وما دام الصيام قد غرس في القلب بذرة
التقوى، وسقاها بماء المراقبة، ورباها تحت شمس الإخلاص، فإن هذه البذرة المباركة
تثمر ثمارًا يانعة في حياة المتقي في الدنيا قبل الآخرة. وإن من تأمل كتاب الله
ليجد أن للتقوى ثمرات كبرى، هي مخرجات الصيام في واقع الحياة:
الثمرة الأولى:
الفَرَجُ بعد الضِّيق:
يقول الله تعالى:
﴿وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰ﴾ [الطلاق: ٢]
، المتقي لا يسد في
وجهه طريق، ولا تحجب عنه أبواب الفرج؛ قد تضيق به الدنيا، وتنغلق أمامه المسالك،
وتتراكم عليه الكروب، وتتزاحم عليه الهموم، لكنه يتقي الله في السراء والضراء،
فيفتح الله له من أبواب الفرج ما لا يدري، ويخرجه من الكروب من حيث لا يحتسب. وهذه
بشارة عظيمة لكل من صام فاتقى، وقام فاتقى، وآمن فاتقى
الثمرة الثانية: الرِّزقُ من حيث لا يحتسب:
قال تعالى في تمام الآية
﴿وَیَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق: ٣] ،
وليس الرزق مالًا
فقط، بل رزق الأمن بعد الخوف، ورزق السكينة بعد القلق، ورزق الطمأنينة بعد
الاضطراب، ورزق التوفيق بعد الخذلان، ورزق الصلاح بعد الفساد، ورزق الذرية
الصالحة، ورزق العافية في البدن، ورزق القناعة في القلب. المتقي لا يعدم رزقًا،
ولا يضيق عليه خزائن رب العالمين.
الثمرة الثالثة: محبة الله تعالى:
يقول الحق سبحانه: ﴿بَلَىٰۚ
مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [آل عمران: ٧٦] . وهل هناك أعظم من أن يحبك الله؟! إنها درجة يترقاها العباد، وأمنية
يتمناها الصالحون، وغاية يسعى إليها العارفون. إذا أحب الله عبدًا ابتلاه ليسمع
تضرعه، وإذا أحبه ناجاه في ظلمات الليل، وإذا أحبه فتح له أبواب الخير وأغلق عنه
أبواب الشر، وإذا أحبه جعل له لسان صدق في الآخرين، وقبولًا في الأرض، ومغفرة في
السماء [انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/٣٧٩)].
الثمرة الرابعة: قبول الأعمال:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [المائدة: ٢٧] . وهذه الآية الكريمة نزلت في قصة ابني آدم، إذ قربا قربانًا فتقبل من
أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فلم يكن التفاضل بين القربانين بكثرة العدد، ولا بحسن
الصورة، ولا بجودة المادة، ولا بفخامة المظهر. كان التفاضل بشيء واحد: التقوى. فكم من عمل صغير
تعظمه التقوى، وكم من عمل كبير يحبطه عدمها.
الثمرة الخامسة: الكرامة الإنسانية
الحقيقية:
يقول رب العزة: ﴿إِنَّ
أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات: ١٣] . التفاضل الحقيقي بين البشر ليس بالأنساب ولا بالأموال ولا بالألوان
ولا بالمناصب ولا بالجنسيات. كل هذه معايير بشرية زائلة، ومقاييس دنيوية فانية.
التفاضل بميزان دقيق لا يخطئ، لا يقبل المحسوبية ميزان التقوى فمن كان لله أتقى،
فهو عند الله أكرم. ومن كان عن الله أبعد، فهو على الله أهون.
الثمرة السادسة: البشرى في الدنيا والآخرة:
يقول تعالى ﴿ٱلَّذِینَ
ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ *لَهُمُ
ٱلۡبُشۡرَىٰ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِۚ لَا تَبۡدِیلَ
لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ﴾ [يونس: ٦٣-٦٤] . بشرى تشرح الصدر، وتنير الوجه، وتثبت القلب، وتطمئن النفس. بشرى
تأتيه من رب العالمين، على لسان ملائكته الكرام، أو في رؤيا صالحة يراها المؤمن أو
ترى له، أو في ثناء الناس عليه بغير تصنع ولا تكلف. وهذه البشرى نور على نور،
وسعادة فوق سعادة، لمن صام فاتقى، وأخلص فاتقى.