تمثل حرب العاشر من رمضان ١٣٩٣ه، السادس من أكتوبر ١٩٧٣م نقطة تحول تاريخية في الصراع العربي الإسرائيلي؛ حيث نجحت القوات المسلحة المصرية في تحقيق إنجاز عسكري غير مسبوق، بعبور أقوى مانع مائي في العالم، وتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
تمثل حرب العاشر من رمضان ١٣٩٣ه، السادس من أكتوبر ١٩٧٣م نقطة تحول تاريخية في الصراع العربي الإسرائيلي؛ حيث نجحت القوات المسلحة المصرية في تحقيق إنجاز عسكري غير مسبوق، بعبور أقوى مانع مائي في العالم، وتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
بعد مرور ست سنوات على نكسة ١٩٦٧م، استطاعت مصر أن تعيد بناء قواتها المسلحة وتعيد ترتيب استراتيجيتها العسكرية، وقد جاء اختيار توقيت المعركة ليعكس حكمة بالغة، وقد وافق التوقيت من رمضان ذكرى غزوة بدر الكبرى والتي كانت في يوم ١٧ من رمضان للسنة الثانية من الهجرية، كما تزامن مع عيد الغفران (كيبور) لدى الجانب الإسرائيلي، مما شكل مفاجأة استراتيجية كاملة.
تمكنت القوات المسلحة المصرية من عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف المنيع، مستخدمة أساليب مبتكرة في مواجهة أكبر ساتر ترابي في العالم، وقد أسفرت الأيام الأولى للمعركة عن تدمير ٥٠٠ دبابة و٥٠ طائرة إسرائيلية، مما أجبر إسرائيل على طلب المساعدة الأمريكية العاجلة.
خاض الجنود المصريون المعركة وهم صائمون، متوضئون، مكبرون، مستحضرين قول الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا لَقِیتُمۡ فِئَةࣰ فَٱثۡبُتُوا۟ وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، ولقد شكلت القيم الروحية التي يغرسها الصيام مصدرًا حقيقيًّا للقوة المعنوية، حيث انخفضت معدلات الجريمة في مصر خلال أيام الحرب إلى الصفر تقريباً، في ظاهرة نادرة تجسد الوحدة الوطنية، وتمثل قيمة رمضان بروحانياته التي تجسدت في الشعب المصري كله ليكونوا جميعًا جنودًا مخلصين لوطنهم، ففي الشدة تظهر المعادن.
شهدت السماء فوق دلتا النيل يوم ١٤ أكتوبر ١٩٧٣م - ١٨ رمضان ١٣٩٣هـ واحدة من أعظم المعارك الجوية في التاريخ، عندما تصدت الطائرات المصرية لهجوم إسرائيلي كبير، وقد استمرت المعركة ٥٣ دقيقة أسفرت عن إسقاط ١٨ طائرة معادية، في حدث أصبح يُعرف بمعركة المنصورة التي اتخذت منها القوات الجوية عيداً لها، وحق لها ذلك فما صنعه سلاح الجو المصري يعد أسطورة جوية بميزان القوة المادة.
لم يكن نصر أكتوبر مجرّدَ انتصار عسكري مؤقت، بل كان بوابة لعملية سلام شاملة مكنت مصر من استعادة كامل أراضيها، فقد أدت الحرب إلى توقيع اتفاقيات فصل القوات، ثم معاهدة السلام عام ١٩٧٩م، وأخيراً استكمال تحرير طابا في ١٩ مارس ١٩٨٩م، ليتم رفع العلم المصري على آخر شبر من أراضي سيناء، لتقول مصر إن السلام الحقيقي لابد له من قوة تحميه، وتأتي به إلى حيز التطبيق الحقيقي.
قدم لنا نصر أكتوبر - رمضان نموذجاً فريداً للقوة الذكية، التي تجمع بين القوة الصلبة المتمثلة في القوات المسلحة درع الحماية، وسيف الوقاية، والقوة الناعمة المتمثلة في الدبلوماسية والسياسة، وحسن التدبير، وكذا القوة المعنوية المستمدة من الإيمان العميق والوحدة الوطنية.
تبقى ذكرى العاشر من رمضان شاهداً على أن الأمم عندما تتوحد وتؤمن بقضيتها وتتوكل على الله، فإن النصر حليفها، ولقد كتب الشهداء بدمائهم صفحة مشرقة في تاريخ العسكرية المصرية، تذكرنا دائماً بأن الأرض لا تتحرر إلا بالإرادة والعزيمة، وأن السلام لا يتحقق إلا من موقع القوة ﴿إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ یَنصُرۡكُمۡ وَیُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ [محمد:٧].
يومُ السادس من أكتوبر يومٌ فارق في تاريخ الأمة المصرية، والعربية؛ حيث تجلَّت فيه وحدة الصف، وقوة الإيمان.
كان السادس من أكتوبر شاهدًا على أن العزّة هبةٌ من الرحمن، لا تُنال إلا باليقين والعمل.
لم تكن حرب السادس من أكتوبر مجردَ معركةٍ عسكرية، بل كانت ملحمةً إيمان وصمود، أعادتْ لمصر والعرب كرامتهم.