Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أدب الصائم مع القرآن الكريم.. تلاوةً وتدبرًا وعملًا

الكاتب

هيئة التحرير

أدب الصائم مع القرآن الكريم.. تلاوةً وتدبرًا وعملًا

في رحاب رمضان، ترتقي روح الصائم لتعانق أنوار الوحي صحبةً وأدبًا، فتنسكب التلاوة عذبًا، ويستحيل التدبر فتحًا، وينبت العمل ثمرةً وصدقًا؛ في رحلة إيمانية تنشد الشفاعة وتخشى جفوة الهجر، ليكون القرآن لقلب الصائم حياةً ومنهاجًا وربيعًا لا يذبل.

أدب التلاوة (تعظيم الحرف واللفظ)

لقد ربط الله تعالى في كتابه الكريم بين صوم رمضان، والقرآن الكريم، فقال الله تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ فِیهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدࣰى لِّلنَّاسِ وَبَیِّنَٰتࣲ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ [البقرة: ١٨٥]. 

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في "تفسيره": يمدح تعالى ‌شهر ‌الصيام ‌من ‌بين ‌سائر ‌الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء". [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١/٣٦٧].

وقال تعالى: ﴿إِنَّاۤ أَنزَلۡنَٰهُ فِی لَیۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ﴾ [القدر: ١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّاۤ أَنزَلۡنَٰهُ فِی لَیۡلَةࣲ مُّبَٰرَكَةٍۚ﴾ [الدخان: ٣].

فالتلاوة هي الخطوة الأولى، وهي ليست مجرد تحريك للسان، بل هي استحضار لعظمة الخالق.

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا﴾ [المزمل: ٤]، والترتيل هنا هو التؤدة والاطمئنان.

يقول الإمام الفخر الرازي (رحمه الله): "السُّنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى التَّرْتِيلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ‌﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٤] وَالتَّرْتِيلُ هُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْحُرُوفَ وَالْكَلِمَاتِ مُبَيَّنَةً ظَاهِرَةً، وَالْفَائِدَةُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْقِرَاءَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهِمَ مِنْ نَفْسِهِ مَعَانِيَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَأَفْهَمَ غَيْرَهُ تِلْكَ الْمَعَانِيَ، وَإِذَا قَرَأَهَا بِالسُّرْعَةِ لَمْ يَفْهَمْ وَلَمْ يُفْهِمْ، فَكَانَ التَّرْتِيلُ أَوْلَى".[الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ١/٦٩].

ويقول الإمام القرطبي (ت ٦٧١هـ) (رحمه الله):" قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا﴾أَيْ: لَا تَعْجَلْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَلِ اقْرَأْهُ فِي مَهَلٍ وَبَيَانٍ مَعَ تَدَبُّرِ الْمَعَانِي، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: اقْرَأْهُ حَرْفًا حَرْفًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَحَبُّ النَّاسِ فِي الْقِرَاءَةِ إِلَى اللَّهِ أَعْقَلُهُمْ عَنْهُ، وَالتَّرْتِيلُ التَّنْضِيدُ وَالتَّنْسِيقُ وَحُسْنُ النِّظَامِ". [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن،١٩/٣٧].

ووجه الربط بين القرآن والصيام: الصيام هو "مدرسة الأناة"، فكما يتدرب الصائم على ضبط شهوة بطنه بانتظار الوقت المحدد (الإفطار)، عليه أن يدرب لسانه على "الأناة" في التلاوة فلا يسبق عقله لسانه.

ولهذا رُوي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «‌الَّذِي ‌يَقْرَأُ ‌الْقُرْآنَ ‌وَهُوَ ‌مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ». [أحمد (٢٤٢١١)].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «‌مَا ‌اجْتَمَعَ ‌قَوْمٌ ‌فِي ‌بَيْتٍ ‌مِنْ ‌بُيُوتِ ‌اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». [سنن أبي داود (١٤٥٥)].

"وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان، وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث، وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا وفي رمضان في كل ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه، وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام ". [ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، ص١٧١].

أدب التدبر (فقه المعنى وإحياء القلب)

‌التدبر: عبارة عن النظر في عواقب الأمور، وهو قريب من التفكر؛ إلا أن التفكر تصرف القلب بالنظر في الدليل، والتدبر تصرفه بالنظر في العواقب. [الجرجاني، التعريفات، ص٥٤].

قال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَیۡكَ مُبَٰرَكࣱ لِّیَدَّبَّرُوۤا۟ ءَایَٰتِهِۦ وَلِیَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [ص: ٢٩]. 

 وقال تعالى: ﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَیۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِیهِ ٱخۡتِلَٰفࣰا كَثِیرࣰا﴾ [النساء: ٨٢].

والمعنى: {‌أَفَلا ‌يَتَدَبَّرُونَ ‌الْقُرْآنَ} يتأملون في معانيه ويتبصرون ما فيه، وأصل التدبر النظر في أدبار الشيء. {وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ} أي ولو كان من كلام البشر كما تزعم الكفار، {لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} من تناقض المعنى وتفاوت النظم. [البيضاوي، أنوار التنزيل،٢/٨٦].

ويقول الإمام ابن كثير (رحمه الله) في تفسيره:" يقول تعالى آمرًا لهم بتدبر القرآن وناهيًا لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرًا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق". [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم،٢/٣٢١].

 وعن سيدنا أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه يَقُولُ: "قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا، وَالْآيَةُ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨]. [ابن ماجه (١٣٥٠)]، وهذا هو عين التدبر.

"ومن كان عنده مصحف ينبغي له أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة لئلا يكون مهجورًا، وينبغي لتالي القرآن العظيم أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه بي إيصال معاني كلامه إلى أفهامهم، وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من القراءة، وإن لم يحصل التدبر إلا بترداد الآية، فليرددها... وليتخلى التالي من موانع الفهم، مثل أن يخيل الشيطان إليه أنه ما حقق تلاوة الحرف ولا أخرجه من مخرجه، فيكرره التال، فيصرف همته عن فهم المعنى، ومن ذلك أن يكون التالي مصرًا على ذنب، أو متصفًا بكبر، أو مبتلى بهوى مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصداه". [ابن قدامة المقدسي، مختصر منهاج القاصدين، ص٥٤].

يضيف الإمام الغزالي (رحمه الله) أدبًا غاية في الدقة يسمى "التخصيص":

"السَّابِعُ التَّخْصِيصُ: وَهُوَ أَنْ يُقَدِّرَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِكُلِّ خِطَابٍ فِي الْقُرْآنِ ‌فَإِنْ ‌سَمِعَ ‌أَمْرًا ‌أَوْ ‌نَهْيًا قَدَّرَ أَنَّهُ الْمَنْهِيُّ وَالْمَأْمُورُ وَإِنْ سمع وعدًا أو وعيدًا فكمثل ذلك وَإِنْ سَمِعَ قَصَصَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلِمَ أَنَّ السمر غير مقصود وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إِلَيْهِ فَمَا مِنْ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا وَسِيَاقُهَا لِفَائِدَةٍ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأُمَّتِهِ". [الغزالي، إحياء علوم الدين، ١/٢٨٥].

وعن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجه قال: "يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ اعْمَلُوا بِهِ، ‌فَإِنَّمَا ‌الْعَالِمُ ‌مَنْ ‌عَمِلَ ‌بِمَا ‌عَلِمَ وَوَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ، وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يُخَالِفُ عَمَلُهُمْ عِلْمَهُمْ، وَتُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، يَجْلِسُونَ حِلَقًا فَيُبَاهِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ عَلَى جَلِيسِهِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى غَيْرِهِ وَيَدَعَهُ، أُولَئِكَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ، تِلْكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى". [ مسند الدارمي، ١/٣٨٢،رقم (٣٩٤)].

وعن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه قال: "لا تهذّوا القرآن هذّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل (التمر الرديء)، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب". [البيهقي، شعب الإيمان، ٢/٣٦٠، رقم (٢٠٤١)].

  • فدرجات القراءة ثلاث:

  • أدناها: أن يقرأ العبد كأنه يقرأ على الله تعالى واقفًا بين يديه، وهو ناظر له ومستمع منه، فيكون حاله السؤال والتملُّق والتضرّع والابتهال.
  • ‌والثانية: ‌أن ‌يشهد ‌بقلبه ‌كأن ‌الله تعالى يُخاطبه بألفاظه، ويُناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه الحياء والتعظيم، والإصغاء والفهم.
  • والثالثة: أن يرى في الكلام المتكلِّم، فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته، بل يكون فانيّا عن نفسه، غائبًا في شهود ربه، لم يبق له عن نفسه إخبار ولا مع غير الله قرار.

فالأولى لأهل الفناء في الأفعال، والثانية لأهل الفناء في الصفات، والثالثة لأهل الفناء في شهود الذات، رضى الله عنهم، وحشرنا على منهاجهم.. آمين. [ابن عجيبة، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، ١/٧٣].

أدب العمل (تحويل الوحي إلى سلوك)

العمل هو الثمرة التي يُسأل عنها العبد، فالقرآن لم ينزل ليُزين الرفوف أو ليُتلى في المحاريب فقط، بل ليقود الحياة.

قال تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ یَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦۤ أُو۟لَٰۤئِكَ یُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ﴾ [البقرة: ١٢١]، قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "‌حَقَّ ‌تِلَاوَتِهِ ‌أَنْ ‌يُحِلَّ ‌حَلَالَهُ وَيُحَرِّمَ حَرَامَهُ، وَيَقْرَأَهُ كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ". [ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، ٢/٦١٢].

"قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف، قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن، وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت". [ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، ص٣٠٥].

ولقد كان سلفنا الصالح يتخذون من شهر رمضان فرصة لمدارسة القرآن ومعرفة أخلاقه وأحكامه، ولم يقتصر الأمر على التلاوة فقط، كما يفعل كثير من الناس اليوم.

ومن ذلك قول سيدنا النبي ﷺ: " «‌وَالْقُرْآنُ ‌حُجَّةٌ ‌لَكَ ‌أَوْ ‌عَلَيْكَ». [مسلم (٢٢٣)]، فالحجة لك إذا اتبعته، وعليك إذا أعرضت عن العمل به.

وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه قال: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وابن مسعود- وغيرهما رضي الله عنهم أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات ‌لم ‌يجاوزوها ‌حتى ‌يتعلموا ‌ما ‌فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا". [ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ١/٩].

ويقول الفضيل بن عياض: "إنما نزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس قراءته عملًا". [الخطيب البغدادي، اقتضاء العلم والعمل، ص٧٥].

ويضع الإمام الآجري (رحمه الله) وصفًا دقيقًا لمن جعل العمل بالقرآن أدبه الأول، فيقول: "إِذَا خَتَمَ الْعَبْدُ الْقُرْآنَ قَبَّلَ الْمَلَكُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعًا لِقَلْبِهِ يَعْمُرُ بِهِ مَا خَرِبَ مِنْ قَلْبِهِ ، ‌يَتَأَدَّبُ ‌بِآدَابِ ‌الْقُرْآنِ ، وَيَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقٍ شَرِيفَةٍ تَبِينُ بِهِ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ ، مِمَّنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ: فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، بِاسْتِعْمَالِ الْوَرَعِ فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَلْبَسِهِ وَمَسْكَنِهِ". [الآجُري، أخلاق أهل القرآن، ص٧٧].

والربط بين "التقوى" في الصيام والعمل بالقرآن، فالصيام يُهيئك لتكون من "المتقين"، والقرآن "يهدي" هؤلاء المتقين، فلا يكتمل الأدب إلا إذا تحولت آيات القرآن إلى "برنامج عملي" في يوم الصائم.

أدبُ الصائمِ في معالجةِ جفاءِ القلوبِ وهجرِ القرآن

يقول ابن رجب الحنبلي (رحمه الله): " يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟".

ويقول أيضًا:" هذا - عباد الله - شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفي بقيته للعابدين مستمتع، وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا يتصدّع. ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان عن الحرام فينفع! ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع! قلوب خلت من التّقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها ظلمة الذّنوب فهي لا تبصر ولا تسمع.

كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشدّ قسوة. وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشّقوة. لا الشّابّ منّا ينتهي عن الصّبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة". [ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، ص٣١٠].

فعلينا في شهر القرآن أن نحسن التعامل مع القرآن الكريم تلاوة وحفظًا وتدبرًا وعملًا، وأن نشجع أولادنا على حفظه وتلاوته، وأن نجعل من رمضان فرصة لتكريم حفظة القرآن الكريم، وإعطاء الفرصة للأصوات الندية للقراءة في صلاة القيام والتهجد، حتى يصعد القرآن للخالق ويدعوا لنا، فيقول اللهم أحفظهم كما حفظوني، وأكرمهم كما أكرموني، وشرفهم كما شرفوني، وشفعني فيهم يوم القيامة.

  • وهجر القرآن الكريم أنواع:

"أحدها: هجر سماعه والإِيمان به. والثاني: هجر العمل به وإِن قرأه وآمن به. والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إِليه. والرابع: هجر تدبره وتفهم معانيه. والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وكلُّ هذا داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوۡمِی ٱتَّخَذُوا۟ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورࣰا﴾ [الفرقان: ٣٠]، وإن كان بعض الهجر أهونُ من بعض". [محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير، ٢/٣٣٣].

والقرآن ليس حفظًا فحسب، إنما معايشة، فحروف القرآن ملائكة، لكل حرف منه ملك، والملَك يحب مَنْ يودُّه، فإذا كنتَ على صلة بالقرآن تكثر من تلاوته، فكأنك تود الملائكة، فساعة تريد استرجاع ما حفظت تراصتْ لك الملائكة، وجرى القرآن على لسانك، فإنْ هجرْته هجرك، وتفلَّت من ذاكرتك؛ لذلك حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ من ‌هجر ‌القرآن، فقال: «‌تَعَاهَدُوا ‌الْقُرْآنَ، ‌فَوَالَّذِي ‌نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»، [البخاري (٥٠٣٣)]. [الشيخ الشعراوي، تفسير الشعراوي، ١٩/١٢٠٦١].

الخلاصة

إن فقه الصيام مع القرآن يكمن في تحويل الحروف إلى مواقف، والآيات إلى حياة؛ فلا يكتمل أدب الصائم إلا بجمع طهارة التلاوة، وعمق التدبر، وصدق الامتثال، فاحذر أن ينقضي الشهر والقرآن خصيمك بسبب الهجر والنسيان، واجعل مصحفك رفيقًا يغيرك لا مجرد كتاب تنهيه، لتنجو من وحشة الجفاء وتنال بركة الشفاعة، وتخرج من مدرسة رمضان بقلب قرآني يرى النور في كل حين.

موضوعات ذات صلة

الصومُ هو الركن الرابع من أركان الدين، وهو ثابت بالقرآن والسنة والإجماع.

يتجلى هلال شهر رمضان كقبس من نور الله، يضيء دروب الأرواح الظمأى إلى رحابه.

الدعاء عبادة عظيمة تدخل في سائر العبادات؛ لأنه روح العبادة.

موضوعات مختارة