Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نعيش رمضان بمحبة سيد الأكوان صلى الله عليه وسلم

الكاتب

هيئة التحرير

نعيش رمضان بمحبة سيد الأكوان صلى الله عليه وسلم

نعيش رمضان بمحبة سيد الأكوان - صلى الله عليه وسلم - لأنه المنة الكبرى التي أكرمنا الله بها، وبهديه - صلى الله عليه وسلم - عرفنا فضائل الشهر وكيفية صيامه وقيامه، فالمحبة الحقيقية تقتضي الاقتداء به في جوده واجتهاده وعبادته، لنحقق الفرحة الكبرى بفضل الله ورحمته.

المنّة الكبرى ببعثة النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم.

إذا كان شهر رمضان منحة ربانية تتنزل فيها البركات، وتُفتح فيها أبواب الجنان، فإن خلف هذه المنّة منّةً أعظم، وراء تلك العطية عطية كبرى، إنها منّة بعثة سيد الأكوان محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذۡ بَعَثَ فِیهِمۡ رَسُولࣰا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ ءَایَٰتِهِۦ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَٰلࣲ مُّبِینٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] ، يقول الإمام ابن كثير – رحمه الله-:" يَقُولُ تعالى مخاطبًا رسوله، مُمْتَنًّا عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا أَلَانَ بِهِ قَلْبَهُ عَلَى أُمَّتِهِ الْمُتَّبِعِينَ لِأَمْرِهِ، التَّارِكِينَ لِزَجْرِهِ، وَأَطَابَ لَهُمْ لَفْظَهُ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ لَهُمْ ليِّنًا، لولا رحمة الله بك وبهم" [تفسير القرآن العظيم:٢ / ١٣٠].

فالعلاقة بين رمضان والحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم - ليست علاقة مصادفة، بل هي علاقة سببية وثيقة، فالقرآن الذي أنزل في هذا الشهر إنما جاء على قلب هذا النبي العظيم- صلى الله عليه وسلم -، والصيام الذي فرض في رمضان إنما شرع ليكون مدرسة تربية على هديه وطريقته القويمة.

وقد أشار الإمام أبو حامد الغزالي - رحمه الله - إلى أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو سلوك تربوي روحي يعزز شعور الصائم بمراقبة الله- عزوجل - في السر والعلن فيقول:" إن الصوم كفٌّ وتركٌ، وهو في نفسه سرٌّ ليس فيه عمل يشاهد وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى، والصوم لا يراه إلا الله عز وجل، فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد" [إحياء علوم الدين، ١ / ٢٣١]؛ فالحبيب -صلى الله عليه وسلم-هو المنّة الكبرى التي بها أدركنا رمضان، وبهديه عرفنا كيف نصوم، وكيف نقوم، وكيف نتعبد.

النبي - صلى الله عليه وسلم - فرحة المحبين الكبرى.

إذا كان الناس يفرحون برمضان لِمَا يتجهزون به من الملذات والمأكولات، وأهل الإيمان يفرحون بقدوم رمضان لما فيه من الخير والحسنات والمغفرة، فأهل المحبة يفرحون به صلى الله عليه وسلم على الدوام؛ لأنه السبب المباشر في كل خير يعيشونه في هذا الشهر الفضيل. إنها الفرحة الكبرى التي أشار إليها القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].

يقول الشيخ نعمة الله النخجواني - رحمه الله - : "قُلْ يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين إرشادًا لهم وتذكيرًا بِفَضْلِ اللَّهِ المُحسن المُتفضل وبحسن قبوله وبشرف عز حضوره، وَكذا بِرَحْمَتِهِ أي: بمقتضى سعة رحمته الواسعة المتسعة لعموم مظاهره ومصنوعاته فليبسطوا وليتشرفوا، فَبِذلِكَ التلذذ والحضور الحقيقي فَلْيَفْرَحُوا بدل ما لم يتلذذوا ولم يفرحوا بالمستلذات الجسمانية الفانية المتناهية، وبالجملة هُوَ أي: سروركم وفرحكم الروحاني خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من أهوية نفوسكم ومقتضيات هوياتكم، إن كنتم موقنين مخلصين" [الفواتح الإلهية:١ / ٣٣٦]

وقد اختلف المفسرون من أئمة العلم كالطبري والقرطبي في المراد بالفضل والرحمة، "فقيل: الفضل القرآن والرحمة الإسلام، وقيل: الفضل الإسلام، والرحمة القرآن، قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾، قال أبو سعيد الخدري وابن عباس رضي الله عنهما: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام، وعنهما أيضًا: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله، وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة: فضل الله الإيمان، ورحمته القرآن، على العكس من القول الأول. وقيل: غير هذا، ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾  إشارة إلى الفضل والرحمة" [تفسير القرطبي، ٨ /٣٥٣].

والذي لا خلاف فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو واسطة هذا الفضل ومظهر هذه الرحمة، فهو الذي بلَّغ القرآن، وهو الذي علمَّ الإسلام، فبه وبما جاء به تتحقق الفرحة الحقيقية التي هي خير مما يجمع الناس من حطام الدنيا الزائل.

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه يقول: «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» [مسند الإمام أحمد، ٩٤٩٧]، وهذه البشرى ذاتها هي دعوة للفرح برمضان، ولكن الفرح الأكبر أن نعيش هذا الشهر مع من كان رمضان حياته وهديه.

هدي الحبيب - صلى الله عليه وسلم - في رمضان.

لقد كان حال النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان غير حاله في سائر الشهور، فقد كان - صلى الله عليه وسلم – يشغل يومه وليله بالطاعات والقربات، ومن تأمل هديه الشريف يدرك أن رمضان كان محطة للتزود بالطاعة، والازدياد من العمل الصالح، والتخلق بأعلى درجات الكرم والجود.

وفي هذا السياق، يذكر الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه القيم "لطائف المعارف" جملة من فضائل الشهر وكيف كان حال السلف فيه [لطائف المعارف، ص ٢٧٩-٢٨٠].

أولًا: الجود والكرم

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. يحدثنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فيقول: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرْآنَ: فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ - عليه السلام -، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» [صحيح البخاري،١٩٠٢]

وهذه صورة عجيبة! فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في قمة جوده وسخائه، وجبريل عليه السلام ينزل ليدارسه القرآن، في اجتماع الملأ الأعلى على الخير والبركة، وقد علق الإمام ابن حجر العسقلاني- رحمه الله - في "فتح الباري" على هذا الحديث بقوله:" قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ أَجْوَدِيَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْخَيْرِ وَبَيْنَ أَجْوَدِيَّةِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّيحِ رِيحُ الرَّحْمَةِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِإِنْزَالِ الْغَيْثِ الْعَامِّ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِإِصَابَةِ الْأَرْضِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ الْمَيْتَةِ، أَيْ: فَيَعُمُّ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ وَمَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْغِنَى وَالْكِفَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعُمُّ الْغَيْثُ النَّاشِئَةُ عَنِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ - صلى الله عليه وسلم -" [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ٤/١١٤]، وجوده - صلى الله عليه وسلم - شاملًا لكل أنواع الجود: جودًا بالعلم حين يعلِّم الصحابة، وجودًا بالمال حين ينفق بسخاء، وجودًا بالوقت والجهد حتى في ليالي الشهر المبارك.

ثانيًا: قيام الليل والاجتهاد في العشر الأواخر

كان صاحب الجناب المكرم - صلى الله عليه وسلم - يخص رمضان بقيام خاص، كان - صلى الله عليه وسلم - يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [صحيح البخاري، ٢٠٠٩]

وإذا دخلت العشر الأواخر تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: " كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إذا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وشد المئزر " [صحيح مسلم: ١١٧٤]. وفي حديث أخر: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. " [صحيح مسلم:١١٧٥].

هذا هو الحبيب- صلى الله عليه وسلم - لا ينام الليل، يوقظ أهله للصلاة، يشد المئزر معتزلًا النساء، كل ذلك طلبًا لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فمن أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - حقًا، اقتدى به في هذا الاجتهاد، وسار على هذا الدرب العظيم.

ثالثًا: تعجيل الفطر وتأخير السحور

من هديه - صلى الله عليه وسلم - في الصيام أنه كان يعجل الفطر ويؤخر السحور، فعَنْ سيدنا سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رضي الله عنه -:  أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» [صحيح البخاري، ١٩٥٧]. وعَنْ سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ". [سنن الترمذي: ٦٩٦].

وفي السحور، كان - صلى الله عليه وسلم - يحث أصحابه على السحور فيقول: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» [صحيح البخاري، ١٩٢٣]. وعن سيدنا عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر» [صحيح مسلم، ١٠٩٦].

وهذا التفريق بيننا وبين أهل الكتاب إنما هو من فضل الله علينا برسوله -صلى الله عليه وسلم، الذي علمنا هذه السنن العظيمة التي فيها الرفق والرحمة بالأمة المحمدية.

كيف نعيش رمضان بمحبة الحبيب؟

المحبة ليست دعوى تقال، ولا عاطفة تختزن في القلوب دون برهان. المحبة الصادقة لها علامات وشواهد تميز المحب الصادق من المدعي، فمن واجبات وعلامات هذه المحبة أيها الحبيب:

أولًا: الاتباع والاقتداء:

أول وأعظم دلائل المحبة هو الاتباع والطاعة، قال تعالى:  ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [آل عمران: ٣١]، يقول الامام النسفي - رحمه الله:" محبة العبد لله إيثار طاعته على غير ذلك ومحبة الله العبد أن يرضى عنه ويحمد فعله، وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله، فأراد أن يجعل لقولهم تصديقًا من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب، وكتاب الله يكذبه، وقيل: محبة الله معرفته ودوام خشيته، ودوام اشتغال القلب به وبذكره، ودوام الأنس به، وقيل: هي اتباع النبي عليه السلام في أقواله وأفعاله وأحواله إلا ما خص به، وقيل: علامة المحبة أن يكون دائم التفكير كثير الخلوة دائم الصمت، لا يبصر إذا نظر، ولا يسمع إذا نودي، ولا يحزن إذا أصيب، ولا يفرح إذا أصاب، ولا يخشى أحدًا ولا يرجوه" [مدارك التنزيل:١/٢٤٩]، فالاتباع هو دليل المحبة وشاهدها الأمثل، بل كلما عظمت المحبة زادت الطاعة.

فنحن مدعوون في هذا الشهر إلى إحياء السنة، ليس فقط في العبادات الظاهرة كالصلاة والصيام، بل في كل صغيرة وكبيرة، في تعجيل الفطر، في تأخير السحور، في الدعاء عند الإفطار. كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ» [سنن أبي داود، ٢٣٥٧]

ثانيًا: كثرة الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم :

من علامات المحبة كثرة الصلاة على الحبيب - صلى الله عليه وسلم -، قال الله تعالى:  ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰۤئِكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیۡهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، يقول الإمام القرطبي- رحمه الله - :" هَذِهِ الْآيَةُ شَرَّفَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ، وَذَكَرَ مَنْزِلَتَهُ مِنْهُ، وَطَهَّرَ بِهَا سُوءَ فِعْلِ مَنِ اسْتَصْحَبَ فِي جِهَتِهِ فِكْرَةَ سُوءٍ، أَوْ فِي أَمْرِ زَوْجَاتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتُهُ وَرِضْوَانُهُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَمِنَ الْأُمَّةِ الدُّعَاءُ وَالتَّعْظِيمُ لِأَمْرِهِ " [تفسير القرطبي:١٤/٢٣٢]. وقال - صلى الله عليه وسلم - : «فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [صحيح مسلم:٣٨٤]

وفي رمضان تتضاعف الحسنات، ويكون الدعاء أرجى للقبول، وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من أعظم أسباب الحرمان أن يدرك الرجل رمضان ثم يخرج منه ولم يغفر له، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ رَقَى الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ»، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا؟ فَقَالَ: «قَالَ لِي جِبْرِيلُ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا لَمْ يُدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» [الأدب المفرد للبخاري:٦٤٦].

 ثالثًا: الإكثار من قراءة القرآن ومدارسته:

كان الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم - يدارسه جبريل القرآن في رمضان، وكذلك كان الصحب الكرام - رضي الله عنهم، والسلف الصالح - رحمهم الله -، يقول الامام ابن رجب الحنبلي - رحمه الله -: "وكان بعض السّلف يختم في قيام رمضان في كلّ ثلاث ليال، وبعضهم في كلّ سبع؛ منهم قتادة. وبعضهم في كلّ عشر؛ منهم أبو رجاء العطارديّ. وكان السّلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها؛ كان الأسود يقرأ القرآن في كلّ ليلتين في رمضان، وكان النّخعيّ يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصّة، وفي بقيّة الشّهر في ثلاث. وكان قتادة يختم في كلّ سبع دائما، وفي رمضان في كلّ ثلاث، وفي العشر الأواخر كلّ ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصّلاة. وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان الزّهريّ إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام.

قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف، وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن. وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أوّل النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت، وقال سفيان: كان زبيد الياميّ إذا حضر رمضان أحضر المصاحف، وجمع إليه أصحابه" [لطائف المعارف، ص ٣٠٥-٣٠٦].

إن مدارسة القرآن مع الحبيب - صلى الله عليه وسلم - ليست مجرد تلاوة، بل هي تدبر وفهم وعمل، هي أن نقرأ القرآن وكأننا في حضرة الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم، وكأننا بين يديه نتلقى منه الهدى والنور، وقد أشار الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" إلى آداب تلاوة القرآن وحضور القلب فيها [إحياء علوم الدين، ١/٢٧٥].

الخلاصة

إن أردنا أن نعيش رمضان حقًا، فلنعشه مع الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، نقرأ سيرته، ونتأمل هديه، ونتخلق بأخلاقه، ونجتهد كما كان يجتهد، ونجود كما كان يجود، ونصلي كما كان يصلي، ونقوم كما كان يقوم، فالفرحة الحقيقية ليست بما نجمع من متاع الدنيا، وإنما بما ننال من شرف القرب من الله ورسوله.

اللهم اجعلنا ممن يحبونه حقًا، ويتبعون سنته صدقًا، ويرزقنا شفاعته في الدنيا والآخرة، واجعلنا ممن يفرحون بفضلك ورحمتك، إنك سميع مجيب الدعاء.

موضوعات ذات صلة

إنَّ للمؤمن في أوائل أيام صيامه ثمراتٍ عاجلة، تظهر على أحواله الظاهرة، وعلاقاته الاجتماعية، وانضباطه الحياتي.

الصيام ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة ربانية لصناعة التقوى في النفوس.

هي عودة العبد الصادقة إلى الله تعالى بالندم والإقلاع عن الذنب.

موضوعات مختارة