لقد كان حال النبي - صلى الله عليه وسلم - في
رمضان غير حاله في سائر الشهور، فقد كان - صلى الله عليه وسلم – يشغل يومه وليله
بالطاعات والقربات، ومن تأمل هديه الشريف يدرك أن رمضان كان محطة للتزود بالطاعة،
والازدياد من العمل الصالح، والتخلق بأعلى درجات الكرم والجود.
وفي هذا السياق، يذكر الإمام ابن رجب الحنبلي في
كتابه القيم "لطائف المعارف" جملة من فضائل الشهر وكيف كان حال السلف
فيه [لطائف المعارف، ص ٢٧٩-٢٨٠].
أولًا: الجود والكرم
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس،
وكان أجود ما يكون في رمضان. يحدثنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فيقول: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى
الله عليه وسلم - أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ
فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ -
عليه السلام - يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرْآنَ:
فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ - عليه السلام -، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ
الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» [صحيح البخاري،١٩٠٢]
وهذه صورة عجيبة! فالنبي - صلى الله عليه وسلم -
في قمة جوده وسخائه، وجبريل عليه السلام ينزل ليدارسه القرآن، في اجتماع الملأ
الأعلى على الخير والبركة، وقد علق الإمام ابن حجر العسقلاني- رحمه الله - في
"فتح الباري" على هذا الحديث بقوله:" قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ:
وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ أَجْوَدِيَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْخَيْرِ
وَبَيْنَ أَجْوَدِيَّةِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّيحِ رِيحُ
الرَّحْمَةِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِإِنْزَالِ الْغَيْثِ
الْعَامِّ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِإِصَابَةِ الْأَرْضِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ
الْمَيْتَةِ، أَيْ: فَيَعُمُّ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْفَقْرِ
وَالْحَاجَةِ وَمَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْغِنَى وَالْكِفَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا
يَعُمُّ الْغَيْثُ النَّاشِئَةُ عَنِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ - صلى الله عليه وسلم
-" [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ٤/١١٤]، وجوده -
صلى الله عليه وسلم - شاملًا لكل أنواع الجود: جودًا بالعلم حين يعلِّم الصحابة،
وجودًا بالمال حين ينفق بسخاء، وجودًا بالوقت والجهد حتى في ليالي الشهر المبارك.
ثانيًا: قيام الليل والاجتهاد في
العشر الأواخر
كان صاحب الجناب المكرم - صلى الله عليه وسلم -
يخص رمضان بقيام خاص، كان - صلى الله عليه وسلم - يرغب في قيام رمضان من غير أن
يأمرهم بعزيمة، فعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:
«مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِهِ» [صحيح البخاري، ٢٠٠٩]
وإذا دخلت العشر الأواخر تصف أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنها فتقول: " كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إذا
دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وشد المئزر " [صحيح
مسلم: ١١٧٤]. وفي حديث أخر: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه
وسلم - يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. " [صحيح
مسلم:١١٧٥].
هذا هو الحبيب- صلى الله عليه وسلم - لا ينام
الليل، يوقظ أهله للصلاة، يشد المئزر معتزلًا النساء، كل ذلك طلبًا لليلة القدر
التي هي خير من ألف شهر، فمن أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - حقًا، اقتدى به في
هذا الاجتهاد، وسار على هذا الدرب العظيم.
ثالثًا: تعجيل الفطر وتأخير السحور
من هديه - صلى الله عليه وسلم - في الصيام أنه
كان يعجل الفطر ويؤخر السحور، فعَنْ سيدنا سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» [صحيح
البخاري، ١٩٥٧]. وعَنْ
سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى
الله عليه وسلم - يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ
تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ
مِنْ مَاءٍ". [سنن الترمذي: ٦٩٦].
وفي السحور، كان - صلى الله عليه وسلم - يحث
أصحابه على السحور فيقول: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» [صحيح البخاري،
١٩٢٣]. وعن سيدنا عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال:
«فَصْلُ
مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر» [صحيح
مسلم، ١٠٩٦].
وهذا التفريق بيننا وبين أهل الكتاب إنما هو من
فضل الله علينا برسوله -صلى الله عليه وسلم، الذي علمنا هذه السنن العظيمة التي
فيها الرفق والرحمة بالأمة المحمدية.