Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تلاوة القرآن الكريم

الكاتب

أ. د./ السيد إسماعيل علي سليمان

تلاوة القرآن الكريم

تلاوة القرآن الكريم ليست مجرد كلمات تُتلى، بل هي عبادة قلبية وروحية تسمو بالمسلم إلى مناجاة ربه، وقد اعتنى العلماء بوضع آدابها لتكون التلاوة في أبهى صورها من الخشوع والتدبر والتعظيم، وهذا العرض يُلخص أهم تلك الآداب.

تفاصيل المحتوى

أدب التلاوة

لما كان قارئ القرآن في حضرة ربه مناجيًا له، كان لزامًا عليه أن يتأدب بآداب خاصة تليق بحضرة ربه ومناجاته، وقد حدد العلماء الأجلاء هذه الآداب وبينوها، وسوف ألخص تلك الآداب فيما يلي: [انظر: هداية القاري إلى تجويد كلام الباري: ص ٤٩٧ - ٥١١ - طبعة دار النصر للطباعة الإسلامية بشبرا مصر - الأولى سنة ١٤٠٢ هـ ٩٨٢١م - للشيخ/ عبد الفتاح السيد عجمي المرصفي].

١- أن يكون القارئ على طهارة حسية- أي من الحدث الأكبر والأصغر-، وذلك لأن قراءة القرآن الكريم أفضل أنواع الذكر، خاصة وأنها مناجاة بين العبد وربه، فيستلزم لذلك طهارة الظاهر والباطن.

٢- وأن يقرأ في الأماكن الطاهرة والنظيفة التي تليق بعظمة ومقام القرآن الكريم، ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامِعًا للنظافة وشرف البقعة ومحصلًا لفضيلة أخرى وهي الاعتكاف، وأن يكون أثناء القراءة مستقبلًا للقبلة، لأن قراءة القرآن عبادة، واستقبال القبلة من أسباب القبول وأدعى له.

٣- أن يستعمل السواك ويتخلل فيطيب فاه ويطهره، لأنه الطريق الذي يخرج منه القرآن الكريم، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أفْوِاهَكُم طُرُقُ القُرآنِ فَطَيِّّبوهَا بِالسِّوَاكِ» [الحديث: أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب الطهارة رقم ١٧، وذكر في إتحاف السادة المتقين ٢/٣٤٠ وكنز العمال رقم ٢٧٥١، وحلية الأولياء٤/٢٩٦وجمع الجوامع برقم ٩٤٦٢ والدر المنثور في التفسير بالمأثور١/ ١١٣]، وقال يزيد بن أبي مالك: "إن أفواهكم طرق من طرق القرآن فطهروها ونظفوها ما استطعتم".

٤- أن يخلص في قراءته ويريد بها وجه الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محبة عند الناس، أو مدح أو رياسة أو وجاهة أو ارتفاع على أقرانه ونحو ذلك.

٥- أن يستحضر في ذهنه أنه يناجي ربه ويقرأ كتابه، فيتلوه على حالة من يرى الله تعالى، فإن لم يكن يراه فإن الله سبحانه وتعالى يراه.

٦- أن يعظم القرآن ويوقره، فيتجنب الضحك، والحديث الأجنبي خلال القراءة إلا لحاجة، وألا يعبث باليد ونحوها، وألا ينظر إلى ما يلهي أو يبدد الذهن.

٧- أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند ابتدائه للقراءة، وهذا ما عليه جمهور العلماء قديمًا وحديثًا، وقيل: بعدها وأوجبها قوم؛ لظاهر الأمر في الآية، وهي قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ} [النحل: ٩٨]، وصيغتها المختارة عند عامة الفقهاء وجميع القراء: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، وكان بعض السلف يزيدون: "السميع العليم"، ولا خلاف بين أهل الأداء في الجهر بها عند افتتاح القراءة، والإخفاء أولى إذا كان يقرأ وحده خاليًا عن الناس أو في الصلاة، ويكفيه تعوذ واحد ما لم يقطع قراءته بكلام أجنبي أو فصل طويل.

٨- أن يحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة غير سورة "براءة"، لأن أكثر العلماء على أنها آية من أول كل سورة، فإذا أخل بها كان تاركًا لبعض الختمة عند الأكثرين، أما في الابتداء بما بعد أوائل السور ولو بكلمة فتجوز البسملة وعدمها لكل القراء تخييرًا.

٩- ويُسَنُّ للقارئ أن يقرأ على تؤدة وبترتيل، لأن ذلك أدعى للتدبر وأقرب إلى التوقير والاحترام، ولقول الله تعالى: {وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا} [المزمل: ٤] ولما رواه أبو داود وغيره عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنهّا نَعَتَتْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم: «قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا» [الحديث: رواه أبو داود في كتاب الصلاة ٢/ ٧٤رقم ١٤٦٦، والترمذي في فضائل القرآن ٥/ ١٦٧رقم ٢٩٢٣ وقال هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد عن أبي مليكة عن يعلى بن مليكة عن أم سلمة، ورواه النسائي في الافتتاح ٢/ ١٨١رقم ١٠٢٢]، وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ» [الحديث: رواه البخاري في فضائل القرآن، باب مد القراءة انظر فتح الباري ٩/٨٠٧ رقم ٥٠٤٦]، واتفق العلماء على كراهة الإفراط في الإسراع بالقراءة، وقالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزءين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل، وقالوا: واستحباب الترتيل للتدبر، لأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرًا في القلب، ولهذا يستحب للأعجمي الذي لا يفهم معناه[الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ١٤٠].

١٠- تدبر ما يُتلى

 ينبغي على المؤمن أن يقرأ القرآن بالتدبر والفهم، وأن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يخاطب به، ويتفهمه لقول الله تعالى: {كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [ص: ٢٩]، وقوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ} [محمد: ٢٤]، والطريق إلى ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوذ، أو تنزيه نزه وعظم، أو دعاء تضرع وطلب، فقد روى الإمام مسلم بسنده عن حذيفة -رضي الله تعالى عنه- قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ»[الحديث: أخرجه مسلم في صحيحه في صلاة المسافرين ١/٥٣٦، ٥٣٧رقم ٧٧٢، وأبو داود في الصلاة ١/ ٥٤٣والترمذي في الصلاة ٢/٤٨ رقم ٢٦٢].

ومما يعين على التدبر أيضًا تكرير الآية وترديدها، فقد روى النسائي وغيره عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية يرددها حتى أصبح، والآية {إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ} [المائدة: ١١٨] [الحديث: رواه النسائي ٢١/ ٧٧ وابن ماجه رقم ١٣٥٠ وأحمد في المسند٥/ ٥٦، ١٧٠، ٢٠٠]، وعن تميم الداري رضي الله تعالى عنه أنه كرر هذه الآية حتى أصبح: {أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ} [الجاثية: ٢١] [الأثر: رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٦٢بإسناد صحيح]، وردد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: {ربِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا} [طه: ١١٤]، وردد سعيد بن جبير قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ} [البقرة: ٢٨١] إلى غير ذلك من الأقوال في هذا الصدد.

قال الإمام النووي: "والأحاديث فيه -أي في التدبر والخشوع عند التلاوة- كثيرة، وأقاويل السلف فيه مشهورة، وقد بات جماعات من السلف يتلون آية واحدة يتدبرونها ويرددونها إلى الصباح، وقد صعق جماعات من السلف عند القراءة، ومات جماعات منهم حال القراءة" [انظر: التبيان في آداب حملة القرآن ص ٦٠-٦٢].

١١- تحسين الصوت بالتلاوة

أجمع العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم من علماء الأمصار وأئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بتلاوة القرآن وتزيينها، لأن ذلك يؤدي إلى التأثير على النفوس، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «زَيِّنوا القُرآنَ بأصواتِكم» [حديث صحيح أخرجه أبو داود في سننه ٢/ ١٥٥رقم ١٤٦٨، والنسائي ٢/ ١٧٩، وابن ماجه ١/ ٤٢٦رقم ١٣٤٢]، وفي لفظ عند الدارمي: «حسِّنوا القرآنَ بأصواتِكم» [ذكره السيوطي في الإتقان ١/١٤١]، ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أذِنَ اللَّهُ لِشيءٍ ما أذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنّى بالقُرْآنِ» [رواه البخاري في فضائل القرآن باب من لم يتغن انظر فتح الباري لابن حجر ٨/ ٦٨٦رقم ٥٠٢٤].  

قال ابن كثير: ومعناه أن الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية وذلك هو الغاية في ذلك، وهو سبحانه وتعالى يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم، كما قالت عائشة رضي الله عنها : سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، ولكن استماعه عباده المؤمنين أعظم كما قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ} [يونس: ٦١]، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم [فضائل القرآن لابن كثير ص ٣٣ طبعة الحلبي].

هذا: وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى بنفسه في تحسين الصوت بالتلاوة، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في العِشاءِ: والتِّينِ والزَّيْتُونِ فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً منه» [الحديث: رواه البخاري ومسلم، وقال النووي متفق عليه. رياض الصالحين ص ٢٨٣ طبعة دار التراث العربي الأولى ١٤٠٢هـ ١٩٨٢م].

 وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بالطُّور ِفما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه، وفي بعض الروايات: فلما سمعته قرأ: {أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ*أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ*أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ} [الطور: ٣٥-٣٧] كاد قلبي أن يطير [الحديث: أخرجه مالك في الموطأ ١/٧٨ باب القراءة في المغرب والعشاء، والبخاري في تفسير سورة الطور فتح الباري ٨/ ٦٠٣رقم ٤٨٥٤، ومسلم في كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح ٢/١٤ رقم ١٧٤].

ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب، وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ مِنْ أحْسَنِ الناسِ صَوْتًا بالقُرْآنِ الَّذِي إِذا سَمِعْتَهُ يَقْرَأَ رَأَيْت أنهُ يَخْشَى الله» [الحديث: رواه ابن ماجه في سننه، كتاب إمامة الصلاة ١/ ٤٢٥رقم ١٣٣٩].

١٢- التغني بالقرآن

ومن أجل تحسين التلاوة وتزيينها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتغني بالقرآن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أذِنَ اللَّهُ لِشيءٍ ما أذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بالقُرْآنِ» [صحيح البخاري ٦/١٠٧، وصحيح مسلم ١/٥٤٥].

قال سفيان بن عيينة تفسيره: يستغني به، ولكن الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- رد هذا القول وقال: ليس هو هكذا، ولو كان هكذا لكان يتغانى، إنما هو يتحزن ويترنم به، ويؤيد هذا ما جاء في الرواية الأخرى: «مَا أَذِنَ الله لِشَيْءٍ مَا أُذِنَ لِنَبِيَ حَسَن الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» [الحديث:٨/ ٢١٤وصحيح مسلم ١/ ٥٤٥ رقم ٧٩٢ وأبو داود ٢/ ٧٦رقم ١٤٧٣ وأحمد في المسند ٢/ ٢٧١].

قال الطبري رحمه الله تعالى: لو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى، ومما يؤكد هذا المعنى أيضًا ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بالقُرْآنِ» [الحديث: رواه البخاري في كتاب التوحيد انظر فتح الباري ١٣/ ٥١٠رقم ٧٥٢٧، وأحمد في المسند١/ ١٧٢، ١٧٥]، والمراد بالتغني بالقرآن تحسين الصوت وتطريبه وتحزينه والتخشع به، لما جاء عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: «لو رأيتُني وأنا أستمِعُ قراءَتَك البارحةَ، لقد أُوتيتَ مِزمارًا من مزاميرِ آلِ داودَ» قلت: أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرًا [الحديث: رواه البخاري في فضائل القرآن ٨/ ٧١٠ رقم ٥٠٤٨والترمذي في المناقب ٥/ ٦٥٠ رقم ٣٨٥٥].

قال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر هذه الأحاديث وغيرها: والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقي، فالقرآن ينزه عن هذا، ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب، وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك كما قال الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: حدثنا نعيم بن حماد عن بقية بن الوليد عن حصين بن مالك الفزاري قال: سمعت شيخًا يكنى أبا محمد يحدث عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا القُرْآنَ بِلُحُونِ العَرَبِ وأصْواتِها وإيَّاكُمْ ولُحُونَ أهْلِ الكِتابَيْنِ وأهْلِ الفِسقِ فإنّهُ سَيَجِيءُ بَعْدِي قَوْمٌ يُرجِّعُونَ بالقُرْآنِ تَرْجِيعَ الغِناءِ والرَّهْبانِيَةِ والنَّوْحِ لَا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ وقُلوبُ مَنْ يُعْجِبُهُمْ شأنهم» [الحديث: رواه ابن كثير في فضائل القرآن ص٣٦ وهو غير صحيح حيث في سنده بقية ابن الوليد مدلس ولم يصرح بالسماع رواه معنعنًا عن حصين بن مالك قال عنه النسائي في التهذيب ١/ ٤٧٥ إذا قال حدثت وأخبرنا فهو ثقة وإذا قال عن فلان فلا يؤخذ عنه لأنه لا يدري عمن أخذه وفيه أبو محمد شيخ مجهول وقد ذكر الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٦٩ ونسبه للطبراني في الأوسط وقال فيه راو لم يسم وفيه وبقية أيضًا، وقال المناوي قال ابن الجوزي حديث لا يصح وأبو محمد مجهول وبقية يروي عن الضعفاء ويدلسهم وقال الذهبي في "ميزانه" تفرد عن أبي حصين وبقية وليس بمعتمد والخبر منكر]، وهذا يدل على أنه محذور كبير وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة رحمهم الله تعالى على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفًا أو ينقص حرفًا، فقد اتفق العلماء على تحريمه والله أعلم.

١٣- التحزين بالقرآن

ويستحب للقارئ البكاء عند قراءة القرآن، والتباكي لمن لا يقدر على البكاء، والحزن والخشوع لقول الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا} [الإسراء: ١٠٩]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: ٢]، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اتْلوا القرآنَ وابْكُوا فإنْ لمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا» [أخرجه ابن ماجه في الإقامة باب ١٧٦، والزهد ١٩].

وروى أبو داود بسنده عن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء [الحديث: رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب البكاء في الصلاة برقم ٩٠٤، والنسائي في كتاب السهو، باب البكاء في الصلاة برقم ١٢١٤، والإمام أحمد في المسند ٤/ ٣٥، ٣٦]، وفي الشعب للبيهقي عن سعد بن مالك مرفوعًا: «إِنَّ هذا القرآنَ نزلَ بِحُزْنٍ وكآبَةٍ، فإذا قرأْتُمُوهُ فابكُوا، فإِنْ لم تبكُوا فتباكُوا» [الحديث: ذكره السيوطي في الإتقان ١/ ١٤١، وابن كثير في فضائل القرآن عن أبي داود ص ٥٣]، وفي مسند أبي يعلى حديث: «اقرَءوا القرآنَ بِالحَزَنٍ، فإنَّهُ نزلَ بالحَزَنِ»، وعند الطبراني «إنَّ أحسنَ الناسِ قراءةً مَنْ إذا قرَأَ القرآنَ يَتَحَزَّنُ» [الحديث: ذكره السيوطي في الإتقان ١/ ١٤١].

قال أبو حامد الغزالي- رحمه الله تعالى-: البكاء مستحب مع القراءة وعندها قال: وطرقه في تحصيله أن يحضر في قلبه الحزن، بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص، فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب [التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص ٦٣].

١٤- حق التلاوة

ينبغي لقارئ القرآن أن يتلو القرآن الكريم حق تلاوته، ويتبع ما جاء فيه من أحكام وآداب حق اتباعه، لقول الله تعالى: {ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} [البقرة: ١٢١]، وروى ابن أبي حاتم بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في معنى قوله تعالى: {يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ} قال: إذا مَرَّ بذكر الجنة سأَل الله الجنة، وإذا مَرَّ بذكر النار تعوَّذ بالله من النار، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أَنْ يُحِلَّ حَلَالَهُ وَيُحَرِّمَ حَرَامَهُ، وَيَقْرَأَهُ كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَلَا يُحَرِّفَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا يَتَأَوَّلَ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ" [تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/٢٣٥]، وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- في معنى هذه الآية قال: "يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه"، وقال أيضًا: يتبعونه حق اتباعه.

وقال الحسن البصري: "يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه" [تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/٢٣٦]، وقال الإمام الغزالي: "تلاوة القرآن حق تلاوته أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان: تصحيح الحروف، وحظ العقل: تفسير المعاني، وحظ القلب: الاتعاظ والتأثر والانزجار والائتمار، فاللسان يرتل، والعقل ينزجر، والقلب يتعظ" [نهاية القول المفيد في علم التجويد ص ٢٣٦ للشيخ/ محمد مكي نصر. طبعة الحلبي].

١٥- هيئة قارئ القرآن

يستحب لقارئ القرآن في غير الصلاة أن يستقبل القبلة، فقد جاء في الحديث: «خيرُ المجالسِ ما استُقبلَ به القبلةُ» [الحديث: رواه الطبراني في الأوسط ٣/ ١٨٢-١٨٣ رقم ٢٣٧٥ من حديث أبي هريرة بإسناد حسن]، ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار، مطرقًا رأسه، ويكون جلوسه وحده في تحسين أدبه وخضوعه، كجلوسه بين يدي معلمه، فهذا هو الأكمل، ولو قرأ قائمًا أو مضطجعًا، أو في فراشه أو غير ذلك من الأحوال جاز، وله أجر، ولكن دون الأول، قال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ*ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ} [آل عمران: ١٩٠-١٩١] 

وثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم  يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ» [الحديث: أخرجه البخاري ١/٤٠١ رقم ٩٧٢، ومسلم في صحيحه ١٢/ ٤٦رقم ١٣، وأبو داود في سننه رقم ٢٦٠، والنسائي ١/٤٧١، ١٩١، وابن ماجه برقم ٦٣٤، والإمام أحمد في المسند ٦/ ٦٨، ٧٢، ١١٧، ١٣٥].

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "إني أقرأ القرآن في صلاتي، وأقرأ على فراشي" [التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص ٥٩]، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " إِنِّي لَأَقْرَأُ حِزْبِي وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى سَرِيرِي" [المصدر السابق]، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبحزنه إذ الناس يختالون"، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: "حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو تعظيمًا لحق القرآن" [انظر التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص ٤٤].

١٦- سجود التلاوة

يسن لقارئ القرآن إذا مر بآية فيها سجدة من سجدات القرآن أن يسجد، لما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى إذا جاء السجدة قال: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ" [رواه البخاري في كتاب السجود. انظر فتح الباري ٢/٥٥٧رقم ١٠٧٧]، وثبت في الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم "والنجم"، فلم يسجد [المصدر السابق حديث رقم ١٠٧٢، ورواه مسلم برقم ٧٧٠]، وثبت أيضًا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ (وَالنَّجْمِ) قَالَ فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ..." [انظر فتح الباري لابن حجر تفسير سورة النجم ٨/ ٤٨٠رقم ٤٨٦٣]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سَجَدَ النبيُّ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالنَّجْمِ وسَجَدَ معهُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ والجِنُّ والإِنْسُ» [المصدر السابق رقم ٤٨٦٢].

وأما عدد السجدات ومحلها، فالذي عليه جمهور العلماء أنها أربع عشرة سجدة، في سورة الأعراف عند نهاية السورة الآية ٢٠٦، وفي سورة الرعد عند نهاية الآية ١٥، وفي سورة النحل عند نهاية الآية ٥٠، وفي سورة الإسراء عند نهاية الآية ١٠٩، وفي سورة مريم عند نهاية الآية ٥٨، وفي سورة الحج سجدتان عند نهاية الآية ١٨، وعند نهاية الآية ٧٧، وفي سورة الفرقان عند نهاية الآية ٦٠، وفي سورة النمل عند نهاية الآية ٢٦، وفي سورة [الم تنزيل] السجدة عند نهاية الآية ١٥، وفي سورة [حم السجدة] فصلت عند نهاية الآية ٣٨، وفي سورة النجم عند نهاية الآية ٦٢، وفي سورة {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتۡ} [الانشقاق: ١] عند نهاية الآية ٢١، وفي سورة {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ} [العلق: ١] عند نهاية السورة الآية ١٩،وأما سجدة سورة "ص" فمستحبة، وليست من عزائم السجود أي متأكداته، فقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: "(ص) لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم سَجَدَ فِيهَا" [الحديث: أخرجه البخاري برقم ١٠٧٩، ورقم ٣٤٢٢، وانظر أيضًا فتح الباري كتاب التفسير، تفسير سورة ص حديث رقم ٤٨٠٦، ٤٨٠٧، وأبو داود تحت رقم ١٤٠٩، والترمذي برقم ٧٧٠]، ويشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة من الطهارة، وستر العورة، والتوجه إلى القبلة، وينبغي أن يقع السجود عقب آية السجدة التي قرأها أو سمعها، فإن أخر ولم يطل الفصل سجد؛ وإن طال فقد فات السجود، ولا يقضي على المذهب الصحيح المشهور كما لا يقضي صلاة الكسوف [انظر: التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص ٤٩-٦٠١].

الخلاصة

ينبغي لقارئ القرآن أن يتأدب بآداب تليق بعظمة كلام الله؛ فيكون على طهارة، في مكان طاهر، مستقبلًا القبلة، مع تطيب الفم بالسواك، ويخلص في قراءته، مستشعرًا أنه يناجي الله، ويقرأ بتوقير دون لهو أو انشغال، يبدأ بالاستعاذة والبسملة، ويراعي الترتيل والتدبر، ويتأمل الآيات ويتفاعل معها بالبكاء والخشوع والتأثر، ويحسن صوته ويترنم دون اللحن الملهي أو الغنائي المبتذل، ويقرأ بتواضع وخشوع ظاهرًا وباطنًا، ويحسن هيئته باستقبال القبلة والسكينة في جلسته، ويسجد عند آيات السجود مع تحقق شروط الطهارة، ويتلو القرآن حق التلاوة لتكون التلاوة عبادة قلب ووجدان ولسان.

موضوعات ذات صلة

ختم القرآن الكريم عبادة عظيمة، والسنة النبوية دلّت على أن أفضل مدة له هي في شهر

القرآن الكريم أعظم ما يحفظه الإنسان، فهو كلام الله الذي يُرفع به ويُكرم صاحبه في الدنيا والآخرة

تنكيس القرآن، أي قلب ترتيب آياته أو سوره عند القراءة

موضوعات مختارة