من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فحُسنُ الخواتيم في كل الأعمال والأعمار مرهون بحسن البدايات، ورمضان فرصة عظيمة لبداية مشرقة نؤسس فيها لأنفسنا عمرًا من الإشراق والسعادة في الدنيا والآخرة.
من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فحُسنُ الخواتيم في كل الأعمال والأعمار مرهون بحسن البدايات، ورمضان فرصة عظيمة لبداية مشرقة نؤسس فيها لأنفسنا عمرًا من الإشراق والسعادة في الدنيا والآخرة.
في خفايا هذا الكون وفي أسرار هذا الوجود تسري سنة عجيبة لا تتخلف ولا تتبدل وهي: من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، إنها سنة الله سبحانه وتعالى التي فطر عليها الأنفس، بل فطر عليها الأكوان والأزمان، فالبداية المشرقة تحمل في رحمها بشائر النهايات السعيدة، كما تحمل النواة الطيبة في داخلها أصل الشجرة المباركة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ كَیۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا كَلِمَةࣰ طَیِّبَةࣰ كَشَجَرَةࣲ طَیِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتࣱ وَفَرۡعُهَا فِی ٱلسَّمَاۤءِ* تُؤۡتِیۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِینِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَیَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٥]، وما حُسنَ الخواتيم في كل الأعمال والأعمار إلا ثمرة يانعة من ثمار حسن البدايات، ونتيجة لتلك اللحظات الفارقة التي نختار فيها اتجاهنا ونسلم فيها مقاليد حياتنا لله رب العالمين.
والبداية المشرقة لا تعني ذلك البريق السطحي الذي يلمع ثم يخبو، ولا تعني تلك الحماسة العابرة التي تشتعل ثم تنطفئ، كلا! إن البداية المشرقة الحقة تعني التربية الأصيلة التي يتلقاها السالك في صدر حياته، عقيدة راسخة تغذي عقله، وتزكية عميقة تصلح نفسه، ومنهجًا قويمًا يضبط حركته في هذه الحياة.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله:" فأما الأول وهو الأصل، أعني الغريزة، فالتفاوت فيه لا سبيل إلى جحده، فإنه مثل نور يشرق على النفس، ويطلع صبحه ومبادئ إشراقه عند سن التمييز، ثم لا يزال ينمو ويزداد نموًا خفي التدريج إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة، ومثاله نور الصبح، فإن أوائله تخفى خفاء يشق إدراكه ثم يتدرج إلى الزيادة إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس، وتفاوت نور البصيرة كتفاوت نور البصر.... بل سنة الله عز وجل جارية في جميع خلقه بالتدريج في الإيجاد... بل تظهر شيئًا فشيئًا على التدريج وكذلك جميع القوى والصفات ومن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة فكأنه منخلع عن ربقة العقل" [إحياء علوم الدين، ١/٨٨].
إنها مرحلة التأسيس التي لا تقبل المساومة، ولا تعرف الارتجال، ولا ترضى بالبدائل، إنها وضع اللبنات الأولى في صرح العمر كله، فإن كانت من نور، كان العمر كله نورًا، وإن كانت من ظلام، كان العمر كله ظلامًا.
هذه المرحلة لا يدرك خطرها إلا من أبصر سنن الله في خلقه، وتأمل قصص الناجحين في هذه الحياة، فالطفل الذي ينشأ على محبة الله ورسوله، ويتلقى معاني الإيمان الخالص منذ نعومة أظفاره، ويتربى على مراقبة الله في السر والعلن، يصبح الإيمان جزءًا من نسيجه الروحي، ودماء تجري في عروقه، وهواء يتنفسه في كل لحظة، وأما من فاته هذا التأسيس المبكر، وعاش في غفلة عن بناء ذاته الإيمانية، فإنه سيجد المشقة والعنت حين يريد أن يستقيم في كبره؛ لأنه سيحاول أن يبني على أرض غير مستوية، وأن يغرس في تربة لم تعد صالحة للإنبات، فمرحلة التأسيس الإيماني تشبه بناء الأساس للصرح العظيم، فكلما كان الأساس متينًا كان البناء شامخًا، وكلما كان الأساس واهيًا كان البناء آيلًا للسقوط.
إن أقام الإنسان هذا الأساس في صدر حياته، ونجح في ترسيخه وتثبيته، غدا سيره إلى الله سهلًا يسيرًا، لا يرهقه بأي جهد، وأصبحت عبادته كالنفس الذي لا يحتاج إلى تذكير، وكالنبض الذي لا يحتاج إلى تنبيه، ذلك أن المبادئ إذا تشرّبتها النفس في بداية تكوينها، تحولت إلى ملكات راسخة، وسجايا ثابتة، وطباع أصيلة.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله: "كذا طهارة النفس عن هذه العلائق في أول الفطرة في غاية الاختلاف، ثم الجهد أيضًا يختلف وينشأ من ذلك تفاوت لا ينحصر، فكذا سعادة الآخرة، ففيضان هذه الرحمة من الله عزّ وجلّ على النفس غاية المطلوب، وهو عين السعادة التي للنفس بعد الموت، ولكنها مشروطة بإزالة العلائق ومحو الصفات الردية التي تأكدت للنفس باتباع الشهوات" [ميزان العمل، ص ٢١٨].
فالصادق تجده يقوم لصلاة الفجر وكأن منبهًا داخليًا يوقظه قبل أن يدق جرس الساعة، تجده يذكر الله في غفلته كما يذكر الجائع طعامه والعطشان شرابه، تجده يبتعد عن الحرام بلا معاناة ولا صراع، لأن البعد عن الحرام صار عادة له وسجية فيه. وهذه هي العبادة التي تتحول فيها الطاعات إلى أنفاس، وتصبح فيها القربات إلى الله جزءًا من نبض الحياة.
أعظم ثمار البداية المشرقة أن يصبح تعامل الإنسان مع الناس دائرة على محور دائم من مراقبة الله عزّ وجلّ، فلا يتعامل مع الخلق لأنه يخاف سلطانًا، أو يرجو منفعة، أو يخشى لومة لائم، بل لأنه يعلم أن الله مطلع عليه، رقيب على عمله، محصٍ عليه صغيرته وكبيرته.
يقول الإمام القشيري رحمه الله: "لأن المراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه وتعالى عليه، واستدامته لهذا العلم مراقبة لربه، وهذا أصل كل خير له ولا يكاد يصل إلى هذه الرتبة إلا بعد فراغه من المحاسبة، فإذا حاسب نفسه على ما سلف، وأصلح حاله في الوقت ولازم طريق الحق، وأحسن بينه وبين الله تعالى مراعاة القلب وحفظ مع الله تعالى الأنفاس راقب الله تعالى في عموم أحواله، فيعلم أنه سبحانه عليه رقيب، ومن قلبه قريب، يعلم أحواله، ويرى أفعاله، ويسمع أقواله، ومن تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة فكيف عن حقائق القربة" [الرسالة القشيرية، ١/ ٣٢٩]، وتلك هي ضمانة الأخلاق الرشيدة التي لا تتخلف، والتي تظل ثابتة في وجه السراء والضراء، وفي حال الغنى والفقر، وفي زمن القوة والضعف.
وهل الحياة المشرقة بنور الهداية الربانية إلا هذا؟! حياة يسير فيها الإنسان على صراط الله المستقيم في اتباع أحكامه، ويظل مراقبًا لله في تعامله مع عباده، فلا يظلم ولا يخون، ولا يغش ولا يكذب، ولا يعتدي على حق ولا ينتهك حرمة، هذه هي الحياة المشرقة حقًا، وهذه هي السعادة التي لا تعادلها سعادة.
إذا تأملنا هذه المعاني البديعة، أدركنا لماذا كان رمضان محطة إشراق لمن أراد أن يبدأ بداية مشرقة، فرمضان ليس مجرد شهر نمتنع فيه عن الطعام والشراب، بل هو دورة تربوية مكثفة تعيد بناء الإنسان من جديد، وتغرس فيه أسس الإيمان الراسخة، وتعلمه مراقبة الله في السر والعلن.
فيذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله: "قال بعض السّلف: أهون الصّيام ترك الشراب والطعام، وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء." [لطائف المعارف، ٢٧٧].
ففي نهار رمضان، يتعلم الصائم أن يترك طعامه وشرابه لله، وإن كان في خلوة لا يراه فيها أحد، وفي ليل رمضان، يتعلم القانت أن يقف بين يدي الله بخشوع وإن كان في ظلمة لا يراه فيها بشر، وفي كل لحظة من رمضان يتدرب المؤمن على أن تكون مراقبة الله نصب عينيه، وحاضرة في قلبه، وسارية في وجدانه، فإذا انقضى رمضان خرج الإنسان وقد تحولت هذه المعاني إلى ملكات راسخة، وسجايا ثابتة، وعادات أصيلة تصاحبه طول عمره.
وإذا أشرقت حياة الإنسان بهذين النورين الكبيرين: نور العبادة الخالصة لله، ونور المراقبة الدائمة لله، ضمن لنفسه بذلك سعادة العاجلة وسعادة العقبى، فهو في الدنيا يعيش حياة طيبة مطمئنة، لا تعكر صفوها الأكدار، ولا تفسد سعادتها الهموم، لأنه مع الله وبالله وإلى الله، وفي الآخرة ينقلب إلى رضوان الله وجنته، التي أعدت للمتقين الذين أشرقت بداياتهم فأشرقت نهاياتهم.
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: "من أحسن أول أمره أُعين على آخره " [مناقب الشافعي، ٢/ ١٤٥]، ومن سلك هذا السبيل وعاش هذه التجربة، عرف صدق ما أقول، وذاق حلاوة ما أصف، وأدرك أن البداية المشرقة هي وعد الله لمن أراد لنفسه الخير في الدنيا والآخرة.
إن من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، وهذه سنة الله التي لا تتبدل ولا تتحول، فرصة رمضان بين أيدينا، فلنصنع لأنفسنا بداية مشرقة بالتأسيس الإيماني الراسخ الذي يغذي العقل ويصلح النفس، فإن نجحنا في هذا التأسيس تحول سيرنا إلى الله سهلًا يسيرًا لا يكلفنا جهدًا، وأصبحت مراقبة الله لنا نصب أعيننا في كل تعامل مع الخلق، فتلك هي الحياة المشرقة التي تجمع سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، فاجعل من رمضان بداية إشراقك مع الله، تشرق بك البداية، ويشرق بك المسير، وتشرق بك النهاية، فاللهم أشرق بداياتنا، وأشرق أيامنا، وأشرق خواتيمنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
يتجلى هلال شهر رمضان كقبس من نور الله، يضيء دروب الأرواح الظمأى إلى رحابه.
فلسفة الأمانة والإخلاص في العمل أثناء الصيام، باعتبارهما الركن الركين في بناء الشخصية المسلمة المعاصرة.
إنَّ للمؤمن في أوائل أيام صيامه ثمراتٍ عاجلة، تظهر على أحواله الظاهرة، وعلاقاته الاجتماعية، وانضباطه الحياتي.