يتناول هذا المقال بلسان المنهج الأزهري الوسطي فضل العشر الأواخر وليلة القدر في صورة سؤال وجواب، مستعرضًا الأسرار العرفانية والحكم الفقهية لنزول القرآن وإخفاء الليلة، مع بيان موقف المذاهب المعتبرة وما استقرت عليه الفتوى في الديار المصرية.
يتناول هذا المقال بلسان المنهج الأزهري الوسطي فضل العشر الأواخر وليلة القدر في صورة سؤال وجواب، مستعرضًا الأسرار العرفانية والحكم الفقهية لنزول القرآن وإخفاء الليلة، مع بيان موقف المذاهب المعتبرة وما استقرت عليه الفتوى في الديار المصرية.
الحمد لله الذي جعل في تقلب الزمان عبرة لأولي الألباب، وفتح للمجتهدين في طاعته كل باب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله إلى يوم المحشر. وبعد؛ فإن الحق سبحانه وتعالى قد اختص بعض الأزمان بنفحات قدسية، ليس تفضيلًا لذات الزمان من حيث هو ثوانٍ ودقائق، بل لتعلق التجلي الإلهي بها، ولما يكتنفها من أسرار روحية تغسل أدران القلوب. ونحن في رحاب الأزهر الشريف، نرى أن الزمان وعاء للعمل، وأن العشر الأواخر هي "درة الوجود الرمضاني"، التي ينبغي أن تُستقبل بروح تمزج بين انضباط الفقه ورقائق التصوف، في توازن أشعري يرى فضل الله واسعًا، ويرجو القبول مع غاية الاجتهاد. [دار الإفتاء المصرية، فضل العشر الأواخر من رمضان، فتوى رقم ٢٥٤١].
الجواب: إن الفضل الثابت لهذه العشر يستمد نوره من الهدي النبوي الذي كان يترجم الشوق إلى الله في صورة عمل دؤوب، ففي المنهج المذهبي، نجد أن الأئمة اتفقوا على فضل هذه الليالي؛ لحديث أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: «كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ، ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ، أَيْ يُبَالِغُ فِي طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِيهَا، كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي زِيَادَةِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ (مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِيهِ أَوْ لِلِاغْتِنَامِ فِي أَوْقَاتِهِ وَالِاهْتِمَامِ فِي طَاعَتِهِ وَحُسْنِ الِاخْتِتَامِ فِي بَرَكَاتِهِ.
وعَنْ السيدة عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ:
«كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وشد المئزر» [صحيح مسلم، ١١٧٥]
(شد مئزره) بكسر الميم أي إزاره وهو عبارة عن القصد والتوجه إلى فعل شاق مهم كتشمير الثوب، وفي رواية لابن أبي شيبة والبيهقي زيادة: واعتزل النساء، وهو يؤيد أن المراد بالشد المبالغة في الجد، قال النووي: قيل: معنى شد المئزر الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته - ﷺ - في غيره، ومعناه التشمير في العبادة، يقال: شددت في هذا الأمر مئزري أي تشمرت له وتفرغت، وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء وترك النكاح، ودواعيه وأسبابه، وهو كناية عن التشمير للعبادة والاعتزال من النساء معا، وقال الطيبي: قد تقرر عند علماء البيان أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، كما إذا قلت: فلان طويل النجاد، وأردت طول نجاده مع طول قامته، كذلك - ﷺ - لا يستعبد أن يكون قد شد مئزره ظاهرا، وتفرغ للعبادة، واشتغل بها عن غيرها[مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (٢٠٨٩)] .
والمقصود بـ "شد المئزر" في مشربنا الصوفي ليس مجرد اعتزال النساء، بل هو "تجرد القلب" من الأغيار، وجمع الهمة على الواحد القهار، إنها ليالٍ يجتمع فيها شرف الصيام والقيام والذكر، وهي فرصة التدارك لمن فترت همته في أول الشهر، فالله جعل الخواتيم هي المعيار، والمنهج الأزهري يعلمنا أن "من صحت بدايته صحت نهايته"، ولكن سعة رحمة الله كمنةٍ إلهية ". [انظر: لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص ١٨٤ وما بعدها].
ونؤكد أن إحياء هذه الليالي بالصلاة والدعاء هو من آكد السنن التي ينبغي للمسلم الحرص عليها لما لها من أثر في تزكية النفس وغفران الذنب.
الجواب: تتجلى حكمة الله عز وجل في تفضيل أواخر الأوقات على أوائلها؛ فالعبرة دائمًا بالخواتيم، ولذلك كان الثلث الأخير من الليل هو وقت النزول الإلهي، وكان يوم الجمعة هو خير أيام الأسبوع، وكانت العشر الأواخر هي خير ليالي رمضان، إن هذا التفضيل يهدف مقاصديًا إلى تدريب النفس على الصبر والمصابرة؛ فلو كان الفضل في البدايات، لربما انقطع الناس، ولكن الله جعل "الجائزة الكبرى" في الختام ليبقى المسلم في حالة ترقب وتأهب، ويجدر الإشارة إلى أن الله تعالى يُفضل ما يشاء من الأوقات بتقديره وحكمته، ليظهر تفاوت العباد في الصدق والمجاهدة التي تؤدي بدورها إلى "المشاهدة" العرفانية. [دار الإفتاء المصرية، الحكمة من تفضيل العشر الأواخر، بيان شرعي عبر البوابة الإلكترونية].
الجواب: ليلة القدر هي إحدى ليالي شهر رمضان وهي الليلة التي أنزل فيها القرآن.
وهي "اللحظة الكونية" التي انفتح فيها الغيب على الشهادة، وهي الليلة التي تتنزل فيها السكينة الإلهية حتى تملأ أقطار الأرض.
ثوابها ليس مجرد أرقام حسابية (٨٣ سنة)، بل هو "بركة في العمر" يطرحها الله في تلك الساعات القليلة. قال تعالى: ﴿لَیۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَیۡرࣱ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرࣲ﴾ [القدر: ٣] . و "ألف شهر" ترمز للكثرة المطلقة، أي أن فضلها لا يحده حد، وعن فضل قيامها، يقول المصطفى ﷺ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [صحيح البخاري ١٩٠١]، والإيمان هنا هو العقيدة الصحيحة بوعود الله، والاحتساب هو إخلاص القصد وتطهير السريرة من الرياء .
"وقال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر " [ابن تفسير القرآن العظيم، ٨/٤٢٧].
الجواب: من المفيد هنا الجمع بين المعاني الثلاثة المشهورة التي ذكرها الأئمة:
أولًا: القدر بمعنى التعظيم والجاه، فهي ليلة شريفة نزل فيها كتاب شريف، على يد ملك شريف، لقلب نبي شريف.
ثانيًا: القدر بمعنى التضييق، لضيق الأرض بازدحام الملائكة فيها، وهو ضيق بركة ونور لا ضيق وحشة. ثالثًا: القدر بمعنى التقدير والقضاء، وهو ما يقرره الله في ملكوته من مقادير العباد للعام القادم.
قال الإمام الطبري: " وهي ليلة الحكم التي يقضي الله فيها قضاء السنة؛ وهو مصدر من قولهم: قدر الله علي هذا الأمر، فهو يقدر قدرا " [جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٤/٥٣١]. و التقدير في هذه الليلة هو "إظهار" لما سبق به العلم الإلهي القديم في الأزل، وليس حكمًا ابتدائيًا، فالله عز وجل لا يعزب عن علمه شيء. [المجموع شرح المهذب، ٦/٤٥٠].
الجواب: القرآن الكريم هو روح هذه الليلة، ففيها نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في "بيت العزة"، هذا الاتصال بين الملأ الأعلى وعالم الملك هو أعظم حدث في تاريخ البشرية.
عن سيدنا ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - ، قال: "أنزَل اللهُ القرآنَ إلى السماءِ الدنيا في ليلةِ القدرِ، فكان اللهُ إذا أرادَ أن يُوحِىَ منه شيئًا أوْحاهُ، فهو قولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]" [ أخرجه النسائي في الكبرى (٧٩٩٠)، والحاكم ٢/ ٢٢٢، والبيهقى في الدلائل ٧/ ١٣١].
قال الإمام أبو جعفر النحاس رحمه الله: "أجمع العلماء على أن القرآن أنزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا" [الناسخ والمنسوخ، مؤسسة الكتب الثقافية، ص ٥٠٠].
إننا نربي الأجيال على أن ليلة القدر هي "عيد القرآن"، والقرآن هو المنهج الذي يحفظ العقل والروح، فمن تمسك به نال قدره في الدنيا والآخرة، ومن أراد أن ينال بركة الليلة فليقبل على القرآن تلاوةً وفهمًا وعملًا ليتصل بالوحي الأول.
الجواب: أخفى الله ليلة القدر كما أخفى "ساعة الإجابة" في الجمعة، و"اسمه الأعظم" في الأسماء؛ والحكمة هي أن يظل العبد في حالة استنفار روحي كامل. يقول الإمام فخر الدين الرازي: "الحكمة في إخفاء ليلة القدر حتى يُعظِّم المسلم جميع ليالي العشر الأواخر، وليجتهد في طلبها في جميعها، فيزداد ثوابه ويكثر عمله" [الرازي، مفاتيح الغيب ، دار الفكر، ٣٢/ ١٢٠].
إن المتدبر يرى في هذا الإخفاء "لطفًا ربانيًا"، فلو عرفنا الليلة لتكاسلنا في غيرها، ولكن الإخفاء يورث "دوام الأنس"، والمحب الصادق لا يسأل عن الموعد، بل يسأل عن الرضا.
كما أن في إخفائها سترًا للعصاة؛ إذ لو علموا ليلتها وعصوا فيها لكان ذنبهم أعظم لمضاعفة حرمة الزمان، فسترها الله عنهم رحمة وسترًا.
إن العشر الأواخر وليلة القدر هما حبل الله الممدود لعباده في ختام شهر الرحمة، والمنهج الرباني يدعوك أيها المسلم إلى التوازن؛ فلا ترهق جسدك لدرجة التوقف، ولا تفتر لدرجة الضياع، اجعل نصب عينيك أن الله يراقب قلبك قبل عملك، وأن ليلة القدر هي رحلة انتقال من الذنب الى المغفرة ومن الغفلة الى الهمة العالية.
من أسرار ليلة القدر ما يجعل قلب السالك يتقلب بين مقام الهيبة وعظمة القدس، وبين مقام الرجاء وسعة الفضل الإلهي
العشر الأواخر من رمضان ليست مجرد أيام عادية في آخر الشهر، بل هي أفضل أيام الدنيا.
الاعتكاف سنة مؤكدة بإجماع الأمة، يقصد بها المسلم الانقطاع للعبادة في المسجد.