Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التيسير ورفع الحرج: المنهج القرآني والسعة في الشريعة الإسلامية

الكاتب

هيئة التحرير

التيسير ورفع الحرج: المنهج القرآني والسعة في الشريعة الإسلامية

جاءت الشريعة الإسلامية الغراء لتكون نبراسًا يضيء دروب البشرية، ومبناها وأساسها على إصلاح شؤون العباد في المعاش والمعاد، فهي شريعة تتسم بالمرونة والسماحة، حيث تجلت مقاصد هذا الدين الحنيف في أبهى صورها من خلال مبدأ التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، فهذا الدين لم يُشرع ليكون قيدًا ثقيلًا يرهق كاهل الإنسان بل جاء رحمةً للعالمين ومنهاجًا سمحًا يراعي أحوال الناس وطاقاتهم وضعفهم البشري.

التيسير ورفع الحرج في القرآن الكريم

تضافرت الأدلة من كتاب الله عز وجل لتؤصل هذا المبدأ العظيم، فنجد آيات محكم التنزيل تنص صراحةً على نفي الحرج عن هذا الدين نفيًا قاطعًا، كقوله تبارك وتعالى: ﴿مَا یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیَجۡعَلَ عَلَیۡكُم مِّنۡ حَرَجࣲ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله جل شأنه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ مِنۡ حَرَجࣲۚ﴾ [الحج: ٧٨]، مما يؤكد تأكيدًا جازمًا أن الله سبحانه لم يكلف عباده ما لا يطيقون ولم يلزمهم بشيء يشق عليهم مشقةً بالغةً إلا جعل لهم فرجًا ومخرجًا، كما تواردت آيات التيسير والتخفيف التي لا يمكن أن تجامع المشقة في نسق واحد، كقوله تعالى: ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله عز من قائل: ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ أَن یُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِیفࣰا﴾ [النساء: ٢٨]، ليتبين لكل ذي لب أن الغاية من التشريعات هي التطهير وإتمام النعمة لا الإعنات والمشقة، وأن هذا التخفيف يتناسب طرديًّا مع ضعف الإنسان أمام رغباته ومغريات الحياة.

تجليات التيسير في السنة النبوية المطهرة

ولم تقتصر هذه المعاني الجليلة على آيات القرآن الكريم بل تجسدت واقعًا عمليًّا وسلوكًا يوميًّا في هدي النبي ﷺ، فقد أرشد أمته إلى هذا المنهج القويم مبينًا أن أحب الأديان إلى الله هي "الحنفية السمحة"، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ : أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «‌الْحَنِيفِيَّةُ ‌السَّمْحَةُ» [أخرجه أحمد في مسنده: ٢١٠٧] وفي رواية أخرى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أن رسول الله قال: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ»، مؤكدًا مرارًا وتكرارًا أن "دين الله عز وجل يسر"، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إِنَّ ‌الدِّينَ ‌يُسْرٌ، وَلَنْ يُشادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ...» [أخرجه البخاري في صحيحه: ٣٩]، بل إن رحمته ﷺ وخشيته من أن يشق على أمته تجلت في مواقف نبوية كثيرة، كامتناعه عن المداومة على الخروج لصلاة التراويح جماعةً في رمضان خشية أن تُفرض على المسلمين فيعجزوا عن أدائها، وكذلك في أمره الدائم بالتخفيف وإنكاره الشديد على من يطيل بالناس في الصلاة إطالةً تضر بالضعفاء، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، فَرَجَعَ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَلَّى بِهِمْ، وَصَلَّى خَلْفَهُ فَتًى مِنْ قَوْمِهِ، فَلَمَّا طَالَ عَلَى الْفَتَى صَلَّى وَخَرَجَ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ بَعِيرِهِ، وَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَلَّى مُعَاذٌ ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَنِفَاقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ مُعَاذٌ بِالَّذِي صَنَعَ الْفَتَى، فَقَالَ الْفَتَى: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يُطِيلُ الْمُكْثَ عِنْدَكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «‌أَفَتَّانٌ ‌أَنْتَ ‌يَا ‌مُعَاذُ؟» [أخرجه ابن خزيمة في صححيه: ١٦٣٤]، وكان ﷺ يحرص على تعليم أصحابه التخفيف على الناس والتيسير عليهم في عبادتهم؛ فقد ورد عن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنصارِيِّ رضي الله عنه، قالَ: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا أَكادُ أُدْرِكُ الصَّلاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنا فُلانٌ. فَما رأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمَئِذٍ، فقالَ: «أَيُّها النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فإِنَّ فِيهِمِ المَرِيضَ والضَّعِيفَ وَذا الحاجَةِ»، فكانت السهولة والرفق والأخذ بالأيسر ديدنه عليه الصلاة والسلام في كل شؤونه.

مظاهر التيسير في العبادات المفروضة والنافلة

وتتجلى مظاهر هذا التيسير بوضوح تام في الأحكام المتعلقة بالعبادات، فالأصل في العبادات التوقيف، والفرائض التي هي عمود الإسلام شُرعت سهلةً ميسرةً تتناسب مع قدرات عموم الناس، فالصلاة لا تجب أكثر من خمس مرات في اليوم والليلة مع مراعاة تخفيف أدائها للمريض والضعيف والمسافر، والزكاة لا تمثل إلا نسبةً يسيرةً من المال الفائض بشروط وضوابط محددة تضمن عدم الإجحاف بالمالك، والصيام شُرع لتهذيب النفس والارتقاء بها في مدارج التقوى لا لتعذيبها وحرمانها إضرارًا بها، والحج يجب مرةً واحدةً في العمر لمن استطاع إليه سبيلًا، أما في باب النوافل فقد شُرعت للمحافظة على الفرائض وجبر نقصها من غير إثقال يؤدي إلى الانقطاع والملل.

الرخص الشرعية كرحمة وتخفيف في حالات الضرورة

وتتوج هذه السماحة العظيمة بتشريع "الرخص" التي تُعد استثناءات رحيمةً تُبيح المحظورات عند الضرورات القصوى، وتُسقط الواجبات أو تُخففها عند وجود الأعذار الطارئة تخفيفًا عن المكلفين، كإباحة أكل الميتة للمضطر حفاظًا على حياته من الهلاك، وقصر الصلاة للمسافر وجمعها تيسيرًا لرحلته، والفطر للمريض الذي يشق عليه الصوم، بل إن الأخذ بالرخصة يصبح واجبًا متحتمًا إذا كان العمل بالعزيمة يؤدي إلى ضرر بيّن ومحقَّق، كما وصف النبي الصائمين في السفر حين شق عليهم الصوم وأبوا الإفطار بأنهم "عصاة"؛ فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «‌أُولَئِكَ ‌الْعُصَاةُ، ‌أُولَئِكَ ‌الْعُصَاةُ» [أخرجه مسلم في صحيحه: ١١١٤]، مما يؤكد أن حفظ النفس ودفع الضرر عن المكلفين مقصدٌ تشريعيٌ أصيل لا ينبغي التغافل عنه تحت دعوى الحفاظ على الدين.

سعة الشريعة ورحمة الاختلاف في الفروع الفقهية

ومن أعظم ثمرات هذا التيسير سعة الشريعة لاختلاف الأمة في الأمور التعبدية والفروع الفقهية، فلا ينبغي لمسلم عاقل أن يظن أن ما وصل إليه من طريقة في التعبد أو اجتهاد فقهي هي الطريقة الوحيدة الصحيحة التي لا يقبل غيرها، بل هناك طرق ومذاهب أخرى تُعد صحيحةً وسائغةً مبنيةً على أدلة معتبرة، فاختلاف الأمة في هذه الفروع رحمة وتوسعة كما قرر ذلك أئمة السلف، ولذا لا تنكر على أخيك المسلم جهره بالتسمية في الصلاة أو إسراره بها، ولا تنكر مسحه لبعض رأسه في الوضوء أو مسحه للكل، ولا تنكر عليه إن صلى القيام بجزء كامل أو بآيات معدودات، وفي الذكر الذي يُقال بين الركعات ما بين مسبحٍ ومصلٍ على النبي وتالٍ لسورة الإخلاص، فكل ذلك من التنوع المحمود.

التوازن بين التيسير والالتزام بعيدًا عن الغلو

وتبرز الأهمية القصوى للقاعدة الفقهية الذهبية التي تنص على أنه "لا إنكار في المختلف فيه"، فالمهم والأساس في هذا الدين الحنيف ألا تُحدث فتنةً وشقاقًا بين المسلمين في أمور فرعية يسيرة بسبب التمسك برأي قد يكون مرجوحًا بينما غيره هو الراجح عند محققي العلماء، فدرء المفسدة المتمثلة في شق صف الأمة مقدم دائمًا وأبدًا على جلب مصلحة اتباع رأي بعينه، وليس معنى يسر الشريعة التحلل من التكاليف أو اتخاذ الرخص ذريعةً للتفلت من أحكام الدين، بل هو توازن بديع يرفض التشدد والغلو الذي حذرنا الله منه بقوله: ﴿یَٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُوا۟ فِی دِینِكُمۡ﴾ [النساء: ١٧١]، لتبقى شريعتنا الإسلامية واحةً للرحمة وملاذًا آمنًا يجمع بين الإخلاص التام في التعبد لله عز وجل وسماحة التطبيق في واقع الحياة، مصداقًا لقول الإمام ابن القيم إن الشريعة عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها.

الخلاصة

تتجسد عظمة الإسلام في مرونة أحكامه وسعتها لاختلاف الاجتهادات الفقهية، فالمشقة تجلب التيسير والرخص الشرعية تدفع العنت، مما يوجب نبذ التعصب في المسائل الخلافية الفرعية، والتمسك بقاعدة لا إنكار في المختلف فيه جمعًا للكلمة وتأليفًا للقلوب، تحقيقًا للتوازن المحمود بين الالتزام ورفع الحرج.

موضوعات ذات صلة

يتجلى هلال شهر رمضان كقبس من نور الله، يضيء دروب الأرواح الظمأى إلى رحابه.

الدعاء عبادة عظيمة تدخل في سائر العبادات؛ لأنه روح العبادة.

الصيام ليس مجرد إمساك عن الطعام، بل هو هندسة روحية تٌعيد بناء الإنسان من الداخل.

موضوعات مختارة