شهر رمضان ليس موسمًا لانقضاءِ الظمأ، بل هو منبعٌ لارتواءِ الأرواحِ بفيوضاتِ الحق؛ فالمُوفقُ مَن جعل من صيامه هجرةً دائمةً من أسرِ الهوى إلى فضاءِ العبودية، ليكون عبدًا ربانيًا يرى الله في كلِ حين، لا صائمًا رمضانيًا يحصي الأيامَ والسنين.
شهر رمضان ليس موسمًا لانقضاءِ الظمأ، بل هو منبعٌ لارتواءِ الأرواحِ بفيوضاتِ الحق؛ فالمُوفقُ مَن جعل من صيامه هجرةً دائمةً من أسرِ الهوى إلى فضاءِ العبودية، ليكون عبدًا ربانيًا يرى الله في كلِ حين، لا صائمًا رمضانيًا يحصي الأيامَ والسنين.
إنّ العبادة روحٌ قوامها الإخلاص، فمن عَبد الله لذاته استقام في كل زمان، ومن عبده لموسمٍ انقطع بانقضائه؛ لذا كان الإخلاص هو الحارس الذي يحفظ على العبد ثمرة صيامه، ويجعل قلبه معلقًا بالحي الذي لا يموت.
والعبد الرباني هو من يعبد "رب الشهور" لا "شهر الرب"، يقول الإمام القشيري رحمه الله في (الرسالة القشيرية): " الإخلاص: إفراد الحق في الطاعة بالقصد"، وقال السيد الجليل أبو محمد سهل بن عبد الله التُستَريُّ رحمه الله: نظر الأكياسُ في تفسير الإِخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركتُه وسكونه في سره وعلانيته الله تعالى، لا يُمازجه نَفسٌ ولا هوىً ولا دنيا، وروينا عن الأستاذ أبي علي الدقاق رحمه الله قال: الإِخلاصُ: التوقِّي عن ملاحظة الخلق، والصدق: التنقِّي عن مطاوعة النفس، فالمخلصُ لا رياء له، والصادقُ لا إعجابَ له. [الرسالة القشيرية، ٢/٣٥٩].
فإذا كان صيامك لله، فالله باقٍ بعد رمضان، يقول الله تعالى: ﴿وَمَاۤ أُمِرُوۤا۟ إِلَّا لِیَعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ حُنَفَاۤءَ﴾ [البينة: ٥].
ومن هنا كان السلف يخشون أن يكون الاجتهاد مجرد "عادة موسمية"، فقد مرَّ الحسن البصري -رحمه الله- بقوم يضحكون في شهر رمضان، فقال: "يا قوم، إنّ الله جعل رمضان مضمارا لخلقه يتسابقون فيه إلى رحمته؛ فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا؛ فالعجب من الضاحك اللاهي في اليوم الذي فاز فيه السابقون، وخاب فيه المتخلفون! أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسنًا إحسانه، ومسيئًا إساءته". [ابن عبد ربه، العقد الفريد، ٣/٩٣].
وهذا المعنى هو ما دفع الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يخرج إلى خطبة عيد الفطر فيخاطب الناس قائلًا: "أيها الناس، إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا، وقمتم لله ثلاثين ليلة، وخرجتُم اليومَ تطلبون من اللَّه أن يتقبَّل منكم". [ابن رجب الحنبلي، روائع التفسير، ٢/٢٩].
ورأى وُهَيب بن الوَرد قوما يضحكون في يوم عيد، فقال: "إن كان هؤلاء تقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كانوا لم يتقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين". [ابن رجب الحنبلي، لطائف المعرف، ص٣٦٩].
ولما قيل لبِشْر الحافي رضي الله عنه: "إن قومًا يجتهدون ويتعبدون في رمضان فقال: بئس القوم، لا يعرفون الله حقًا إلا في رمضان، إن الصَّالح الذي يتعبَّد ويجتهِدُ السَّنةَ كلَّها". [ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، ص٣٩٦]ٍ
أيها الصائم اجعل نيتك "الإخلاص لله" في عملك اليومي، وفي برِّك لأهلك، وفي إتقان وظيفتك؛ امتدادًا لنية الصيام، فكل عمل صالح هو "صوم" عن الهوى وعن كل ما يغضب الله، وليس الامتناع عن الطعام والشراب وحسب.
لا تحاول الحفاظ على نفس "زخم" رمضان في شوال، بل اختر "وردًا" بسيطًا تلتزم به.
فعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ – رضي الله عنها-، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ عز وجل أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». [أحمد (٢٥٣١٧)].
عَنْ عَلْقَمَةَ: "قُلْتُ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْتَصُّ مِنَ الْأَيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: "لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُطِيقُ". [البخاري (١٩٨٧)].
وعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ- رضي الله عنها-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللهِ وَإِنْ قَلَّ». [البخاري (٦٤٦٤)].
إنما حضّ النبي صلى الله عليه وسلم أمته على القصد والمداومة على العمل، وإن قلّ خشية الانقطاع عن العمل الكثير، فكأنه رجوع في فعل الطاعات، وقد ذمّ الله ذلك، ومدح من أوفى بالنذر. [ابن بطال، شرح صحيح البخاري، ١٠/١٧٩].
فالمداومة على تلاوة القران وقيام الليل بحسب طاقتك ووسعك بعد رمضان؛ لأن في ذلك جزاءً كبيرًا عند الله، جاء في شرح سنن ابن ماجه: قد اختلفت عادات السلف في مدة الختم، فمنهم من كان يختم في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر، وفي كل عشر، وفي أسبوع إلى أربع، وكثيرون في ثلاث، وكثيرون في يوم وليلة، وجماعة ثلاث ختمات في يوم وليلة، وختم بعض ثماني ختمات في يوم وليلة، والمختار أنه يكره التأخير في الختمة أكثر من أربعين يومًا، وكذا التعجيل من ثلاثة أيام، والأولى أن يختم في الأسبوع، والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص". [السيوطي، شرح سنن ابن ماجه، ص٩٦].
قال تعالى: ﴿كَانُوا۟ قَلِیلࣰا مِّنَ ٱلَّیۡلِ مَا یَهۡجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، مختلف في المراد منها، قال ابن كثير: ﴿كَانُوا۟ قَلِیلࣰا مِّنَ ٱلَّیۡلِ مَا یَهۡجَعُونَ﴾، اختلف المفسرون في ذلك على قولين:
أحدهما: أن "ما" نافية، تقديره: كانوا قليلًا من الليل لا يهجعونه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا، وقال قتادة عن مطرف بن عبد الله: قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون فيها لله عز وجل، إما من أولها وإما من أوسطها.
والقول الثاني: أن "ما" مصدرية، تقديره: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن جرير [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ٧/٣٨٩].
وجاء في إرشاد الساري: ولا ريب أن المديم للعمل ملازم للخدمة، فيكثر ترداده إلى باب الطاعة في كل وقت فيجازى بالبر؛ لكثرة تردده، فليس هو كمن لازم الخدمة مثلًا ثم انقطع، وأيضًا فإن العامل إذا ترك العمل صار كالمعرض بعد الوصل، فيتعرض للذم والجفاء [القسطلاني، إرشاد الساري، ١٨/٢٤٥].
إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا أَحْدَثَ فِيهِ حُبًّا لِلَّهِ، فَيُحَبُّ اللَّهَ كَمَا أَحَبَّهُ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿یُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿یُحِبُّهُمۡ وَیُحِبُّونَهُۥۤ﴾ [المائدة: ٥٤]، فَالْمَحْبُوبُ مُحِبٌّ، وَالْمُحِبُّ مُنْخَلِعٌ مِنْ جَمِيعِ شَهَوَاتِهِ، خَارِجٌ مِنْ جَمِيعِ صِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَى الْمُحِبِّ أَفْنَتْهُ عَنْهُ، وَسَلَبَتْهُ عَنْ صِفَاتِهِ، وَاصْطَفَتْهُ مِنْ نُعُوتِهِ، فَأَصَمَّهُ وَأَعْمَاهُ، وَعَنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ بِهِ أَبْلَاهُ.
فَالحبُّ يُصِمُّ عَنِ الْأَغْيَارِ، وَيُعْمِي عَمَّا سِوَى الْمَحْبُوبِ الْأَبْصَارَ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْكِبَارِ:
أَصَمَّنِي الْحُبُّ إِلَّا عَنْ تَسَاوُدِهِ فَمَنْ *** رَأَى حُبَّ حُبٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
وَكُـفَّ طَـرْفِيَ إِلَّا عَــنْ وِعَـايَتِـهِ *** وَالْحُبُّ يُعْمِي وَفِيهِ الْقَتْلُ إِنْ كُتِمَا
[الكلاباذي، بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار، ص٣٨٠].
قَالَ يحيى بن معَاذ: من تقرب إِلَى الله بِتَلف نَفسه حفظ الله عَلَيْهِ نَفسه، وَذَلِكَ أَن يمْنَعهَا عَن شهواتها ويحملها على مكارهها، فَإِن النَّفس لا تألف الْحق أبدًا، ومداواتها السهرُ، والجوع، والظمأ، وركوب مُخَالفَة الطَّبْع وَالنَّفس، ومنعها عَن الشَّهَوَات، سَمِعت مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الفضيل يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد ابْن الرُّومِي يَقُول: سَمِعت يحيى بن معَاذ يَقُول: الْجُوع طَعَام بِهِ يقوى الله أبدان الصديقين. [أبو عبد الرحمن السلمي، عيوب النفس، ص٩].
وللإمام القشيري في تفسير قول الله عزوجل: ﴿كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ...﴾ يقول: "الصوم على ضربين:
صوم ظاهر، وهو الإمساك عن المفطرات مصحوبا بالنية، وصوم باطن، وهو صون القلب عن الآفات، ثم صون الروح عن المساكنات، ثم صون السر عن الملاحظات....
ونهاية الصوم إذا هجم الليل، ولكن من أمسك عن الأغيار؛ فصومه نهايته أن يشهد الحقّ. والصوم لرؤية الهلال، والإفطار لرؤيته، كما يقول عليه السلام، فالرؤية عائدة على الهلال، وعند أهل التحقيق فالرؤية عائدة إلى الحق، فصومهم لله، حتى شهودهم وفطرهم لله، وإقبالهم على الله، والغالب عليهم الله" [الإمام القشيري، لطائف الإشارات، ١/٣٢].
والرباني يعلم أن هناك صيامًا لا يفطر صاحبه أبدًا، وهو صيام القلب عن كل ما يشغله عن الله.
واعلم وفقك اللَّه تعالى أن الصوم عند الصائمين هو صوم القالب، فأما صوم الخصوص من الموقنين فإن الصوم عندهم هو صوم القلب عن الهمم الدنية، والأفكار الدنيوية، ثم صوم السمع والبصر واللسان عن تعدي الحدود، وصوم اليد والرجل عن البطش والسعي في أسباب النهي، فمن صام بهذا الوصف فقد أدرك وقته في جملة يومه، وصار له في كل ساعة من نهاره وقت، وقد عمر يومه كله بالذكر [أبو طالب المكي، قوت القلوب، ١/١٣٤].
وفي عصر المشتتات الرقمية، كن ربانيًا بتقليل "الضجيج" من حولك، خصِّص وقتًا للخلوة والتفكر، واجعل صيامك عن الغيبة والنميمة وسوء الظن خلقًا ثابتًا لا ينتهي برؤية هلال العيد.
إنّ المسلم يعملُ العمل راجيًا مِن الله القبول، وإذا قبل اللهُ عملَ الإنسان؛ فهذا دليل أن العمل وقع صحيحًا على الوجه الذي يحبُّ اللهُ تبارك وتعالى، قال الفضيل بن عياض: "إن الله لا يقبل مِن العمل إلا أخلَصَه وأصوَبَه، فأخلَصُه ما كان لله خالصًا، وأصوبُه ما كان على السُّنَّة"، وذكَر اللهُ تبارك وتعالى أنه لا يَقبَل العملَ إلا مِن المتقين، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [المائدة: ٢٧].
ولأن الله هو الشكور؛ فإنه يعطي المطيع له حلاوة الطاعة، قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحࣰا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَنُحۡیِیَنَّهُۥ حَیَوٰةࣰ طَیِّبَةࣰۖ﴾ [النحل: ٩٧]، وقال عن أوليائه: ﴿لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡآخِرَةِۚ﴾ [يونس: ٦٤]، وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: «من سَرَّتْهُ حَسَنتُه، وسَاءتْهُ سَيِّئَتُهُ فذلكم المُؤْمنُ» [الترمذي (٢٣٠٤)]، ولا شك أن البر هو ما اطمأنت إليه النفس ووجد صاحبه انشراحًا في صدره، وسعادة في نفسه، والحسنات آخذة برقاب بعضها، ومن علامات قبول الحسنة: الحسنة التي بعدها.
وإذا أحب الله عبده أقامه في طاعته، والعادة المستمرة هي أنه سبحانه يختم لمن يعملون في الحسنات بأفضل الختام، وهذا من لطف العظيم ذي الجلال والإكرام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَبۡشِرُوا۟ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِی كُنتُمۡ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
وحقيقة الاستقامة على الطاعة: المداومة على القيام بحقّها من غير إخلال بها، فلا يكون في سلوك نهج الوفاق انحراف عنه.
ويقال: المستقيم من لا ينصرف عن طريقه، يواصل سيره بمسراه، وورعه بتقواه، ويتابع في ترك هواه.
ويقال: استقامة النفوس في نفي الزّلّة، واستقامة القلوب في نفي الغفلة، واستقامة الأرواح بنفي العلاقة، واستقامة الأسرار بنفي الملاحظة. [القشيري، لطائف الإشارات، ٢/١٦٠].
وجملة ما على العبد في التوبة وما تعلق بها عشر خصال، أولها: فرض عليه أن لا يعصي الله تعالى، والثانية: إن ابتلى بمعصية لا يصرّ عليها، والخصلة الثالثة: التوبة إلى الله تعالى منها، والرابعة: الندم على ما فرط منه، والخامسة: عقد الاستقامة على الطاعة إلى الموت، والسادسة: خوف العقوبة، والسابعة: رجاء المغفرة، والثامنة: الاعتراف بالذنب، والتاسعة: اعتقاد أن الله تعالى قدر ذلك عليه، وأنه عدلٌ منه، والعاشرة: المتابعة بالعمل الصالح؛ ليعمل في الكفارات لقوله صلى الله عليه وسلم: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها". [أبو طالب المكي، قوت القلوب، ١/٣٠٤].
وللثباتِ على الطاعة ثمرةٌ عظيمة، كما قال الإمام ابن كثير رحمهُ الله: "قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا باللّه من خلاف ذلك. [ابن كثير، تفسير القران العظيم، ٢/٣٨٩].
فمَن عاش على الطاعة يأبى كرَمُ اللهِ أن يَمُوت على المعصية، وفى الحديث: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما "أَنَّ رَجُلًا صُرِعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَنْ يُكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَأَنْ لَا يُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا". [أحمد (٢٥٩١)].
ومن علامات القبول: نظر القلب إلى الآخرة، وتذكُّر موقفِه بين يَدَىِ اللهِ تعالى، وسؤاله إياه عما قدَّم؛ فيخاف من السؤال، فيُحاسب نفسَه على الصغيرة والكبيرة، وقال الفضيلُ بنُ عياض لرجلٍ: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال فأنت منذ ستين سنة تسيرُ إلى ربِّك، يُوشِكُ أنْ تَبلُغَ، فقال الرجل: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فقال الفضيلُ: أتعرف تفسيرَه؟ تقول: أنا لله عبد، وإليه راجع، فمن عَلِمَ أنَّه لله عبد، وأنَّه إليه راجع، فليعلم أنَّه موقوفٌ، ومن علم أنَّه موقوف، فليعلم أنَّه مسؤول، ومن عَلِمَ أنَّه مسؤولٌ، فليُعِدَّ للسؤال جوابًا، فقال الرجل: فما الحيلةُ؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تُحسِنُ فيما بقي، يُغفَرُ لك ما مضى، فإنّك إنْ أسأتَ فيما بقي، أُخِذْتَ بما مضى وبما بقي [ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، ص٨١٦].
الإنسان مدني بطبعه، والربانية تحتاج إلى بيئة تغذيها، فابحث عن مجالس العلم، ورفاق الخير الذين يذكرونك إذا نسيت، فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديد التأثر بمن يصاحبه، ومجالستهم تكسب المرء الصلاح والتقوى، والاستنكاف عنهم تنكُّبٌ عن الصراط المستقيم.
قال الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِینَ﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِینَ یَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنࣰا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَٰمࣰا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً». [مسلم (٢٦٢٨)].
قال أبو حاتم: العاقل يلزم صحبة الأخيار، ويفارق صحبة الأشرار؛ لأن مودة الأخيار سريع اتصالها، بطيء انقطاعها، ومودة الأشرار سريع انقطاعها، بطيء اتصالها، وصحبة الأشرار سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار، لم يسلم من الدخول في جملتهم، فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب؛ لئلا يكون مريبًا، فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير، كذلك صحبة الأشرار تورث الشر. [ابن حبان، روضة العقلاء، ص٩٩-١٠٠].
وعلى قدر ما رغّب الإسلام في صحبة الأخيار وأخوَّتهم، على قدر ما حذّر من صحبة الأشرار والقرب منهم، فعن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: «قال اللهُ عز وجل: المُتحابُّونَ في جَلالِي لَهُمْ مَنابرُ من نُورٍ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهدَاءُ». [الترمذي (٢٥٥٠)]
وعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهَ عز وجل عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ»، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْعَتْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: «هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ، تَحَابُّوا فِي اللَّهِ عز وجل وَتَصَافَوْا، يَضَعُ اللهُ عز وجل لَهُمْ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ لِيُجْلِسَهُمْ عَلَيْهَا، فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا، وَثِيَابَهُمْ نُورًا، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ، وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ». [ابن أبي الدنيا (٦)].
واعلموا أيها المسلمون؛ أن المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». [أبو داود (٤٨٣٣)].
فانظر أخي المسلم إلى من تصاحب، فإذا كنت تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليك بمصاحبة من يحبه ويقتدي به من أهل الصدق والحياء، وأهل الوفاء والإيمان، عليك بمصاحبة الأخيار؛ لجلب المنافع ودفع الأضرار، وابتعد عن أهل الغدر والغش، والكذب والزور، وعن المتتبعين لعورات المسلمين، وأهل الفسق والفجور، وأهل الفساد من الفارغين.
أيها المسلم، قد تكون أنت من أهل الخير، ولكن في نفسك شيء من الهوى إلى الجلوس إلى بعض أهل السوء، فإياك إياك، وإذا أخذك إلى مكان يأخذك إلى أي مكان؟ صاحب الخيّر؛ فسيأخذك إلى مسجد، وإلى حلقة علم، وإلى زيارة نافعة، وإلى عبادة وطاعة، وإلى قربة، ويصحبك في حج أو عمرة، أما صاحب السوء، فلا يمكن أن تأمنه على شيء، لا على عرض، ولا على مال، ولا على سرّ، ولا يعينك على خير، ويزين لك المعصية، ويحثك على الخبث، فلا خير في صحبته.
إنّ حقيقة الربانية تكمنُ في بقاءِ أثرِ العبادةِ في السلوك، فمن استقام بعد رمضان فقد نالَ أمارةَ القبول، ومن جعل من إخلاصه بوصلةً، ومن صحبةِ الأخيارِ مَعينًا، استحالَت حياتُه كلُّها عيدًا موصولًا برضوانِ الله في الدنيا والآخرة.
مع غروب شمس آخر شعبان، ينطلق نداء السماء المهيب "يا باغي الخير أقبل".
تلاوة القرآن الكريم ليست مجرد كلمات تُتلى، بل هي عبادة قلبية وروحية تسمو بالمسلم إلى مناجاة ربه.
أحسنْ استقبالَ شهرِ رمضانَ، فهذا شهرُكَ المُعظَّمُ الذي تهيِّئُ فيه نفسَكَ المُشتاقةَ لاستقبالِ فيضِ الحقِّ.