Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ثمرات استفتاح شهر رمضان

الكاتب

هيئة التحرير

ثمرات استفتاح شهر رمضان

إنَّ للمؤمن في أوائل أيام صيامه ثمراتٍ عاجلة، تظهر على أحواله الظاهرة، وعلاقاته الاجتماعية، وانضباطه الحياتي، وهي ثمرات لا تقف عند حدود الفقه أو التزكية، بل تمتد؛ لتشمل جوانب من انتظام الشمل، واستشعار النعمة، وقهر العادة، فتصهر الأمة في بوتقة الوحدة، وتجلو مرآة الفكر؛ للاستبصار.

ثمرة "الائتلاف العام"، ووحدة الشعور الجماعي

من أعظم ثمرات الأيام الأولى هي تلك "الهزَّة" الجماعية التي تُلغي الفوارق بين آحاد الأمة حيث ينخرط الجميع في آنٍ واحد في نَسَقٍ عبادي موحد، مما يثمر شعورًا بالقوة والمنعة والوحدة قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦۤ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةࣰ وَٰحِدَةࣰ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].

قيل في تفسيرها:" أي: أن ملة التوحيد والإِسلام ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها فكونوا عليها، أُمَّةً واحِدَةً غير مختلفة".[البيضاوي، أنوار التنزيل (٤/٦٠)].

وقيل أيضًا: "‌أي: ‌جماعة ‌واحدة، متفقة على التوحيد، والطاعة". [ابن عجيبة، البحر المديد في تفسير القرآن المجدي (١/٢٣٩)].

وقال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ﴾  [آل عمران: ١٠٣].

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعًا، يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله". [الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن (٧/٧٠)].

ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الصَّومُ يَومَ تَصومونَ، والفِطرُ يَومَ تُفطِرونَ، والأضحَى يَومَ تُضَحُّونَ» [رواه الترمذي في "سننه" رقم (٦٩٧)، وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ"].

هذا الحديث أصلٌ في أنَّ العبادة لا تُؤدَّى بصفة فردية منعزلة، بل ثمرتها في الجماعية، يقول الإمام" الجصاص" -رحمه الله-: "وهذا يوجب أن يكون صوم كل قوم يوم صاموا، وفطرهم يوم أفطروا... وقد تكلم أيضًا في معناه، فقال قائلون: معناه أن الجميع إذا اتفقوا على صوم يوم فهو صومهم، وإذا اختلفوا احتاجوا إلى دلالة من غيره؛ لأنه لم يقل: "صومكم يوم يصوم بعضكم"، وإنما قال: "يوم تصومون"، وذلك يقتضي صوم الجميع" [أبو بكر الجصاص، أحكام القرآن (١/٢٧٦)].

كما أن الصوم يحمل الارتباط الشعوري؛ فقد روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٥٨٦)].

قال الإمام النووي – رحمه-: "هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم والملاطفة، والتعاضد في غير إثم ولا مكروه".[الإمام النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٦/١٣٩)].

ويقول ابن الجوزي - رحمه الله-: " إنما جعل المؤمنين كجسد واحد؛ لأن الإيمان يجمعهم كما يجمع الجسد الأعضاء، فلموضع اجتماع الأعضاء يتأذى الكل بتأذي البعض وكذلك أهل الإيمان، يتأذى بعضهم بتأذي البعض".[ ابن الجوزي، كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/٢١٢)، رقم (٦٨٢)].

ثمرة "انضباط الوقت"، وترتيب شؤون الحياة

تُثمر البدايات الأولى للصيام انضباطًا صارمًا في "إدارة الوقت" حيث تتحول الفوضى اليومية إلى نظام دقيق يتقيد فيه العبد بالدقائق والثواني (إمساكًا وإفطارًا)، وهو ما يُعرف بـ "هندسة الزمن" قال تعالى: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَیۡطُ ٱلۡأَبۡیَضُ مِنَ ٱلۡخَیۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّیَامَ إِلَى ٱلَّیۡلِۚ﴾ [البقرة: ١٨٧] .

يذكر الإمام الفخر الرازي (ت: ٦٠٦هـ) في "تفسيره" أنه :"ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام، وأن لا يصلي العشاء الأخيرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية". [مفاتيح الغيب = التفسير الكبير(٥/٢٦٧)].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ بلالًا يُؤَذِّنُ بلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ».[رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٦٥٦)].

هذا الحديث يبرز قمة "هندسة الزمن" في العهد النبوي؛ حيث وُظفت طاقات المجتمع (الأذان)؛ لضبط لحظة واحدة هي لحظة الإمساك، مما يزرع في الصائم منذ اليوم الأول احترام "الفوارق الزمنية اليسيرة".

يقول الإمام القسطلاني (ت: ٩٢٣هـ): "فإنَّ فيه إشعارًا بأنَّ ابن أمِّ مكتومٍ بخلافه، وأيضًا وقع عند المؤلِّف في "الصِّيام" من قوله صلى الله عليه وسلم: «حتَّى يؤذِّن ابن أمِّ مكتومٍ» فإنَّه لا يؤذِّن حتَّى يطلع الفجر، وأُجيب بأنَّ أذانه جُعِل علامةً لتحريم الأكل، وكأنَّه كان له من يراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء طلوع الفجر".[القسطلاني، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (٤/٤٢)].

وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «‌لَا ‌يَزَالُ ‌النَّاسُ ‌بِخَيْرٍ ‌مَا ‌عَجَّلُوا ‌الْفِطْرَ». [رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٩٥٧)].

"الحديثُ دليلٌ على استحبابِ تعجيلِ الإفطارِ، واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين وكذا عدل واحد في الأرجح". [ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري (٤/١٩٩) رقم (١٩٥٧)].

يقول الإمام ابن الجوزي (ت: ٥٩٧هـ): "‌ينبغي ‌للإنسان ‌أن ‌يعرف ‌شرف ‌زمانه، ‌وقدر ‌وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل".[ابن الجوزي، صيد الخاطر (ص٣٣)].

ثمرة "استكشاف مجهول النعم" (اليقظة بعد الغفلة)

الإنسان بطبعه يألف النعم حتى يظنها حقًا مكتسبًا، وفي أول أيام رمضان تظهر ثمرة "الاستبصار" حيث يدرك الصائم قيمة (شربة الماء) التي كان يغفل عنها، فتتحول النعمة من عادية إلى عظيمة قال تعالى: ﴿فَلۡیَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦۤ﴾ [عبس: ٢٤] 

يذكر الإمام البغوي (ت: ٥١٦هـ) في "تفسيره: " "كيف قدَّره ربه، ودبره له، وجعله سبباً لحياته، وقال مجاهد: إلى مدخله ومخرجه".[البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن (٨/٣٣٨)].

ويقول الإمام أبو السعود رحمه الله -:"﴿فَلۡیَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦۤ﴾: شروعٌ في تعدادِ النعمِ المتعلقةِ ببقائِه بعد تفصيلِ النعمِ المتعلقةِ بحدوثِه أي: فلينظرْ إلى طعامِه الذي عليه يدورُ أمرُ معاشهِ كيفَ دبرنَاهُ".[أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (٩/١١١)].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ أُصِحَّ جِسْمَكَ وَأَرْوِكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ؟!».[رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١/ ٢٦) رقم (٦٢)، والبيهقي، شعب الإيمان (٦/٣٣٤) رقم (٤٢٨٧)].

يقول الإمام الكاساني - رحمه الله-:"وأما المعقول: فهو أنه سبب التقوى والشكر، ومواساة الفقراء؛ لأن الصائم في زمان الصوم يتقي الحلال، فالحرام أولى، ويعرف قدر نعم الله - تعالى جل شأنه - عليه بما تجشم من ‌مرارة ‌الجوع والعطش؛ فيحمله ذلك على الشكر، وعلى الإحسان إلى الفقراء؛ لما عرف قدر مقاساة المبتلى بالجوع والفقر، وهذه المعاني موجودة في الصوم في هذه الأيام".[الكاساني ، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/٨٣)].

"قيل: ليوسف عليه السلام: لِمَ تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع."[أبو سعد الآبي، نثر الدر في المحاضرات (٧/٥)].

ثمرة "السيادة على العادة"، وكسر قيد المألوف

من ثمرات البدايات هي "التحرر"؛ فالمؤمن يكون أسيرًا لعاداته (كأوقات القهوة، أو الطعام، أو النوم)، وفي اليوم الأول ينكسر هذا القيد، مما يثمر قوة في الإرادة الغريزية بعيدًا عن الجانب التعبدي الصرف قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِیَ ٱلۡمَأۡوَىٰ﴾ [النازعات: ٤٠-٤١] 

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَنْتُمْ فِي زَمَانٍ يَقُودُ الْحَقُّ الْهَوَى، وَسَيَأْتِي زَمَانٌ يَقُودُ الْهَوَى الْحَقَّ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ".[القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (١٩/٢٠٨)].

ويقول الإمام الطبري - رحمه الله-:"وأما مَن خاف مسألةَ اللَّهِ إيَّاه عند وقوفِه يومَ القيامةِ بينَ يديه، فاتقاه؛ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} يقولُ: ونهى نفسَه عن هواها فيما يكرَهُه الله ولا يَرْضاه منها، فزجَرها عن ذلك، وخالَف هواها إلى ما أمَره به ربُّه، {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} يقولُ: فإن الجنةِ هي مأواه ومنزِلُه يومَ القيامةِ". [الطبري، جامع البيان (٢٤/٩٨)].

وقالَ يحيى بنُ معاذٍ: "ليسَ بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ عز وجل، ولم يحفظْ حدودَهُ".

وسُئلَ رُويمٌ عن "المحبةِ"، فقالَ: الموافقةُ في جميع الأحوالِ، وأنشدَ:

ولو قُلتَ لي مُتْ مِتُّ سمعًا وطاعةً. . . وقُلتُ لداعِي الموتِ أهلاً ومرْحبًا

ولبعضِ المتقدمينَ:

تعصي الإلهَ وأنت تزعُمُ حُبَّه. . . هذا لعَمْرِي في القياسِ شَنيعُ

لو كانَ حُبُّك صادقًا لأطعتَه. . . إنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مطيعُ

فجميعُ المعاصِي تنشأُ من تقديمِ هوى النفوسِ على محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم.[ابن رجب الحنبلي، روائع التفسير (١/٢٠٣)].

وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «‌الصِّيَامُ ‌جُنَّةٌ». [متفق عليه].

قال القاضي عياض: "أي: ستر ومانع من الرفث والآثام، أو مانع من النار وساتر منها، أو مانع من جميع ذلك".[القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد المسلم (٤/١١٠)].

وقيل أيضًا: "أي: وقاية وسترة قيل من المعاصي؛ لأنه يكسر الشهوة ويضعفها، وقيل: من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات".[القسطلاني، إرشاد الساري (٣/٣٤٥)].

ويقول الإمام الغزالي - رحمه الله-:"جَعَلَ الصَّوْمَ حِصْنًا لِأَوْلِيَائِهِ، وجنة وفتح لهم به أبواب الجنة، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة، وإن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة".[الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين (١/٢٣٠)].

ثمرة "تصفية الفكر" بقلة الغذاء، وانجلاء الأبخرة الذهنية

تُعد الأيام الأولى من الصيام بمثابة "الجلاء" لمرآة العقل؛ فكثيرة الغذاء في غير رمضان تُحدث "رطوبات" وأبخرةً تثقل الدماغ، وتُورث الكسل الذهني، وبالمقابل فإنَّ خفة البطن في الصيام تُثمر حدةً في القريحة وصفاءً في الفهم قال تعالى: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١] 

يذكر الإمام القرطبي (ت: ٦٧١هـ) في "تفسيره" فوائد ترك الإسراف، فيقول:" في قلة الأكل منافع كثيرة، منها: أن يكون الرجل أصح جسمًا، وأجود حفظًا، وأزكى فهمًا، وأقل نومًا، وأخف نفسًا، وفي كثرة الأكل كظ المعدة، ونتن التخمة، ويتولد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل، وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا شَافِيًا يُغْنِي عَنْ كَلَامِ الْأَطِبَّاءِ فَقَالَ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». [رواه الترمذي في "سننه" رقم (٢٣٨٠)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح»]". [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (٧/١٩٢)].

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «كُفَّ جُشَاءَكَ عَنَّا، فَإِنَّ أَطْوَلَكُمْ جُوعًا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَكْثَرُكُمْ شِبَعًا فِي دَارِ الدُّنْيَا».[رواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٣٥٠)].

[(تَجَشَّأَ): أخرج من فمه الجشاء، وهو ريح يخرج من الفم مع صوت عند الشبع].

  • "قال بعضُ السلف: قلَّةُ الطعام عونٌ عَلَى التسرُّع إِلَى الخيرات، وقال آخر: ما قلَّ طعامُ امرئ إلَّا رق قلبُه، ونديت عيناه، وقال إبراهيمُ بن أدهم: الشِّبع يميت القلب، ومنه يكون الفرحُ والمرح والضحك، وقال أبو سليمان: إِنَّ النفس إذا جاعت وعطِشت صفي القلبُ ورق، وإذا شبِعت ورويت عمي القلب، وقال: مفتاح الدُّنْيَا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع". [ابن رجب الحنبلي، شرح حديث" لبيك اللهم لبيك" (ص١١٧)].
  • ويُعد الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥هـ) من أعظم من شرح "سيكولوجية الجوع"، وأثره الذهني بعيدًا عن الجوانب الفقهية الصرفة، فيقول في "الإحياء": الفائدة الأولى: ‌صفاء ‌القلب، وإيقاد القريحة، وإنفاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة، ويعمي القلب، ويكثر البخار في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معادن الفكر، فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار، وعن سرعة الإدراك بل الصبي إذا أكثر الأكل بطل حفظه، وفسد ذهنه، وصار بطيء الفهم والإدراك". [الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين (٣/٨٤)].
  • ‌"قال ‌لقمان ‌لابنه: ‌يا ‌بني ‌إذا ‌امتلأت المعدة ماتت الفكرة، وخرس لسان الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة، وقال بعض الحكماء: من كثر أكله كثر شربه، ومن كثر شربه كثر نومه، وكثر لحمه، ومن كثر لحمه قسا قلبه، ومن قسا قلبه غرق في الآثام".[شهاب الدين النفراوي الأزهري، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (٢/٣١٧)].
  • "وقال أبو يزيد البسطامي: "الجوع سحاب، فإذا جاع العبد أمطر القلب الحكمة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نور الْحِكْمَة الْجُوع، وَرَأس الدّين ترك الدُّنْيَا، والقربة إِلَى الله حب الْمَسَاكِين والدنو مِنْهُم، والبعد من الله الشِّبَع، فَلَا تشبعوا، فيطفىء نور الْحِكْمَة من قُلُوبكُمْ". [ذكره أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" (٤/٢٤٧ رقم (٦٧٣٠) من حديث أبي هريرة، وكتب عليه إنه مسند].[الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين ٣/٨٥].

الخلاصة

إنَّ باكورة ثمار الصيام في مستهل رمضان تتجلى في الانتقال من ضيق العادة إلى سعة العبادة حيث تجتمع الأمة على نظامٍ زمنيٍّ دقيق، يورثها الهيبة والمنعة، وتتحرر النفوس من رقِّ المألوفات؛ لتستشعر عظيم الهبات، مما يُثمر صفاءً في الذهن، وانجلاءً في الفكر، فتبدأ الرحمة الإلهية بصياغة العبد صياغةً نظاميةً، وروحيةً متكاملة.

موضوعات ذات صلة

الصومُ هو الركن الرابع من أركان الدين، وهو ثابت بالقرآن والسنة والإجماع.

جلى هلال شهر رمضان كقبس من نور الله، يضيء دروب الأرواح الظمأى إلى رحابه.

يُعد الصيام ركيزة تعبدية كبرى تقوم على الإمساك والتقرب إلى الله عزّ وجلّ.

موضوعات مختارة