكر واستبقاء البنت، حين كان يتم هذا في يقظة وعناية بالغة كانت عين السماء تدبر للفرعون وجنوده ما لا يمكن حتى أن يجول بخاطره .. أن تنقذ هذا الوليد الموعود من بطش فرعون فتصون له الحياة والبقاء .. ليس هذا فحسب بل تجند فرعون وبيته وملكه لرعاية هذا الوليد في بيته نفسه، معززًا منعمًا، تكون سلطة فرعون وجنوده في حراسته وحمايته!! لتكون قصة موسى فيما بعد أعظم دليل على عجز الإنسان مهما كان سلطانه وجبروته أمام إرادة الخالق سبحانه، ثم ليكون الدرس والعبرة لكل من تسول لهم أنفسهم في ظل غرور القوة أنهم يقدرون على أن يحادوا الله ويفتروا على إرادته القاهرة، وهذا ما تحدثت به الآيات في مفتتح سورة القصص: ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ﴾ [القصص٤-٦].
الموقف هكذا بوضوح: فرعون قد نسي نفسه ونسي قدرة الخالق فعلًا في الأرض بغير الحق وطغى وتجبر حتى صاح في الناس: أنا ربكم الأعلى، وقال: ما علمت لكم من إله غيري، ومن ثم فقد خرج على سنن الله وقوانينه في منع الفساد في الأرض، وأصبح من سنن الله أن تنفذ السماء أمرها فيه وأن تردّ الأمور في الأرض إلى حيث الحق والعدل، فنمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم الأئمة ونهلك الفرعون ونبقي الذين كانوا مستضعفين ليرثوا دولة الباطل، وهكذا تستقيم الدنيا وفق عدل الله.
الأم الملهمة: عيون الفرعون تحصي على النساء أحوالهن، وحمل المرأة لا يخفى، والقابلات، مبثوثات ذوات نفوذ يجيز لهن أن يقتحمن البيوت ويستطلعن أحوال النساء، وأم موسى واحدة من بنات بني إسرائيل المطاردات الملاحقات، فأنى لها أن تفلت من هذا البلاء العظيم، وتفضي إلى ابنتها أخت موسى بهواجسها: ماذا لو كان المولود ولدًا فكيف نخفيه ونحميه؟ وقلبي يحدثني بأني سألد ذكرًا، وتبكي الأم وابنتها ويضرعان إلى السماء أن تعينهما الخلاص من هذا البلاء!! وتستجيب السماء فتعمي أعين المطاردين من رجال فرعون ومن القابلات، وتلد أم موسى ولدها فلا يعثر عليه أحد، ويخفى خبره عن المطاردين، وتوحي السماء إلى أم موسى بما ينبغي أن تفعل حتى تخلص من البلاء، وتطمئنها السماء بأن تنزع من قلبها الخوف، وتنفذ ما أمرتها السماء أن تفعله إذا شعرت بالخطر، بل تعدها ووعد السماء غير مكذوب بأن الوليد سيعاد إليها وتبشرها فوق هذا بأنه سيكون واحدًا من رسل الله، وهذا ما حكته الآيات في قوله تعالى: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [القصص٧].
فالتقطه آل فرعون: وتصنع الأم لوليدها وعاء خفيفًا ووضعته ثم ألقته في النهر، ومضت على الشاطئ تلاحظه؛ ولأن عين السماء هي الحارسة فقد حمله الموج الهادئ حتى كان أمام قصر فرعون وأحست أم موسى بالخطر يقترب من وليدها وأدركها من الفزع ما لا يمكن لمثلها أن تحتمله فهمت أن تصرخ .. ولو فعلت لفطن إليها أعوان فرعون وجنوده ووقع ما لا يرجى، لكن السماء ربطت على قلبها وأنزلت على فؤادها المشتعل بنار اللهفة والفزع بردًا ملأه باليقين في صدق وعد السماء فهدأت، وعادت وابنتها إلى حيث يعيشان بعيدًا عن قصر الفرعون وعن أعوانه وجنوده.
وفي قصر الفرعون كان للسماء ثمة ترتيب آخر؛ حيث هيأت لموسى من قبل أم بديلة هي امرأة الفرعون نفسه، وكانت عقيمًا لا تنجب مشوقة إلى وليد يملأ دنياها عليها ويحيل حياتها الفارغة المسكونة بالفراغ والحزن الدقيق إلى حيوية الأنثى، تعيش مع طفل يجدد أيامها ويمنحها الأمل في البقاء وحب الحياة، الأم البديلة (آسيا بنت مزاحم) قالت لفرعون لا تقتلوه، اتركوه لي تقر به عيني، وتسعد به أيامي، ويكون لي عوضًا ولدًا، وهذا ما حكته الآية: ﴿وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ﴾ [القصص٩]، وكانت الأم الوالدة لموسى تستشعر بعض القلق عليه، وتود لو علمت بماذا انتهى إليه أمره .. أهو حي أم أنزل الفرعون به بأسه؟ فبعثت أخته تتقصى لها أخباره، فإذا الأخت تخبرها بأنه في قصر الفرعون حي صحيح لم يمسه سوء على مقربة منهم، وأنهم يبحثون له عن مرضع؛ لأن كل المراضع التي عرضوها عليه لم يستجب لهن، وقالت الأخت للباحثين عن مرضع: إنها تعرف أسرة طيبة تخاف على الأطفال وتحسن رعايتهم فجربوا أن ترضعوه منها، وذلك ما حكته الآيات: ﴿وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [القصص٩-١٣]، ولكن أكثرهم لا يشعرون .. نعم وهذا خطأ أكثر بنى الإنسان تغرهم القوة والعافية أو يغر بهم المال والبنون أو تسرح بهم الأيام والأحلام، فيدبرون ويحسبون ثم تطغيهم القوة والسلطة فيطغون، ويمضون واهمين أنهم يصنعون الأيام والأحلام في غفلة غافلة عما تكنه سنن الله وقوانينه أن لا بقاء في أرض الله إلا لما يريده الله .. ولن تسمح السماء مهما أملت للمخالفين عن أمرها، ولن تسمح السماء أن يصبح الفساد في الأرض هو قانونها الغالب، ولا أن يكون (الفراعنة) (والقوادون) و(الهامانات) هم معالم الحياة ورموزها الحاكمة.
نعم أكثر الناس كما تحدث القرآن لا يعلمون؛ لأن مبلغ علم الإنسان هو يومه لا غده لا وهو حاضره لا مستقبله مهما خدعته عافيته أو ثروته أو سلطانه .. فقوانين لله فوق حسابات الإنسان .. وإرادة الله لا تمنعها إرادات البشر ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ﴾ [النور٦٣]، وإذا كانت عناية الله لا تغفل عن أوليائه وأصفيائه فإن عين الله لا تغفل أبدًا عن كيد أعدائه فترتب لهم من كيدها بأقسى مما يكيدون، وفي الحديث الذي معنا عن (أم موسى) كادت السماء بفرعون فأغرقته وجنوده ثم نجته ببدنه ليكون لمن خلفه آية، وحسب ما جاء بالقرآن من أخبار الأولياء وأخبار الضالين والأعداء أن يوقظ الأبصار والبصائر إلى سنن الله وقوانينه في الآفاق والأنفس فنلزم الحق، ونحذر الباطل ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف٢١] .
يظهر حفظ الله لموسى من بطش فرعون قدرة الخالق المطلقة فوق كل سلطان بشري، فتدخل السماء وحكمة الأم والأخت أمنت للوليد الموعود طريق النجاة والنبوة، القصة تذكّر بأن إرادة الله لا يُقهرها بشر، وأن رحمته تشمل المؤمنين مهما علت قوة الطغاة.
صان القرآن الفطرة الإنسانية بعقاب المنحرفين.
المعجزة أمر خارق يثبت صدق الأنبياء.
وفاء النبي تجلى بصيام نصر سيدنا موسى.