Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الاعتدال في الإنفاق سلوك حضاري وقيمة دينية أصيلة.. خطط قبل أن تشتري

الكاتب

هيئة التحرير

الاعتدال في الإنفاق سلوك حضاري وقيمة دينية أصيلة.. خطط قبل أن تشتري

يُؤصِّل الإسلام لنهج وسطي في الإنفاق، يجمع بين تلبية الحاجات الفطرية وحفظ الموارد الاقتصادية، بعيدًا عن مهالك الإسراف وشُحِّ الإقتار، وشُحِّ الإقتار، فالوعي الاستهلاكي في هذا المنهج ليس مجرد تدبير مالي، بل هو عبادة تحفظ كرامة الفرد وتضمن استقرار المجتمع، داعيًا لاستعادة "فقه الكفاية" كمنهج حياة لمواجهة حُمَّى الاستهلاك المعاصرة.

الاقتصاد في النفقة.. "المنهج الرباني والخلق القرآني"

القرآن الكريم لم يترك أمر النفقة للنزوات البشرية، بل وضع لها "قانونًا وسطيًّا" يجمع بين إشباع الحاجة وحفظ المورد، يقول الله تعالى ﴿وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟ وَكَانَ بَیۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامࣰا﴾ [الفرقان: ٦٧].

ويذكر الإمام الطبري في "جامع البيان": " عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟﴾ في النفقة فيما نهاهم وإن كان درهمًا واحدًا، ولم يقتروا ولم يُقصِّروا عن النفقة في الحق.

وقال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني إبراهيم بن نشيط، عن عمر مولى غُفرة أنه سئل عن الإسراف ما هو؟ قال: كلّ شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف.

وقال آخرون: السرف: المجاوزة في النفقة الحدّ، والإقتار: التقصير عن الذي لا بدّ منه [الطبري، جامع البيان، ١٩/٢٩٩].

ويذكر الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا" [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ٦/١١٢].

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ- رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «‌مِنْ ‌فِقْهِ ‌الرَّجُلِ ‌رِفْقُهُ ‌فِي مَعِيشَتِهِ». [أحمد (٢١٦٩٥)].

التحذير من ضياع الهوية بالتبذير

الاستهلاك كفعلٍ شيطانيٍّ: وصف الله المبذرين بقوله: ﴿إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ كَانُوۤا۟ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّیَٰطِینِۖ وَكَانَ ٱلشَّیۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورࣰا﴾ [الإسراء: ٢٧].

يقول الإمام الزمخشري في "الكشاف": "التبذير: تفريق المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه الإسراف"[الزمخشري، تفسير الكشاف، ٢/٦٦١].

ويقول الإمام القشيري: "إنما كانوا إخوان الشياطين لأنهم أنفقوا على هواهم، وجروا في طريقهم على دواعي الشياطين ووساوسهم، ولمّا أفضى بهم ذلك إلى المعاصي فقد دعاهم إخوان الشياطين [القشيري، لطائف الإشارات ،٢/٣٤٥].

لقد ربط الله التبذير بالكفر؛ لأن المبذر "كفورٌ" بالنعمة، حيث وضعها في غير موضعها الذي ارتضاه الله، ولقد ورد النهي في القران الكريم عن الإسراف في المباحات حيث يقول تعالى: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١].

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "أَحَلَّ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أَوْ مَخِيلَةً"، فَأَمَّا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَسَكَّنَ الظَّمَأَ، فَمَنْدُوبٌ إِلَيْهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ النَّفْسِ وَحِرَاسَةِ الْحَوَاسِّ [القرطبي، الجامع لأحكام القران، ٧/١٩١].

"الأكل على خمسة: الضرورة، والقوام، والقوت، والمعلوم، والفقد، والسادس لا خير فيه وهو التخليط، فإن الله تعالى خلق الدنيا فجعل العلم والحكمة في الجوع، وجعل الجهل والمعصية في الشبع، فإذا جعتم فاطلبوا الشبع ممن ابتلاكم بالجوع، وإذا شبعتم فاطلبوا الجوع ممن ابتلاكم بالشبع، وإلا تماديتم وطغيتم". [سهل التستري، تفسير التستري، ص٦٥].

الهدي النبوي.. "تطبيقات عملية في فقه الكفاية"

كان رسول الله ﷺ يديرُ دولةً ومجتمعًا بأقل الموارد وأعظم النتائج، مؤسسًا لما يُعرف اليوم بـ "اقتصاديات الندرة والوفرة".

والسنة النبوية هي الترجمة الحركية للقرآن، وقد ركزت على "الوعي الاستهلاكي" كجزء من صلاح الإيمان، وحرمة الهدر المائي والمادي، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي: «أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: "‌مَا ‌هَذَا ‌السَّرَفُ ‌يَا ‌سَعْدُ؟" قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ، قَالَ: "نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ». [أحمد (٧٠٦٥)]، هذا الحديث يؤصل لمفهوم "الاستدامة البيئية"؛ فامتلاك المورد لا يمنحك حق إضاعته، فالماء ملكٌ مشاعٌ للأجيال، والتبذير فيه جَورٌ وظلم.

كراهة الإضاعة للمال:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله ﷺ «إِنَّ ‌اللهَ ‌يَرْضَى ‌لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا؛ فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» [مسلم (١٧١٥)].

قال الإمام النووي-رحمه الله-:"وَأَمَّا إِضَاعَةُ الْمَالِ فَهُوَ صَرْفُهُ ‌فِي ‌غَيْرِ ‌وُجُوهِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَعْرِيضُهُ لِلتَّلَفِ، وَسَبَبُ النَّهْيِ أَنَّهُ إِفْسَادٌ، وَاللَّهُ لَا يجب الْمُفْسِدِينَ، وَلِأَنَّهُ إِذَا أَضَاعَ مَالُهُ تَعَرَّضَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ. [شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/١١].

وقوله: "وإضاعةِ المال" فمعناه النهيُ عن إنفاقه ‌في ‌غير ‌وجوهه المأذون فيها شرعًا، سواء كانت دينية أو دنيوية؛ لأن الله تعالى جعل الأموال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويتُ تلك المصالح المأذون فيها. [ابن العطار، العدة في شرح العمدة، ٢/٦٥٠].

المسؤولية عن المورد يوم القيامة: عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «‌لَا ‌تَزُولُ ‌قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ». [الترمذي (٢٤١٧)]، وهذا السؤال هو جوهر الرقابة الذاتية على كل قرش يُنفق، لأن العبد مسئول عن ترشيد حياته فيما ينفعه في الدنيا والآخرة.

ترشيد الاستهلاك الغذائي: عن مِقْدامِ بن مَعْدِي كرِبَ، قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ما مَلأ ‌آدَميٌّ ‌وِعَاءً ‌شَرًّا ‌من ‌بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابن آدَمَ أُكْلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كانَ لا مَحالةَ، فَثُلُثٌ لِطَعامهِ وثُلثٌ لِشَرابِه، وثُلثٌ لِنَفَسِهِ». [الترمذي (٢٥٣٧)]، وهذا الحديث يؤسس لثقافة "خذ بقدر حاجتك"؛ فالزيادة فوق حاجة البدن "شر" اقتصادي وصحي.

عبقرية السلف في كبح جماح الاستهلاك:

لقد فهم السلف الصالح أن "الشهوة الشرائية" مرض يحتاج إلى علاج بالتعقل والتخطيط، ويتجلى ذلك في فلسفة سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في سد باب (الشهوة مقابل الحاجة): مَرَّ جَابِرٌ عَلَى عُمَرَ بِلَحْمٍ قَدِ اشْتَرَاهُ بِدِرْهَمٍ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِدِرْهَمٍ، قَالَ: كُلَّمَا ‌اشْتَهَيْتُ ‌شَيْئًا ‌اشْتَرَيْتُهُ؟ لَا تَكُونُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿أَذۡهَبۡتُمۡ طَیِّبَٰتِكُمۡ فِی حَیَاتِكُمُ ٱلدُّنۡیَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. [ابن أبي شيبة (٢٤٥٢٤)].

ويمثل هذا "قانون الشراء الواعي"؛ فالدافع للشراء يجب أن يكون "الحاجة الحقيقية"، لا "الرغبة اللحظية".

قال الغزالي: وشره الطعام من أمهات الأخلاق المذمومة؛ لأن المعدة ينبوع الشهوات، ومنها تتشعب شهوة الفرج، ثم إذا غلبت شهوة المأكول والمنكوح يتشعب منه شهوة المال، ولا يتوصل لقضاء الشهوتين إلا به، ويتشعب من شهوة المال شهوة الجاه، وطلبهما رأس الآفات كلها من نحو كبر وعجب وحسد وطغيان، ومن تلبس بهذه الأخلاق فهو من شرار الأمة. [المناوي، فيض القدير، ٤/١٥٥].

رؤية إسلامية في الإدارة المالية:

إنَّ "الاستهلاك الرشيد" ليس مجرد سلوك فردي، بل هو "واجبٌ اجتماعيّ" تترتب عليه نجاة الأمة أو هلاكها اقتصاديًا، ولا يقف الإسلام عند نهي الفرد عن الإسراف، بل يحمله مسؤولية "الأثر الاجتماعي" لنفقته، يقول تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] أَيْ: لَا تُنْفِقْ مَالَكَ فِي الْمَعْصِيَةِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "لَوْ أَنْفَقَ الْإِنْسَانُ مَالَهُ كُلَّهُ فِي الْحَقِّ مَا كَانَ تَبْذِيرًا وَلَوْ أَنْفَقَ مُدًّا فِي بَاطِلٍ كَانَ تَبْذِيرًا"، وَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ التَّبْذِيرِ فَقَالَ: إِنْفَاقُ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ.

قَالَ شُعْبَةُ: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ أَبِي إِسْحَاقَ فِي طَرِيقِ الْكُوفَةِ فَأَتَى عَلَى بَابِ دَارٍ بُنِيَ بِجِصٍّ وَآجُرٍّ فَقَالَ: هَذَا التَّبْذِيرُ. [البغوي، معالم التنزيل، ٥/٨٩].

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تُبَذِّرْ) أَيْ لَا تُسْرِفُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ حَقٍّ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: وَالتَّبْذِيرُ إِنْفَاقُ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَلَا تَبْذِيرَ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: التَّبْذِيرُ هُوَ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ حَقِّهِ وَوَضْعِهِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَهُوَ الْإِسْرَافُ، وَهُوَ حَرَامٌ. [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ١٠/٢٤٧].

وعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «‌مَثَلُ ‌الْقَائِمِ ‌عَلَى ‌حُدُودِ ‌اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ...» [البخاري (٢٤٩٣)].

فالمسرف الذي يستهلك موارد الدولة (ماء، طاقة، سلع مدعومة) بغير حساب، هو كمن يخرق في نصيبه من السفينة؛ فإذا تُرِك غرق وغرقت معه السفينة (الاقتصاد الوطني) جميعًا.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «‌مَطْلُ ‌الْغَنِيِّ ‌ظُلْمٌ»،[البخاري (٢٢٨٨)]، وذلك يعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته ليس فيه حد معلوم يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم، [الخطابي، معالم السنن، ٢/٦٨]، وفي هذا إشارة إلى أن سداد الحقوق والالتزامات أولى من الإنفاق الترف.

ميثاق "المستهلك المؤمن".. خطوات عملية للإبداع السلوكي:

إن الذي يربط الدين بمصالح العباد هو ترشيد الاستهلاك، والذي يعد "استرشادًا اقتصاديًا"، وقاعدة البركة في الجماعة، والاستهلاك المشترك بين الناس جميعًا لا بُدَّ أن يكون منضبطًا بخطوات عملية تنظم حياة الأفراد.

عَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ! قَالَ: "فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟" قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ». [أبو داود (٣٧٦٤)]، أي: تنزل البركات من عند الله تعالى (فيه) أي: في طعامكم؛ فَبِالاجتماعِ تَنزِلُ البركاتُ في الأقوات، وبذكر الله تعالى يمتنع الشيطان عن الوصول إلى الطعام؛ أي: واذكروا اسم الله عليه في ابتداء أكلكم، والعودة إلى "نمط الاستهلاك العائلي" بدلًا من الاستهلاك الفردي المنفصل، يقلل الهدر ويزيد البركة في المورد الواحد. [الهرري، شرح سنن ابن ماجه، ١٩/٢٥٩].

فالإسراف في الاستهلاك هو أعظم مُضيع للوقت والجهد والمال؛ فالمؤمن الحصيف يزنُ مشترياته بميزان "الأثر والخلود"، فلا يشتري ما يستهلك وقته أو يرهق كاهله دون فائدة أخروية أو دنيوية راجحة.

وهذا لا ينافي الزهد، فليس معنى الزهد حرمان نفسك من نعم الله عزّ وجلّ، فترشيد هذه النعم هو الاستمتاع بها ومعرفة فضائل الله عليك في الدنيا، ثم معرفة الثواب المترتب عليه في الآخرة، وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فَقَالَ: ‌إِنَّ ‌لِي ‌جَارًا ‌لَا ‌يَأْكُلُ ‌الْفَالَوْذَجَ، فَقَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: يَقُولُ لَا يُؤَدِّي شُكْرَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: أَفَيَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: إِنَّ جَارَكَ جَاهِلٌ، فَإِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ أَكْثَرُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ فِي الْفَالُوذَجِ. [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ٦/٢٦٢].

ومن ثم كان الزاهد حقيقةً هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها؛ ولهذا قيل: الزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، وقيل لبعض السلف: من معه مالٌ هل هو زاهدٌ؟ فقال: نعم إن لم ‌يفرح ‌بزيادته، ولم يحزن بنقصه.

وقال سفيان الثوري: (الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء، ومن دعائه: (اللهم، زهِّدنا في الدنيا، ووسِّع علينا منها، ولا تَزْوِها عنا فترغبنا فيها). [ابن حجر الهيتمي، الفتح المبين بشرح الأربعين، ص٥٠٢].

فالمسلم يشتري "أجود المتاح" ليدوم طويلًا (ثقافة الاستدامة)، بدلًا من شراء "كثيرٍ رخيص" يتلف سريعًا ويراكم النفايات؛ فهذا هو جوهر الإتقان الإيماني، فالزهد ليس الامتناع عن متاع الدينا، إنما هو كيفية استعمال هذا المال فيما ينفعك والابتعاد عما لا ينفعك.

الخلاصة

إن الاستهلاك الرشيد أمانة دينية ومسؤولية وطنية تضمن استقرار "سفينة المجتمع" واستدامة النعم؛ فالمؤمن الحصيف هو من يضبط شهوة الشراء بميزان الحاجة الحقيقية؛ فتذكر أن كل "قرش" هو سؤال مؤجل يوم القيامة، فاجعل إنفاقك استثمارًا لآخرتك وسلامةً لدنياك.

موضوعات ذات صلة

الصيام والجوع في الإسلام رحلة ارتقاء تبدأ بكسر شهوات الجسد، وتنتهي بإشراق أنوار البصيرة في قلب تَخَلَّص مِن ثقل المادة وكدرها.

يستعرض هذا المقال فلسفة الأمانة والإخلاص في العمل أثناء الصيام، باعتبارهما الركن الركين في بناء الشخصية المسلمة المعاصرة.

من عظمة التشريع الإسلامي أنه راعى أحوال النفس البشرية وقدراتها، فجعل التيسير أصلًا في العبادات، خاصة في فريضة الصيام.

موضوعات مختارة