Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شهر رمضان الوفي لصاحبه كيف ذلك؟

الكاتب

هيئة التحرير

شهر رمضان الوفي لصاحبه كيف ذلك؟

رمضان شهرٌ مباركٌ تتنزل فيه رحمات الله ومغفرته على عباده، وفيه تتضاعف الطاعات وتُفتح أبواب الرحمة والكرم، فلا يخيب الله دعوة عبدٍ اجتهد في صيامه وقيامه ووفّى بحقوق هذا الشهر العظيم.

رمضان مدرسة الوفاء لله والتزكية الروحية

شهر رمضان المبارك شهر عظيم في الإسلام، اختصه الله سبحانه بفضائل لا تعدُّ ولا تُحصى، وجعله ميزة للمؤمنين الذين ينهضون فيه بأعظم درجات الطاعة والصدق والإخلاص.

فرمضان في القرآن – باب هداية وتزكية، والله تعالى يبيّن غاية فرض الصيام بقوله: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تربية للنفس، وتزكية للروح. والقرآن فيه هدى للناس وفُرقان بين الحق والباطل. ورمضان شهر القرآن أولًا؛ فقد أنزل فيه القرآن هدى ونورًا، وما أجمل أن يلهج اللسان فيه بالذكر، ويُتلى فيه القرآن بتدبرٍ وإمعان يعمر القلوب.

قال سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم : «مَن صَامَ رَمَضَانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» [متفق عليه]، فإيمانًا تعني: التصديق اليقيني بفرضية الصيام ومحبته، واحتسابًا: أي: طلبًا لثواب الله وحده، لا للسمعة أو رياء الناس.

وفي هذا التوجيهِ معنى الوفاء العظيم لرمضان؛ فليس الصومُ مجرد إمساكٍ عن المطعوم والمشروب، بل هو كمال الإخلاص لله في أداء حقه. وحين يفي العبدُ بهذا الإخلاص، فإن الله - بكرمه- لا يخذله أبدا، بل يغمره بمغفرته، ويجزل له الثواب العظيم.

إن رمضان في حقيقته جهادٌ مستمر للنفس؛ فمن مأثور أقوال السلف أن المؤمن يجتمع له في هذا الشهر الكريم جهادان: جهادٌ بالنهار على الصيام، وجهادٌ بالليل على القيام، ومن جمع بينهما بحقّهما، فقد وفّى بحق الوفاء، واستحق الثواب بغير حساب.

وفي هذا السياق يقول الحافظ ابن رجب: "اعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما وُفِّيَ أجره بغير حساب. قال كعب: ينادي يوم القيامة مناد بأن كل حارث يُعطى بحرثه ويزاد، غير أهل القرآن والصيام يعطون أجورهم بغير حساب. ويشفعان له أيضا عند الله عز وجل، كما في المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ»، قَالَ: «فَيُشَفَّعَانِ».

فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها، سواء كان تحريمها يختص بالصيام؛ كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها، أو لا يختص؛ كشهوة فضول الكلام المحرم والنظر المحرم والسماع المحرم والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة ويقول: يا رب منعته شهواته فشفعني فيه؛ فهذا لمن حفظ صيامه ومنعه من شهواته.

فأما من ضيع صيامه ولم يمنعه مما حرمه الله عليه فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه ويقول له: ضيّعك الله كما ضيعتني؛ كما ورد مثل ذلك في الصلاة قال بعض السلف: إذا احتضر المؤمن يقال للملك: شم رأسه قال: أجد في رأسه القرآن، فيقال: شم قلبه فيقول: أجد في قلبه الصيام، فيقال: شم قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام، فيقال: حفظ نفسه حفظه الله عز وجل.

وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل؛ فأما من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: «ذَاكَ رَجُلٌ لَا يَتَوَسَّدُ الْقُرْآنَ» [رواه النسائي وأحمد واللفظ له] ـ يعني: لا ينام عليه فيصير له كالوسادة ـ وخرج الإمام أحمد من حديث بريدة مرفوعا: «وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي ‌أظمأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ، هَذًّا كَانَ، أَوْ تَرْتِيلًا» وفي حديث عبادة بن الصامت الطويل: «إِنَّ الْقُرْآنَ يَأْتِي صَاحِبَهُ فِي الْقَبْرِ فَيَقُولُ لَهُ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أُسْهِرُ لَيْلَكَ، وَأُظْمِيءُ نَهَارَكَ، وَأَمْنَعُكَ شَهْوَتَكَ، وَسَمْعَكَ وَبَصَرَكَ، فَسَتَجِدُنِي مِنَ الْأَخِلَّاءِ خَلِيلَ صِدْقٍ، ثُمَّ يَصْعَدُ فَيُسْأَلُ لَهُ فِرَاشًا وَدِثَارًا، فَيُؤْمَرُ لَهُ بِفِرَاشٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَقِنْدِيلٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَيَاسَمِينٍ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْقُرْآنُ فِي قِبْلَةِ الْقَبْرِ، فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ».

قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بِلَيْلِه إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.

قال محمد بن كعب: كنا نعرف قارئ القرآن بصُفرة لونه، يشير إلى سهره وطول تهجده". [لطائف المعارف: ص١٧١-١٧٣].

هذه الكلمات، تذكرنا أن رمضان لا يُقاس بمدى زمني ضيق، بل بجهاد النفس وإخلاصها لله؛ فقد جعل الله عز وجل في رمضان فرصة سانحة للمغفرة، والتقرب بالدعاء والذكر وقراءة القرآن.

كما أن العناية بالقرآن -قراءةً وتدبّراً- تُعدُّ سببًا لشفاعة العبد وصلاح قلبه. وتأتي الأعمال الصالحة– كالبذل والإنفاق على الفقراء – لتزيد الأجر، وتزكّي النفس، وتصقل الروح.

وفي رمضان، يتآلف الصوم، وقيام الليل، وقراءة القرآن، والصدقات في منظومة واحدة من العبادة المتكاملة التي تصوغ للإنسانِ نفسًا جديدة، وترفع درجاته عند الله تعالى.

البعد عن الخصومة والفحش تربية روحية

من أخص ما يُربيه رمضان في النفوس صيانة اللسان عن الغيبة والنميمة، والحذر من الخصومة والجدال، والتخلق بأفضل الأخلاق.

فهذا هو جوهر التقوى التي أرادها الله من صوم عباده، فالتمسك بالطاعة، والكف عن الأذى هو الطريق الأوضح لـ "وفاء رمضان"، ومن وفّى بحق ربه، فإن الرب -أكرم الأكرمين- لا يخذله أبداً.

وحول مراتب هذا الوفاء، يُؤصل الإمام الغزالي في أسرار الصوم رؤيةً عميقة فيقول: "اعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: صَوْمُ الْعُمُومِ، وَصَوْمُ الْخُصُوصِ، وَصَوْمُ خُصُوصِ الْخُصُوصِ. أَمَّا صَوْمُ الْعُمُومِ: فَهُوَ كَفُّ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ عَنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ ...، وَأَمَّا صَوْمُ الْخُصُوصِ: فَهُوَ كَفُّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ عَنِ الْآثَامِ، وَأَمَّا صَوْمُ خُصُوصِ الْخُصُوصِ: فَصَوْمُ الْقَلْبِ عَنِ الْهِمَمِ الدَّنِيَّةِ وَالْأَفْكَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَكَفُّهُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْكُلِّيَّةِ" [إحياء علوم الدين، ١/٢٣٤].

ويؤكد الإمام الغزالي أن "روح الصوم وسره" يكمن في إضعاف القوى التي هي وسائل الشيطان للعودة إلى الشرور، ولن يتحقق ذلك إلا بالتقليل من الطعام والارتقاء بالجوارح. فلا معنى لصائمٍ يمسك عن الطعام الحلال، ثم يُفطر على "لحوم الناس" بالغيبة، أو يملأ بطنه من الحرام؛ فمثله كمن "يبني قصراً ويهدم مصراً".

الروحانية العملية بين القرآن والقيام: إن قيام الليل في رمضان يمثل الامتياز الأكبر للمؤمن، فمن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه. وهنا تلتقي العبادات في منظومة واحدة؛ فالصيام يُهذب البدن، والقيام يُزكي الروح، والقرآن يملأ القلب نوراً. هذا التآلف هو ما يصوغ "الإنسان الجديد" الذي لا يكتفي بصحة صيام بدنه، بل يسعى لصلاح قلبه عبر المراقبة التامة.

بين خذلان البشر ووفاء الخالق

حين نتمثل قول ابن الفارض:

إنْ كان مَنزِلَتي في الحبّ عندكُمُ *** ما قد رأيتُ فقد ضيّعْتُ أيّامي

نجد فيه صورةً بليغةً تلخص حيرة النفس أمام تذبذب الوداد البشري. وهنا يتقاطع الأدب مع الإيمان؛ ليوضح لنا أن العلاقات الإنسانية -بطبعها- قد يعتريها الخذلان والجفاء، أما الله سبحانه، فلا يُخلف وعده أبداً مع من صدق في معاملته وثبت على طريقه.

وهنا يتجلى موقف الإسلام الجلي؛ فالوفاءُ البشريّ قد يغيب، أما الوفاءُ لله فثابتٌ لا يتبدل. وإنَّ قمة سمو النفس تكمن في الاستمرار على الإحسان والصبر على الأذى، لا انتظاراً لرد الجميل من الناس، بل طلباً لمرضاة رب الناس.

فحين يداهمك شعور الخذلان رغم طول إحسانك، يأتيك رمضان ليذكرك بأنَّ تقلب القلوب واقعٌ طبيعي في هذا العالم الزائل، وأنَّ المؤمن لا يختار الانزواء، بل يختار "الصبر الجميل". فرمضان هو شهر الصبر، والصبر على أذى الخلق من أرقى مراتب القرب من الخالق.

إنَّ الإحسان والمسامحة لا يكتسبان معناهما الحقيقي إلا حين يُربطان بـ "الوفاء لله"؛ حينها فقط يصبح رمضان هو الصديق الذي لا يخذل، والعهد الذي لا ينقض، والملاذ الآمن الذي تلتجئ إليه حين يخذلك البشر.

الخلاصة

في الختام، يتجلى رمضان كأعظم "مدرسة للوفاء" عرفتها البشرية؛ فهو ليس مجرد محطة زمنية للامتناع عن المباحات، بل هو ميثاقٌ روحي يجدد فيه العبد عهده مع الله صدقاً وإخلاصاً، ومع نفسه تزكيةً وتهذيباً، ومع الخلق صبراً وإحساناً. إنَّ من وفّى بحق رمضان في محراب العبادة، واستمسك بحبله عند خذلان البشر، وجد في الله عوضاً لا ينفد، ووفاءً لا يتبدل. فليكن صيامنا وفاءً، وقيامنا صفاءً، ليكون جزاؤنا عند الله يوم اللقاء عهداً لا يُخلف، وأجراً بغير حساب.

موضوعات ذات صلة

الصيام ليس مجرد إمساك عن الطعام، بل هو هندسة روحية تٌعيد بناء الإنسان من الداخل.

الدعاء عبادة عظيمة، بل هو روح العبادة.

جعل الله تعالى صلة الرحم من أوثق عرى الإيمان، وربطها بتقواه، وأقام عليها ميزان القرب والبعد منه سبحانه.

موضوعات مختارة