Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

معجزة الإسراء والمعراج رســـــائل وقيـــــم

الكاتب

هيئة التحرير

معجزة الإسراء والمعراج رســـــائل وقيـــــم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله تبارك وتعالى على الجناب المكرم، ونبينا المعظم سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد.

فانطلاقًا من الدور الدعوي لوزارة الأوقاف، وتحقيقًا لاستراتيجيتها في بناء الإنسان، ونشر القيم عبر رسائل الهدايات، المستنبطة من أحوال سيد السادات -صلى الله عليه وسلم-، بهدف التنور بأنواره، والاكتساء بأسراره، بطريق الاقتداء والتأسي وذكر الدروس والعبر من المواقف والأحداث.

وفي شهر رجب يظلنا حدث عظيم، ومناسبة نحيا بها، وتحيى فينا روح التطلع لرضا الله، ألا وهي معجزة الإسراء والمعراج، ففي ليلتها فرضت الصلاة طريق القرب وسبب الحب وإحياء القلب، والدعاة والأئمة عليهم واجبات الوقت، والتعرض للمناسبة، بالاحتفاء والتذكير بالدروس، واستخراج القيم والرسائل، وتقديمها للمدعويين سائغة، سهلة صافية.

وفي هذه الرسالة ما يعين الأئمة على تمام الفائدة، وإصابة الهدف، ونشر الهداية، والتأكيد على القيمة، وإرسال الرسائل للعقلاء من خلال ما يستخرج من رسائل وقيم تحويها رحلة الإسراء والمعراج.

والله أسأل أن يمنحنا هداية وتوفيقا، وتأسيًا بالجناب المكرم -صلى الله عليه وسلم- وتصديقًا،  ومحبة وجمالًا وإيمانًا ويقينًا وتحقيقًا.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

تفاصيل المحتوى

قيم الإخلاص وقوة الإيمان من ملمح قول أبي بكر رضي الله عنه " إن كان قد قال فقد صدق"

العناصر:

١- الإخلاص والإيمان بالله من أسرار الرضا الإلهي.

٢- الإخلاص شرط قبول العبادة. 

* * *

١- الإخلاص والإيمان بالله من أسرار الرضا:

الإخلاص وقوة الإيمان بالله جل جلاله سر عظيم من أسرار الرضا والقبول، وهو أساس كل عملٍ، وغايةُ كل مُرِيد، فعملٌ بلا إخلاص لا أجرَ له، وصلاةٌ بلا إخلاص لا ثواب لها، وصدقةٌ بلا إخلاص لا قيمة لها.

قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله: "الْإِخْلَاصُ أَنْ يَفْعَلَ الْمُكَلَّفُ الطَّاعَةَ خَالِصًا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمًا مِنْ النَّاسِ وَلَا تَوْقِيرًا، وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ دِينِيٍّ، وَلَا دَفْعَ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ" [قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١ ‏/ ١٤٦)]

٢- الإخلاص شرط قبول العبادة:

قد أمر الله عباده بالإخلاص في العبادة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (سورة البينة: ٥)، بل أمر النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذاتَه بإخلاص العبادة لله، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (الزمر: ٢).

وما وصل أصحابُ النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ما وصَلوا إليه إلا بإخلاصهم وصدقهم.

 وهذا هو حال سيدنا أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- روَى الإمام أحمد عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "لمّـا كان ليلة أُسرِيَ به وأصبحت بمكة، فظعت بأمري، وعرفت أن الناسَ مُكَذِّبِيّ". [رواه الإمام أحمد في مسنده].

وجاء عن السيدة عائشة –رضي الله عنها- قالت: "لمَّــا أُسرِيَ بالنبي –صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتدّ ناسٌ ممن كانوا آمنوا به وصدَّقوه، وسَعَوْا بذلك إلى أبي بكر –رضي الله عنه- فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أُسرِيَ به الليلة إلى بيت المقدس، قال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أوَ تُصدِّقُهُ أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يُصبِح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أُصَدِّقُهُ بخبر السماء في غدوةٍ أو روحة" فالله أكبر، تصديقٌ مُطلَ، لا تقيده عقولٌ ولا تَحدُّه حدود، لذلك سُمّي أبو بكر –رضي الله عنه- بالصدِّيق،  يقول بكر المــُزَني رحمه الله: "مَا فَاقَ أَبُو بَكْرٍ س أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ  بِصَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَكِنْ بِشَيْءٍ كَانَ فِي قَلْبِهِ". [جامع العلوم والحكم]

وصدق القائل حيث قال:

قالوا: هو الصدِّيقُ قلتُ: كفاه ** ما يحفظُ التاريخُ مِن ذكراهْ

يكفيه تصديقُ النبيّ وأنه ** في كلّ موقف هِمّةٍ زكّــــاهْ

في قصة الإسراءِ والمِعراج مِن ** تصديقِهِ ما لا يُنالُ مَـدَاهْ

شَرَفٌ تتوق له الكواكبُ رِفعةً ** لمــّا ترى في الداجياتِ سَنَاهْ

٣- دروس الإخلاص والإيمان في رحلة الإسراء والمعراج:

إنه الإيمان القوي الراسخ في أعماق القلوب واليقين التام بالله جل جلاله واليقين بصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  في كل ما جاء به وأخبر ، دون أن يتردد  أو يهتز إيمانه وثقته بالنبي صلى الله عليه وسلم، إنه الصدق والإخلاص .

وهو درس عظيم في  الإخلاص لكل مسلم قوي الإيمان، فقد حيث كان سيدنا أبو بكر حائط الصد الأول ضد المتشككين، مؤكدًا صدق النبي صلى الله عليه وسلم بلا تردد، وهذا يجسد درس الثبات على المبدأ، ويؤكد أن الإخلاص ليس بكثرة الصلاة أو الصيام، بل بما وقر في القلب، وأن القلب المطهر هو أساس اليقين، كما يتضح في موقفه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حين أعلن: "أَلَا ‌مَنْ ‌كَانَ ‌يَعْبُدُ ‌مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم ‌فَإِنَّ ‌مُحَمَّدًا ‌قَدْ ‌مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ" [أخرجه البخاري في صحيحه] .

* * *

رسالة إلى العقلاء، العقل وقانون الإدراك في رحلة الإسراء والمعراج، ولماذا كان البدء بقوله تعالى {سُبْحَانَ}

تقديم: تعد فواتح السور القرآنية مفاتيح مركزية لفهم المقاصد الكبرى للوحي الشريف، ومن شواهد ذلك قول الله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ﴾ [الإسراء: ١] في مطلع سورة الإسراء لتضع العقل البشري أمام قانون الإدراك الأسمى، إنها إعلان إلهي صريح عن القدرة الإلهية التي تتضاءل أمامها القوانين الفيزيائية المعتادة، فلفظة ﴿سُبۡحَٰنَ﴾، هنا هي كلمة الفصل التي تهيئ النفس البشرية لاستيعاب حدث يقع في منطقة المقدور الإلهي التي تتجاوز حدود الممكن العقلي الضيق، وهي نداء يستنهض الوعي ليدرك أن الفاعل الحقيقي هو الله، والفاعل إذا كان هو الحق، سقطت الأينُ والمتى والكيف، وانفتحت مغاليق الفهم عن عظمة الذات الإلهية في تصريف الأكوان، فالبدء بـ﴿سُبۡحَٰنَ﴾ هو دعوة لتحرير العقل من قيود الحواس، والتحليق في فضاءات الإيمان بالقدرة التي لا يعجزها شيء. إنها الكلمة التي تمنحنا قانوناً ثابتاً: أن من كان مع الله، كان الله معه بكل كمالاته، فتصغر في عينه العظائم، وتنكشف له الحقائق التي حُجبت عن أهل الرسوم والقوانين المادية.

العناصر:

١- إعادة صياغة موازين المادة والزمن.

٢- كمال العبودية، مدخل للسيادة الكونية.

٣- الانتقال من طور المعرفة إلى طور الشهود.

٤- الربط التاريخي وختم النبوة.

* * *

١- إعادة صياغة موازين المادة:

يؤسس هذا الا سم المصدري ﴿سُبۡحَٰنَ﴾ لمنطق جديد في التعامل مع حقائق الكون، فهي تخرج القارئ من أسر العادة ورتابة القوانين الأرضية، فالعقل يحكم بمحدودية المسافة وسرعة الانتقال وفق معطيات الحس، وتأتي ﴿سُبۡحَٰنَ﴾ لتثبت أن موازين المادة تابعة للمشيئة الإلهية، وهي التي تمنح العقل مرونة في إدراك أن الزمن والمكان مخلوقان يطويهما الخالق كيفما يشاء؛ لذا، فالتسبيح في بداية السورة هو إشارة إلى أن الفعل القادم هو فعلٌ خارق للعادة، ومن ثمَّ فإن العقل الذي يتوقف عند حدود المنطق المادي وحده سيعجز عن الإحاطة بجماليات الرحلة، بينما العقل الذي ينطلق من تنزيه الله، حيث يرى في طي المسافات أمراً طبيعياً بالنظر إلى قدرة مسبب الأسباب ، قال سبحانه وتعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلࣰا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا﴾ [الإسراء: ١].

٢- كمال العبودية مدخل السيادة الكونية:

اختار الوحي وصف {بِعَبْدِهِ} لبيان أن الارتقاء إلى السماوات العلى والسيادة على الأكوان ثمرة التحقق بمقام العبودية الخالصة. العقل يدرك العبودية بوصفها قمة الافتقار والانكسار، وقانون الإدراك الرباني يوضح أنها قمة الغنى بالله والتحرر من كل ما سواه، لقد نال النبي ﷺ هذا الشرف العظيم في تلك الليلة لأنه بلغ الغاية في التذلل لله، فاستحق أن يكون سيدًا للكون في رحلة لم تتهيأ لأحد قبله، فالعبودية هنا هي الوقود الذي منح الروح النبوية طاقة التجاوز، فمن تمكنت عبوديته في الأرض، فُتحت له أبواب السماء، وأصبح يسير بقوة ربه التي لا تُحد، فيكون عبداً ربانياً يطوي له الله الزمان طياً، ويفتح له من أسرار ملكوته ما يشاء، قال الجناب المعظم ﷺ:  «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَه» رواه البخاري في صحيحه

٣- الانتقال من طور المعرفة إلى طور الشهود:

جاءت رحلة الإسراء والمعراج لتنقل الإدراك النبوي من طور الخبر والمعرفة إلى طور المعاينة والشهود، وهو ما عبر عنه القرآن بقوله تعالى: ﴿لِنُرِیَهُۥ مِنۡ ءَایَٰتِنَاۤۚ﴾ [الإسراء: ١]، فالعقل يطمئن بالبرهان، والروح تسكن بالمشاهدة، وقد منح الله نبيه ﷺ في تلك الليلة قدرة إدراكية خارقة استوعبت معالم الملكوت في لحظات يسيرة، إن المشاهدة في عالم الملكوت تمنح صاحبها يقيناً يتجاوز الاستدلال المنطقي، حيث رأى الحبيب ﷺ الجنة ونارها، وسدرة المنتهى، وجبريل على صورته، فكان قلبه وعقله في حالة من الاتصال المطلق بعالم الغيب، هذا الانتقال المعرفي هو الذي جعل النبي ﷺ يتحدث عن الحقائق الغيبية بيقين من يراها رأي العين، مما جعل دعوته ترتكز على أساسٍ متين من المشاهدة والشهود لا يقبل الشك أو التأويل، قال تعالى: ﴿لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَایَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰۤ﴾ [النجم: ١٨].

٤- الربط التاريخي وختم النبوة:

جاءت لفظة ﴿سُبۡحَٰنَ﴾ لتجمع بين جغرافيا الوحي الممتدة من مكة إلى بيت المقدس، وبين تاريخ النبوات الطويل الذي تجسد في صلاة النبي ﷺ بالأنبياء جميعاً، فالإدراك هنا يتجاوز اللحظة الراهنة ليرى وحدة الرسالات واتصال الأنوار الإلهية عبر العصور، لذلك فالعقل المسلم يدرك من خلال هذا الربط أن الإسلام هو الوارث الشرعي لكل تجليات الحق في الأرض، وأن الأنبياء جميعاً يشكلون بناء واحدًا يكتمل بالجناب المعظم ﷺ، فإمامته في المسجد الأقصى هي إعلان عن انتقال المركزية الروحية إلى الأمة الخاتمة، وهي دعوة للعقل ليفهم أن هذا الكون محكوم بنظام إلهي واحد يسري في الأمكنة والأزمنة، فيربط بين المسجدين برباط القداسة، ويربط بين الأنبياء برباط الإمامة المحمدية، قال ﷺ في وصف اجتماعه بالأنبياء «فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ» [رواه مسلم في صحيحه].

من القيم الحضارية التخطيط والأخذ بالأسباب في رحلة الإسراء والمعراج

١- التهيئة الجسدية والروحية (حادثة شق الصدر):

بدأت الرحلة بمرحلة "الإعداد الهيكلي"، فحادثة شق الصدر عند بئر زمزم، وغسل القلب بماء الإيمان والحكمة، كانت عملية تأهيل ليتحمل الجسد البشري الطاقة الروحية، وأنوار المشاهدة وكثافة الوحي السماوي، فتلك التهيئة رسالة لكل مخطط، أن النجاح الخارجي يبدأ من الإصلاح الداخلي، وأن عظم الغايات يتطلب جودة في الوسائل الذاتية المحركة للعمل، فعن مالك بن صعصة مرفوعًا: «أتَانِي آتٍ فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ -فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصَّتِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ- فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ» رواه مسلم.

٢- وسيلة البراق والرحلة الأرضية:

تجلت عبقرية الأخذ بالأسباب في توفير الوسيلة المناسبة، فكان البراق هو الأداة الأرضية التي تربط بين المسجدين، مما يرسخ مفهوم الترتيب المنطقي فالإسراء كان تمهيدًا للمعراج، والانتقال من المعلوم (الأرض) كان توطئة للمجهول (السماء)، هنا نتعلم أن الوصول إلى القمة يتطلب وسيلة مدروسة تحترم طبيعة كل مرحلة، قال الله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلࣰا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِی بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِیَهُۥ مِنۡ ءَایَٰتِنَاۤۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾ [الإسراء: ١].

٣- الترقي المرحلي وبناء العلاقات:

لم يكن العروج إلى السماوات العلى قفزة واحدة، بل كان ترقيًا مرحليًا، عبر طبقات السماوات السبع، مع استئذان وتعارف في كل مرحلة، فهذا الترتيب يرسخ مفهوم "المحطات الانتقالية"، فكل سماء هي مرحلة إنجاز، وكل لقاء مع نبي هو اكتساب لخبرة، فنحن أمام شبكة علاقات كونية تؤصل لفكرة أن النجاح يُبنى على تراكم تجارب السابقين ومباركة أهل الاختصاص ، ففي حديث المعراج الطويل، قال الجناب المعظم ﷺ: «ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ...» رواه البخاري.

 ٤- سدرة المنتهى والمخرجات التشريعية:

حين وصل النبي ﷺ إلى سدرة المنتهى، لم تكن المخرجات مجرد "مشاهدة"، ولكنها كانت هداية تشريعية، ليتحول التخطيط إلى منهج عمل، حيث صارت الصلاة هي المخرج التطبيقي الذي يربط الأمة بالخالق، لذلك فالنهاية المثلى لأي رحلة تخطيطية ناجحة يجب أن تثمر عن قيمة مضافة ينتفع بها المجموع، لذلك كان العروج سببًا في صلة الأمة الدائمة بربها، قال الله تعالى: ﴿عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰۤ * إِذۡ یَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا یَغۡشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَایَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰۤ﴾ [النجم: ١٤-١٨].

* * *

رسالة إلى الشباب دور الشباب في بناء الأمة من خلال تأسيس الأجيال وتنشئتهم الجديدة (من ملمح تسامحه مع أهل الطائف)

- عناصر الموضوع:

 ١- دور الشباب في الإصلاح والبناء.

 ٢- الشباب والقيادة في الإسلام.

 ٣- الشباب في بناء المجتمع الإسلامي.

ثانيًا: الأدلة من الكتاب والسنة.

- الأدلة من القرآن الكريم.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدࣰى﴾ [الكهف: ١٣].

ويقول سبحانه: ﴿قَالُوا۟ سَمِعۡنَا فَتࣰى یَذۡكُرُهُمۡ یُقَالُ لَهُۥۤ إِبۡرَٰهِیمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠].

ويقول جل وعلا: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡیَ قَالَ یَٰبُنَیَّ إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ یَٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِینَ﴾ [الصافات: ١٠٢].

- الأدلة من السنة النبوية المطهرة.

يقول الرسول-صلى الله عليه وسلم-: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ..» [صحيح البخاري].

«يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» [سنن الترمذي بإسناد صحيح]

«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» [صحيح البخاري]

«بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [صحيح البخاري]

الموضوع

من خلال درس الإسراء والمعراج، يتضح الدور الكبير الذي يلعبه الشباب في بناء الأمة، من خلال تأسيس الأجيال وتنشئتهم وفقًا للمبادئ الإسلامية، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدࣰى﴾ [الكهف: ١٣].

كما أن النبي صل ى الله عليه وسلم قدوة عظيمة في هذا المجال، حيث تفاعل مع الأحداث وأخذ على عاتقه بناء الأفراد من جيل إلى جيل، وهذا يتجسد بوضوح في مواقفه العظيمة مثل تسامحه مع أهل الطائف.

فعندما تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للضرب والطرد من أهل الطائف، كان من الممكن أن يثأر لنفسه أو يدعو عليهم، لكنه اختار التسامح والعفو، وقال في هذا الموقف التاريخي العظيم: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» [صحيح البخاري]

وهذه العبارات تحمل معاني عميقة تدل على أن الهدف ليس فقط هداية الأفراد الذين أمامه، بل التأثير على الأجيال القادمة أيضًا، من خلال النية الطيبة لفتح أبواب الهداية لكل من يتبعون الطريق الصحيح، حتى لو كان ذلك من خلال ذرية هؤلاء الأفراد.

وفي الإسلام، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لنا في كيفية التعامل مع الشباب، وتوجيههم، واستثمار طاقتهم في بناء مجتمع إسلامي قوي ومتماسك، ففي حادثة الإسراء والمعراج، نلمس تلميحات عن دور النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الأجيال، عندما كان يهدف ليس فقط لبناء الأفراد الذين يحيون في عصره، بل كان يهدف إلى إنشاء أجيال قادمة تُكمل المسيرة وتعبد الله وحده، حيث يقول الجناب المعظم -صلى الله عليه وسلم-: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [صحيح البخاري].

من خلال تسامحه مع أهل الطائف، يبرز لنا النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا في التفاعل مع الأعداء وتحويل الظلم إلى فرصة لتوجيه الأجيال القادمة نحو الإيمان بالله، وهذه الرؤية ليست محصورة في الجيل المعاصر له، بل تشمل أيضًا النسل الذي سيخرج من أصلاب هؤلاء الناس، وهذا يوضح لنا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطط لبناء الأمة من خلال تأسيس أجيال جديدة تلتزم بالقيم والمبادئ الإسلامية.

إذن، من خلال هذه الرؤية النبوية، يظهر بوضوح أن الشباب هم الركيزة الأساسية في بناء الأمة، وأن دورهم لا يقتصر على الحاضر، بل يمتد إلى المستقبل، حيث يُشترط أن يكونوا مُعدّين إعدادًا دينيًا وثقافيًا وأخلاقيًا ليقوموا برسالة الإسلام، ويكونوا قادرين على التغلب على التحديات التي تواجه الأمة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بتربية الشباب على مبادئ الإسلام وأخلاقه ومما قاله لابن عباس رضي الله عنه: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» [سنن الترمذي بإسناد صحيح]

ومن أروعِ النماذجِ التي خلدها القرآنُ الكريمُ لشبابٍ عرفوا طريقَ الحقِّ فتمسكوا به هم فتيةُ أهلِ الكهف، أولئك الذين امتلكوا شجاعةً وقرارًا حازمًا باعتزالِ الشرِّ والفسادِ في مجتمعهم فآواهم اللهُ وحفظهم ليكونوا لمن بعدهم منارًا وقُدْوَةً، وقد سجل اللهُ موقفهم بمدادِ النورِ فقال سبحانه: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [سورة الكهف الآية:١٣]. وعدّ الرسول-صلى الله عليه وسلم-من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ..» [صحيح البخاري]

في الختام، يظهر أن دور الشباب في بناء الأمة هو أساس تطورها واستمرارها، من خلال تعليمهم وتوجيههم إلى القيم الإسلامية، يتحقق إصلاح الأجيال وتنشئتهم على الأخلاق الحميدة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة عظيمة في هذا السياق، حيث كان يهدف إلى بناء أجيال قادرة على تحمل المسؤولية، مثلما تجسد في مواقفه مع أهل الطائف، إذا تم تربية الشباب بشكل صحيح، فإنهم سيكونون قوة فعّالة في بناء أمة قوية ومتماسكة، قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التقدم والازدهار.

* * *

قيم سلامة الصدور وصفاء القلوب من الأحقاد وتحقيق الأمن الاجتماعي من ملمح اللبن واختياره (ﷺ)

العناصر:

١ـ أهمية سلامة الصدر في الإسلام

٢ـ دور سلامة الصدر في تحقيق الأمن الاجتماعي.

٣ـ نماذج من تحقيق سلامة الصدر.

٤- علاج القلوب.

* * *

١ـ أهمية سلامة الصدر في الإسلام:

سلامة الصدر تكسو صاحبها لباس الخيرية، والأفضلية؛ فقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وجعله مُقدَّمًا بين الناس فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ»، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ، نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ»(سنن ابن ماجة).

ولهذا فإن نقاء القلب يجعل الإنسان صاحب فضائل كثيرة، فلا يبطلها بعلل القلوب التي حذَّر منها الجناب الأكرم صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث المعراج ينجلي لنا سر سلامة الصدر في شرب النبي صلى الله عليه وسلم اللبن الدال على الفطرة والصفاء والنقاء وجمال الباطن، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حِينَ أُسْرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ - مُضْطَرِبٌ، رَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ»، قَالَ: «وَلَقِيتُ عِيسَى - فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا رَبْعَةٌ أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ» - يَعْنِي حَمَّامًا - قَالَ: «وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ»، قَالَ: " فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ، وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُهُ، فَقَالَ: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ - أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ - أَمَّا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ» (متفق عليه).

٢ـ دور سلامة الصدر في تحقيق الأمن الاجتماعي:

المجتمع الآمن المطمئن هو الذي امتن الله على أفراده بما امتنَّ الله تعالى به على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من سلامة وسعة صدره؛ وكذا الصحب الكرام،فقد أثنى الله تعالى على مجتمع الصحابة فجعلهم خير القرون الأولى لسلامة صدورهم؛ فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: ٩].

وورد في سلامة وأمان المجتمع المتحصل من سلامة الصدور، حديث مَوْلًى لِلزُّبَيْرِ، حَدَّثَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (سنن الترمذي).

ووقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه البيان النبوي لخطورة شرور الصدور، فقال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَيُصِيبُ أُمَّتِي دَاءُ الْأُمَمِ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا دَاءُ الْأُمَمِ؟ قَالَ: «الْأَشَرُ وَالْبَطَرُ وَالتَّكَاثُرُ وَالتَّنَاجُشُ فِي الدُّنْيَا وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ حَتَّى يَكُونَ الْبَغْيُ ثم الهَرْجُ» (المستدرك على الصحيحين كتاب البر والصلة حديث عبد الله بن عمرو رقم الحديث ٧٣١١).

وقال الله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: ١٢٥]، وقال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: ٢٢].   

فاحذروا.. فإن الله إذا أراد أن يعاقب قومًا من الأقوام، عاقبهم بقسوة القلوب، وتأمل إلى عقوبة أهل الكتاب من بني إسرائيل؛ كما قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: ١٣، ١٤].

‏٣ـ نماذج من تحقيق سلامة الصدر:

أول النماذج التي نتأسى بها أسوتنا الأكرم صلى الله عليه وسلم، فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا أشد الحرص على سلامة صدره؛ فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغني أحدٌ عن أحدٍ من أصحابي شيئًا؛ فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر»؛ (رواه الترمذي).  ‏

‏وعن شداد بن أوس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم» (سنن النسائي).

وقد جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «واسْلُلْ سَخِيمةَ قلبي» (سنن ابن ماجة)؛ أي: أخْرِجْ من قلبي الحقد والغل، والحسد والغش. 

وكان من دعاء أهل الإيمان: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: ١٠]. 

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْطُفُ لِحْيَتُهُ مَاءً مِنْ وَضُوئِهِ مُعَلِّقٌ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ مَرْتَبَتِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ مَرْتَبَتِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّبَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَحِلَّ يَمِينِي فَعَلْتَ، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ، وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فَيُسْبِغَ الْوُضُوءَ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَا أَسْمَعُهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ كِدْتُ أَحْتَقِرُ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ وَالِدِي غَضَبُ وَلَا هِجْرَةٍ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثِ مَجَالِسَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعْتَ أَنْتَ تِلْكَ الثَّلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَرَدْتُ آوِي إِلَيْكَ فَأُنْظِرُ عَمَلَكَ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَبِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي غِلًّا لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَحْسِدُهُ عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ(السنن الكبرى للنسائي).

٤- علاج القلوب:

يأتي من اجتناب أسباب التشاحن والتباغض. والتي من أخطرها: انفتاح الدنيا والتنافس عليها؛ فعن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه، في قصة قدوم أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه بمال البحرين، وسمعت الأنصار بقدومه، فوافت صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم، قال: «والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسَطَ عليكم الدنيا، كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» (صحيح البخاري).

وقال الله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: ١١٤]، وفي سنن أبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألَا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة» ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».

ومن العلاج النافع: الصيام سبب لإزالة ما في القلوب من الفساد، فتُقْبِل النفوس على الصفح والعفو والمسامحة؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صوم شهر الصبر – أي: رمضان- وثلاثة أيام من كل شهر صومُ الدهر، ويُذْهِب مَغَلَة الصدر، قال: قلت: وما مغلة الصدر؟ قال: رجز الشيطان»، وفي رواية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا أخبركم بما يذهب وَحَرَ الصدر؟ قالوا: بلى، قال: صيام ثلاثة أيام من كل شهر»؛ (سنن النسائي).

ومن أعظم أسباب سلامة الصدر وانشراحه: الإقبال على كتاب الله تعالى تلاوةً وحفظًا، وتعلمًا وتدبرًا، فكلما أقبل العبد على كتاب ربه سلِم صدره، وصلح قلبه؛ كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: ٥٧].

وختامًا:

فسلامة الصدور ثمرة الإيمان والتقوى ومفتاح الأمن الاجتماعي والسعادة الدنيوية والأخروية، وهي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وتتحقق بتطهير القلب من كل ما يعكر صفاءه من الأحقاد والضغائن.

* * *

رسالة في فقه الحوار فقه الحوار وقبول الآخر وأمانة الكلمة وخطورتها من ملمح لقاء النبي ﷺ مع عداس

العناصر:

١- أهمية فقه الحوار.

٢- فقه الحوار في مشهد الطائف.

٣- الدروس المستفادة من مشهد عداس.

* * *

١- أهمية فقه الحوار:

فقه الحوار أو المحاورة هو من أهم وسائل جمع الناس والتفاهم والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، وكما يقول أهل الفضل: قدموا الحوار على القرار والكلمة أمانة من جملة الأمانات.

ومن ذلك نلمح أدب المحاورة وجمال الحوار في قصة (عداس) وهو فتى نصراني وهو غلام عتبة وشيبة الذي التقاه النبي ﷺ حين عودته من دعوة أهل الطائف للإسلام، وحوار الرسولﷺ مع عداس من أرقى الحوارات التي يستشف منها فقه الدعوة،

٢- فقه الحوار في مشهد الطائف:

جلس النبي ﷺ يرتاح إلى جوار بستان (عتبة وشيبة ابني ربيعة ) جاء عداس بعنقود من العنب للنبي ﷺ وسأله النبي ﷺ من أي البلاد أنت وما دينك فقال أنا نصراني من نينوى (بلد في العراق ) فقال له النبي ﷺ من بلد الرجل الصالح يونس بن متى  فتعجب عداس وسأله وما يدريك ما يونس بن متى.

فالرسول ﷺ رد على سؤال عداس بسؤال، ويخبره بأمر يونس عليه السلام، مما يجعل عداس يلتفت بقوة لحديث الرسول لكون يونس معروف عند قلة من الخواص من أهل نينوي، فيأتي السؤال من عداس عن معرفة الرسول بيونس بن متى، فتكون الإجابة مثيرة: هو أخى!، وهنا يتعجب عداس عن أواصر الأخوة تلك، فيقول هو نبي وأنا نبي! فينكب عداس على قدم الرسولﷺ ويده مقبلا، ولسانه ناطقا بالشهادة، كما يظهر ملمح أخر هو اغتنام كل لحظة لهداية الناس مهما كانت الظروف، فها هو الرسولﷺ يضع ظهره مستريحا من سوء سلوك أهل الطائف الذي وصل إلى الإيذاء الشديد للجناب النبوي، يغتنم فرصة حديثه مع عداس لهدايته للاسلام، ومع أن أي شخص في نفس موقفه ما كان يقوى على الحديث ولو بشطر كلمة.

 ذكر أهل السير أن عداس كان من أهل الكتاب وعنده علم التوحيد الخالص كما المسيح عليه السلام وكما كان يفعل وَرَقة بن نوفل، وقُسُّ بن ساعدة الإيادي، وإخوانُهما من الحنفاء (على ملة نبي الله إبراهيم عليه السلام).

وقال بعض أهل السير أن السيدة خديجة رضي الله عنها استشارت عداس في أمر المَلَك الذي رآه النبي ﷺ في الغار كما استشارت ابن عمها ورقة بن نوفل فقال لها عداس أن جبريل هو رسول الله وأمينه إلى الرسل.

وسأله عتبة وشيبة لماذا يقبل رأس ويد وقدم النبي ﷺ فقال لهما: ما في الأرض خير من هذا الرجل وقد أخبرني بأمور لا يعلمها إلا نبي مرسل.

والأقرب أن عداس لم يهاجر مع النبي ﷺ إلى المدينة وأن الرق منعه من الهجرة وأنه مات في مكة، ومن جمال قصة عداس رضي الله عنه أنه أسلم بعد خروج النبي ﷺ من رحلة الطائف دون نتيجة إيجابية له فكان في إسلام عداس ترطيب لقلبه ﷺ.

٣- الدروس المستفادة من مشهد عداس:

من جمال قصته أيضا ان يسوقه الله من نينوى إلى مكة مسافة أكثر من ٢٣٠٠ كم في العبودية حتى يرى النبي ﷺ ويسلم بين يديه وقد كان من ظاهر حاله أنه كان ينتظر ظهور النبي ﷺ لـــ يتبعه على الإسلام الخالص.

وسبحان الله تعالى الملك القدوس ، يذكر عداس باسمه المجرد دون نسب وهو من الصالحين ، ويذكر اسم عتبة وشيبة إلى الجد العاشر وهما من المشركين، فلا النسب نفعهما مع الشرك ولا الجهل بنسب عداس ضره مع الإيمان بالله ورسوله ﷺ.

وتبقى في قصة عداس رضي الله عنه فوائدُ عظيمة؛ منها: أن بعض الناس يُغني عن كثير منهم، فرُبَّ رجل باثنين أو بعشرة أو بمائة أو بألف، وربَّ رجل بأمَّة كاملة، والعبرة في الكيف لا الكم.

ومنها أيضًا أن فضل بصيصِ النور يأتي في ظلمة وحلكة شديدتينِ، فقد كان في إسلام عداس ترطيبٌ لقلب حبيبه صلى الله عليه وسلم؛ حيث جاء في ظرف صعب.

ومن قصة عداس نتعلم حسن الكلام الأدب والتلطف والرأفة امتثالا لقوله تعالى: {وَقولوا لِلنّاسِ حُسنًا وَأَقيمُوا الصَّلاةَ} (البقرة: ٨٣).

رضي الله عن الصحابي عداس النينوي وعن الصحابة الكرام وأمهات المؤمنين وآل البيت الأطهار الطيبين.

* * *

قيم الحياء والحب في ضوء قوله: "فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ"

العناصر:

١- أهمية منظومة القيم السلوكية.

٢- خلق الحياء (العفة والطهارة).

٣- الحياء خلق الإسلام (شواهد وبراهين).

٤- مظاهر الحياء.

٥- ثمرة الحياء.


* * *

١- أهمية منظومة القيم السلوكية:

لقد عني الإسلام بالأخلاق عناية جليلة وفريدة، لما لها من صلة وثيقة وقوية بعقيدة الأمة ومبادئها، فصلاح الأمة بصلاح آدابها وأخلاقها، وإن من أفضل مكارم الأخلاق وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا خُلُقُ الحياء، فبه يتم الدين، وبه يكتمل الإيمان، وهو معيار الأخلاق الحسنة وعلامتها؛ بل هو رأس مكارم الأخلاق، فعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ» [سنن ابن ماجة]. وعن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها ) قالت: ( رأس مكارم الأخلاق الحياء) (مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا).

٢- خلق الحياء (العفة والطهارة):

والحياء رمز العفة والطهارة الذي تحلّى به النبي -صلى الله عليه وسلم- لقد وصف بقدر من الحياء لم يوصف به غيره، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ" (متفق عليه). فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- حييًّا أعظم ما يكون الحياء، لا يجابه أحدًا بما يكره، فكان في هذا الأسوة، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}(الأحزاب: ٥٣ ).

وعند المعراج يتجلى حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه ومحبته لأمته عندما ظل ﷺ بين ربه و سيدنا موسى في فرض الصلاة خمسين صلاة إلى أن جعلها ربنا خمسًا في اليوم والليلة، فأعلنها الجناب المكرم ﷺ فقَالَ في المرة الأخيرة بين ربه وموسى: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي"(متفق عليه).

إن خلق الحياء يحبه الله (عز وجل) ويرضاه لعباده الصالحين، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رضي الله عنهما) أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِلأَشَجِّ الْعَصَرِيِّ: "إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمَ، وَالْحَيَاءَ"، بل إن الحياء يرتبط بالإيمان، فإذا غاب الحياء غاب الإيمان، ففي الحديث عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ" (المستدرك على الصحيحين للحاكم). فينهما تفاعل مستمر وعطاء دائم، يجتمعان ولا يفترقان، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر.

٣- الحياء خلق الإسلام (شواهد وبراهين):

وإذا كان لكل دين علامة تميزه فإن الحياء خلق الإسلام وأداة تميزه، بل يمثل منه الركن الركين ، لأن الإيمان وعاء الحياء وفلكه الذي يدور فيه، ولا يتصور إلا به، فهو شعبة من شعبه وفرع من فروعه، وسبيل من سبله المفتوحة إلى رضوان الله تعالى ونعيمه، يتجلّى ذلك فيما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الحياء شعبة من الإيمان، فعن أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) (متفق عليه).

فالحياء جامع لكل خصال الخير، يدفع الإنسان إلى فعل المحاسن ويبعده عن القبائح، ما اتصف به مسلمٌ إلا حاز الخير الكثير، وابتعد به عن الشر المستطير، ونال به الثواب العظيم، فعن عِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: : «‌الْحَيَاءُ ‌لَا ‌يَأْتِي ‌إِلَّا ‌بِخَيْرٍ»، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: "إِنَّهُ مَكْتُوبٌ في الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا وَمِنْهُ سَكِينَةً[أخرجه البخاري في صحيحه]. .

والحياء صفة جليلة اتصف بها الخالق سبحانه وتعالى، فمن صفاته تعالى أنه حييٌّ، ففي الحديث: «‌إِنَّ ‌رَبَّكُمْ ‌حَيِيٌّ ‌كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ، فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا، - أَوْ قَالَ: خَائِبَتَيْنِ»[أخرجه أبو داود في سننه] .

والحياء يكون من الله (تعالى) ومن النفس، ومن الناس.

فالحياء من الله تعالى أعلى درجات الحياء، فيستحي العبد من ربه أن يجده حيث نهاه، وهذا الحياء الذي بين العبد وربه قد بينه الحديث: "اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ" قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ"(سنن الترمذي).

ولهذا أمرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتَّسَتُّرِ ولو كنا في خلوة حياءً من الله تعالى، فعن بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَوْرَاتُنَا، مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ ؟ قَالَ: "احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ:" إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ تُرِيَهَا أَحَدًا فَلاَ تُرِيَنَّهَا"، قُلْتُ: يَارَسُولَ اللهِ فَإِنْ كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا ؟ قَالَ:" فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ" (سنن أبي داود).

وأما الحياء من الناس: فهو من مكارم الأخلاق كذلك، فحياء الإنسانَ من الناسِ يمنعه من أن تقع أعينهم على ما يعيبونه عليه، ويكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح، رُوِيَ أَنَّ   حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ -رضي الله عنه- أَتَى الْجُمُعَةَ مُتَأخرًا َفوَجَدَ النَّاسَ قَدْ انْصَرَفُوا فَتَنكَبَّ الطَّرِيقَ (أي اجتنبه) عَنْ النَّاسِ، وَقَالَ: "لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَسْتَحِي مِنْ النَّاسِ". [أدب الدنيا والدين الماوردي]

وأما حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحيى من نفسه فهو أولى أن يستحيي من غيره.

٤- مظاهر الحياء:

أما عن مظاهر الحياء فمنها: أنْ يُطهِّر المسلم لسانه من الفحش والرذيلة فـ (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) (صحيح البخاري). والحياء مستحبٌ في كل ما يصدر عن الإنسان من قول أو عمل. ومن الحياء التعفف عن قول ما لا يليق، ولنا عبرة فيما كان يصنعه النبي -صلى الله عليه وسلم- حين يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا " (شرح مشكل الآثار للطحاوي)، وكان يكني عن أشياء كثيرة، فلْنتأسَ به -صلى الله عليه وسلم- ولنتخلق بأخلاق الإسلام حتى نعالج هذه السلبيات التي انتشرت في المجتمع، فلقد صرنا نسمع قبيحًا من القول، وصرنا نرى من يجاهر بالمعاصي دون وازع من إيمان أو رادعٍ من حياء.

ومن مظاهر الحياء أيضًا: أن يتوقى الإنسان ويتحاشى كلّ ما يجلب له السوء من موارد الشبه ومواطن الشائعات، فمن الحياء أن يحرص المسلم على سمعته، فلا يقول أو يفعل ما يلوث سمعته، ويعرضه للسخرية والأقاويل المغرضة، قال الْأَصْمَعِيُّ (رحمه الله): سَمِعْت أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ"

وكذلك من مظاهر الحياء: محافظة المرأة المسلمة على كرامتها وحشمتها، ومراقبة ربها، وحفظها حقَ زوجها، والبعد عن مسالك الريبة ومواطن الرذيلة، فحياء المرأة هو سياجها وحصنها وحماها الذي تحمي به شرفها، وتصون به عرضها، وتحفظ به سمعتها، لذا دعا الإسلام إلى رعايته وتنميته، وجعله من أَجَلِّ النعم التي تنعم بها المؤمنات المقربات، وتتحلى به عَقيلات الأسر، وعريقات الأصول، يلتزمنه ويتخذنه سننًا وطريقًا يمشين عليه، قال تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[القصص:٢٥].

إن الحياء من أجمل ما تتزين به المرأة، ومن حياء المرأة غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة لغير المحارم، وهذا ما أمر به القرآن الكريم حيث قال:{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:٣١]. ففي هذه الآية الكريمة جماع العفة والطهارة والنقاء والحياء والعفاف للمرأة المسلمة

ومن تمام حياء المرأة المسلمة: عدم خضوعها في القول حتى لا يطمع فيها أصحاب القلوب المريضة، وأن تلتزم في حديثها بالقول المعروف الذي يؤدي الغرض المطلوب، قولا جميلا حسنا معروفا في الخير،كما أمر الله نساء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأمهات المؤمنين في قوله تعالى: " يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا "( الأحزاب: ٣٢).


٥- ثمرة الحياء:

من أعظم فضائل الحياء أنه يفضي بأصحابه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنْ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ) (سنن ابن ماجه). والبذاء ضد الحياء، فهو جرأة في فُحشٍ، والجفاء ضد البر.

كذلك من فضائل الحياء أنه يفتح أبواب الخير، ويمنع أبواب الشر، فالحياء يدل على كمال عقل صاحبه، فمتى وجد في الإنسان الحياء وجد فيه الخير كله، ومتى فارقه الحياء قادته نفسه وشيطانه إلى الهلاك المحتوم، ومن يتدبر أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم-: في الحياء، حيث قال: " الْحَيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرِ " ( صحيح البخاري)، وقال: "والْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ، أَوْ قَالَ: الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ" (صحيح مسلم). يجدها تعطينا خلقًا كريمًا وسلوكًا حضاريًّا تنعم خلاله المجتمعات بالأمن والاستقرار، وينعم تحت ظلاله الشعوب بالطمأنينة والأمن النفسي الذي يحملهم على أن يكونوا من حملة راية التنمية والتقدم والازدهار لهذا الوطن.

أما ضعف الحياء في نفوس الناس فيؤدي إلى انتهاك الحرمات، والخوض في أعراض الناس وأنسابهم، فكم من كلمة أوقعت صاحبها في الإثم ؟! وكم من نظرة محرمة أردت صاحبها ؟!، وهي مقدمة لفعل الفواحش، من أجل ذلك سد الإسلام الباب المؤدي إلى الزنا، فقال تعالى:" {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: ٣٢ ).

إن الحياء خلق رفيع يمنع الإنسان عن الاتصاف بالأخلاق الوضيعة، وعن السمعة المشينة، وعن الأقوال الفاحشة، وعن كل ما لا يرضاه الطبع السوي. فإنَّ المرء إذا فقده فعل ما شاء من معاصٍ أو آثام أو سوء خلق، ولم يخشَ في ذلك لوم لائم.

والذي هبط بالناس إلى هذا المستوى المذموم هو ذهاب الحياء من الله عز وجل، كما في صحيح البخاري من حديث أبي مسعود أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت )؛ فمن لم يستحِ صنع ما شاء، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياءٌ انغمس في الفواحش والمنكرات. والمرء حينما يفقد حياءه يتدرج في المعاصي من سيئ إلى أسوأ، ومن رذيلة إلى أرذل، ولا يزال يهوي حتى ينحدر إلى الدرك الأسفل.


* * *

قيم ورسالة إلى صناع الحضارة قيم الإحسان والإتقان، دليل التمايز الصناعي لنرقى بين الأمم

العناصر


١- دعوة الإسلام إلى الإحسان والإتقان.

٢- العمل بإتقان عبادة.

٣- صنع الله الذي أتقن كل شيء

٤- الإتقان منهج نبوي يسري في كل نواحي الحياة.

* * *

١- دعوة الإسلام إلى الإحسان والإتقان ونظرة في مفهومهما:

الإسلام دين الإتقان، يدعو إليه، وبه يتميز، حيث جعله الإسلام من وجوه القرب إلى الله (عز وجل)، فكل عمل يقوم به المسلم إذا أخلص فيه لله تعالى وأتقنه وقصد به النفع لغيره فهو من باب العبودية والطاعة لله (عز وجل)، واعتبار العمل عبادة وقربى لله تعالى من أعظم الدوافع لبذل الجهد في إتقانه وإخراجه على الوجه الأكمل.

وقد فرق كثير من أهل العلم بين الإحسان والإتقان، فالإتقان هو إتمام الأركان على الوجه المطلوب واستفراغ الوسع في إتمام العمل وفق شروط العمل وأصول الأداء، أما الإحسان فيشمل ذلك وزيادة، وهو أن يكون الباعث والدافع الأساسي على هذا الإتقان مراقبة الله عز وجل له، والحياء من نظر الله تعالى إليه، وطلب الأجر منه، أما الفؤائد الدنيوية فتأتي تبعًا وليست هي الأصل في الإتقان والتجويد، فالإحسان عند المسلم هو الإتقان وزيادة، أما عند غير المسلم فهو الإتقان وحده.

٢- إتقان العمل عبادة وقربة:

وقد أمر الله (عز وجل) عباده بالعمل في أمور الدنيا والدين، وأعلَمهم أن عملهم سوف يُرى، قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[التوبة: ١٠٥]، ففيه تحذير من التقصير وترك الإتقان لأن كون عملهم بمرأى من الله إنما يبعث ذلك على الإتقان والتحسين وذلك تذكير لهم باطلاع الله تعالى بعلمه على جميع الكائنات، وهذا ما أكدّه النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيان الإحْسَانِ حيث قَالَ: (أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ) (متفق عليه).

والإتقان صفة من صفات الله (عز وجل)، وهو سبحانه يحب من خلقه من يتحلى بشيء من صفاته، قال ابن القيم في عدة الصابرين: والله تعالى يحبُّ أسماءه وصفاته، ويحب مقتضى صفاته، وظهور آثارها على العبد، فإنه جميل يحب الجمال، عفوٌ يحب أهل العفو، كريمٌ يحب أهل الكرم، عليمٌ يحب أهل العلم، وِتْرٌ يحب الوتر، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، فإذا كان (سبحانه) يحبُّ المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف.

٣- صنع الله الذي أتقن كل شيء:

والإتقان ظاهر في جميع مخلوقات الله (عز وجل)، قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل:٨٨]، وترى الجبال تظنها واقفة مستقرة، وهي تسير سيرًا حثيثًا كسير السحاب الذي تسيِّره الرياح، وهذا مِن صنع الله الذي أحسن كل شيء خلقه وأتقنه. إن الله خبير بما يفعل عباده من خير وشر، وسيجازيهم على ذلك.

وقال تعالى متحدثًا عن إتقانه وإبداعه في خلق الإنسان: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ}[السجدة: ٧] فأحسنه وجوّده وأتقنه، وجعله بديعًا في هيئته ووظيفته على حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى، وكذلك الحال في ملكوت السموات والأرض، يتجلى فيها إتقان الله (عز وجل) فلو بحث الباحث المدقق عن خلل فيها ما وجد{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك: ٣]، وقد أمر الله تعالى عباده بالإحسان في أعمالهم، وأحب ذلك منهم، فقال تعالى:{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة١٩٥]،هذا الإحسان هو الإتقان والإحكام.

٤- الإتقان منهج نبوي يسري في كل نواحي الحياة:

وجاءت توجيهات النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- لأمته بالإتقان في كل مناحي الحياة، فعَنْ عَائِشَةَ (رضى الله عنها)، أَنّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ) (سنن البيهقي)، فقوله (عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ) النكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فالله (سبحانه وتعالى) يحب المؤمن المتقن في جميع أحواله وأعماله.

كما أن الله تعالى كتب الإحسان في كل شيء، فكتب الإحسان والإتقان في تكفين الموتى يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ» أي: ينظفه ويعطره ليختر أنظف الثياب وأجودها وهذا كله من مقتضيات الإتقان، وفي حفر القبر ودفن الموتى يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإتقان، فعن عاصم بن كليب عن أبيه قال: شَهدت مَعَ أَبِي جَنَازَة شَهِدَهَا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا غُلاَمٌ أَعْقِلُ وَأَفْهَمُ، فَانتُهي بِالْجَنَازَةِ إِلَى الْقَبْرِ وَلَمْ يمكَّن لَهَا، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (سَوّوا لَحْدَ هَذَا).حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ سُنَّة، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِم فَقَالَ:(أَمَا إِنَّ هَذَا لاَ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَلاَ يَضُرُّهُ، وَلَكِنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنَ الْعَامِلِ إِذَا عَمِلَ أَنْ يُحْسِن) (سنن البيهقي).

وفي العبادات بأنواعها فقد جاء الشرع بإتقانها وإتمامها، ففي مشروعية الأذان يتجلى الإتقان والإحسان وأثره في تقديم الكفاءات، فقد كان الأذان رُؤيَا لعَبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ الأنصاري ثم وكّل النبي (صلى الله عليه وسلم ) بلالًا به لما كان يتمتع به من مقومات تجعل آذانه أتقن وأجود، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «فَقُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيهِ مَا رَأَيتَ؛ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ فَإِنَّهُ أَندَى صَوتًا مِنكَ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). وفي الوضوء يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ» (رواه مسلم).

وفي الطهارة والنظافة المندوبة يوم الجمعة يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَحْسَنَ غُسْلَهُ وَتَطَهَّرَ فَأَحْسَنَ طُهُورَهُ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَلْغُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» (متفق عليه)، فترتب الأجر الجزيل والثواب العظيم على الإتقان والإحسان وليس على مطلق العمل.

وفي الصلاة وإتقانها يقول تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة:٤٣] فعبر بلفظ الإقامة دون الأداء؛ لأنه يتضمن الإتقان والإحسان والإتمام، وعلى هذه الإقامة بهذه الصفة يترتب الأجر الجزيل، ويتحصل المسلم على ثمرات الصلاة المرجوة منها بحول الله. أما العمل بلا إتقان فهو مردود على صاحبه، فعن أَبي هريرة -رضي الله عنه- في حديثِ المسيء صلاته: أنّه جَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ) (متفقٌ عَلَيْهِ).

ومن مجالات الإتقان الدنيوية: الإتقان في البناء، وقد ذكر الله (عز وجل) أعظم بناء على وجه الأرض (سد يأجوج ومأجوج)،وكيف أنه كان في تمام الغاية من الإحكام والإتقان الذي ترتب عليه حفظ البشرية من ويلات يأجوج ومأجوج، قال تعالي: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}[الكهف: ٩٦]، {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} قطع الحديد، ثم اجعلوا بعضها فوق بعض{حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} بين الجبلين {قَالَ انْفُخُوا} وأوقدوا النيران وهاتوا المنافخ، حتى إذا جعله نارًا لتصهر هذه القطع المنفصلة، فتلتحم وتصير قطعة واحدة {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} أي: النحاس المذاب، لتكون سبيكة من الحديد والنحاس غير قابلة للاختراق، فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجل منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم. فلو قيل ما هو أنفع بنيان في العالم، كان الجواب هو سد ذي القرنين، لأنه لو لم يكن موجودًا لخرجوا على الناس وأفسدوا الدنيا.

وفي بناء المسجد النبوي جاء في حديث طلق بن علي -رضي الله عنه- قال: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابُهُ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ عَمَلُهُمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُ عَمَلَهُمْ أَخَذْتُ أُحْذِقُ الْمِسْحَاةَ (الفأس) فَخَلَطْتُ بِهَا الطِّينَ، فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ أَخْذِي الْمِسْحَاةَ وَعَمَلِي، فَقَالَ: «دَعُوا الْحَنَفِيَّ وَالطِّينَ، فَإِنَّهُ أَضْبَطُكُمْ لِلطِّينِ» (صحيح ابن حبان).

* * *

من قيم التعايش(دور الحوار الراقي في صناعة الحضارة) أمانة تقديم النصيحة وتقديم الخبرات والتجارب في ضوء حادثة نصيحة موسى عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم بشأن الصلاة

أولًا: العناصر.

١- أهمية النصيحة في ضوء رحلة المعراج.

٢- الخبرات والتجارب ودورها في النصيحة.

 ٣- العبرة والدروس المستفادة من القصة.

ثانيًا: الأدلة من الكتاب والسنة.

  يقول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[سورة الإسراء، الآية:١]

ويقول النبي-صلى الله عليه وسلم: «فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاَةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي» [صحيح البخاري]

 ويقول صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [صحيح البخاري].

 ثالثًا: الموضوع:

١- أهمية النصيحة في ضوء رحلة المعراج.

في حادثة المعراج، نجد مثالًا حيًا على أمانة النصيحة وأهمية تقديم الخبرات والتجارب، وذلك من خلال النصيحة التي قدمها نبي الله موسى عليه السلام للجناب المعظم صلى الله عليه وسلم بشأن الصلاة، فحين فُرضت الصلاة على المسلمين وكانت خمسين صلاة في اليوم، كان موسى عليه السلام، الذي مر بتجربة مشابهة مع بني إسرائيل، يدرك صعوبة تحمل الأمة لهذا العبء، فبناءً على خبرته، نصح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى ربه وطلب التخفيف، وجاء في الحديث يقول النبي-صلى الله عليه وسلم: «فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاَةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي» [صحيح البخاري] فنصيحة سيدنا موسى كانت محورية في تعديل فرض الصلاة وتخفيف عددها إلى خمس صلوات يوميًا.

٢- الخبرات والتجارب ودورها في النصيحة.

 تُظهر هذه الحادثة في جوهرها قيمة النصيحة في الإسلام، حيث كان موسى عليه السلام يقدم نصيحة صادقة استنادًا إلى خبراته وتجارب الماضي، وكانت هذه النصيحة تهدف إلى تخفيف العبء عن الأمة، تُبرز القصة أيضًا أهمية التعاون بين الأنبياء في تقديم النصح، فكل منهم كان يسعى إلى مصلحة الأمة الإسلامية.

عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»  [صحيح البخاري].

٣- العبرة والدروس المستفادة من القصة.

 هذه الواقعة تحمل العديد من الدروس، منها أهمية استخدام التجارب السابقة في اتخاذ القرارات الصائبة، وضرورة أن يكون الإنسان متواضعًا ويستعين بأصحاب الخبرات في المواقف الصعبة.

وعليه، فإنَّ النصيحة الصادقة في الإسلام ليست مجرد كلمات، بل هي أداة تساهم في تحقيق الخير العام، فموسى عليه السلام في نصيحته كان يقدم خبراته للمساعدة في تجاوز تحديات صعبة، وفي النهاية، تكشف هذه الحادثة عن أن أمانة النصيحة تتطلب الإخلاص والمصلحة العامة، وتبين أن الاستفادة من التجارب السابقة يمكن أن تكون خير وسيلة للتخفيف من الأعباء والضغوط.

الخاتمة.

 تظهر حادثة المعراج وأمانة النصيحة من سيدنا موسى عليه السلام دروسًا هامة في تقديم المشورة الصادقة والواعية، وتبرز أهمية التواضع في طلب النصيحة من الآخرين، لا سيما عندما تتعلق الأمور بمصلحة الأمة، كذلك يُظهر الموقف التعاون بين الأنبياء في سبيل مصلحة الأمة، وتوضيح أن كل واحد منهم كان يسعى لتحقيق الخير العام للأمة، بما في ذلك من خلال نقل الخبرات والتجارب السابقة.

* * *

من قيم صناعة الحضارة قيم التعاون والتكافل وتحقيق الوحدة ونبذ الفرقة من دلالة اصطفاف الأنبياء خلف النبي (ﷺ)

العناصر:

١ـ مدخل في دلالة اصطفاف الأنبياء خلف النبي (ﷺ).

٢ـ أهمية قيمة التعاون ونبذ الفرقة.

٣ـ التكافل الاجتماعي من تجليات التعايش الوقتي بين الانبياء في المسجد الأقصى.

٤- رمزية المسجد الأقصى.

* * *

١ـ مدخل في ملمح اصطفاف الأنبياء خلف النبي (ﷺ):

جاء في مسند أحمد عن ابن عباس في حديث الإسراء:"فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ"، وفي أحاديث أخر تدل على احتفاء الأنبياء بسيدنا محمد وكل منهم قال خطبة بين يديه ترحيبًا به ﷺ.

وأبرز ما في هذا الحديث هو "الاصطفاف خلف النبي ﷺ إذ تتجلى فيه دلائل التأكيد على التواصل وأن كل الرسالات قد اجتمعت في مشكاة النبوة الخاتمة، بإعلان الأنبياء عليهم السلام الإيمان به ﷺ وما يعكسه هذا الاصطفاف من أن الله ختم به الرسالات، فجعله آخرهم وأولاهم ﷺ.

ويشبه هذا الاصطفاف اجتماع الرسول ﷺ بإخوانه من رسل الله وأنبيائه في السماوات وما في ذلك من التأكيد على وحدة الرسالة التي أُرسلوا بها جميعًا إلى أهل الأرض، وأن الدين المرضي عند الله هو دين الإسلام، وأن جميع الأنبياء جاءوا بعبادة الواحد سبحانه وتعالى.

٢ـ أهمية قيمة التعاون ونبذ الفرقة:

يعكس الاصطفاف قيمة التعاون، وقد بلغت الإنسانية والتعاون والمحبة غايتها في المجتمع المدني الجديد، الذي استطاع خلال فترة قصيرة القضاء على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي صادفت المهاجرين حين وصولهم إليها فقراء بلا مال، فقد صادرت قريش أموالهم عقب هـجرتهم، ووصف الله لنا هـذا المجتمع الذي نشأ على الأخوة والتكافل والتراحم قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: ٢]

وجاء التعبير عن التعاون بالاعتصام وما في ذلك من بركة ومدد قال تعالى أيضًا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: ١٠٣].

فأمتنا أمة لها قيم عليا، تجعلها توصف بالوحدة والتماسك ويأتي في مقدمة هذه القيم "قيمة التعاون والعمل الجماعي والتشابك المؤسسي" في ظل بركة الاعتصام بحبل الله، والتوكل عليه، وهذا ما أرشدنا إليه اصطفاف الأنبياء خلف سيدنا ومولانا محمد ﷺ.

وفي المقابل فإن لهذه القيمة بُعد اجتماعي يسري بين أفراد المجتمع يرفض التفرق والبغض والتناحر والتمزق الذي حذر منه الجناب المكرم ﷺ فعن الزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (سنن الترمذي).

وبهذا يتضح جليًا قيمة التعاون وما تتجلى فيها من نبذ الفرقة والتشرذم بين الجميع.

٣ـ التكافل الاجتماعي من تجليات التعايش الوقتي بين الانبياء في المسجد الأقصى:

بناء على الاصطفاف في تلك اللحظة اللطيفة قدمت الأمة الإسلامية أبرع النماذج في التكافل الاجتماعي عبر تاريخها، باحتوائها للتنوع الديني والثقافي واللساني والاجتماعي، فالتاريخ يشهد بما قدمته الحضارة الإسلامية في المشافي والأوقاف الإسلامية من دعم للناس وحاجتهم بغض النظر انتمائتهم الدينية والعرقية، والدليل عليه ترسخ مفهوم المواطنة بين أبناء الوطن، فتلكم رسالة الأقصى والتي طبقت عمليًا عندما اجتمع نبينا الخاتم ﷺ بأخويه موسى وعيسى، وكانا ممن اصطف من خلفه ﷺ.

٤- رمزية المسجد الأقصى:

إن هذا التجمع الفريد في بابه تحقق فيه شرف الزمان والمكان، فتلك الرمزية المقدسة للمسجد الأقصى أن يكون مكان التلاقي الثاني للبيعة النبوية، بعد التلاقي في عالم الذر، فأمانة المسجد الأقصى قد انتقلت بموجب تلك الإمامة النبوية زمانيًا ومكانيًا إلى الجناب المعظم ﷺ وإلى أمته من بعده لتكون تلك الأرض المباركة عنوانًا لأمانة الرسالة الخاتمة المتواصلة مع جميع الأنبياء والمرسلين، ويدل على ذلك هذا الحديث الشريف: «لا يُؤَمُّ الرَّجلُ في سلطانِهِ ولا يُجلَسُ على تَكرِمتِهِ في بيتِهِ إلَّا بإذنِهِ» [سنن الترمذي] فصار المسجد الأقصى يتبع سلطان المسلمين.

وختامًا:

فإن تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة وإعلاء قيم التعاون والتكافل ليس مجرد كلام، بل هو ضرورة تفرضها التحديات المعاصرة التي نواجهها في مجتمعنا المعاصر. وهي لا تعني إلغاء التنوع بكل أنواعه، بل تعني استثماره بطريقة إيجابية تعزز القوة والانتماء للوطن.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق المصلحين من العلماء والمثقفين والقادة في مختلف مواقعهم للعمل على تقريب وجهات النظر، وتعزيز ثقافة الحوار، وبناء جسور التفاهم التي تسهم في تحقيق التعاون على أرض الواقع.

* * *

موضوعات ذات صلة

تُعَدُّ قبة الصخرة من أبرز المعالم الإسلامية في مدينة القدس، وأحد أقدم النماذج المعمارية الإسلامية الباقية حتى اليوم

لقد كانت مُعجزة الإسراء والمعراج مصدر إلهام لكثيرٍ من الشعراء الذين حولوها إلى تجربة جمالية تنبض بالحياة، وتُجدد الإيمان في القلوب.

تُجسِّد معجزة الإسراء والمعراج ذروة التقاء الغيب بالعقل؛ حيث تتلاشى حدود الزمان والمكان أمام القدرة الإلهية،