Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أثر الصيام في تحقيق التقوى

الكاتب

هيئة التحرير

أثر الصيام في تحقيق التقوى

الصيام ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة ربانية لصناعة التقوى في النفوس، وغرس المراقبة في القلوب، وتحويل العادة الجسدية إلى عبادة قلبية تنعكس على الجوارح سلوكًا وقولًا وعملًا، يتناول هذا المقال بيان حقيقة التقوى، وكيف يصنعها الصيام، وما هي ثمراتها في الدنيا والآخرة، محذرًا من صيام بلا روح ولا ثمرة.

التقوى غاية الرسالات السماوية ووثيقة الارتباط بالصيام

يا ترى، ما هو السر الذي ينتظم بين الرسالات كلها، من أول نبي إلى خاتمهم؟ وما هو الخيط الذهبي الذي يصل بين وصايا الله للأمم السالفة والأمة المحمدية؟ وما هي الغاية الكبرى التي من أجلها أرسل الرسل، وأنزلت الكتب، وشرعت العبادات، ونصبت الموازين؟.

إنه التقوى: تأمل معي هذا المشهد المهيب الذي يسطره القرآن في سورة النساء، حين يقول رب العزة جل جلاله : ﴿وَلَقَدۡ وَصَّیۡنَا ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِیَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ﴾ [النساء: ١٣١]، . في هذه الآية الكريمة يجمع الله تعالى الأمم كلها على كلمة واحدة، ويوحد وصيته في نداء واحد: أن اتقوا الله؛ يقول الإمام الطبري -رحمه الله-: "ولقد أمَرْنا أهلَ الكتابِ، وهم أهلُ التوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾. يقولُ: وأمَرْناكم وقلنا لكم ولهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: احْذَروا الله أن تَعْصُوه وتخالفوا أمرَه ونهيَه" [جامع البيان:٧/٥٧٩]، ويقول الإمام ابن كثير – رحمه الله-:" أي وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله -جل وعلا- بعبادته وحده لا شريك له." [تفسير ابن كثير: ٢/٣٨٢]،  ويربط الإمام ابن عاشور بين هذه الآية الكريمة وآية الصيام في سورة البقرة فيقول الإمام ابن عاشور- رحمه الله- :" وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّ اللَّهَ أَوْصَى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ بِالتَّقْوَى مَقْصُودٌ مِنْهُ إِلْهَابُ هِمَمِ الْمُسْلِمِينَ لِلتَّهَمُّمِ بِتَقْوَى اللَّهِ لِئَلَّا تَفْضُلَهُمُ الْأُمَمُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ لِلِائْتِسَاءِ أَثَرًا بَالِغًا فِي النُّفُوسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]" [التحرير والتنوير:٥/٢٢٠]، مما يوضح قدم الصلة والترابط التشريعي والتكامل التام بين التقوى والصيام، وكأنه سبحانه يريد من الأمم كلها مع سبقها واختلاف شرائعها وأنبيائها، أتباع سيدنا موسى- عليه السلام -، وأتباع سيدنا عيسى- عليه السلام -، وأمة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم - ، اجتمعوا على التقوى، فهي عصمتكم، وهي نجاتكم، وهي غاية ما أريد بكم من فرض الصيام والعبادات.

وليس هذا فحسب، بل نجد الأنبياء - عليهم السلام - يرددون هذه الكلمة في بداية دعواتهم، وكأنها المفتاح الذي يفتح به كل نبي أبواب القلوب، تأمل سيدنا نوحًا -عليه السلام -، أبا البشر الثاني، كيف كرر الأمر بالتقوى على مسامع قومه ثلاث مرات في خمس آيات منها قوله تعالى:  ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [الشعراء: ١٠٦]، وهودًا وصالحًا ولوطًا وشعيبًا، كل واحد منهم قال لقومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤، ١٤٢، ١٦١] ، ومن قبلهم سيدنا إبراهيم الخليل -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم -، أبو الأنبياء، قالكما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَإِبۡرَٰهِیمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] .

فما كان الإسلام بدعًا من الرسالات، ولا كان القرآن منكرًا من الكتب، بل جاء مصدقًا لما بين يديه، ومؤكدًا على هذه الغاية العظمى: أن يخرج الله الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن الخضوع لشهوات النفس إلى الخضوع لملكوت رب الأرض والسماوات. وهذا هو عين التقوى.

تأملات في حقيقة التقوى تعريفها وقراءة في أنوارها

وإذا كان الأمر بهذه المنزلة، فلنقف وقفة تأمل في حقيقة التقوى: ما هي؟ وأين طريقها؟ وكيف يبلغ العبد منازلها؟

لقد تنوعت عبارات السلف في تعريف التقوى، وتعددت ألفاظهم في وصفها، وكلها تصب في نهر واحد، وتدور على معنى جامع: جعل الوقاية بين العبد وبين غضب الله وسخطه . لكن من أجمع ما قيل في ذلك، وأجمله وأوجزه، قول التابعي الجليل طلق بن حبيب رحمه الله: "التَّقْوَى أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَرْجُو ثَوَابَ اللهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَخَافُ عِقَابَ اللهِ" [جامع العلوم والحكم: ١/٤٠٠]

هذا التعريف العبقري - أيها الكرام - يرسم لنا خريطة طريق متكاملة لبلوغ التقوى، ويمثل دستورًا عمليًا للسير إلى الله تعالى. دعنا نقف معه وقفات:

الوقفة الأولى: التقوى عمل وترك، ليست مجرد شعور عاطفي ولا انفعال وجداني عابر، ولا هي كلمة تقال باللسان، ولا دعوى ترفع في المجالس. التقوى عمل للطاعة، وترك للمعصية. إنها سلوك وفعل وحركة في أرض الواقع. فمن قال: أنا تقي، ولم يتحرك جسده بطاعة الله، ولم تكف جوارحه عن معصية الله، فهو كاذب في دعواه، مدعٍ بغير برهان، " ويدخل في التقوى الكاملة فعلُ الواجبات، وتركُ المحرمات والشبهات، وربما دَخَلَ فيها بعد ذلك فعلُ المندوبات، وتركُ المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى" [انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/٣٧٩)].

الوقفة الثانية: العمل والترك على نور من الله، أي على علم وبصيرة وهدى، ليس على جهالة، ولا على هوى، ولا على تقليد أعمى، ولا على عادة موروثة، النور هنا هو الدليل، وهو القرآن، وهو السنة النبوية. فالمتقي لا يتحرك في عتمة، ولا يخطو في ظلمة، بل يمشي على ضوء من الوحي، وبصيرة من الإيمان، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ وَیُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ﴾ [البقرة: ٢٨٢].

الوقفة الثالثة: القلب بين الرجاء والخوف، المتقي حين يفعل الطاعة يفعلها وهو يرجو ثواب الله، لا ييأس من رحمة الله، ولا يقنط من روح الله. وحين يترك المعصية يتركها وهو يخاف عقاب الله، لا يأمن مكر الله، ولا يتجرأ على حدود الله. وهذان - الرجاء والخوف - هما جناحا العبادة، فلا تطير الروح إلى الله إلا بهما، ولا تسير النفس إلى مولاهما إلا بحملهما، فعَنْ وابِصَةَ بن مَعْبَدٍ قال: أتيتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «جِئْتَ تَسأَلُ عن البرِّ والإثمِ؟» قُلْتُ: نعَمْ، قال: «استَفْتِ قَلْبَكَ، البرُّ ما اطمأنَّتْ إليهِ النَّفْسُ، واطمأنَّ إليهِ القلبُ، والإثمُ ما حَاكَ في النَّفسِ، وتَردَّدَ في الصَّدْرِ، وإنْ أفتاكَ النَّاسُ وأَفْتوكَ» [أخرجه الإمام أحمد: ٤/ ٢٢٨]

ولقد ضرب سيدنا أبو هريرة - رضي الله عنه - مثلًا بديعًا محسوسًا للتقوى ، حين سأله رجل فقال: ما التقوى؟ فقال له أبو هريرة: "هل أخذت طريقًا ذا شوك؟"، قال الرجل: نعم. قال: "فكيف صنعت؟"، قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال أبو هريرة: "ذاك التقوى" [انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/٣٧٩)، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٣/١٨٩) ].

إنها الحساسية المرهفة من الخطأ، واليقظة الدائمة من الزلل، والحذر المستمر من أشواك الطريق التي تمزق ثوب الدين وتجرح قدم الإيمان. فالتقي يمشي في الدنيا كما يمشي حافي القدمين في طريق مليء بالأشواك، لا يضع قدمه إلا في موضع يأمن فيه من الشوك، ولا يخطو خطوة إلا وقد تثبت فيها

وهكذا تتدرج درجات التقوى: تبدأ بفعل الواجبات وترك المحرمات، ثم ترتقي بفعل المستحبات وترك المكروهات، ثم تصل ذروتها في ترك بعض المباحات خشية الوقوع في المحظورات. قال سيدنا  ابن عمر رضي الله عنهما: "لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في صدره" [فتح الباري لابن رجب : ١/١٦]، وقال سيدنا الحسن البصري رحمه الله: "ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام" [الفتح المبين: ابن حجر الهيتمي (١/٣٥٢)]

الصيام ميدان التقوى الأكبر

وهنا يبرز السؤال الجليل: وما علاقة الصيام بهذه المعاني كلها؟ ولماذا خُصَّ شهر رمضان بأنه شهر التقوى؟ ولماذا خُتمت آية الصيام بهذه الغاية العظيمة ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ؟.

الجواب - أيها الأحبة - أن الصيام هو ميدان التدريب الأكبر على التقوى، والمصنع الرباني الذي تصنع فيه التقوى في القلوب، والجامعة الإيمانية التي تخرج أجيالًا من المتقين.

الوجه الأول: الامتثال المحض لأمر الله:

تأمل معي: الصائم يترك الطعام والشراب والجماع، مع أنه قادر عليه، ومحتاج إليه، وشهوته متجهة إليه، ما الذي يمنعه من تناوله؟ ليس خوف سلطان، ولا مراعاة مجتمع، ولا اتباع حمية طبية، إن الذي يمنعه هو أمر الله وحده. يقول في نفسه: ربي أمرني بالإمساك، وأنا عبد مطيع، سمعت وأطعت. هذا الامتثال المجرد عن كل داع دنيوي يغرس في القلب معنى العبودية الخالصة، ويربي فيه التسليم المطلق للشارع الحكيم، وهذا هو لب التقوى وأساسها، يقول الإمام الطبري- رحمه الله-:" وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فإنه يعنى به: لِتتقُوا أكلَ الطعامِ وشربَ الشرابِ وجِماعَ النساءِ فيه. يقولُ: فرَضتُ عليكم الصومَ والكفَّ عما تكونون بتركِ الكَفِّ عنه مُفطرِين؛ لتتَّقُوا ما يُفْطِرُكُم في وقتِ صومِكم. [جامع البيان:٣/١٥٦].

الوجه الثاني: مراقبة الله في السر والعلن:

الصائم يمتنع عن المفطرات في الليل والنهار، في الحضر والسفر، في الخلوة والجلوة، مع أنه لو شاء لأكل وشرب في خلوة لا يراه فيها أحد من البشر. لكنه لا يفعل. لماذا؟ لأنه يعلم أن الله يراه. هذا هو مقام المراقبة والإحسان، وهو روح التقوى ولبابها. فعندما سئل الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[صحيح البخاري:٤٧٧٧] .

الوجه الثالث: كسر الشهوة وتضييق مجاري الشيطان:

الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والطعام والشراب يقويان هذا المجرى، ويزيدان في تدفق الدم، فتتسع مجاري الشيطان، وتنشط وسوسته. فإذا صام العبد ضعفت قواه، وقل تدفق الدم، وضاقت مجاري الشيطان، وهدأت ثورة الشهوات، وخفت حدة الغضب. ولهذا قال الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم : «الصيام جُنَّة» [صحيح مسلم: (١١٥١)]؛ أي وقاية وحصن وترس؛ وقد قال حضرة النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [أخرجه البخاري (٥٠٦٥)]، فهذا دليل على أن الصيام يكسر الشهوة، ويضعف نزغات الشيطان، وهذا عين التقوى [انظر: فتح الباري لابن حجر (٩/١٠٧].

الوجه الرابع: تربية الجوارح على الطاعة:

الصيام الحقيقي - أيها الكرام - ليس صيام المعدة فحسب، بل هو صيام الجوارح كلها. صيام العين عن النظر إلى الحرام، وصيام الأذن عن سماع الباطل، وصيام اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب وقول الزور، وصيام اليد عن البطش إلى ما لا يحل، وصيام الرجل عن المشي إلى ما لا يجوز. هذا هو صيام الجوارح، وهو ثمرة صيام القلب. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [أخرجه البخاري (١٩٠٣)]. فمن صامت معدته، ونطق لسانه بالغيبة والنميمة، فصيامه ناقص، وتقواه ناقصة، وعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر.

الوجه الخامس: إحياء الرحمة وإشعار نعمة الغنى:

الغني إذا ذاق ألم الجوع في نهار رمضان، تذكر الفقراء الجائعين، والمساكين المحتاجين، والأرامل والأيتام الذين يبيتون الليل وهم لا يجدون لقمة العيش. فيمد لهم يد العون، ويبسط لهم كف الرحمة، ويواسيهم من ماله. وهذه من أعلى خصال التقوى،  قال تعالى:  ﴿لَّیۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِ وَٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِیِّۦنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤئِلِینَ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُوا۟ۖ وَٱلصَّٰبِرِینَ فِی ٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ وَحِینَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ۖ وَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٧٧] ففي الآية الكريمة اختتم المولى عزوجل بإقرار صفة التقوى لمن جمع بين الصفات الحميدة والأعمال الصالحة التي جمعت بينهما الآية الكريمة.

ثمرات التقوى في الدنيا والآخرة

وما دام الصيام قد غرس في القلب بذرة التقوى، وسقاها بماء المراقبة، ورباها تحت شمس الإخلاص، فإن هذه البذرة المباركة تثمر ثمارًا يانعة في حياة المتقي في الدنيا قبل الآخرة. وإن من تأمل كتاب الله ليجد أن للتقوى ثمرات كبرى، هي مخرجات الصيام في واقع الحياة:

الثمرة الأولى: الفَرَجُ بعد الضِّيق:

يقول الله تعالى: ﴿وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰ﴾ [الطلاق: ٢]  ، المتقي لا يسد في وجهه طريق، ولا تحجب عنه أبواب الفرج؛ قد تضيق به الدنيا، وتنغلق أمامه المسالك، وتتراكم عليه الكروب، وتتزاحم عليه الهموم، لكنه يتقي الله في السراء والضراء، فيفتح الله له من أبواب الفرج ما لا يدري، ويخرجه من الكروب من حيث لا يحتسب. وهذه بشارة عظيمة لكل من صام فاتقى، وقام فاتقى، وآمن فاتقى

الثمرة الثانية: الرِّزقُ من حيث لا يحتسب:

قال تعالى في تمام الآية ﴿وَیَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق: ٣] ، وليس الرزق مالًا فقط، بل رزق الأمن بعد الخوف، ورزق السكينة بعد القلق، ورزق الطمأنينة بعد الاضطراب، ورزق التوفيق بعد الخذلان، ورزق الصلاح بعد الفساد، ورزق الذرية الصالحة، ورزق العافية في البدن، ورزق القناعة في القلب. المتقي لا يعدم رزقًا، ولا يضيق عليه خزائن رب العالمين.

الثمرة الثالثة: محبة الله تعالى:

يقول الحق سبحانه:  ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [آل عمران: ٧٦] . وهل هناك أعظم من أن يحبك الله؟! إنها درجة يترقاها العباد، وأمنية يتمناها الصالحون، وغاية يسعى إليها العارفون. إذا أحب الله عبدًا ابتلاه ليسمع تضرعه، وإذا أحبه ناجاه في ظلمات الليل، وإذا أحبه فتح له أبواب الخير وأغلق عنه أبواب الشر، وإذا أحبه جعل له لسان صدق في الآخرين، وقبولًا في الأرض، ومغفرة في السماء [انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/٣٧٩)].

الثمرة الرابعة: قبول الأعمال:

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [المائدة: ٢٧] . وهذه الآية الكريمة نزلت في قصة ابني آدم، إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فلم يكن التفاضل بين القربانين بكثرة العدد، ولا بحسن الصورة، ولا بجودة المادة، ولا بفخامة المظهر. كان التفاضل بشيء واحد: التقوى. فكم من عمل صغير تعظمه التقوى، وكم من عمل كبير يحبطه عدمها.

الثمرة الخامسة: الكرامة الإنسانية الحقيقية:

يقول رب العزة: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات: ١٣] . التفاضل الحقيقي بين البشر ليس بالأنساب ولا بالأموال ولا بالألوان ولا بالمناصب ولا بالجنسيات. كل هذه معايير بشرية زائلة، ومقاييس دنيوية فانية. التفاضل بميزان دقيق لا يخطئ، لا يقبل المحسوبية ميزان التقوى فمن كان لله أتقى، فهو عند الله أكرم. ومن كان عن الله أبعد، فهو على الله أهون.

الثمرة السادسة: البشرى في الدنيا والآخرة:

يقول تعالى ﴿ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ *لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِۚ لَا تَبۡدِیلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ﴾ [يونس: ٦٣-٦٤] . بشرى تشرح الصدر، وتنير الوجه، وتثبت القلب، وتطمئن النفس. بشرى تأتيه من رب العالمين، على لسان ملائكته الكرام، أو في رؤيا صالحة يراها المؤمن أو ترى له، أو في ثناء الناس عليه بغير تصنع ولا تكلف. وهذه البشرى نور على نور، وسعادة فوق سعادة، لمن صام فاتقى، وأخلص فاتقى.

تحذير شديد: صيام بلا تقوى.. جسد بلا روح

وهنا يقف المؤمن الصادق وقفة جادة مع نفسه، يسألها سؤالًا حاسمًا: هل كل صيام يحقق التقوى؟ وهل كل من أمسك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس يكون قد ربح هذه الثمرات العظيمة؟.

الجواب - أيها الكرام - وبكل تجرد: لا. ليس كل صيام. إنما الصيام الذي يرعى شروطه وآدابه، ويجتنب محظوراته ومفسداته، ويصون جوارحه عن الآثام، هو الذي يثمر التقوى. ولذلك خرج علينا النبي  - صلى الله عليه وسلم -  بهذا التحذير النبوي الشديد، وهذا الإنذار المبين، فقال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [أخرجه البخاري (١٩٠٣)]

تأمل هذا الحديث جيدًا: إنه ليس نفيًا للصيام بمعنى الإمساك، فهو لم يقل: "فليس صائمًا"، بل قال: «فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، وهذا أشد وأعظم. يعني أن الله لا يريد هذا الجوع وهذا العطش، ولا يقبل هذا الإمساك ما دام صاحبه مصرًا على المعاصي، متلبسًا بالآثام، ناطقًا بالزور، عاملًا بالباطل .

وقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح هذا الحديث: «اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولًا وفعلًا، فأخبر أن من لم يصن صيامه عن قول الزور والعمل به، لم يحتج الله إلى صيامه، أي لا يقبله ولا يثيبه عليه» [فتح الباري شرح صحيح البخاري (٤/١١٩)]

بل إن النبي أخبرنا أن بعض الصائمين لا ينالون من صيامهم شيئًا سوى التعب والنصب، فقال: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ» [أخرجه الإمام أحمد: (٨٨٥٦)]

إنها صورة محزنة: إنسان يجوع ويعطش طاعة لله، ويرهق بدنه ويسهر ليله، ثم إذا جاء وقت الفطر جلس في مجالس الغيبة والنميمة، وأطلق لسانه في أعراض الناس، ونظر بعينه إلى المحرمات، ومشى برجله إلى الباطل، ومد يده إلى الحرام. هذا المسكين لم يربح من صيامه إلا الإرهاق، ولم يحصد من قيامه إلا الخسران، ولم ينل من رمضان إلا التعب.

فيا عبد الله، وياأمة الله، احذروا أن تكونوا من هؤلاء، واحرصوا على أن يكون صيامكم صيامًا حقيقيًا، صيام الجوارح قبل صيام المعدة، وصيام القلب قبل صيام البدن، وصيام الإيمان قبل صيام العادة. عندها تتحقق لكم التقوى، وتنالون بها البشرى والكرامة.

رمضان شهر التأهيل لا الاستنفاد

إن رمضان ليس محطة استراحة في قطار العمر، نتزود فيه ثم نعود إلى غفلتنا!

ولا هو شهر نعيش فيه حالة روحانية مؤقتة، ثم ننقلب بعدها إلى ما كنا عليه من الذنوب والمعاصي!

ولا هو موسم نؤدي فيه مناسك العبادة، ثم ننسى الله حتى رمضان القادم!

كلا وألف كلا!

رمضان مدرسة تأهيل، وورشة تربية، ودورة تدريبية مكثفة، هدفها أن نخرج منها وقد اكتسبنا ملكة التقوى، وهيبة المراقبة، وحلاوة الإيمان، وأن نحتفظ بهذه الثمرة الغالية طول أيام السنة. فمن صام فاتقى، ومن قام فاتقى، ومن تصدق فاتقى، ومن قرأ القرآن فاتقى، فهذا هو المقبول عند الله، وهذا هو الفائز برضوان الله.

وإياكم ثم إياكم أن يكون حالكم كحال أولئك الذين قال فيهم بعض السلف: "بئس القوم، قوم لا يعرفون لله حقًا إلا في رمضان" [لطائف المعارف لابن رجب (ص ٣٩٠)]. إن الصالح الذي يتعبد السنة كلها، والذي يصوم فيحرص على التقوى في شعبان كما يحرص عليها في رمضان، وفي شوال كما في شعبان، وفي سائر الشهور كما في شوال. إنه صاحب الهمة العالية، والعزيمة الصادقة، الذي لا يرضى من عمره أن يمضي ساعة في غير طاعة، ولا لحظة في غير خدمة.

المحب لا يمل من التقرب إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه.

المحب لا يعرف المواسم، بل كل أوقاته مواسم.

المحب لا يفرق بين رمضان وغيره، بل همه أن يلقى الله وهو عنه راضٍ.

اللهم اجعلنا من المتقين، الذين قال فيهم: ﴿وَسَارِعُوۤا۟ إِلَىٰ مَغۡفِرَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِینَ ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ فِی ٱلسَّرَّاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ وَٱلۡكَٰظِمِینَ ٱلۡغَیۡظَ وَٱلۡعَافِینَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٤].

الخلاصة

الصيام ليس غايته الجوع والعطش، ولا هو عبادة جسدية بحتة، بل هو وسيلة ربانية عظمى لصناعة التقوى في النفس المؤمنة، وهي وصية الله للأولين والآخرين، وغاية الرسالات جميعًا، تتحقق التقوى بالصيام حين يتحول الامتناع عن الطعام إلى مراقبة ذاتية دائمة لله في السر والعلن، وحين يصوم اللسان عن الكذب والغيبة، وتصوم الجوارح عن الآثام، كما صامت المعدة عن الطعام. ثمرة ذلك أن يخرج الإنسان من رمضان وقد اكتسب ملكة الحذر من المعاصي، وحساسية مرهفة من الخطأ، فيظل طوال العام على طريق الاستقامة، فمن صام فلم يدع قول الزور والعمل به، فصيامه مردود عليه، وصاحبه لم يربح غير الجوع والعطش، ومن صام إيمانًا واحتسابًا فاتقى، فله البشرى في الدنيا والآخرة.

موضوعات ذات صلة

إنَّ للمؤمن في أوائل أيام صيامه ثمراتٍ عاجلة، تظهر على أحواله الظاهرة، وعلاقاته الاجتماعية.

مع غروب شمس آخر شعبان، ينطلق نداء السماء المهيب "يا باغي الخير أقبل" لتُفتح أبواب الجنان وتُغلق أبواب النيران وتُصفد الشياطين.

الصيام ليس مجرد إمساك عن الطعام، بل هو هندسة روحية تٌعيد بناء الإنسان من الداخل.

موضوعات مختارة