Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (٥)

الكاتب

الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (٥)

إنَّ المحطاتِ الإيمانيةَ -من تعجيلِ فطرٍ وتأخيرِ سحورٍ، وعنايةٍ بالقرآنِ، وتخلقٍ بالأمانةِ والعدلِ- ما هي إلا أنوارٌ يسوقُها الحقُّ سبحانه لتكونَ لقلوبنا مِعراجاً، ولأخلاقنا ميزاناًكماأنَّ رمضانَ ليس مجردَ إمساكٍ عن المطعومِ والمشروبِ، بل هو "دورةٌ تدريبيةٌ" كبرى تهدفُ إلى صياغةِ الإنسانِ الربانيِّ الذي يجمعُ بين رقةِ القلبِ واستقامةِ الجوارحِ

درس العصر: تعجيل الإفطار وتأخير السحور: سنة نبوية وحكمة إلهية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن شهر رمضان المبارك هو شهر القرآن والعبادة والطاعة، وهو ركن من أركان الإسلام التي بُني عليها الدين. ولأهمية هذا الشهر العظيم، شرع الله سبحانه وتعالى فيه الصيام، وجعله مدرسةً لتربية النفس وتهذيبها. ومن رحمة الله بعباده أن جعل للشريعة الإسلامية سماتٍ خاصة تميزها، ومن أبرز هذه السمات في شهر رمضان: "تعجيل الإفطار" و"تأخير السحور". فهما سنتان مؤكدتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، جمعتا بين الامتثال للأمر النبوي، والحكمة الصحية والروحية التي تعود بالنفع على الصائم.

وفي هذا البيان، نستعرض هاتين السنتين العظيمتين، مدعومين بالأدلة من الكتاب والسنة، موضحين الحكمة منهما، وكيفية تطبيقهما في حياتنا المعاصرة.

 أولاً: تعجيل الإفطار

المعنى والمقصود:

تعجيل الإفطار يعني المبادرة إلى الإفطار بمجرد غروب الشمس، وعدم التأخير حتى تظهر النجوم أو يدخل وقت العشاء. وهو علامة على حب المسلم لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومخالفةً لمن خالف هدي الإسلام من الأمم السابقة.

الأدلة من السنة النبوية:

وردت أحاديث كثيرة تحث على تعجيل الإفطار، منها:

* عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» [رواه البخاري ومسلم]. فهذا الحديث يدل على أن الخير ملازم للأمة ما تمسكت بهذه السنة.

* وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بالفطر النجوم» [رواه ابن حبان]. وفي هذا تحذير من التأخير الذي كان يفعله بعض أهل الكتاب.

* وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء (رواه أبو داود والترمذي).

 الحكمة من تعجيل الإفطار:

١ - مخالفة أهل الكتاب: فقد كان اليهود والنصارى يؤخرون الإفطار حتى تظهر النجوم، فجاء الإسلام ليميز أمته عن غيرها.

٢ - الرفق بالنفس: الصائم قد بلغ منه الجهد والعطش، فالمبادرة بالإفطار رحمة بالجسد وتهيئة له للعبادة مثل صلاة المغرب والعشاء والتراويح.

٣ - الشكر لله: المبادرة بالإفطار تعبير عن الشكر لله على نعمته بإتمام الصيام، وإذعان لأمره بالإفطار عند الغروب.

 ثانياً: تأخير السحور

١ - المعنى والمقصود:

تأخير السحور لا يعني الأكل حتى يدخل وقت الفجر، بل يعني تأخيره إلى الوقت المتأخر من الليل، قرب وقت الفجر الحقيقي، مع التوقف عن الأكل والشرب قبل أذان الفجر بوقت كافٍ للاحتياط (قدر قراءة خمسين آية كما ورد في الأثر). وهو خلاف ما يفعله بعض الناس الذين يتسحرون في منتصف الليل ثم ينامون.

٢ - الأدلة من الكتاب والسنة:

- من القرآن الكريم: 

قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فالآية الكريمة توسع وقت الأكل والشرب إلى قرب الفجر، مما يدل على جواز التأخير إلى آخر الوقت.

- من السنة النبوية:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية" (رواه البخاري ومسلم). وهذا يدل على قرب السحور من صلاة الفجر.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا أَخَّرُوا السَّحُورَ، وَعَجَّلُوا الْفِطْرَ». (رواه أحمد).

وقال صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة». (رواه البخاري ومسلم).

٣- الحكمة من تأخير السحور:

- القوة على العبادة: تأخير السحور يعين الصائم على أداء صلاة الفجر في جماعة، ويمنحه نشاطاً أثناء النهار، خاصة في ساعات العمل والدراسة.

- البركة المذكورة في الحديث: والبركة قد تكون في الوقت، أو في الرزق، أو في النشاط البدني، أو في الثواب الأخروي.

- القيام للدعاء والاستغفار: الوقت الذي يتأخر فيه السحور هو وقت السحر، الذي ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا، فيكون الصائم مستيقظاً للذكر والدعاء والاستغفار قبل الإمساك.

ثالثاً: الحكمة العامة والتمييز عن الأمم الأخرى:

جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين السنتين في حديث واحد، فقال: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا أَخَّرُوا السَّحُورَ، وَعَجَّلُوا الْفِطْرَ». (رواه أحمد). وهذا الجمع يدل على التوازن الإسلامي.

فهذه السنة ليست مجرد عادة غذائية، بل هي "شعار ديني" يظهر به المسلم التزامه بهدي نبيه، وتميزه عن غيره من الأمم. وفيها تربية على الانضباط الوقتي، حيث يضبط المسلم وقته مع غروب الشمس وشروق الفجر، بعيداً عن الفوضى في المواعيد.

 رابعاً: أخطاء شائعة يجب تجنبها:

في زماننا هذا، وقع كثير من الناس في مخالفات لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في هاتين السنتين، منها:

١. تأخير الإفطار: ينتظر بعض الناس حتى تنتهي صلاة المغرب، أو حتى يسمعوا الأذان الثاني في بعض البلدان، وهذا مخالف للسنة التي تأمر بالمبادرة عند الغروب.

٢. تقديم السحور: يظن البعض أن السحور هو الأكل في منتصف الليل، ثم ينامون، وهذا يفوتهم بركة التأخير، وقد يعرضهم للنوم عن صلاة الفجر.

٣. الاعتماد على "الإمساك" في الجداول: بعض الجداول تضع وقتاً للإمساك قبل الفجر بعشر دقائق أو أكثر بدعوى الاحتياط، والسنة أن يمسك عند تبين الفجر، والاحتياط يكون بترك الشرب قبل الأذان بقليل قدر ما ورد في أثر زيد بن ثابت (قدر خمسين آية)، وليس بوقت طويل يفوت على المسلم الرخصة الشرعية.

خامساً: الخاتمة:

إن تعجيل الإفطار وتأخير السحور ليسا مجرد توصيات صحية، بل هما عبادة يُثاب عليها فاعلها، وطاعة تُقرب العبد من ربه. وفيهما تحقيق لمعنى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال: «مَن رَغِب عن سُنَّتِي فَليْس مِنِّي». (رواه البخاري).

فعلى المسلم أن يحرص على:

* مراقبة غروب الشمس للإفطار فورًا.

* ضبط المنبه للاستيقاظ في الثلث الأخير من الليل للسحور.

* تربية الأهل والأولاد على هذه السنة لترسخ في أذهانهم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لاتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يتقبل منا الصيام والقيام، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


درس الليلة: ترويحة إيمانية: ميزان التعامل الراقي

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: ٥٨]

نزلت هذه الآية في شأن سيدنا عثمان بن طلحة بن أبي طلحة حين أخذ رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة منه يوم الفتح (ثم رده عليه) فدخلها الجناب المكرم ﷺ؛ ثم قام على باب الكعبة فقال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» (تفسير ابن كثير ٢/٢٩٩).

الآية فيها تجليات وأنوار الائتمار بأوامر الله، والالتزام بتأديتها، فالأمانة عندما تكون عندك فهي من الحقوق المؤكدة، وأداؤها واجب، وتضيعها إثم، والأمانات تكليفات وحقوق، سواء أكانت هذه الحقوق لله تعالى أم للعباد ، وسواء أكانت فعلية أم قولية أم اعتقادية، والمؤمن الحق هو من يزين قوله وفعله بميزان العدل، قاعدة التعامل بين الناس.

إنه ميزان الحق، فجاء في البيان النبوي في قول الجناب المعظم ﷺ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»، له انعكاس على المجتمع ، وأثر منير في سلامة العلاقات بين أفراده وفق ما جاء في حديث آخر يقول فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» [ [مسند أحمد (٨٩٣١)].

وفي الآية الكريمة قرن الله تبارك وتعالى الأمر بأداء الأمانة بالحث على الحكم بين الناس بالعدل والقسط وهذا لا يقتصر على القضاة بل عام يشمل كل من حكم بين اثنين فيجب عليه أن يحكم بالقسط والعدل .

ومن هنا ندرك قاعدة العدل في الإسلام ومكانتها وأنوارها فمن أنوارها أن الحق سيحانه وتعالى اتصف بها وحرم على نفسه الظلم قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}، وجاء في الحديث عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ...»

فالله سبحانه وتعالى صِدق في أخباره، عَدل في أحكامه، لا يقِرّ الجورَ والظلم ولا العدوان قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: ١١٥]، وهو سبحانه وتعالى يأمر بالوفاء بالعقودِ والعهود مع جميع الناس ويكره الخيانة والخائنين قال تعالى {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: ٥٨].

وإذا كنا مأمورين بالتخلق بأخلاق الله سبحانه فإن أول من تخلق بأخلاق الله هو الجناب المعظم ﷺ فكان عادلا عدلا، قال تعالى على لسان صفيه وحبيبه ﷺ: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: ١٥].

وما أمر الله به النبيين أمر به الصالحين فأمر الله تعالى عباده بأمر عام فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} ​[النحل: ٩٠].

ولأن سدة الحكم يجب أن تكون قائمة على العدل، فكرم الله أئمة العدل لما أجرى الله على أيديهم استقرار المجتمعات وحلول الأمن، فجعل الله الإمام العادل في ظله يوم القيامة، وهذا ما جاء في البيان النبوي مُقدَّمًا على غيره وذلك لخطره وعظيم أمره، فقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظله: إمامٌ عادل».

 وعن سيدنا زُهَيْرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا».

فيا أيها الغافل عن الأمانة وتجليات العدل ومكانتهما وجزاء الله لأهلهما عد إلى ربك وتخلص من "حبائل الأهواء واختلال كفة القسط في تعاملاتك ؛ فالخيانة في أمانة القلب الادعاء فيها، والخيانة في أمانة السّرّ ملاحظتها، والحكم بين الناس بالعدل تسوية القريب والبعيد في العطاء والبذل ، وألا تحملك مخامرة حقد على انتقام لنفس" (لطائف الإشارات للقشيري بتصرف ١/٣٤١).

حتى يحول الله حالك فتكون من المتنسمين بنسائم الرحمات الذين نوروا عقولهم بالتفطن إلى الأخلاق وأثرها في المجتمعات بالتعامل القائم على الأمانة والعدل.


درس الملتقى : رمضان شهر القرآن

الأدلة من القرآن الكريم:

١- قال تعالى:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان﴾( البقرة:١٨٥).

٢- ﴿ إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الإسراء: ٩-١٠).

٣- وقال تعالى:﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِل الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: ٢٣) .

٥- وقال تعالى:﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (الإسراء: ٨٢).

٦-: وقال تعالى:﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾(الجن: ١-٢).

الأدلة من السنة:

١- عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ (رَضِيَ الله عَنْهُ) قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلمُ): "اقْرَأْ عَلَيَّ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ، قَالَ: " نَعَمْ" قَالَ: فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ:" فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا" (النساء:٤١) ، قَالَ: "حَسْبُكَ الْآنَ" فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ" (صحيح البخاري).

٢- وعَنْ عُثْمَانَ بن عفان (رَضِيَ الله عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلمُ) قَالَ: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ"(صحيح البخاري) .

٣- وعن عُمَر بن الخطاب (رَضِيَ الله عَنْهُ) أن النبي (صلى الله عليه وسلمُ) قَالَ: " إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا ، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ"(صحيح البخاري).

الموضوع:

    فإن الله (عز وجل) فضَّل شهر رمضان المبارك على سائر الشهور، واختصَّه بفضائل عديدة، من أعظمها أن أنزل فيه القرآن على قلب نبينا (صلى الله عليه وسلم)، حيث يقول (عز وجل): {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة:١٨٥)، والمتأمل يجد الشريعة قد أجزلت الثواب العظيم على تعهد القرآن وحفظه وتلاوته، حيث يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ }  [فاطر: ٢٩، ٣٠] ، فوجب علينا أن نغتنم هذه المنحة بالمسارعة والمسابقة في عمل الخيرات، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم، ويقول (صلى الله عليه وسلم): (لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآناَءَ النَّهَارِ) (صحيح مسلم)، ويقول خبَّاب بن الأرت (رضي الله عنه): تقرَّب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه.

فالقرآن هو كلام الله تعالى المنزل على رسوله محمد (صلى الله عليه وسلمُ)، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، لا يشبع منه العلماء ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخَلَقُ عن كثرة الردّ ، يقول الحق سبحانه : ﴿ إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الإسراء: ٩-١٠. )، ويقول سبحانه : ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِل الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: ٢٣)، وهو كتاب هداية ، حيث يقول الحق سبحانه: ﴿آلم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١-٢(، وهو كتاب رحمة وشفاء ، حيث يقول سبحانه: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (الإسراء: ٨٢).

وقد كان نبينا (صلى الله عليه وسلم) يجعل للقرآن مزيد عناية واهتمام في شهر رمضان، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(رضي الله عنهما): «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» (صحيح البخاري)، كما أن الصيام وقراءة القرآن يكونان سببًا في نجاة العبد يوم القيامة، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): (الصِّيَامُ وَالقُرْآنُ يَشْفَعانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعامَ والشَّهواتِ بِالنَّهَارِ، فشفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ القُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعانِ)(متفق عليه).

والقرآن الكريم نور يهدي به الله من يشاء من عباده ، حيث يقول الحق (عز وجل):﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء﴾(الشورى: ٥٢(، لم تلبث الجن إذ سمعته أن قالوا :﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾(الجن: ١-٢(.

وعند تلاوة القرآن تتنزل الملائكة الكرام عليهم السلام بالرحمات، فعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ (رَضِيَ الله عَنْهُ) قَالَ:"بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ، فَسَكَتَ وَسَكَتَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا، فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلمُ) فَقَالَ: اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ الله أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ المَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لاَ أَرَاهَا، قَالَ: "وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟"، قَالَ: لاَ، قَالَ: "تِلْكَ المَلاَئِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لاَ تَتَوَارَى مِنْهُمْ" (صحيح البخاري).

       إن قارى القرآن كالحالب يجمع من الخير أحسنه، والمستمع المتدبر الذي ألقى سمعه وقلبه كالشارب المستفيد بهذ الخير العميم ، فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ (رَضِيَ الله عَنْهُ) قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلمُ): "اقْرَأْ عَلَيَّ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ، قَالَ: " نَعَمْ" قَالَ: فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ:" فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا" (النساء:٤١) ، قَالَ: "حَسْبُكَ الْآنَ" فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ"،وفي رواية: " أقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ، قَالَ: " إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي"(صحيح البخاري).

والقرآن خير موضوع ، فلاشك أن معلمه مع حسن النية والعمل خير معلم ومتعلمه وطالبه الذي محص قصده خير متعلم، فعَنْ عُثْمَانَ بن عفان (رَضِيَ الله عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلمُ) قَالَ: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ"(صحيح البخاري) ، وعن عُمَر بن الخطاب (رَضِيَ الله عَنْهُ) أن النبي (صلى الله عليه وسلمُ) قَالَ: " إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا ، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ"(صحيح البخاري).

 إن مجالس الذكر محمودة مشهودة، وخير تلك المجالس مجالسٌ كان الزاد فيها كلام رب العالمين، حبل الله المتين، والنور المبين الذي لا يناله التحريف، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا تنقضي عجائبه يقول (صلى الله عليه وسلمُ): مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ "(صحيح مسلم).

      إن من جوانب العظمة في القرآن الكريم قوة تأثيره على كل ما يتصل به، حيث يقول تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: ٢١]، ومنها: أن الله تعالى تحدَّى الإنس والجن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، فعجزوا عن ذلك كله، حيث يقول تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء: ٨٨]، ويقول سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [هود: ١٣] .


إثراء دعوي ومعرفي

٥- من مشكاة الحكم العطائية في رمضان.

        ما نفع القلبَ مثلُ عزلةٍ يدخلُ بها ميدانَ فكرة

إن المتأمل في جلال شهر رمضان المبارك يدرك أنه مدرسة عُلويّة لبناء اليقين، وترميم ما شعثته صدمات الحياة في زحام الغفلة، ومن أجلّ ما يفتح الله به على السالك في هذا الشهر الكريم، أن يتفقه في سأسرار الخلوة مع الله، خاصة عند تلك المنطقة الفاصلة بين ضجيج الدنيا وسكينة المناجاة ، وهنا يبرز الإمام ابن عطاء الله السكندري بعبارته التي هي بمثابة ترياق للنفوس المشتتة حيث يقول : ( ما نفع القلبَ مثلُ عزلةٍ يدخلُ بها ميدانَ فكرة)

لقد أراد الله عز وجل حين شرع لنا الصيام أن ينتزعنا من أسر العادات، ليجعل من نهارنا وليلنا فضاءً لـعزلة الروح ، وإن كان الجسد بين الناس ، فالصائم الذي يكفّ جوارحه عن لغو الحديث وفضول النظر، إنما يهيئ لقلبه تلك العزلة النافعة التي لا يُراد منها الانقطاع السلبي، بل هي خلوة إيجابية تثمر المعرفة، وهنا تنزل الحكمة العطائية لتكشف لنا أن العزلة بلا فكر هي سجن، وبالفكر هي جنة.

وفي رحاب رمضان، يتمرس الصائم على أدب التفكر؛ فبينما يمتنع عن الطعام والشراب، يرتاد بقلبه آفاق عظمة خلق الله ، وهذا التوازن بين انقطاع الجوارح واتصال القلب هو جوهر التزكية، وفي هذا السياق نسترشد بالهدي النبوي الذي يبيّن فضل العبادة في أوقات الغفلة والخلوة، حيث يقول النبي ﷺ { العِبادةُ في الهَرْجِ كَهجْرةٍ إليَّ } [ رواه مسلم في صحيحه]؛ فإذا كانت العبادة وسط الفتن والاضطراب تعدل هجرةً إلى المصطفى ﷺ، فكيف بمن يعتزل بقلبه ليدخل ميدان الفكر والتدبر في ملكوت الله؟

فيا أيها الصائم، اعلم أن قلبك هو محل نظر الرب، وأن كثرة الخلطة والاشتغال بالخلق تحجب عنك أنوار الحق. اخرج من رمضان وقد استقرت في روعك حقيقة أن ساعة من تفكر تفتح آفاقاً لا يفتحها مجرد العمل الظاهر، وأن خلوتك بربك في جوف السحر هي الميدان الحقيقي لسبق الصالحين، متمثلاً قول الله تعالى { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [ سورة آل عمران: الآية ١٩١]، وبذلك يتحقق للعبد التوازن والسكينة، ويغدو صيامُه رحلةً من ضيق المادة إلى سعة المشاهدة الإيمانية.

ب- المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان

(صوموا) و (أفطروا)

في الحديث النبوي الشريف" صوموا لرؤيتِه وأفطروا لرؤيتِه ، فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثلاثين يومًا " (أخرجه البخاري ، ومسلم )

يحدد نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الشريف قاعدة في توقيت الشهور حيث حدد بداية دخول شهر رمضان ونهايته بالاعتماد على رؤية الهلال البصرية .

والفعل (صوموا ) فعل أمر يفيد الوجوب ، والمعنى : أي ابدؤوا صيام رمضان عند رؤية هلاله.

(وأفطروا لرؤيته) فعل أمر يفيد وجوب إنهاء صيام شهر رمضان .

                 دلالات مفيدة :

- الرؤية البصرية للهلال هي الأصل في بداية الصيام وبداية الإفطار، وفي حال عدم رؤية الهلال لا يجوز الصيام بناءً على التخمين ، بل يُكمل شهر شعبان رمضان ثلاثين يومًا .

ونخلص من استعمال الفعل (صوموا وأفطروا ): أن اللغة العربية أثبتت قاعدة فقهية عملية تربط العبادات بعلامات كونية ظاهرة وهي (رؤية الأهلة )، مما ييسر على المسلمين أمور دينهم ودنياهم ، يقول الحق سبحانه : "يَسأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُل هِيَ مَواقيتُ لِلنّاسِ وَالحَجِّ " .

 ت: رمضان سؤال وجواب.

حكم فطر المرضعة

السؤال: ما حكم فطر المرضعة لتناول الدواء ليصل أثره إلى رضيعها المريض؟ وماذا يجب عليها؟

الجواب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد: فإن الشريعة الإسلامية جاءت بالتيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ومن القواعد المقررة شرعاً أن "المشقة تجلب التيسير"، وأن الضرورات تبيح المحظورات ، وبناءً عليه، فلا مانع شرعاً من ترخص المرضع بالفطر في رمضان بغرض مداواة رضيعها بإيصال الدواء إليه عن طريق الرضاعة، إذا كان ذلك وسيلة لشفائه وتضرره بترك الدواء يوقع الأم في حرج وضيق، والتكليف منوط بالوسع والاستطاعة ، ويعد هذا الفطر إفطاراً لعذرٍ شرعي، وعليها قضاء الأيام التي أفطرتها فقط حال قدرتها على ذلك، ولا يلزمها فدية على المعتمد ، وإليك نصوص المذاهب في ذلك:

أولاً: مذهب السادة الحنفية

- قال العلامة الكاساني في "بدائع الصنائع" (٢/ ٩٧، ط. دار الكتب العلمية): [وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} الآية، أَوْجَبَ عَلَى الْمَرِيضِ الْقَضَاءَ، فَمَنْ ضَمَّ إلَيْهِ الْفِدْيَةَ فَقَدْ زَادَ عَلَى النَّصِّ.. وَقَدْ وُجِدَ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدِهِمَا، فَيَدْخُلَانِ تَحْتَ الْآيَةِ] انتهى.

ثانياً: مذهب السادة المالكية

- قال الإمام خليل بن إسحاق في "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" (٢/ ٤٤٨، ط. مركز نجيبويه): [اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ إِذَا أَفْطَرَتَا عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا...] انتهى.

 ثالثاً: مذهب السادة الشافعية:

- وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي في "نهاية المطلب" (٤/ ٤٣، ط. دار المنهاج): [والمرضع إذا خافت على ولدها إن صامت، ففيها طريقان: أصحهما القطع بإيجاب الفدية مع القضاء، فإنها صحيحة البدن لا عذر بها في نفسها] اهـ، فأفاد أن الطريق الآخر -وهو مقابل الأصح- عدم لزوم الفدية عليها] انتهى .

رابعاً: مذهب السادة الحنابلة

- قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (٣/ ١٥٠، ط. مكتبة القاهرة): [وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، فَلَهُمَا الْفِطْرُ وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ بِالْإِجْمَاعِ.. وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا] انتهى.

هداية وإرشاد

أيتها الأم الصابرة: إن قيامكِ على خدمة طفلكِ المريض ومداواته هو في ذاته عبادة جليلة تتقربين بها إلى الخالق سبحانه، فلا تظني أن فِطركِ في رمضان لنيل شفاء رضيعكِ هو تقصيرٌ في حق الله، بل هو استجابةٌ لأمره برعاية الأنفس الضعيفة؛ فالله الذي فرض عليكِ الصيام هو ذاته الذي أباح لكِ الفطر رحمةً بكِ وبطفلكِ، فاجعلي يقينكِ في سعة فضله حجاباً يحميكِ من وساوس الشيطان، واستحضري نية "التداوي" في فِطركِ لتنالي أجر الصائمين بصدق نيتكِ، وأجر القائمين على المرضى بإحسانكِ.

واعلمي أن صيامكِ الحقيقي هو امتثال أمر الله حيثما كان؛ تارةً بالإمساك وتارةً بالإفطار، فالدين مبني على الحنيفية السمحة التي تُغلب مقصد حفظ النفس عند التعارض، وثقي بأن الله تعالى لا ينظر إلى جوعكِ وعطشكِ بقدر ما ينظر إلى تعظيمكِ لشعائره وحرصكِ على مرضاته في تربية هذا النشء؛ فطيبي نفساً برخصة الله، وأقبلي على تمريض طفلكِ بيقين الواثق في فضل ربه، واقضي ما فاتكِ من أيام في سعةٍ من الوقت حين يمنُّ الله على طفلكِ بالشفاء وتستعيدين قدرتكِ.

                                     ث- دعاء وختام

اللهم إنا نسألك اللطف فيما قضيت، والمعونة على ما أمضيت ، ونستغفرك من قول يعقبة الندم ، أو فعل تزل به القدم ، فأنت الثقة لمن توكل عليك ، والعصمة لمن فوض أمره إليك {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}


موضوعات ذات صلة

يُؤصِّل الإسلام لنهج وسطي في الإنفاق، يجمع بين تلبية الحاجات الفطرية وحفظ الموارد الاقتصادية، بعيدًا عن مهالك الإسراف وشُحِّ الإقتار.

مصر التي أطعمت العالم على مرِّ الزمان، فموائد الرحمن على أرضها رمز العطاء والجود.

إن بلوغ شهر رمضان هو اصطفاء رباني ومنحة إلهية تمنح العبد فرصة "الاستدراك" لما فاته من تقصير.

موضوعات مختارة