Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

معجزة الإسراء والمعراج وفلسفة الإيمان بما فوق العقل

الكاتب

هيئة التحرير

معجزة الإسراء والمعراج وفلسفة الإيمان بما فوق العقل

تُمثلُ معجزةُ الإسراءِ والمِعراجِ المَحطَّةَ الفارقةَ في اختبارِ اليقينِ البشريِّ، فهي لم تَكنْ مجردَ رِحلةٍ مَكانيَّةٍ أو زمانيَّةٍ، بل كانت إعلاناً لسيادةِ "الغيبِ" على "المادةِ"، وتأسيساً لـمَنطقِ "ما فوقَ العقلِ" لا "ما يُصادمُ العقلَ"، إنَّ المتأملَ في صُدورِ السورِ القرآنيةِ يجدُ أنَّ القرآنَ الكريمَ وَضعَ أُطراً رئيسيةً لِبناءِ الشخصيةِ المؤمنةِ، تَنطلقُ من التسليمِ بـالـمُعجزةِ كجزءٍ أصيلٍ من المنظومةِ الغيبيةِ.

الإطارُ الأوَّلُ: ﴿الـمٓ﴾ الإيمانُ بـما فوقَ الإدراكِ البشريِّ

افتتحَ اللهُ تَعالى كتابَهُ العزيزَ بـالحروفِ الـمُقطعةِ {الٓمٓ} [البقرة: ١]  ، وهي في مَنظورِ المحققينَ من أهلِ التفسيرِ إشارةٌ إلى "عجزِ العقلِ" عن الإحاطةِ بكلِّ أسرارِ الوحيِ، فذهب كثير منهم إلى أنها من المتشابهات التي استأثر الله -عز وجل- بعلمها، فنحن نؤمن بتنزيلها ونكل إلى الله -عز وجل- تأويلها [جامع البيان" للطبري ١/ ٩٣، "الوسيط" للواحدي ١/ ٧٥، "معالم التنزيل" للبغوي ١/ ٥٨، "المحرر الوجيز" لابن عطية ١/ ٨٢، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١/ ١٣٤، "مفاتيح الغيب" للرازي ٣/ ٢، "البحر المحيط" لأبي حيان ١/ ١٥٨.] ، قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: لله -عز وجل- في كل كتاب سرّ، وسرُّ الله في القرآن أوائل السور[معالم التنزيل" للبغوي ١/ ٥٨، "لباب التأويل" للخازن ١/ ٢٦، ١/ ١٣٣ - ١٣٤، "مفاتيح الغيب" للرازي ٢/ ٣] إنَّ هذه الحروفَ تُربي في المؤمنِ مَقامَ "التواضعِ المعرفيِّ"؛ فالعقلُ أداةٌ لِفهمِ الخِطابِ، لكنه ليس مِقياساً لِحقيقةِ الغيبِ.

فإذا كانت {الٓمٓ} قد أَعجزتْ فُصحاءَ العربِ بـبنيتِها، فإنَّ رحلة الإسراءَ قد أَعجزَ عقولَهم بـسرعتهِا. وكما يذكرُ الإمامُ الفخرُ الرازيُّ في "تفسيره"، فإنَّ الحكمةَ من الـمُعجزاتِ التي تخرقُ المألوفَ هي نَقْلُ الإنسانِ من مَحدوديةِ "عالمِ الشهادةِ" إلى رَحابةِ "عالمِ الغيبِ"، لِيُدركَ أنَّ قدرةَ الخالقِ لا تُقاسُ بقوانينِ الـمخلوقِ [انظر: التفسير الكبير، ج١، ص٧٥ وما بعدها].

الإطارُ الثاني: {ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِ} اليقينُ مَصدرُ التلقي

جاءَ الإطارُ الثاني لِيؤكدَ أصالةَ المَصدرِ: {ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِ} [البقرة: ٢] . إنَّ نفيَ "الرَّيبِ" هنا ليس مجردَ نفيٍ للشكِّ، بل هو إثباتٌ لليقينِ الـمُطلقِ الذي لا يَخضعُ للتجربةِ الـماديةِ القاصرةِ. فعندما عادَ النبيُّ  - صلى الله عليه وسلم -  من رِحلتهِ وأخبرَ الناسَ، انقسموا إلى مَن غلبَهُ "الرَّيبُ" لِتحكيمِ عقلهِ الـمحدودِ، ومَن غلبَهُ "اليقينُ" لِتحكيمِ إيمانهِ بـمَصدرِ الخَبرِ.

وهنا يبرزُ مَقامُ الصديقيةِ العُظمى في سيّدنا أبي بكرٍ -رضي الله عنه-، الذي لم يَسأل عن "كيفيةِ" الرحلةِ، بل سألَ عن "قائلِ" الخبرِ، فقال كلمتهُ الخالدةَ: "إن كانَ قالَ فقد صَدَقَ". إنَّ مَنطقَ سيدنا أبي بكرٍ الصديق – رضي الله عنه - هو التطبيقُ العمليُّ لقولهِ تعالى: {لَا رَيۡبَۛ فِيهِ}؛ فما دامَ المَصدرُ إلهياً، فإنَّ المعجزةَ تصبحُ حقيقةً واقعةً وإن لم يَستوعبْها الخيالُ البشريُّ.

الإطارُ الثالثُ: {ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ} المعجزةُ كاختبارٍ لليقينِ

إنَّ الركيزةَ الثالثةَ في مطلعِ سورةِ البقرةِ هي قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ} [البقرة: ٣] . وقد وضعَ القرآنُ "الإيمانَ بالغيبِ" كأولِ صفةٍ للمتقينَ قبل "إقامِ الصلاةِ"، لأنَّ الإيمانَ بالمعجزةِ - كالإسراءِ والمِعراجِ - هو جوهرُ الغيبِ.

إنَّ المعجزةَ هي فِعلٌ إلهيٌّ يَخرقُ الأسبابَ لِيُثبتَ وجودَ "الـمُسبِّبِ"، وكما يُؤصِّلُ الإمامُ الغزاليُّ في "المنقذ من الضلال"، فإنَّ الإيمانَ بـما فوقَ العقلِ لا يَعني إلغاءَ العقلِ، بل يَعني رَسْمَ حدودٍ له؛ فالعقلُ كالبصرِ له مَدىً يَنتهي عنده، وما وراءَ ذلك المدى لا يُدركُ إلا بـنورِ الوحيِ [انظر: المنقذ من الضلال، ص ١٤٥ وما بعدها]. فالإسراءُ والمِعراجُ هما مِصداقُ الإيمانِ بالغيبِ الذي يُخرجُ المؤمنَ من ضيقِ "المحسوسِ" إلى سَعَةِ "القدوسِ".

مَنطقُ الإعجاز الإلهي يفوقَ قانون الفيزياءِ البشري

إنَّ مَن يحاولُ إخضاعَ الإسراءِ والمِعراجِ لقوانينِ الفيزياءِ (كالسرعةِ والزمنِ) يقعُ في خطأٍ مَنهجيٍّ؛ لأنَّ الرحلةَ لم تكن بـ "قوةِ النبيِّ  - صلى الله عليه وسلم - الذاتيةِ"، بل كانت بـ "إسراءِ اللهِ – عزوجل- لـه"، والفاعلُ هنا هو اللهُ سبحانه وتعالى، والقاعدةُ الـمنطقيةُ تقول: "إذا نُسبَ الفعلُ إلى القادرِ الـمُطلقِ، سَقُطتْ قوانينُ العجزِ البشريِّ".

وفي هذا المَقامِ، يَروي الإمامُ البخاريُّ في "صحيحهِ" عن مالكِ بنِ صَعصعةَ أنَّ النبيَّ  - صلى الله عليه وسلم - قال: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ... إِذْ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ البَطْنِ، ثُمَّ غُسِلَ القَلْبُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا» [صحيح البخاري: ٣٢٠٧]، إنَّ عمليةَ "مَلءِ القلبِ بالحكمةِ والإيمانِ" هي إعدادٌ لدنيٌّ لِتَحَمُّلِ مَشاهدِ الغيبِ التي لا يَقوى عليها العقلُ الـمجردُ، وهي دلالةٌ على أنَّ الإيمانَ بالمعجزةِ يَحتاجُ إلى "وعاءٍ" قلبيٍّ قبلَ التصور العقلي.

الخلاصة

إنَّ الإسراءَ والمِعراجَ رحلةٌ تُعلمنا أنَّ "الحقيقةَ الغيبية" أكبرُ من "الإدراكِ العقلي". فالمؤمنُ الذي يَقبلُ بـأنَّ اللهَ خلقَ الكون من عَدمٍ (وهو أمرٌ فوقَ العقلِ)، لا يَصعبُ عليه الإيمانُ بـأنَّ اللهَ طَوى لِنبيهِ الزمانَ والمكانَ.

إنَّ المنهجَ القويمَ هو أنَّ العقلَ يَقودنا إلى بابِ الوحيِ، فإذا دَخلنا رِحابَ الوحيِ، تَلقَّينا بالقبولِ والتسليمِ، وكما يذكرُ الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ، فإنَّ الإسراءَ والمِعراجَ جَعلا الغيبَ "مُشاهدةً" لِحضرةِ النبيِّ  - صلى الله عليه وسلم -  لِيَكونَ لـنا في قولهِ الثباتُ واليقينُ [انظر: فتح الباري، ج٧، ص٢٠٤].

فالسلامُ على مَن أُسريَ به لِيَكونَ حُجةً على العقولِ، وبُشرى للقلوبِ، وعُنواناً لِإيمانِ مَن صَدَّقَ بـالغيبِ لِيَنالَ رِضا الربِّ.

موضوعات ذات صلة

الإسراء والمعراج معجزة عظيمة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، حدثت في السنة العاشرة من البعثة

تتجلى مكانة النبي -صلى الله عليه وسلم- في رحلة الإسراء والمعراج من خلال إمامته للأنبياء في المسجد الأقصى

تُعد معجزة الإسراء والمعراج من المحطات الكبرى في تاريخ النبوة، وهي ليست مجرد خرق للقوانين الفيزيائية فحسب