وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله جلَّ جلاله في كتابه العزيز: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فما أعمق هذا الربط! وما أعظم هذا التوقيت! فالله لم ينزل القرآن في أي شهر، بل نزَّله في رمضان، شهر التزكية، والرقابة، والانكسار بين يدي الرب. كأنه سبحانه يقول: إن هذا الكتاب لا يُفهم بعقولٍ غافلة، ولا يُستنبط معناه بقلوبٍ قاسية، بل يُتلقَّى هديه في أوقات اختصها الله بالصفاء، وجعلها مواسمَ للإنابة والاهتداء.
والقرآن كما وصفه الحق ليس مجرد كلامٍ يُتلى، بل هو هدىً يُري صاحبه الطريق، ويُخرجه من ظلمات الجهل إلى نور اليقين. وهو بيناتٌ من الهدى، واضحُ الدليل، جليُّ البرهان، لا لبس فيه ولا غموض. وهو الفرقان: يفصل بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والرشد والغي. فبه يُصلح الفرد نفسه، وبه يُقوَّم المجتمع كله.
فإذا اهتدى الفرد بالقرآن، صار خُلقه قرآنًا، وعمله تفسيرًا عمليًّا لآياته. يأمر بالمعروف إذا رأى منكرًا، ويكظم الغيظ إذا غضب، ويُنفق مما يحب إذا اغتنى، ويصبر إذا ابتُلي. فلا يصوم جسده فقط، بل يصوم لسانه عن الكذب، وقلبه عن الحقد، وجوارحه عن المعاصي.
وإذا اهتدى المجتمع بالقرآن، صار عدلًا لا ظلم فيه، ورحمةً لا قسوة معها، وتعاونًا لا تنافس فيه إلا في الخير. يأمن فيه الضعيف، ويُنصَف فيه المظلوم، ويُحترم فيه الإنسان لكرامته، لا لماله أو جاهه. فلا يُؤخذ أحدٌ بجريرة غيره، ولا يُظلم عبدٌ ولو كان كافرًا، لأن القرآن يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ويقول: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
ولقد كان النبي ﷺ أحرص الناس على أن يكون القرآن دستور حياة، لا مجرد زينةٍ في المجالس. فكان إذا نزلت عليه آيةٌ فيها أمرٌ أو نهيٌ، بادر إليها قبل غيره، وطبَّقها في نفسه أولًا، ثم في أهل بيته، ثم في أمته. فكان القرآن منهجًا تربويًّا، ودستورًا تشريعيًّا، ومرشدًا سلوكيًّا، كل ذلك في آنٍ واحد.
واليوم، في زمنٍ كثُرت فيه المراجع، وتضاربت فيه المناهج، وتشتَّتت فيه الأمة، لا نجاة لنا إلا بالعودة إلى هذا المصدر الرباني الخالد، فليس الإصلاح بالتمني، ولا بالشعارات، بل بالاهتداء بما أنزل الله. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. فالتغيير يبدأ من القلب، والقلب لا يُفتح إلا بتلاوةٍ واعية، وتدبُّرٍ عميق، وعملٍ صادق.
وشهرُ رمضان، بما خُصَّ به من اقترانه بنزول القرآن الكريم، يُعدّ أعظمَ موسمٍ سنويٍّ لتجديد الهداية وتصحيح المسار. ففيه تنفتح القلوب، وترقّ النفوس، وتُقبل الأرواح على بارئها في صفاءٍ وخشوع. فمن أحسن اغتنامه بتلاوة القرآن وتدبّره والعمل به، خرج منه أكثر هدايةً واستقامةً، وقد صلح حاله وأصبح سببًا في هداية غيره. أمّا من مرّ عليه رمضان ولم ينل منه إلا الجوع والعطش، فقد فوّت على نفسه خيرًا عظيمًا وخسرانًا بيّنًا.
فليكن رمضان إذن محطةَ تزودٍ بالهداية، لا محطةَ عاداتٍ موسمية. وليكن القرآن رفيقَ دربنا، لا مجردَ تلاوةٍ عابرة. فإن فعلنا، صلح فردنا، واستقام مجتمعنا، وعادت للأمة عزَّتها من عند ربها، لا من عند غيره.
وخِتامًا، فإن قول الله: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ ليس وصفًا تاريخيًّا لنزول القرآن فحسب، بل هو وعدٌ دائمٌ لكل من اهتدى به. فمن اهتدى، هُدي. ومن اتبع النور الذي أنزل معه، نجا.
وصلى الله على سيدنا محمد، الذي كان خُلقه القرآن، وعلى آله وصحبه الذين جعلوا القرآن ربيع قلوبهم، وسلم تسليمًا كثيرًا.
نعيش ونحيا في هذه الليلة المباركة مع سورة القدر يقول تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ *سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر: ١-٥).
في السورة الكريمة توجيهات وإشارات، ففيها (نفحات الله في شهر رمضان، اغتنام الأوقات بحسن الطاعات، ليلة القدر ومكانتها العظيمة).
أما عن نفحات الله في شهر رمضان: فلقد امتن الله تعالى على عباده بالنفحات والبركات، والتي من أفضلها شهر رمضان المبارك، قال سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:١٨٥]، وجعل الله في هذا الشهر الكريم العشر الأواخر، فرصة لمن أحسن في أول الشهر أن يزداد، ولمن أساء أن يستدرك ما فات، وحينما نتأمل ما كان عليه سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) في العشر الأواخر، نجد أنه (صلى الله عليه وسلم) جد واجتهد وبالغ في اغتنام الشهر، وحث أهله على إصابة الخير معه، ففي الحديث: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشرُ شدَّ مئزرَه، وأحيَا ليله، وأيقظَ أهلَه" (متفق عليه).ومعنى شد المئزر: أي شمر واجتهد في العبادات، وقيل: كناية عن اعتزال النساء .
وقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى إيقاظ أهله للعبادة والطاعة، والتضرع لله سبحانه، والوقوف بين يدي الحق جل في علاه، لأن الإنسان مسئول عن أهله، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم:٦]، ففي الحديث: (أيقظ أهله) فيه إشارة إلى أنَّ الاجتهاد في الطاعات لا يقتصر على نفسه فقط، بل يشمل الدائرة الأوسع، وأقربها وأولاها الأهل، فالراعي مسئول عما استرعاه الله عز وجل، قال (صلى الله عليه وسلم): "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ : وَأَحْسِبُهُ قَالَ : وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ، أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" متفق عليه.
وأما عن ليلة القدر ومكانتها العظيمة: فقد جعلها الله تبارك وتعالى في العشر الأواخر، إكرامًا من الله لأمة محمد عليه الصلاة والسلام حتى تكثر حسناتها، وترتفع بها درجاتها، ولا تسبقها الأمم الأخرى، فليلة القدر التي هي خير من ألف شهر .. هي زهرة رمضان، وتاج رمضان، وكان رسول الله يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" (صحيح البخاري)، وقَالَ مُجَاهِدٌ: "كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى يُصْبِحَ ثُمَّ يُجَاهِدُ حَتَّى يُمْسِيَ فَعَلَ ذَلِكَ أَلْفَ شَهْرٍ، فَتَعَجَّبَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، أَيْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لِأُمَّتِكَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لِذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي حَمَلَ السِّلَاحَ أَلْفَ شَهْرٍ" (تفسير الرازي).
وسميت ليلة القدر لعظم قدرها عند الله، وقيل: القدر بمعنى الضيق، لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها، فروى الإمام أحمد عن أبي هريرة (رضي الله عنه) مرفوعاً: (إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى)، ووصفها الله تعالى بالمباركة، فقال سبحانه: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ). وهي ليلة القدر بدليل قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ). وقال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (١٨٥).
أما عن اغتنام الأوقات بحسن الطاعات، فكان من سُنةّ النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) التأهب والاستعداد في تلك العشر، وهذا فيه من الاجتهاد في العبادة، وبذل الوسع في تحري تلك الليلة الفاضلة – ليلة القدر – التي هي خيرٌ من ألف شهر، فينقطع تلك المدة عن كل الخلائق، مشتغلاً بطاعة الخالق، والمقصود الأسمى من الاجتهاد في العشر الأواخر أن يكون العبد مهيئاً لتنزلات الله سبحانه في ليلة القدر، فإنَّ ليلة القدر ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة؛ قال الله تعالى فيها: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، والمعنى: أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر .
ومن تمام حكمة الله سبحانه وتعالى أنَّه أخفى تعيين هذه الليلة عن الأمة؛ ليجتهدوا في التماسها، ويُكثروا من العبادة في الشهر كله رجاءَ إدراك فضلها. وكما أخفى الله ساعةَ الإجابة في يوم الجمعة ليلازم العباد الدعاء في اليوم بأكمله، وأخفى اسمَه الأعظم بين أسمائه الحسنى ليعظم الاجتهاد في دعائه بها جميعًا، وأخفى رضاه في الطاعات ليحرص المؤمن على أنواع الخير كلها، كذلك أخفى الأجل وقيام الساعة؛ ليبقى الناس على حذرٍ واستعداد، مجتهدين في العمل، مبادرين إلى الطاعة
فينبغي على المسلم الاقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فإنه هو الأسوة والقدوة، وألا يضيّع ساعات هذه الأيام والليالي، فإن المرء لا يدري لعله لا يدركها مرة أخرى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه).
إنَّ الرجاء هو من جوهر العبادة وروح الإنابة، وهو المقام الذي تتحطم عنده أمواج اليأس والقنوط، وتشرق في ظلاله أنوار الرجاء واليقين، فحسن الظن بالله طاقة إيجابية محركة تدفع الإنسان نحو إتقان العمل وتحسين السلوك، ذلكم أن اليقين بكرم الحق سبحانه هو الوقود الذي يغذي الهمم للمداومة على الطاعة ، ومع اقتراب خواتيم شهر رمضان المبارك، يتأكد هذا الربط الوثيق بين الظن الجميل وبين الختام الحسن ، فالعبد يودع شهره وهو يجمع بين هيبة التقصير وسعة الرجاء في القبول ، إن إحسان العمل في هذه الأيام الأخيرة هو الثمرة الطبيعية لمن ظن بربه خيراً، فأيقن أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن كرمه سبحانه يغمر القليل فيجعله كثيراً، ويجبر الكسير فيعيده صحيحاً.
تتجلى قيمة هذا المقام في خواتيم رمضان حين ينظر المسلم إلى ما قدمه بنظرة المفتقر إلى رحمة ربه، فيجتهد في اللحظات الأخيرة اجتهاد المحب الذي يرجو نيل الرضا ، فحسن الظن بالله يورث طمأنينة تجعل المسلم مقبلاً على الحياة، معطاءً في مجتمعه، وفيًا لعهوده، فاليقين برحمة الله يفتح آفاق الأمل ويمحو آثار القلق الوجودي ، هكذا يتحول ختام رمضان إلى معراج روحي، يخرج منه المسلم وقد تجدد إيمانه، وصفت سريرته، واستقامت جوارحه على منهج الإحسان، مستنداً إلى ثقته المطلقة بجمال التدبير الإلهي وسعة المغفرة التي وسعت كل شيء.
التأصيل الشرعي
أولاً: من الذكر الحكيم
قال تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [سورة البقرة: الآية ٤٦]
قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [سورة الزمر: من الآية ٥٣]
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة البقرة: الآية ٢١٨]
ثانياً: من السنة النبوية المطهرة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يقولُ اللَّهُ تَعالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي} (متفق عليه).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث {لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهو يُحْسِنُ الظَّنَّ باللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ} رواه مسلم في صحيحه
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف} رواه الترمذي في سننه
عناصر الموضوع
أولا ً: الرجاء سبيل الإجابة
ثانيًا: الجمع بين الرجاء واليقين.
ثالثًا: الرجاء في الله تعالى يورث الأمل، وجميل العمل
رابعًا: طريق الاستقامة وبقاء نور الوصل
المحتوى الدعوي
أولاً: الرجاء سبيل الإجابة
يقوم حسن الظن بالله تعالى على يقين العبد بأن ربه واسع المغفرة وعظيم الكرم، وهذا اليقين هو المحرك الأكبر لتحسين العمل في أواخر رمضان، فالرجاء الصادق يثمر سعياً حثيثاً، فمن ظن أن الله يقبل القليل بادر بتقديمه، ومن أيقن أن الله يحب العافين عفا وصفح، فهذه الحالة الروحية تحول العبادة من مجرد طقوس إلى تفاعلات وجدانية حية، تجعل الصائم في خواتيم شهره أكثر جوداً، وأشد حياءً، وأعظم إخلاصًا، فالمحب يرى في كرم المحبوب دافعاً لبذل أقصى الجهد في مرضاته.
ثانيًا: الجمع بين الرجاء واليقين.
تتجلى عبقرية التعبد في خواتيم رمضان حين يجمع المسلم بين انكسار القلب وشعوره بالتقصير، وبين حسن ظنه بقبول الله لعمله ، هذا التوازن الروحي هو الذي يحمي النفس من الغرور بالطاعة أو اليأس من المغفرة ، فإحسان العمل في العشر الأواخر هو الترجمة الحقيقية لفقه الجمع بين الافتقار واليقين ، حيث يشتد الاجتهاد في الصلاة والذكر والصدقة، مع بقاء الروح في مقام الافتقار التام لله ، لذلك فالإنسان الذي يحسن الظن بالله يودع رمضان بدموع الشوق لا بدموع اليأس، مدركاً أن رب رمضان هو رب سائر العام، وأن باب القبول يظل مشرعاً لمن صدق في إقباله.
ثالثًا: الرجاء في الله تعالى يورث الأمل، وجميل العمل
يمتد أثر حسن الظن بالله ليشمل علاقة الإنسان بالخلق، فمن أحسن ظنه بخالقه فاضت نفسه بالخير على عباده، ففي خواتيم رمضان، يظهر هذا الأثر في التعاون والتراحم والحرص على نفع الناس، فالمسلم يرجو أن يختم له بخير عبر جبر الخواطر وإغاثة الملهوف، فحسن ثقة العبد في رحمة الله تجعله إنساناً سمحًا، متواضعًا، يحمل همّ أمته ويسعى في عمران أرضه، لذك فحسن العمل هو الثمرة اليانعة لغرس حسن الظن، حيث يتحول المسلم إلى طاقة نورانية تمشي بين الناس بالبشر والتفاؤل، ناشرة للأمل في كل مكان، والله تعالى يقول: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: من الآية: ١]
رابعًا: طريق الاستقامة وبقاء نور الوصل
إنَّ الرجاء الصادق لا يقف عند حدود موسمٍ معين، بل يقوم على اليقين بأن فضل الله تعالى باقٍ متصل، لا ينقطع بانقضاء شهر رمضان. ومن هنا كان المؤمن مدفوعًا إلى الاستمرار في الطاعة، والمداومة على صالح العمل؛ إذ إن الخواتيم الصالحة تمثل بدايةً مباركةً لمسيرةٍ جديدة من الاستقامة والثبات. ومن أمارات قبول العمل أن يوفق العبد إلى عمل صالح بعده، فمن أحسن الظن بربه استبشر بمستقبلٍ تملؤه الهداية والتقوى. وإنَّ من أوفى صور الوفاء لرمضان أن يحمل المسلم آثاره وأنواره إلى سائر العام، فتظل روحه موصولة بربها، وقلبه عامرًا بالذكر، وجوارحه مسخرة في وجوه الخير، تحقيقًا لمعنى العبودية الكاملة لله رب العالمين
من مشكاة الحكم العطائية في رمضان.
العطاء من الخلق حرمانٌ والمنع من الله إحسانٌ
من مشكاة الحكم العطائية، وبذات المنهجية التي تقتفي أثر القلوب في سيرها إلى علام الغيوب، يتجلى أدب: "الرضا عن الله" في منعه وعطائه، إذ إنَّ أعظم ما يُمتحن به يقين السالك إلى الله (عز وجل) هو تجريد النظر عن الوسائط والتعلق بمسبب الأسباب جلَّ في علاه، ولذا يضع سيدي ابن عطاء الله السكندري يده على مكمن الداء الذي يربط العباد بالخلق عِوضاً عن الخالق، محذراً بقاعدته الإيمانية: (العَطَاءُ مِن الخَلقِ حِرْمَانٌ، والمنعُ مِن الله إحسانٌ)، فالحقيقة التي يغيب عنها الكثيرون هي أن عطاء الخلق في ظاهره مِنّة، وفي باطنه قيدٌ يشغل القلب بشكر المخلوق عن المنعم، فهو حرمان من صفاء التوحيد ولذة الافتقار لله وحده، بينما منعُ الله للعبد هو في جوهره محض الإحسان، لأنه سبحانه لا يمنع بخلًا وهو الجواد، وإنما يمنع لطفًا وحمايةً، ليصرف وجهة القلب من ضيق التعلق بالأغيار إلى سعة التعلق بالواحد القهار، فمن كمال العبودية أن يغيب العبد في تدبير سيده، مدركًا أنَّ المنع الذي يورث انكسارًا بين يدي الله (عز وجل) هو عين الرفعة والعطاء في موازين الحق.
وفي رحاب شهر رمضان المبارك، تتجلى هذه الحكمة البالغة في أسمى معانيها، إذ يمثل الصيام في جوهره مدرسة المنع الاختياري لنيل العطاء الرباني، فالمؤمن في رمضان يتدرب عملياً على أن حرمان النفس من شهواتها هو السبيل لتحرر الروح من قيودها، وهنا تتربى في الصائم الهمة العلية التي ترى في جوع النهار عطاءً يطهر البدن، وفي منع المباحات إحساناً يزكي النفس، فالصائم الذي يمنع نفسه طاعةً لمولاه يدرك أن المنع الإلهي ليس حرمانًا، بل هو إعداد لقلبه ليستقبل أنوار القرب، فكما يصبر الصائم على حرمان الطعام، يصبر كذلك على ما يُنزله الله به من أقدار المنع في حياته، يقيناً منه أنَّ الله الذي أمره بالصبر هو نفسه الذي ضمن له الأجر بغير حساب كما في قوله (صلى الله عليه وسلم): {إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ} [متفق عليه]
إن العارف في رمضان هو الذي يرى في المنع كمال التمكين لروحه؛ فإذا لم ينل من الدنيا ما تمنى، أو حُجبت عنه بعض حظوظه، فإنه لا يسيء الظن بجهده، بل يرى في ذلك المنع صيانة لقلبه من الركون إلى غير الله، لأن مراد الله من العبد هو إفراده بالقصد، لا مجرد تكثير سواد السائلين، وبذلك يخرج الصائم من رمضان وقد تحرر من رق الحاجة للخلق ليدخل في رحابة الإغناء بالله تعالى، موقناً أن منع الله (عز وجل) له هو محض العطاء، وأن عطاء الخلق دونه هو عين الحرمان، متمثلاً قول الحق سبحانه: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [سورة فاطر:٢] ، لذا لابد لكل من يعيش نفحات وبركات هذا الشهر الفضيل أن يستقبل المنع بالرضا كما يستقبل العطاء بالشكر، فكلاهما من الله إحسان.
ب- المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.
(فَإِنِّي قَرِيبٌ) القرب الإلهي
جملة (فَإِنِّي قَرِيبٌ) تحمل دلالات بيانية عظيمة، أبرزها توكيد القرب الإلهي باستخدام (إنَّ) المشددة، وضمير المتكلم (ي) المباشر دون وسائط، مع حذف حرف الجواب (قل) لإظهار القرب وسرعة الاستجابة، دلالةً على قرب الإجابة وحسن الرعاية للمؤمنين.
والتعبير بـ "فإني قريب" (جملة اسمية) يثبت القرب كحالة دائمة وثابتة لا تتغير.
وجاءت "قريب" بصيغة المبالغة لتدل على قرب الرحمة والعناية والإجابة، وليست مجرد قرب مكاني.
وفي هذه الآية تقدّم جواب الشرط على فعل الشرط ومعناه أن الله تعالى يجيب دعاء العبد حتى قبل أن يبدأ بالدعاء.
وفي الآية لفتة أخرى أنه في سياق القرآن كله عندما تأتي الآية فيها وإذا سألك أو يسألونك يأتي الردّ من الله تعالى لرسوله (قل) إلا في هذه الآية فقد جاء الردّ مباشرة من الله تعالى لعباده في خطاب مباشر ليس بين الله تعالى وعباده أي وسيط، فما على العبد إلا الدعاء والله تعالى يجيب دعاء عباده فسبحانه.
والخلاصة:
الجملة جاءت بعد سؤال العباد لتوحي باللطف، فبدلاً من إجابة السؤال، بيّن الله حاله معهم بأنه قريب، مما يغني عن تفاصيل المكان أو الكيفية.
السؤال: ما حكم أداء صلاة التسابيح في المساجد؟ سواء كانت في ليلة السابع والعشرين من رمضان أو ليلة ختام القرءان الكريم؟ وهل هي من قبيل البدع؟
الجواب: صلاة التسابيح صلاة مشروعة مستحبة وثوابها عظيم، والقول باستحبابها هو مذهب الشافعية والحنفية وقول عند الحنابلة.
وتخصيصها في المواسم المباركة كليلة السابع والعشرين من رمضان أو ليلة الثلاثين (آخر ليلة) هو فعل حسن ومستحب، لما في هذه الليالي من مظنة استجابة الدعاء ومضاعفة الأجر، ومن فعلها وواظب عليها فهو على خير وسُنَّةٍ، ومن تركها فلا حرج عليه، والقاعدة الشرعية تقرر أنه "لا إنكار في المسائل المختلف فيها"
أحاديث صلاة التسابيح مرويٌّة من طرق كثيرة وعن جماعة من الصحابة، وقد أخرج حديثَها أئمةُ الإسلام وحفاظُه، وأصح طرقها حديث عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، وقد صححه وحسنه جمع كبير من الحفاظ منهم: الدارقطني، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين "، وابن الصلاح، والنووي، أما من ضعف الحديث من العلماء، فقد أجاب الجمهور بأن كثرة الطرق يقوي بعضها بعضًا، وأن الهيئة المختلفة للصلاة لها نظائر في الشرع كصلاة الكسوف والجنازة، مما ينفي عنها وصف البدعة.
الأدلة على صلاة التسابيح من بعض كُتب المذاهب الأربعة:
عند السادة الأحناف:
قال العلامة ابن نجيم المصري في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" (٢/ ٣٢، ط دار الكتاب الإسلامي) [أَمَّا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ فَقَدْ أَوْرَدَهَا الثِّقَاتُ وَهِيَ صَلَاةٌ مُبَارَكَةٌ فِيهَا ثَوَابٌ عَظِيمٌ وَمَنَافِعُ كَثِيرَةٌ] انتهى.
عند السادة المالكية:
قال الإمام الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (٢/ ٥٤٠، ط مكتبة مصطفى البابي الحلبي) [وصفة صلاة التسابيح التي علمها النبي (صلى الله عليه وسلم) لعمه العباس وجعلها الصالحون من أوراد طريقهم وورد في فضلها أن من فعلها ولو مرة في عمره يدخل الجنة بغير حساب] انتهى.
عند السادة الشافعية:
قال الإمام الروياني في "بحر المذهب" (٢/ ٦٠٦ ط، دار الكتب العلمية) [علم أن الخبر ورد بصلاة التسابيح وهي صلاة مرغوب فيها، ويستحب أن يعتادها كل حين ولا يتغافل عنها وهكذا قال ابن المبارك وجماعة العلماء] انتهى.
كيفية أداء صلاة التسابيح
صلاة التسابيح تُصلى أربع ركعات (سواء بتسليمة واحدة أو بتسليمتين)، ويُقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة. وتتميز هذه الصلاة بتكرار تسبيح مخصوص وهو سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويتكرر هذا الذكر في كل ركعة ٧٥ مرة موزعة على النحو التالي:
الخلاصة في المسألة
ما يفعله البعض من وصف الصلاة بالبدعة هو مسلك غير صحيح شرعًا؛ لأن المسألة خلافية معتبرة، والعمل بالحديث الضعيف (على فرض ضعفه) جائز في فضائل الأعمال باتفاق العلماء، فكيف والحديث قد صححه وحسنه جمع من كبار الحفاظ؟ لذا فإن الاجتماع على الطاعة في ليلة السابع والعشرين أو آخر ليلة من رمضان لصلاة التسابيح هو فعل مشروع، والفرقة والاختلاف أشد خطرًا على الدين من فعل عبادة ثبتت من طرق شتى.
إن صلاة التسابيح سُنَّةٌ ثابتة عن السلف الصالح، والحرص عليها في ليالي العشر الأواخر من رمضان هو استباقٌ للخيرات وتعرضٌ لنفحات الله (عز وجل)، فينبغي للمسلم أن يقبل عليها بقلبٍ سليم، وروحٍ محبة، مستبشرًا بوعد الله بالمغفرة والرضوان، جاعلاً من صلاته هذه ختامًا مسكًا لشهره وذخيرةً لآخرته
دعاء وختام
اللهم اختم لنا رمضان بالخير والبركة والمدد وحسن القبول وتحقيق المأمول، والتوفيق لطاعتك الدائمة، وعدم الكسل في مرضاتك، والنشاط في استجلاب رحماتك، وصل اللهم وسلم وبارك وأنعم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تُعد زكاة الفطر شعيرةً تجمع بين عبادة البدن وشكر النعمة.
العيدان في الإسلام – الفطر والأضحى – شعيرتان عظيمتان، بهما يَختم المسلم مواسم عبادةٍ كبرى.
الحمد لله الذي جعل لنا في دهرنا نفحات، وشرَّف أمتنا بليلة القدر.
الاستقامة بعد رحيل رمضان، تحمل دلالات القبول المتمثلة في المداومة على الطاعة.
الأذكار بين الترويحات ليست سنة لازمة ولا بدعة مذمومة، وإنما هي ذكر مشروع يدخل تحت عموم النصوص.