Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فقه الصيام (٣) سنن الصوم ومستحباته

الكاتب

هيئة التحرير

فقه الصيام: سنن الصوم ومستحباته

يعد الصيام مدرسة إيمانية تهدف لتهذيب النفس والارتقاء بالروح، ولتحقيق كمال الأجر، شرع الإسلام مجموعة من السنن والآداب النبوية التي تضفي على هذه العبادة نورًا وبركةً، فالصيام في الإسلام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة ترتقي بالروح، وتهذب النفس، وتسمو بالعبد إلى مدارج التقوى، ولكي يحقق المسلم هذه الغاية العظيمة ويجعل صومه مقبولًا، شرع النبي ﷺ سننًا وآدابًا تزيد من أجر الصائم، وتضفي على عبادته نورًا وبركةً.

بركة السحور وفضيلة تأخيره

يمثل السحور الانطلاقة المباركة ليوم الصائم، وقد حث النبي ﷺ عليه حثًا شديدًا، مبينًا أن فيه تقوية للبدن وإعانة على الطاعة، لقوله ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» [أخرجه البخاري: ١٩٢٣، ومسلم: ١٠٩٥].

وقد اعتنى أئمة الإسلام باستجلاء وجوه هذه البركة التي نص عليها الحديث الشريف، سعيًا لإدراك أبعادها اللغوية والشرعية، وتبيان أثرها على الصائم، وتتجلى البركة في السحور في معانٍ عدة أشار إليها العلماء؛ فلفظ (السحور) سواء ضُبط بالضم للدلالة على الأجر، أو بالفتح للدلالة على الطعام المقوّي، فإنه يحمل خيرًا كثيرًا، وأولى الأقوال أن البركة هنا عامة، وتتحقق بأمور منها: نيل شرف اتباع السنة، واكتساب النشاط للطاعة، والتحرز من الغضب المثار بالجوع، وهي فرصة ثمينة للذكر والدعاء وقت السحر، وللصدقة والمواساة، وتأكيدًا لنية الصيام قبل الفجر [ينظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ١٤٠ ط السلفية)].

وتوسيعًا لمفهوم هذه البركة لتشمل منافع الدنيا وثواب الآخرة، مع التنبيه على ملحظٍ دقيقٍ يتعلق بمقدار ما يُؤكل حتى لا تضيع حكمة الصيام الكبرى، قَالَ العلامة ابن دَقِيقِ الْعِيدِ -رحمه الله-: تتنوع بركة السحور بين بركة أُخروية تُنال باتباع السنة وتحصيل الأجر، وبركة دنيوية تتمثل في القوة البدنية وتيسير الصيام دون ضرر. وفي الرد على من رأى من الزهاد أن السحور ينافي حكمة الصيام في كسر الشهوة؛ فالصواب أن المنافاة لا تقع إلا في حق من أسرف وبالغ في التنعم كحال المترفين، أما الاعتدال فلا يُذهب الحكمة. تنبيه: تتحقق فضيلة السحور بأيسر ما يتناوله المرء، ولو بجرعة ماء أو لقمة طعام، مصداقًا لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: «السُّحُورُ ‌بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ...»" [ينظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ١٤٠ ط السلفية)].

تأخير السحور

ولا تتوقف بركة السحور عند مجرد تناوله، بل تمتد لتشمل زمانه؛ فمن كمال الهدي النبوي تأخير السحور إلى قبيل طلوع الفجر الصادق، لتقليل مدة الجوع والعطش، ولإدراك وقت السحر المبارك؛ لما روي عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، قال: «‌تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» [البخاري: ١٩٢١، ومسلم: ١٠٩٥].

وهذا التوقيت النبوي الدقيق لم يأتِ عفوًا، بل يحمل في طياته مراعاةً فائقةً لأحوال الأمة ورفقًا بها، وقد استدل العلماء بهذا الصنيع النبوي المبارك على بيان كمال شفقته ﷺ بأمته ورحمته بهم، وأنه كان يتحرى الأيسر في أوقات عبادته وطعامه؛ فداوم على السحور لئلا يقتدي به الناس في تركه فيشق عليهم الصيام، كما اختار تأخيره ولم يجعله في جوف الليل؛ خشية أن يغلبهم النوم فتفوتهم صلاة الصبح، أو يتكلفوا مشقة السهر لانتظارها، وفيه أيضًا حكمة صحية ظاهرة، وهي التقوّي على الصيام؛ إذ لو تركوا السحور لضعفت أبدانهم، ولربما أدى الجوع الشديد ببعضهم -خاصة أصحاب البنية الضعيفة- إلى الإغماء والاضطرار للفطر، فكان في السحور حفظًا للعبادة وللنفوس معًا" [فتح الباري لابن حجر (٤/ ١٣٨ ط السلفية)].

تعجيل الفطر

من السنن التي تتجلى فيها سماحة الشريعة ويسرها، المبادرة إلى الفطر بمجرد تحقق غروب الشمس؛ لِمَا ورد عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» [أخرجه البخاري: ١٩٥٧، ومسلم: ١٠٩٨].

وقد توقف شراح الحديث عند دلالة كلمة «بِخَيْرٍ» في هذا النص النبوي، مبينين أن التمسك بهذه السنة الظاهرة يعكس صلاحًا باطنًا، وانتظامًا في حال الأمة، وهو ما قرره الإمام النووي -رحمه الله- في شرحه قائلًا: قال الإمام النووي -رحمه الله-: "قَوْلُهُ ﷺ «لايزال النَّاسُ بِخَيْرِ ‌مَا ‌عَجَّلُوا ‌الْفِطْرَ» فِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعْجِيلِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَمَعْنَاهُ لَا يَزَالُ أَمْرُ الْأُمَّةِ مُنْتَظِمًا وَهُمْ بِخَيْرٍ مَا دَامُوا مُحَافِظِينَ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ وَإِذَا أَخَّرُوهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى فَسَادٍ يَقَعُونَ فيه". [شرح النووي على مسلم (٧/ ٢٠٨)].

ولم يقتصر نظر العلماء على بيان فضل التمسك بالسنة فحسب، بل غاصوا في استنباط الحكمة التشريعية العميقة من هذا التعجيل، ليبرزوا ما فيه من حفظٍ دقيقٍ لحدود الله، ورفقٍ بالغٍ بالعباد، قال الإمام النووي -رحمه الله-: "قَالَ الْمُهلب: الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن لَا يُزَاد فِي النَّهَار من اللَّيْل، وَلِأَنَّهُ أرْفق للصَّائِم وَأقوى لَهُ على الْعِبَادَة". [عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١١/ ٦٧)].

الإفطار على الرطب

يستحب أن يكون أول ما يدخل جوف الصائم الرطب أو التمر أو الماء، لما في ذلك من حكمة طبية وروحية؛ لحديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كَانَ النَّبِيُّ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ‌عَلَى ‌رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» [أخرجه أبو داود في سننه: ٢٣٥٦، والترمذي في سننه: ٦٩٦].

وفي استنباط لطيف لأسرار هذا الهدي النبوي، وتوضيحٍ للمقصود من هذا التدرج في الإفطار، يقول العلامة القسطلاني -رحمه الله-: "وقضيَّته تقديم الرُّطب على التَّمر، وهو على الماء، والقصد بذلك -كما قاله المحبُّ الطَّبريُّ-: ألَّا يدخل جوفه أوَّلًا ما مسَّته النَّار، ويحتمل أن يراد هذا مع قصد الحلاوة تفاؤلًا، قال: ومن كان بمكَّة سُنَّ له أن يفطر على ماء زمزم لبركته، ولو جمع بينه وبين التَّمر فحسنٌ. انتهى".. [إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (٨/ ٣٥٢)]

مناجاة الصائم والدعاء المستجاب

تتجلى ذروة العبودية في لحظات الصيام وعند الإفطار، حيث يكون القلب رقيقًا منكسرًا لخالقه، وهي أوقات ترجى فيها إجابة الدعاء. وقد أكد النبي ﷺ أن هذا الوقت موطن إجابة لا يُرد فيه سائل، لقوله ﷺ: «ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُم» وذكر منهم «الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ» [أخرجه الترمذي في سننه: ٣٥٩٨].

 وفي بيان العلة من هذا التخصيص، يقول العلامة المناوي -رحمه الله-: "دَعْوَةُ «‌الصَّائِمِ ‌حَتَّى ‌يُفْطِرَ»، وَمُرَادُهُ كَامِلُ الصَّوْمِ الَّذِي صَانَ جَمِيعَ جَوَارِحِهِ عَنِ الْمُخَالَفَاتِ، فَيُجَابُ دُعَاؤُهُ لِطَهَارَةِ جَسَدِهِ بِمُخَالَفَةِ هَوَاهُ".. [فيض القدير (٣/ ٣٠٠)]

ومما روي من دعائه ﷺ أنه كان يجمع بين الاعتراف بنعمة الري وحصول الثواب، فكان إذا أفطر قال: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ» [أخرجه أبو داود في سننه: ٢٣٥٧]،

وفي رواية أنه ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ «‌اللَّهُمَّ ‌لَكَ ‌صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» [أخرجه أبو داود في سننه: ٢٣٥٨].

وقد غاص العلماء في استخراج الفوائد التربوية من هذه الكلمات النبوية، حيث قال العلامة الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ -رحمه الله-: "قوله: «ذَهَبَ الظَّمَأُ»؛ أي: زالَ العطشُ الذي كان بي، «وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ»؛ أي: زالت يبوسةُ عروقي التي حصلت من غاية العطش بأن شربتُ الماء، وهذا تحريضُ الناس على العبادة؛ يعني: لا يبقى التعبُ على الإنسان، ويبقى له الأجرُ، فَلْيحمِلِ الإنسانُ التعبَ على نفسه؛ ليحصلَ له غنيمةُ الأجر، وهذا الدعاء يُقرَأ بعد الإفطار بالماء".. [المفاتيح في شرح المصابيح (٣/ ٢٣)]

الخلاصة

تتمثل كمالات الصيام في الالتزام بهدي النبي ﷺ، عبر تناول السحور وتأخيره لتقوية البدن، والمبادرة بالتعجيل في الفطر عند الغروب، والحرص على الدعاء المأثور عند الإفطار طلبا للأجر والثواب.

موضوعات ذات صلة

معرفة شروط الصيام وأحكامه ضرورة شرعية لكل مسلم؛ لضمان صحة العبادة وقبولها.

في رحاب رمضان، ترتقي روح الصائم لتعانق أنوار الوحي صحبةً وأدبًا، فتنسكب التلاوة عذبًا.

يُعد الصيام ركيزة تعبدية كبرى تقوم على الإمساك والتقرب إلى الله عزّ وجلّ.

موضوعات مختارة