إن
الإخلاص للهِ تعالى سر من أسرار الرضا والقبول، وهو أساس كل عملٍ، وغايةُ كل
مُرِيد، فعملٌ بلا إخلاص لا أجرَ له، وصلاةٌ بلا إخلاص لا ثواب لها، وصدقةٌ بلا
إخلاص لا قيمة لها.
وقد
قال الشاعر :
قلوبُ
العارفين لها عيـونٌ ترى ما لا يراه
الناظـرونا
وأجنحةٌ
تطيرُ بغيرِ ريشٍ إلى ملـكوت ربِّ
العالمـينا
فتسقيها
شرابَ الصدق صِرْفًا وتشرب مِن كؤوس
العارفينا
وقد
قالوا في تعريف المخلص: هو الذي يعمل ولا يحب أن يحمَدَه الناس.
وقال
أحد الصالحين : المخلص من يكتم حسناتِه كما يكتم سيئاتِه.
قال
العز بن عبد السلام: "الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده، لا يريد
بها تعظيمًا من الناس ولا توقيرًا، ولا جلب نفع ديني، ولا دفع ضرر
دنيوي".
وقد
أمر الله عباده بالإخلاص في العبادة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، بل
أمر النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذاتَه بإخلاص العبادة لله، قال تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢].
وما
وصل أصحابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما وصَلوا إليه إلا بإخلاصهم وصدقهم.
وأمر
الله عباده بإخلاص الدعاء له؛ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ
مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال - سبحانه:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]
والإخلاص
له فضائل عديدة منها:
١- الإخلاص يُنجي من خطوات الشيطان الرجيم :
قال
تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ
مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢-٨٣].
٢-
الإخلاص ثوابه الجنة:
قال
تعالى: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ
اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ
مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ
مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ
النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ
مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ
مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ
لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ
عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ
الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ
مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٣٩-٤٩].
٣-الإخلاص
يُطهِّر القلوب من الأحقاد والشرور ، فعن زيد بن ثابت (رضي الله عنه) أن النبي
(صلى الله عليه وسلم) قال:
«ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالْمُنَاصَحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ».
وللإخلاص
منزلة عظيمة في الإسلام: فهو حقيقة الدين، وهو مضمون دعوة الرسل قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا
إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} [البينة: ٥]، وقوله:
{الَّذِي
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك:٢]
قال
الفضيل بن عياض في هذه الآية: "أخلصه وأصوبه". قيل: "يا أبا علي ما
أخلصه وأصوبه؟" قال: أن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم تقبل وإذا
صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله،
والصواب أن يكون على السنة".
وللإخلاص
ثمرات عظيمة منها :
تفريج
الكربات، والانتصار في الدنيا والآخرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً
لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ
فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
* وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء
النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال:٤٥-٤٧].
والعصمة
من الشيطان: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ
رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ
عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف:٢٤]، {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ
لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ
الْمُخْلَصِينَ} [ص:٨٢-٨٣].
ومغفرة
الذنوب ونيل الرضوان ونيل شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم: عن أبي هريرة - رضي
الله عنه - أنه قال: "قلت يا رسول الله؛ من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟!
فقال:
«لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لَمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ».