يتناول هذا المقال جملة من الأحكام الفقهية المتعلقة بعبادتي الاعتكاف وزكاة الفطر، مستعرضًا آراء المذاهب الأربعة في شروط صحتهما ومبطلاتهما. كما يسلط الضوء على الفتاوى المعاصرة المتعلقة بإخراج القيمة نقدًا واستخدام التقنيات الحديثة أثناء الاعتكاف.
يتناول هذا المقال جملة من الأحكام الفقهية المتعلقة بعبادتي الاعتكاف وزكاة الفطر، مستعرضًا آراء المذاهب الأربعة في شروط صحتهما ومبطلاتهما. كما يسلط الضوء على الفتاوى المعاصرة المتعلقة بإخراج القيمة نقدًا واستخدام التقنيات الحديثة أثناء الاعتكاف.
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد: اختلف الفقهاء في اشتراط المسجد لصحة اعتكاف المرأة؛ فيرى جمهور الفقهاء أنَّ المرأة كالرَّجُل في اشتراط المسجد لصحة اعتكافها، وذلك على صفة المسجد التي تتحقق بإقامة الصلوات الخمس فيه؛ مع الاتفاق على أفضلية المسجد الجامع الذي تقام فيه الجمعة. [دار الإفتاء المصرية، حكم اعتكاف المرأة في بيتها، (٨٠٠٥)].
واستدلوا لذلك بقول الله تعالى: ﴿وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِی ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وبما ورد عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، إِذَا أَخْبِيَةٌ: خِبَاءُ عَائِشَةَ، وَخِبَاءُ حَفْصَةَ، وَخِبَاءُ زَيْنَبَ، فَقَالَ: «آلبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ؟!» ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ، حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ» [البخاري (٢٠٣٤)].
قال الإمام النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (٨/ ٦٨، ط. دار إحياء التراث العربي): "وفي هذه الأحاديث: أن الاعتكاف لا يصحُّ إلا في المسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه وأصحابه إنما اعتكفوا في المسجد مع المشقة في ملازمته، فلو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة، لا سيما النساء؛ لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر" اهـ.
وقال العلامة علاء الدين ابن العطار في "العمدة في شرح العدة" (٢/ ٩٢٢-٩٢٣، ط. دار البشائر الإسلامية): "وفي هذا الحديث أحكام... ومنها: أنَّ الاعتكاف لا يصحُّ إلا في المسجد، وأن كونه فيه شرط لصحَّته؛ حيث اعتكف صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه فيه مع المشقَّة في ملازمته، ومخالفةِ العادة في الاختلاط بالنَّاس، لا سيما النِّساء، فلو جاز الاعتكاف في البيوت لَمَا خولف المقتضى؛ لعدم الاختلاط بالنَّاس في المسجد، وتحمُّل المشقة في الخروج لعوارض الخلقة، وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وداود، والجمهور" اهـ.
وقال الحافظُ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (٤/ ٢٧٧، ط. دار المعرفة): "وفيه: أن المسجدَ شرطٌ للاعتكاف؛ لأن النساء شُرع لهنَّ الاحتجاب في البيوت، فلو لم يكن المسجد شرطًا ما وقع ما ذُكِر من الإذن والمنع، ولَاكْتُفِي لهن بالاعتكاف في مساجدِ بيوتهن" اهـ. [وبنحوه للحافظ العيني في "عمدة القاري" (١١/ ١٤٨، ط. دار إحياء التراث العربي].
بينما يَرَى الحنفية أنَّه لا يشترط المسجد لصحة اعتكاف المرأة، فلها أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو: المكان المُعَدُّ لصلاتها الذي يستحب لها اتخاذه.
قال كمال الدين ابن الهمام الحنفي في "فتح القدير" (٢/ ٣٩٤، ط. دار الفكر): [قوله (أما المرأة فتعتكف في مسجد بيتها) أي: الأفضل ذلك، ولو اعتكفت في الجامع أو في مسجد حَيِّها وهو أفضل من الجامع في حقِّها جاز] اهـ.
الذي نختاره للفتوى وعليه العمل: ما ذهب إليه الجمهور مِن اشتراط المسجد في صحة الاعتكاف، وذلك لأنَّ المساجد التي يُصَرَّح فيها بالاعتكاف من قِبَل الجهات القائمة على شئون المساجد يُخَصَّص للنساء فيها مكان مناسب لصلاتهنَّ فيه، ولا معنى للتَّمَسُّك بكمال الاستتار في حقِّ المرأة، فغالب النساء في عصرنا قد خرجن من بيوتهن للمشاركة بفاعلية وكفاءة في مجالات الحياة المختلفة. [دار الإفتاء المصرية، حكم اعتكاف المرأة في بيتها، (٨٠٠٥)].
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد: الاعتكاف له مفسدات كغيره من العبادات، ومن مفسداته الجماع؛ فقد اتفق الفقهاء على أن جماع المرأة عمدًا يُفسد الاعتكاف؛ قال الإمام ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/ ٨٠، ط. دار الحديث): [أجمعوا على أن المعتكف إذا جامع عامدًا بطل اعتكافه] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (٣/ ١٩٦، ط. مكتبة القاهرة): [الوطء في الاعتكاف محرم بالإجماع... فإن وطئ في الفرج متعمدًا أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم. حكاه ابن المنذر عنهم] اهـ.
أما التقبيل واللمس لشهوة فقد اتفقوا على حرمته، غير أنهم اختلفوا في فساد الاعتكاف به على قولين:
الأول: فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يُفسد الاعتكاف إن لم يُنزل، ويُفسده إن أنزل قال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (٣/ ١٢٣، ط. دار المعرفة): [واذا جامع المعتكف امرأته في الفرج فسد اعتكافه، سواء جامعها ليلًا أو نهارًا، ناسيًا كان أو عامدًا، أنزل أو لم ينزل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِی ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فصار الجماع بهذا النص محظورَ الاعتكاف؛ فيكون مفسدًا له بكل حال؛ كالجماع في الإحرام لما كان محظورًا كان مفسدًا للإحرام... فإن باشرها فيما دون الفرج فإن أنزل فسد اعتكافه، وإن لم ينزل لم يفسد اعتكافه، وقد أساء فيما صنع] اهـ.
الثاني: وقد ذهب المالكية والشافعية في قولٍ إلى أن التقبيل واللمس لشهوة يُفسد الاعتكاف كالجماع؛ سواء أنزل بهما أو لم يُنزل، وقيده في قول الشافعي بما إذا كان عامدًا؛ قال العلامة ابن عبد البر في "الكافي في فقه أهل المدينة" (١/ ٣٥٤، ط. مكتبة الرياض الحديثة): [والذي يُفسد الاعتكاف غشيان النساء ومباشرتهن؛ قال الله عز وجل ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِی ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فمن قَبَّل أو باشر ولم ينزل فسد اعتكافه عند مالك وجماعة من أهل المدينة] اهـ.
وقد حرّر الإمام ابن رشد سبب اختلاف الفقهاء؛ فقال في ذلك في "بداية المجتهد" (٢/ ٨٠): [وسبب اختلافهم: هل الاسم المتردد بين الحقيقة والمجاز له عموم وخصوص؟ وهو أحد أنواع الاسم المشترك، فمن ذهب إلى أن له عمومًا قال: إن المباشرة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِی ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧] ينطلق على الجماع وما دون الجماع، ومن لم ير عمومًا وهو الأشهر الأكثر قال: يدل إما على الجماع وإما على ما دون الجماع، فإذا قلنا: إنه يدل على الجماع بإجماع بطل أن يدل على غير الجماع؛ لأن الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة والمجاز معًا، ومن أجرى الإنزال بمنزلة الوقاع فلأنه في معناه، ومن خالف فلأنه لا ينطلق عليه الاسم حقيقة] اهـ.
ويظهر من نصوص الفقهاء التي سبق نقلها أنهم مختلفون في إفساد الاعتكاف بالتقبيل واللمس لشهوة، ومتفقون على أنهما حرامٌ للمعتكف؛ فإن لم يكن اللمس لشهوة ولم يُقصد بالتقبيل اللذة فقد ذهبوا إلى أنه لا يُفسد الاعتكافَ ولا حرمة فيه؛ لما رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن السيدة عائشة رضي الله عنها: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ أُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ". فدل ذلك على أن اللمس لغير شهوة ليس بحرام؛ قال الإمام العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" (٤/ ١٣٣، ط. دار الكتب العلمية): [وفي "المرغيناني": يكره للمعتكف المباشرة الفاحشة، وإن أمن على نفسه. ولا يكره للصائم إذا أمن، وهذا يدل على أن اللمس من غير شهوة لا يحرم على المعتكف، وإن أطلقوا الحرمة في الكتب المشهورة] اهـ.
وقال الإمام الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (٢/ ٢٦٩، ط. دار الفكر العربي): [صحة الاعتكاف كائنة بعدم وطء، وبعدم قبلة شهوة؛ فإن قصد اللذة أو وجدها بطل اعتكافه؛ فلو قبَّل صغيرة لا تشتهى، أو قبل زوجته لوداع أو رحمة، ولا قَصَدَ اللذة ولا وجدها فإن ذلك لا يُبطل] اهـ.
وقال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي الكبير" (٣/ ٤٩٩): [إن مسّ بدنها لعارض وقبلها عند قدومها من سفر غير قاصد للذة فهذا غير ممنوع، ولا مؤثر في الاعتكاف] اهـ.
وقال الإمام البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (٢/ ٣٦١، ط. دار الكتب العلمية): [(وَإِنْ بَاشَرَ) الْمُعْتَكِفُ (دُونَ الْفَرْجِ)، أَوْ قَبَّلَ (لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا بَأْسَ)؛ كَغَسْلِ رَأْسِهِ، وَتَرْجِيلِ شَعْرِهِ؛ لِحَدِيثِ السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها] اهـ.
فلا حرج على المعتكف في الاتصال بأهله للاطمئنان عليهم، ولو كان اتصاله من داخل المسجد، وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ صَفِيَّةَ بْنَةِ حُيَيٍّ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي...» الحديث [البخاري (٣٢٨١)]، فدل الحديث على أنه يجوز للمعتكف أن يكلم أهله ويتحدث معهم، ولو كانوا في المسجد، قال ابن قدامة في المغني: ولا بأس بالكلام لحاجته - أي حاجة المعتكف - ومحادثة غيره. اهـ [ابن قدامة، المغني ،٤/٤٨٠].
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد: مكان الاعتكاف هو المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِی ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعتكف إلا في المسجد.
فالمعتكف ليس له الخروج من معتكفه إلا لحاجة لا بد منها، جاء في المغني لابن قدامة الحنبلي: وجملة ذلك أن المعتكف ليس له الخروج من معتكفه، إلا لما لا بد له منه، قالتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها: السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أن لا يَخْرُجَ إلَّا لما لا بُدَّ له منه ـ رواه أبو داود، وقالتْ أيضًا: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» [ابن قدامة، المغني، ٤/٤٦٥].
وقد ورد في مذهب السادة الأحناف: " ولو خرج من المسجد ساعةً بغير عذر فسد اعتكافه عند أبي حنيفة رحمه الله"، العذر الخروج لغائط أو بول أو جمعة لأنه لا بد منه، وكذا إذا انهدم المسجد، وفي السقف يجوز له أن يتحول إلى مسجد آخر. [بدر الدين العيني، البناية شرح الهداية، ٤/١٢٨].
ومذهب السادة المالكية:" ولا يجوز له الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو لأمر يضطره إلى الخروج من حاجته إلى شراء طعامه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِی ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾، وروي: "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف لا يخرج إلا لحاجة الإنسان". [القاضي عبد الوهاب، المعونة على مذهب أهل المدينة، ١/٤٩٠].
مذهب السادة الشافعية:" يجوز للمعتكف أن يخرج إلى منزله للغائط والبول؛ لحديث عائشة رضي الله عنها، فإن كان للمسجد سقاية، أو بذل له صديق له ذلك في بيته.. لم يلزمه قضاء الحاجة فيه، بل له أن يمضي إلى منزله، قال المزني: وإن بعد" [العمراني، البيان في مذهب الإمام الشافعي، ٣/٥٨٩].
زكاة الفطر: هي الزكاة التي يجب إخراجها على المسلم قبل صلاة عيد الفطر بِمقدار محدد –صاع من غالب قُوتِ البلد- على كُلِّ نَفْسٍ من المسلمين؛ لحديث ابن عمر-رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، وْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ، وْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ» [موطأ مالك (٧٥٥)، ومسلم (٩٨٤)]، ويخرجها العائل عمَّن تلزمه نفقته.
وتجب زكاة الفطر على كل من تلزمه نفقته، قال العلَّامة الحصكفي في "الدر المختار" (٢/ ٣٥٩، ط. دار الفكر): "تجب -يعني زكاة الفطر-... على كل حر مسلم ولو صغيرًا مجنونًا، حتى لو لم يخرجها وليهما وجب الأداء بعد البلوغ (ذي نصاب فاضل عن حاجته الأصلية) كديّنه وحوائج عياله (وإن لم يتم)".
ويخرجها للأصناف المستحقة للزكاة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَٱلۡعَٰمِلِینَ عَلَیۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖ فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ﴾ [التوبة: ٦٠].
هناك فرق بينهما، أما الفدية فقد نص ربنا جل جلاله عليها بقوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِینَ یُطِیقُونَهُۥ فِدۡیَةࣱ طَعَامُ مِسۡكِینࣲۖ﴾ [البقرة:١٨٤]، أما بالنسبة لزكاة الفطر فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ». وَقَالَ يُوسُفُ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ»، [الدارقطني (٢١٣٣)]، فأَمَرَهُم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن يَقسِموه بَينَهُم، ويَقولُ: "أغنوهُم عن طَوافِ هَذا اليَومِ"[البيهقي (٧٨١٥)]، والإغناء كما يتحقق بالإطعام يتحقق بالنقد، بل النقد في زماننا أنفع وأيسر؛ لأننا جميعًا لو أننا أعطينا الفقراء طعامًا سيضطر الفقراء إلى بيعه من أجل أن يواجهوا ما يطلب منهم من فاتورة الكهرباء وفاتورة الماء وغير ذلك، هذا الفرق الأول.
الفرق الثاني: أن فدية كفارة الإنسان الذي أفطر تكون موزعة، أما زكاة الفطر فكلها تأتي في وقت متقارب، فأغلب الناس يخرجون زكاتهم في صبيحة يوم العيد، وبعضهم يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين؛ ولذلك بعض العلماء وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة يبيح إخراج القيمة في زكاة الفطر وفي الكفارات جميعًا، وهناك بعض العلماء يمنع القيمة مطلقًا سواء كانت في زكاة الفطر أو في الكفارات، وبعض أهل العلم فرق بين هذه وهذه.
إن تقدير قيمة زكاة الفطر لهذا العام لتكون عند مستوى ٣٥ جنيهًا، جاء كحدٍّ أدنى عن كل فرد مع استحباب الزيادة عن هذا المبلغ لمن أراد، كما حدَّدت قيمة فدية الصيام لمن يعجز عنه لسبب شرعي معتبر بـ (٣٠ جنيهًا) لهذا العام، مشيرة إلى أنها أخذت برأي الإمام أبي حنيفة وجماعة من فقهاء المالكية، والإمام أحمد في رواية وغيرهم بجواز إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقودًا بدلًا من الحبوب؛ تيسيرًا على الفقراء في قضاء حاجاتهم ومطالبهم، والفتوى مستقرة على ذلك.
وأضافت الدار أن مقدار زكاة الفطر يعادل (٢.٠٤) كيلو جرامًا من القمح عن كل فرد، نظرًا لأنه غالب قوت أهل مصر، مشيرة إلى أنه يجوز شرعًا إخراج زكاة الفطر من أول يوم في شهر رمضان، وحتى قبيل صلاة عيد الفطر [دار الإفتاء المصرية، ١٨فبراير٢٠٢٦م].
الأصل في زكاة الفطر أن تخرج من طعام أهل البلد كالبُرِّ والتمر والشعير ونحوه من كل حَبٍّ وثَمر يُقتَات؛ لما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث السابق أنه «فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ» متفقٌ عليه، وغيره من أحاديث الباب.
ومع ذلك فقد أجاز فقهاء الحنفية إخراجها مالًا؛ إذ إنها شرعت لدفع حاجة الفقير وإغنائه عن السؤال في مناسبة العيد، وإخراج المال أقرب إلى منفعة الفقير ودفع حاجته فإنه يشتري به للحال ما يحتاج إليه، وأن الأصناف المذكورة في الأحاديث ليست للحصر وإنما كانت للتيسير؛ لأنهم كانوا يتبايعون بذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال شمس الأئمة السرخسي في "المبسوط" (٣/ ١٠٧-١٠٨، ط. دار المعرفة): [فإن أعطى قيمة الحِنطة جازَ عندنا؛ لأن المعتبر حصول الغِنَى، وذلك يحصل بالقيمة كما يحصل بالحِنطة، وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز، وأصل الخلاف في الزكاة، وكان أبو بكر الأعمش رحمه الله تعالى يقول: أداء الحِنطة أفضل من أداء القيمة؛ لأنه أقرب إلى امتثال الأمر وأبعد عن اختلاف العلماء فكان الاحتياط فيه، وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يقول: أداء القيمة أفضل؛ لأنه أقرب إلى منفعة الفقير فإنه يشتري به للحال ما يحتاج إليه، والتنصيص على الحِنطة والشعير كان لأن البِيَاعات في ذلك الوقت بالمدينة يكون بها، فأما في ديارنا البِيَاعات تجرى بالنقود، وهي أعزّ الأموال، فالأداء منها أفضل] اهـ.
وقال العلامة الكاساني في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (٢/ ٧٢، ط. دار الكتب العلمية): [وروي عن أبي يوسف أنه قال: الدقيق أحب إليَّ من الحنطة، والدراهم أحب إلى من الدقيق والحنطة؛ لأن ذلك أقرب إلى دفع حاجة الفقير] اهـ.
زكاة الفطر لها وقتان: وقت وجوب تتعلق فيه بذمة المكلَّف، ووقت أداء يجوز له أن يخرجها فيه، حتى وإن لم تتعلَّق بذمَّته.
أما وقت الوجوب: فالـمُختارُ أنها تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان؛ كما هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.
قال الشيخ الدردير المالكي في "الشرح الكبير" (١/ ٥٠٥، ط. دار الفكر): [(وهل) تجب زكاة الفطر (بأول ليلة العيد)، وهو: غروب شمس آخر يوم من رمضان، ولا يمتد بعده على المشهور (أو بفجره) أي: فجر يوم العيد؟ (خلاف)، ولا يمتدُّ على القولين] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (٢/ ١٥٣، ط. دار الكتب العلمية): [وفي وقت وجوبها -أي زكاة الفطر- أقوال: أظهرها وهو الجديد: تجب بغروب الشمس ليلة العيد] اهـ.
وقال الإمام المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (٣/ ١٧٦، ط. السنة المحمدية): [(وتجب بغروب الشمس من ليلة الفطر) هذا الصحيح من المذهب. نقله الجماعة عن الإمام أحمد -رحمه الله-، وعليه أكثر الأصحاب] اهـ.
وأما وقت الأداء: فلا مانع شرعًا من تعجيل زكاة الفطر من أول دخول رمضان؛ لأنها تجب بسببين: بصوم رمضان، والفطر منه، فإذا وُجِد أحدهما جاز تقديمها على الآخر؛ كزكاة المال بعد ملك النصاب وقبل الحول، ولا يجوز تقديمُها على شهر رمضان؛ لأنه تقديم على السببين، فهو كإخراج زكاة المال قبل الحول والنصاب. انظر: "المهذب" للشيرازي (١/ ٣٠٣).
وهذا هو مذهب الحنفية والشافعية؛ قال الإمام الميرغيناني الحنفي في "الهداية" (١/ ١١٥، ط. دار إحياء التراث العربي): "والمستحب أن يُخْرِجَ الناس الفطرة يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلَّى)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يُخْرِجُ قبل أن يَخْرُجَ للمصلَّى، ولأنَّ الأمر بالإغناء كي لا يتشاغل الفقير بالمسألة عن الصلاة، وذلك بالتقديم، (فإن قدَّمُوها على يوم الفطر جاز)؛ لأنه أدَّى بعد تقرر السبب، فأشبه التعجيل في الزكاة، ولا تفصيل بين مدة ومدة هو الصحيح، وقيل: يجوز تعجيلها في النصف الأخير من رمضان، وقيل في العشر الأخير" اهـ.
وقال الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي في "شرح منهج الطلاب" (٢/ ٦٠، ط. مطبعة الحلبي): " صحّ تعجيلُها (لفطرة في رمضان) ولو في أوَّله؛ لأنها تجب بالفطرة من رمضان فهو سبب آخر لها، أمَّا قبله فلا يصحّ؛ لأنه تقديم على السببين" اهـ.
جمهور الفقهاء لا يوجبون زكاة الفطر عن الجنين، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهي رواية عن أحمد، قال ابن المنذر:" كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار لا يوجب على الرجل زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنها تجب عليه لأنه آدمي تصح الوصية له وبه ويرث فيدخل في عموم الأخبار"[ابن قدامة، الشرح الكبير على المقنع، ٢/٦٥٣ ]، وهو المفتى به في الديار المصرية، فإذا ولد الطفل قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان أخرجت عنه زكاة الفطر، أما إذا غربت شمس آخر يوم من رمضان وهو في بطن أمه فلا يجب إخراجها عنه، وذهب الحنفية إلى أنه إذا ولد الجنين قبل طلوع فجر يوم العيد وجب إخراج زكاة الفطر عنه.
قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (٦/ ١٣٩): "لَا تَجِبُ فطرة الجنين لا علي أَبِيهِ وَلَا فِي مَالِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَبَعْضُهُ بَعْدَ غُرُوبِهَا لَيْلَةَ الْفِطْرِ لَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْجَنِينِ مَا لَمْ يَكْمُلْ خُرُوجُهُ مُنْفَصِلًا، وَأَشَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ فَقَالَ: كُلُّ منْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ لَا يُوجِبُ فِطْرَةً عَنْ الْجَنِينِ" اهـ.
اختلف الفقهاء فيمن تصرف إليه زكاة الفطر فمنهم من قال ليس لها إلا مصرف واحد فقط وهم الفقراء، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمه للمساكين [أبو داود، (١٦٠٩)]،لأنها صدقة، فتدخل تحت قوله:{إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ} [التوبة: ٦٠] الآية، وتحت قوله عليه السلام لمعاذ: «أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» إلى غير ذلك، ويمنع منها من يمنع من صدقة الأموال كالذمي، والعبد، والزوجة، والولد ونحوهم، لأنها صدقة واجبة، فحكم عليها بما يحكم على بقية الصدقات، وهو مذهب مالك ورواية عند أحمد.
وذهب الشافعية إلى الجواز بأن تعطى الجماعة، ما يلزم الواحد، لإطلاق {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ} [التوبة: ٦٠] الآية، مع أن أبا محمد قال: لا أعلم فيه خلافًا والله أعلم. [الزركشي، شرح الزركشي على مختصر الخرقي، ٢/٥٤٦].
خلص المقال إلى أن المسجد شرط لصحة الاعتكاف للرجل والمرأة، مع جواز التواصل الضروري بالهاتف، ووجوب زكاة الفطر على كل مسلم بصاع من قوت البلد، كما أكد على جواز إخراج قيمتها نقدًا تيسيرًا على الفقراء، وهو ما استقرت عليه الفتوى في الديار المصرية.
من أسرار ليلة القدر ما يجعل قلب السالك يتقلب بين مقام الهيبة وعظمة القدس، وبين مقام الرجاء وسعة الفضل الإلهي
العشر الأواخر من رمضان ليست مجرد أيام عادية في آخر الشهر، بل هي أفضل أيام الدنيا.
الاعتكاف سنة مؤكدة بإجماع الأمة، يقصد بها المسلم الانقطاع للعبادة في المسجد.
الاستقامة بعد رحيل رمضان، تحمل دلالات القبول المتمثلة في المداومة على الطاعة.