إنَّ استخدامَ "مَا" الـمَوصولةِ في قولهِ: {مَآ أَوۡحَىٰ} [النجم: ١٠]، يَحملُ في طيَّاتِهِ سِرّاً بَلاغياً ومَعرفياً بَاهراً؛ وهو "الإبهامُ لِغَرَضِ التفخيمِ"، وكأنَّ ما أَوْحاهُ اللهُ لـنبيِّهِ في تلكَ اللَّحظةِ لا تَسعهُ لُغاتُ البشرِ، ولا تَحملهُ صُحفُ الأوراقِ، ذكره الثعلبي والقشيري.
وقيل: أوحى الله إليه: خصصتك بحوض الكوثر، فكل أهل الجنة أضيافك بالماء، ولهم الخمر واللبن والعسل. [المواهب: ٤٨٩]
ولبعض أهل الإشارات: كأن الله تعالى قال له: يا محمد، قد أعطيتك نورا تنظر به جمالي، وسمعا تسمع به كلامي، يا محمد، إني أعرفك بلسان الحال معنى عروجك إلى، يا محمد، أرسلتك إلى الناس شاهدا ومبشرا ونذيرا، والشاهد مطالب بحقيقة ما يشهد به، فأريك جنتي لتشاهد ما أعددت فيها لأوليائي، وأريك ناري لتشاهد ما أعددت فيها لأعدائي، ثم أشهدك جلالي، وأكشف لك جمالى لتعلم أنى منزه في كمالي عن الشبيه والنظير، والوزير والمشير، فرآه- صلى الله عليه وسلم- بالنور الذى قواه من غير إدراك ولا إحاطة فردا صمدا، لا في شيء، ولا من شىء، ولا قائما بشيء، ولا على شيء، ولا مفتقرا إلى شيء، ليس كمثله شيء ، فلما كلمه شفاها، وشاهده كفاحا، فقيل له: يا محمد لا بد لهذه الخلوة من سر لا يذاع ورمز لا يشاع، فأوحى إلى عبده ما أوحى، فكان سرًّا من سر، لم يقف عليه ملك مقرب ولا نبى مرسل، وأنشد لسان الحال:
بين المحبين سر ليس يفشيه ... قول ولا قلم فى الكون يحكيه
سر يمازجه أنس يقابله ... نور تحير فى بحر من التيه.
ويَروي الإمامُ الطبريُّ والبغويُّ وغيرهما في التفسير مَجموعةً منَ الأقوالِ في حقيقةِ هذا الوحيِ، فمنهم مَن قالَ إنَّها "خواتيمُ سورةِ البقرةِ"، ومنهم مَن قالَ إنَّها "البُشرى بالشفاعةِ"، ومنهم مَن قالَ إنَّها "الصلاةُ". ولكنَّ التحقيقَ الرصينَ يَذهبُ إلى أنَّ {فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ} [النجم: ١٠]، تَشملُ "أسرارَ التوحيدِ" و"حقائقَ الـمَلَكوتِ" التي لا يُؤذَنُ بـإفشائها لِغَيرِ الـمُصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - في قولهِ: {فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ} [النجم: ١٠]، قال: "أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَدْخُلَهَا، وَعَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتُكَ" [انظر: المواهب اللدنية، ج٢، ص٤٩١]، إنَّ هذا الاحتفاءَ بالأمةِ في حَضرةِ القدسِ هو أسمى مَظاهرِ التكريمِ لِصاحبِ الذكرى - صلى الله عليه وسلم -.