الحمد لله الذي جعل لنا في دهرنا نفحات، وشرَّف أمتنا بليلة القدر التي تضيق الأرض بملائكتها وتتسع بها القلوب لأنوار ربها، ليلةٌ هي بوابة الوصل العظمى، وميراث النبوة الخالد الذي يُجدد فينا العهد مع الله ومع القرآن الكريم.
الحمد لله الذي جعل لنا في دهرنا نفحات، وشرَّف أمتنا بليلة القدر التي تضيق الأرض بملائكتها وتتسع بها القلوب لأنوار ربها، ليلةٌ هي بوابة الوصل العظمى، وميراث النبوة الخالد الذي يُجدد فينا العهد مع الله ومع القرآن الكريم.
لقد استنبط علماء الأمة من جلال تسميتها "بليلة القدر" أسرارًا تجعل قلب السالك يتقلب بين مقام الهيبة وعظمة القدس، وبين مقام الرجاء وسعة الفضل الإلهي:
تقدير المقادير: فيها تُبرم أحكام السنة وتُنقل من اللوح المحفوظ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يكتب في أمِّ الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنَة من الخير والشرِّ والأرزاق والآجال" [التفسير البسيط (٢٠/٩٥) الواحدي].
عظمة الشأن: فهي ليلة ذات "قدر" وقيمة؛ لأن العظيم أنزل فيها كتاباً ذا قدر، على رسولٍ ذي قدر، لأمةٍ ذات قدر.
قدر العمل: العبادة فيها تزن في ميزان الله أكثر من عبادة ٨٣ سنة؛ لقوله تعالى: ﴿لَیۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَیۡرࣱ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرࣲ﴾ [القدر: ٣].
إنزال القرآن: ليلة الشرف التي اتصلت فيها السماء بالأرض بنزول الوحي الخالد.
المنهج النبوي الشريف يعلمنا أن هذه الليلة تُطلب في العشر الأواخر من رمضان، وفي الأوتار منها آكد،

فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «تَحَرَّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» [البخاري (٢٠١٧)]، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» [البخاري (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥)].
ومال كثير من العلماء لليلة السابع والعشرين بقرائن عددية وروحية، لكن العبد الرباني يجتهد في العشر كلها لينال فضلها.
لعل البعض يتساءل عن سبب رفع تعيينها؟ وفي رفع تعيين وقتها حكم كثيرة منها: أن يبقى المسلم في حالة يقظة دائمة، والسر الأهم هو التنبيه على شؤم العداوة والشحناء، فقد روى سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ» [البخاري (٢٠٢٣)].
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له، فلما انقضين أمر بالبناء فقوِّض، ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأعيد، ثم خرج على الناس فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَإِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَنُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ».
وعندما نتأمل في هذا الهدي النبوي الشريف نجد أن سيدنا رسول الله ﷺ حين ندبنا لاغتنام هذه الليلة ببركاتها التي تفيض على الزمان، أراد أن يرسل رسالة تحذيرية شديدة من عملٍ هو من أبغض الأشياء إلى الله، وهو الشحناء، التي تخرب الديار والقلوب، فهي إذا استقرت في القلب أفسدته، ولا تسللت إلى روحٍ إلا وزرعت فيها أشواك البغض والكراهية، إنها الحجاب الذي يقطع الأرحام، ويفكك روابط الألفة بين الجيران والخلان، ومن هنا كانت مقاصد الشريعة حريصة على اجتثاث غوائل الحقد، فوضعت من الآداب والمبادئ ما يحمي المسلم من السقوط في مهالك التقاطع والتدابر، لتظل القلوب صافيةً صالحةً لاستقبال تجليات ليلة القدر.
إن لليلة القدر سكينةً تفيض على ملكوت الأرض، وجمالاً روحانيًّا يملأ جوانب النفس بالخمود عن الشهوات والترقي في الأنوار، وهو حالٌ يُذاق ولا يُوصف، ويُحس ولا يُحد، وقد جعل الحق سبحانه لهذه الليلة أمارات يُبشر بها أهل الوصل، ومن علاماتها:
على السائرين إلى الله تعالى أن يتخلقوا بأخلاق المصطفى ﷺ في هذه الليالي، ومن سيرته الواردة فيها:
يمكن لذواتِ الحيض والنفاس أن يُحْيِينَ ليلة القدر بترك ما منعهنَّ الشرع الشريف منه حال العذر إذا قصدن الامتثال في الترك، ثم يفعلن ما تيسر لهنَّ من الطاعات والقربات، فيغتنمنَ الليلة بالإكثار من الذكر، والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والصلاة على النبي الأمين، والتصدق، والدعاء بالمأثور وغيره، وسماع القرآن والإنصات إليه، وقراءته بالعين لا باللسان على الذِّكر لا التعبد، وأن يَنوِينَ الطاعة والعبادة بما يُقَدِّمْنَه لبيوتهنَّ وأهلهنَّ وبما يعينهن على الطاعة في تلك الليلة فيَحصُل لهنَّ الأجر والثواب، ويزيد على ذلك أنهنَّ يُثَبْنَ عما كان يمكن أن يفعلن ما لم يمنعهنَّ العذر؛ لأنهنَّ مُبْتَلَياتٌ بأمر خارجٍ عن استطاعتهنَّ.
ليلة القدر هي فرصة العمر وموسم التجلي، فاجعلوا قلوبكم أوعيةً لرحمة الله، وطهروها من الكراهية لتستقبلوا أنوار الملائكة، اللهم اجعلنا ممن نال عفوك، واتصل بمددك، وفاز بشفاعة نبيك ﷺ في هذه الليلة المباركة.
شهر رمضان ليس موسمًا لانقضاءِ الظمأ، بل هو منبعٌ لارتواءِ الأرواحِ بفيوضاتِ الحق.
الاستقامة بعد رحيل رمضان، تحمل دلالات القبول المتمثلة في المداومة على الطاعة.
الأذكار بين الترويحات ليست سنة لازمة ولا بدعة مذمومة.